يُمثل العالِم والمؤرخ والمحقق والمترجم الكبير الدكتور أنور لوقا أهمية كبيرة في تاريخ الثقافة المصرية والعربية؛ فهو نموذج رائع لحوار والتقاء الثقافات.
ميلاده ونشأته:
وُلِد في مدينة ملوي بصعيد مصر خلال عام 1927م من أسرة ميسورة الحال ولقد أدخله والده مدرسة “يوسف غطاس”، وهي مدرسة تابعة لمؤسسة الوقف الإسلامية، وفيها تعلَّم قواعد اللغة العربية، وبعدها انتقل إلى المدرسة القبطية الملاصقة للكنيسة القبطية في ملوي، وفيها تعلم بعض قواعد اللغة الإنجليزية. استفاد أنور لوقا من هاتين المدرستين في تكوين مساره الفكري، كما يروي ذلك بنفسه حيث قال: “ولكن ازدواجية مدرسة قرآنية ومدرسة قبطية في صدر أوراقي الدراسية كانت علامة تنبئ بمستقبل مساري الفكري؛ فالنصوص العربية التي تتحدث عن الفتح الإسلامي لمصر بعد قرنين من حصول الأحداث فعليًّا سوف تستوقفني كثيرًا… وسأحظى من خلال ظواهرها المتكررة إلى الأسس لمنهجيتي في تحليل الخطاب”.
وفي تلك الفترة كانت شقيقتاه تدرسان اللغة الفرنسية بمدرسة “الراعي الصالح” التابعة للكنيسة الكاثوليكية واهتمتا أن تعلماه بعض قواعدها، ومن هنا استطاع أنور لوقا في سن مبكرة نسبيًّا أن يتقن اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، مما ساعده على القيام بمهمته في عمل جسور بين الثقافات والحضارات. ثم حصل على شهادة الابتدائية خلال عام 1939م. وفي نفس الوقت أُتِيحت له الفرصة لتعلم وإتقان اللغة الفرنسية، فغادر ملوي وتوجه إلى مدينة القاهرة، وهناك التحق بإحدى المدارس التي تُعلِّم اللغة الفرنسية، وقد اكتشف خلال هذه الفترة مواهبه الأدبية، فنشر العديد من المقالات الأدبية بمجلة المدرسة التي اشترك في تحريرها بعض من رموز الفكر والثقافة العظام فيما بعد، نذكر منهم “الشاعر محمود غنيم (1902-1972م) والدكتور زكي نجيب محمود (1905–1993م).
ونظرًا لميوله الأدبية الواضحة، قرر الالتحاق بكلية الآداب قسم اللغة الفرنسية عام 1945م، وتخرج فيها عام 1949م. وفي عام 1949م، أتيحت له فرصة ذهبية للقاء عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين (1889-1973م) عندما قرأ أنور لوقا ترجمة طه حسين لرائعة الشاعر الفرنسي راسين jean Rcine (1639-1699م) أندروماك، فانبهر بها جدًّا، وعقد مقارنةً بين الأصل الفرنسي وترجمة العميد، وبُهر كيف استطاع الدكتور طه حسين أن يحول أشعار راسين إلى نثر عربي جميل بمثل هذه البراعة. وبعدها قرر أنور لوقا أن يترجم مسرحية “بيرنيس” لراسين أيضًا بنفس الطريقة، ووضع لها مقدمة طويلة، بعد ما عرضها على الدكتور طه حسين، وقد وصف نور لوقا لقاءه بطه حسين بقوله: “لا أستطع أن أروي ذلك الانبهار الذي أحسست به عندما رأيته وتلك الصرامة والدقة والإحساس بالنهضة والافتخار الذي ملأ على أقطار نفسي”. وفي نهاية الجلسة طلب أنور لوقا من طه حسين أن يسجل رسالة الماجستير في موضوع عن رحلة رفاعة الطهطاوي (1801-1873م) إلى باريس، فوافق العميد على هذا الاختيار، وزاد على ذلك بأن طلب منه أن يعقد دراسة مقارنة بين رحلة الطهطاوي إلى باريس، ورحلة “جيرار دونرفال” إلى مصر خلال نفس الفترة. وبعدها عُيِّن طه حسين وزيرًا للمعارف، كما صدر له كتاب “الوعد الحق”، فقام أنور لوقا بعمل عرض للكتاب في مجلة فرنسية، وعندما قرأ طه حسين العرض أُعجِب به جدًّا، فاستدعاه وقال له: “من كان له أسلوبك ينبغي أن يذهب إلى فرنسا”.
وبالفعل سافر أنور لوقا إلى فرنسا والتحق بجامعة السوربون، وهناك تتلمذ على يد العلامة “جان ماري كاريه Jean Marie Carre” من رواد دراسات علم الأدب المقارَن. وأشرف على رسالة الدكتوراه وموضوعها “كُتَّاب ورحالة فرنسيون في فرنسا في القرن التاسع عشر”، وحصل أنور لوقا على درجة الدكتوراه عام 1957م. ولم يكتفِ بذلك بل أعدَّ دراسةً تكميلية لها بعنوان “دراسة تأصيلية للنص الطهطاوي: تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، ثم عُيِّن في جامعة ليون بفرنسا، رغم أنه كان يقيم في جنيف، وكان معتادًا أن يسافر يوميًّا من جنيف إلى ليون بالقطار حتى قال عنه الكاتب الصحفي الدكتور أحمد يوسف: “إن عمال وموظفي قطار الصباح الواصل بين جنيف وليون يعرفون جيدًا د. أنور لوقا، الذي كان يواظب منذ أكثر من ربع قرن على الذهاب لإلقاء محاضراته في جامعة ليون قبل عودته إلى جنيف في المساء، فهو الذي تعوَّد أن ينتقل من عالم ليون الصاخب إلى واحة جنيف الوادعة”.
أهم كتبه ومؤلفاته:
أما عن الكتب والترجمات التي أثرى بها المكتبة العربية فيبرز منها:
أولاً: الكتب التي ألَّفها:
- جوانب خفية من الثورة العرابية سلطان أفندي، دار المعارف.
- بلزاك: حياته وأدبه، المكتبة الثقافية جامعة حرة، العدد 198.
- عودة رفاعة الطهطاوي مراحل استفاقة الفكر في ضوء الأدب المقارن، دار المعارف للطباعة والنشر.
- ربع قرن مع رفاعة الطهطاوي: دار المعارف، الطبعة الأولى 1985م.
- رفاعة الطهطاوي: تخليص الأبريز في تلخيص باريز، تحقيق أنور لوقا، تقديم مهدي علام، 1958.
- مختارات من كتب رفاعة رافع الطهطاوي: تأليف أنور لوقا بالاشتراك مع آخرين. الأعلى للثقافة 2002م.
- علي بهجت: أول أثريي مصري، قصة حياة بقلم أنور لوقا.
- هذا هو المعلم يعقوب، المجلس الأعلى للثقافة، 2002م.
- حوار بين ثقافتين: بالاشتراك مع كامل زهيري، أحمد نوار، هدى وصفي وآخرين.
- الرحالة والكُتَّاب المصريون في فرنسا في القرن العشرين 1970م.
- مشروع قراءة سيمائية للنصوص العربية التراثية 1993م.
ثانيًا: الترجمات:
- واصف بطرس غالي: تقاليد الفروسية عند العرب، ترجمة أنور لوقا، مراجعة وتحقيق حسني محمد النجار، تقديم طه حسين.
- جان أنوي: المسافر بلا متاع، ترجمة أنور لوقا، مراجعة محمد كمال فايد.
- ترجمة الجزء الثالث من كتاب “الأيام” للدكتور طه حسين.
- ترجمة كتاب الفتنة الكبرى للدكتور طه حسين.
- إدريس أفندي في مصر، مذكرات الفنان والمستشرق الفرنسي بريس دافين في مصر (1807-1879).
- مسرحية تواضع لبول هيرفو، حيث أخرجها بهاء طاهر، بطولة كريمة مختار، نور الدمرداش.
- مسرحيات قصيرة من الأدب الفرنسي المعاصر، جان كوكتو وآخرون، مكتبة بستان المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع.
- تصدير كتاب “رسائل من مصر 1879-1882” تصدير أنور لوقا: ترجمة فتحي العشري، المجلس الأعلى للثقافة، 2005م.
مشاركته في المؤتمرات والندوات الثقافية:
شارك الدكتور أنور لوقا أيضًا في العديد من الندوات الثقافية، وقدم فيها أوراقًا بحثيةً، منها:
المؤتمر الذي أقيم في المجلس الأعلى للثقافة عام 1999عن الثقافة العربية، وقدم فيه بحثين: البحث الأول بعنوان “ظلال على الأدب العربي في العالم”. والبحث الآخر بعنوان “نهضة أم نهضتان”.
كما شارك في الاحتفالية التي أقيمت في المجلس الأعلى للثقافة بمناسبة مرور مائتي عام على مولد رفاعة الطهطاوي، وكانت خلال العام 2002م، وتحدث فيها أنور لوقا عن الأثر الذي تركه الطهطاوي؛ حيث أكد فيها أن الطهطاوي لا يزال مجهولًا رغم كل ما كُتِب عنه، رابطًا بين فكره وكونه ابنًا للثقافة الأزهرية وللثورة الفرنسية معًا. إذ اهتم بمبادئ الحرية والإخاء والمساواة التي نادت بها الثورة الفرنسية. كما شارك في ندوة عقدت في باريس حول “مصر وفرنسا في عصر الخديوين” عام 1998م.
ومن الأعمال الثقافية المهمة التي قام بها أيضًا وضع كتالوج للمخطوطات العربية لمكتبة جامعة جنيف. كما كتب المقدمة لكتاب “جون نينيه”: رسائل من مصر، والذي صدر عن المجلس الأعلى للثقافة، وترجم الكتاب إلى اللغة العربية الأستاذ فتحي العشري، وصدر الكتاب عام 2005م في 544 صفحة.
والخلاصة أن أنور لوقا كان موسوعة علمية وثقافية كبرى، عندما سأله أحد الصحفيين: كيف تقدم نفسك؟ أجاب “يطيب لي أن أقدم نفسي كوسيط ثقافي… أستاذ متميز في جامعة النور– ليون الثانية، وعلاوة على ذلك، فأنا قادم من مكان أبعد بكثير، وإذا كان فضائي المألوف يخترق الحدود، فإن عملي يتجاوز التدريس إلى حدٍّ بعيد، فأنا كنت دائمًا الكاتب المؤلف والناقد الأدبي والرحالة والمختص بالدراسات المقارنة والمترجم والصحفي وأمين المكتبة والمؤرخ والمولع بالموسيقى والمختص بعلوم الدلالات.. وفي جميع الأحوال كنت باحثًا”.
العدد التذكاري لإحدى المجلات الثقافية عنه بالمغرب:
في لمسة وفاء نادرة من إحدى المجلات الثقافية التي تصدر بالمغرب اسمها “سيمائيات”، حيث خصصت عددًا كاملًا من المجلة لتكريم المفكر المصري الكبير، شارك فيه أكثر من عشرين باحثًا من بلدان وثقافات مختلفة نذكر منهم:
- أنور لوقا كما عرفته (منجي الشملي).
- الناقد والسمة (محمد أنقار).
- أنور لوقا مقارنًا أنسيًّا (عبد النبي ذاكر).
- معنى العودة عند أنور لوقا (عمر مقداد الجمني).
- حي بن يقظان بين التخييل والحجاج (محمد العمري).
هذا عن القسم العربي من المجلة، أما القسم الفرنسي من المجلة، فلقد قدم في البداية قائمة ببليوجرافية كاملة لأعمال أنور لوقا، ثم سبع دراسات عنه تشمل:
- أنور لوقا: زاهد ملاوي وسعد مرقص.
- شهادة (جان مارك دوروان).
- أنور لوقا روائيًّا (شارل فيال).
- مستعربو ومحبو العرب بجنيف: مهمة أنور لوقا (جانديال قاندوا).
- أنور لوقا ورفاعة الطهطاوي (فوزية أسعد).
- مصر الأخرى من بونابرت إلى طه حسين، الرؤية المثاقفة لأنور لوقا (عادل يوسف سيداروس).
- أنور لوقا سيمائيًّا (نزار التجديتي).
مساهماته في الكتابة في موسوعة “من تراث القبط”:
ساهم الدكتور أنور لوقا بالكتابة في الموسوعة التي صدرت بعنوان “موسوعة من تراث القبط-المجلد الأول” عن دار القديس يوحنا الحبيب، عام 2004م، بثلاث دراسات: الدراسة الأولى عن المعلم يعقوب (1745-1801م)، واحتلت الصفحات من (246-276). أما الدراسة الثانية فكانت عن الكاهن القبطي يوحنا الشفتشي بعنوان “يوحنا الشفتشي معلم شامبيليون”، واحتلت الصفحات من (277-282). أما الدراسة الثالثة والأخيرة فهي بعنوان “إليوس بقطر” واحتلت الصفحات من (283-287).
وفاته:
استمر أنور لوقا في الكتابة والتأليف حتى توفي في 14 أغسطس 2003م (ذكر الأستاذ نسيم مجلي في مقال له أن تاريخ الوفاة 4 أغسطس) عن عمر يناهز 76 عامًا.
مصادر ومراجع:
- مينا بديع عبد الملك: أقباط في تاريخ مصر، الجزء الأول، نوفمبر 2007، جمعية مار مينا العجايبي بالإسكندرية، ص 49-53.
- نسيم مجلي: أنور لوقا وحوار الثقافات، موقع الأقباط متحدون، الجمعة 5 يونيو 2009م/ 28 بشنس 1775 ش/ العدد 1682 السنة الرابعة.
- أنور لوقا: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، توظيف الاستعارة في كتابة التاريخ: فتح الأندلس نموذجًا، 23 نوفمبر 2016م.
- محمد أبو الحمد: دعوة الطهطاوي انطلقت من الوعي بخصوصية الذات في تفهمها للآخر، ستون باحثًا احتفلوا بمرور مائتي عام على مولد الرائد التنويري بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر، جريدة الشرق الأوسط، الثلاثاء 30 أبريل 2002م.
- حمودان عبد الواحد: سيمائيات المغربية تكرم المفكر المصري الراحل أنور لوقا، الأربعاء 4 أغسطس 2010م.
- ماجد كامل: يوحنا الشفتشي الكاهن القبطي الذي ساعد شامبليون في فك رموز اللغة الهيروغليفية، جريدة الشروق، الجمعة 11 يناير 2013م.
- سمير فوزي جرجس وآخرون: موسوعة من تراث القبط، الجزء الأول، دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 2004م، ص 264–287.
- عماد أبو غازي: سويسريون في مصر، مدونة مخربشات، 18 يوليو 2017م.
- جون نينيه: رسائل من مصر (1879-1882)، ترجمة فتحي العشري، تصدير أنور لوقا المجلس الأعلى للثقافة، 2005م.