يُعتبر أنيس عبيد وبحق هو رائد ترجمة الأفلام الأجنبية المكتوبة على الشاشة. والمعلومات عن أنيس عبيد قليلة جدًّا.
ميلاده ونشأته:
وُلِد عام 1909م، ودَرَس في كلية الهندسة، ثم سافر بعدها إلى فرنسا للحصول على درجة الماجستير في الهندسة، وكان من أوائل من قاموا بطبع الترجمة على الأفلام الأجنبية في الأربعينيات، وقد بدأت الفكرة عنده عندما فكر في تصميم آلة صنعها بنفسه –باعتباره مهندسًا– في الأساس، قام من خلالها بطبع الترجمة على الشريط السينمائي، ثم قام بدمج الترجمة على فيلم 16 مللي، وهي تقنية لم تكن معروفةً في العالم العربي في ذلك الوقت، فلقد كان السائد أن يُترجَم الفيلم على شريط منفصل يتم تحريكه يدويًّا، وهو أمر كان يعيق المشاهدة. ومن هنا حرص أنيس عبيد أن يدخل هذه التقنية في الأفلام الأجنبية. وكان أول فيلم مُترجَم من الإنجليزية إلى العربية خرج من معامل أنيس عبيد هو فيلم “روميو وجولييت” الذي حقَّق نجاحًا ساحقًا وقتها، واستقبلته الجماهير بترحاب كبير. ثم توسَّع أنيس عبيد بعدها بشكل أضخم في الستينيات، وكان هو المترجم الذي يترجم كل الأعمال الأجنبية التي كان يعرضها التلفزيون المصري. والآلة التي ابتكرها أنيس عبيد، ما زالت موجودة تحتفظ بها ابنته “عزة”، وقد قالت عزة في وصف لهذه الآلة: “كانت آلة ضخمة مقارنة بالأدوات المُستَخدَمة هذه الأيام ونحتفظ بها في مخازن معاملنا مثلما هي”، كما أكدت عزة من خلال حوار صحفي معها قامت به الكاتبة الصحفية “حميدة أبو هميلة” على موقع إندبنت عربية بودكاست “شركة الوالد ما زالت مستمرة على نفس النهج، والمعمل يقع في منطقة حدائق القبة، ومقر الشركة الإداري بوسط القاهرة، ونحن تدريجيًّا نهدف إلى أن يعمل أبناؤنا في نفس المجال، كي يستمر النشاط والعطاء”.
دور أنيس عبيد في ترجمة الأفلام الأجنبية:
حول دور أنيس عبيد في تطور ترجمة الأفلام الأجنبية إلى العربية، كتب الكاتب الصحفي أحمد الجمال مقالًا مهمًّا نُشِر له في موقع بوابة أخبار اليوم بعنوان “ترجمة أنيس عبيد.. وسر لعنات رواد السينما، 7 يوليو 2021″، يقول فيه: “تبنَّى فكرة ترجمة الأفلام الأجنبية شابٌّ يدعى أنيس عبيد، عز عليه أن يرى لغة بلاده قليلة مهملة، فأخذ يدرس الأساليب التي تتبعها الدول التي تحترم نفسها وتعتز بكرامتها في ترجمة الأفلام إلى لغتها، ولم يكتفِ بدراساته الخاصة بل شد رحاله إلى أوروبا، حيث درس بنفسه الأجهزة التي تتم بها هذه العملية التي تحتاج إلى الكثير من الدقة والمثابرة. وكان له ما أراد، فعاد إلى وطنه وفي جعبته فكرة تامة عما يجب عمله لتحقيق هذا الهدف الذي كانت الصحافة تنادي به ليل نهار. وأخيرًا اقتنعت الحكومة بضرورة إلغاء الشاشات الجانبية، وصدر قرار بإلزام شركات السينما بترجمة الأفلام إلى اللغة العربية ووضع هذه الترجمة على الفيلم نفسه، وقد نُفذ هذا القرار فعلًا، وكان أول فيلم ظهرت ترجمته من صنع أنيس عبيد. وبدأ أنيس عبيد عمله في دائرة ضيقة وبأجهزة محدودة، ولكن بمثابرته استطاع أن يخرجها على نطاق أوسع، وأن ينشئ لنفسه معملًا خاصًّا اتسع على مر الأيام حتى أصبح أكبر معمل من نوعه في مصر والشرق الأوسط كله. وهذا المعمل يتولى طباعة الترجمة لمعظم الأفلام الأمريكية والإيطالية والفرنسية التي تعرض في مصر والبلاد العربية، كما أنه يقوم بطبع الترجمة الفرنسية التي نراها في كثير من الأحيان على الأفلام المصرية”.
ويذكر أحمد الجمال أن أنيس عبيد لم يكُن هو الذي يقوم بالترجمة، ولذك تعرَّض كثيرًا للهجوم والسخرية بسبب ركاكة بعض الترجمات، ولكن الحقيقة أن دور أنيس عبيد كان تقنيًّا فقط؛ فالشركات التي تقدم له الأفلام كان تقدم له الترجمة مع الأفلام، وكان هو دوره تقنيًّا فقط، فمهمته فنية وليست ترجمة.
استطاع أنيس عبيد تأسيس شركة تضم أكثر من خمسين موظفًا تولى هو بنفسه تدريبهم وتعليمهم هذه المهنة التي استلزمت جهدًا كبيرًا في استيعابها، وقد صمَّم جميع الآلات في معامله، وقد صنعت محليًّا، ومع ذلك، فهي أفضل من الآلات الأوروبية، حتى أن كثيرًا من الشركات الأوروبية ابتاعت منه بعض آلات طباعة الأفلام.. ولم يكتفِ أنيس عبيد بذلك، بل أنه صنع جهازًا لطبع الترجمة على أفلام مقاس 16 مليمتر وهو يعتبر من أدق الأجهزة”.
كيف تعلم أنيس عبيد تقنية الترجمة؟
حول الكيفيَّة التي تعلَّم بها أنيس عبيد هذه التقنية، يذكر عمر طاهر في كتابه “صنايعية مصر”، أن طالب الماجستير قرأ إعلانًا بالصُّدْفة عن دورات تدريبية لكيفية دمج الترجمة المكتوبة على شريط السينما، وكان الهدف منها دعم الأفلام العلمية.. وأصبح لتلك الدورة أثر كبير في مسار عبيد المهني؛ حيث تعرَّف خلال فترة الدراسة على مدير أحد الاستوديوهات في باريس، جمعته به صداقة عميقة بسبب عشق كليهما للشطرنج، ليعرض عبيد عليه أن يتعرف على المزيد من أسرار الترجمة، ليقرر بعدها هجر الهندسة بغير رجعةٍ.
وفاته:
توفِّي أنيس عبيد في 16 أكتوبر 1988م عن عمر يناهز 79 عامًا. وتذكر ابنته “عزة” أن والدها ظل يعمل بالتقنيات التقليدية من خلال أدوات صعبة وثقيلة وبها مشقة ومراحل كثيرة، ولكن حاليًا تم تطوير طباعة الترجمة باستخدام الليزر، الذي ظهر عام 1996م، أي بعد وفاة أنيس عبيد بثماني سنوات.
وحول السمات الشخصية التي كان يتمتع بها أنيس عبيد، تقول عزة “إن والدها لم يكن يحب الأضواء، وكان يفضِّل أن يظهر عمله إلى العلن، بينما هو شخصيًّا لا يحب الظهور”، وتؤكد عزة “أنها تعلمت من والدها الدقة والالتزام والمهنية والمهارة والأمانة، لقد كان رحمه الله عليه رجلًا جميلًا في كل شيء”.
مصادر ومراجع:
- صلاح حسن رشيد، قاموس الثقافة المصرية في العصر الحديث (1798-2020)، مكتبة الآداب، 2020م، ص 108.
- حميدة أبو هميلة: قصة أنيس عبيد رائد ترجمة الأفلام الأجنبية إلى اللغة العربية كما ترويها ابنته، موقع إندبنت عربية، الجمعة 15 مارس 2019م.
- أحمد الجمال: ترجمة أنيس عبيد وسر لعنات رواد السينما– بوابة أخبار اليوم، 7 يوليو 2021م.
- محمد حسين: أنيس عبيد.. عزز لغة بلاده ودمج الترجمة على الشريط الأساسي للأفلام، موقع الشروق، الخميس 14 أبريل 2022م.