يُمثل الفنان القبطي الكبير الدكتور إيزاك فانوس أهمية كبيرة في تاريخ الفن القبطي الحديث والمعاصر.
ميلاده ونشأته:
وُلد في 19 ديسمبر 1919م في إحدى قرى مركز مغاغة محافظة المنيا، من أسرة مصرية تعشق الفنون، ثم نزح إلى القاهرة حيث درس في مدرسة الخرنفش الفرنسية، والتحق بعدها بكلية الفنون التطبيقية حتى تخرج فيها عام 1941م وكان أول دفعته، ثم حصل بعدها على دبلوم المعلمين من معهد التربية الفنية للمعلمين، وكان ذلك خلال عام 1943م ليعمل بعدها مدرسًا للرسم في إحدى مدارس شبرا.
ثم أتيحت له فرصة للتعرف على الفنان المصري العالمي راغب عياد (1882- 1982م) الذي عرفه بدوره بمرقس باشا سميكة (1864-1944م) مؤسس المتحف القبطي الذي شعر بموهبته الكبيرة، فأتاح له الفرصة للعمل بالمتحف القبطي بعض الوقت، فكانت فرصة رائعة للتعرف برواد المتحف القبطي الكبار مثل الأستاذ يسى عبد المسيح (1898-1959م) والدكتور رؤوف حبيب (1902-1979م)، ثم التحق بعدها بمعهد الدراسات القبطية، وتعرف على مدير المعهد وقتها العالم الكبير الدكتور سامي جبرة (1892-1979م)، الذي أتاح له فرصة السفر إلى فرنسا في بعثة للتخصص أكثر في الفن القبطي. وبعد عودته إلى مصر بدأ رحلته ومشواره الطويل مع الفن القبطي، وكانت بداية رسوماته الفنية في مدينة الإسكندرية بكنيسة أباكير ويوحنا وبعدها كنيسة العذراء أرض الجولف وكنيسة جاردن سيتي ومزار مارمرقس بالكاتدرائية المرقسية الجديدة بالعباسية والكثير من الكنائس والأديرة في مصر والمهجر.
كما اختاره البابا يوحنا بولس الثاني بابا روما (1920-2005م) بابا الكنيسة الكاثوليكية رقم 246، لرسم كنيسة الكاثوليك بمدينة نصر. ولقد عمل رئيسًا لقسم الفن القبطي لمدة تزيد عن 30 عامًا حتى توفي في 15يناير 2007م عن عمر يناهز 86 عامًا تقريبًا، وقام بالصلاة على جثمانه الطاهر قداسة البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث (1923–2012م) في جنازة مهيبة حضرها كل المهتمين بالفن في مصر والخارج.
أهم الكنائس التي تحوي أيقوناته:
يذكر موقع قطاع الفنون التشكيلية عنه أنه يعد من أشهر فناني الأيقونات بالكنائس القبطية الأرثوذكسية، وقد رسم في عديد من الكنائس ذكرت منهم (العذراء أرض الجولف عام 1986- مارمينا بطنطا عام 1970م- كنيسة العذراء بالمحلة الكبرى عام 1960م– مارجرجس بالإسكندرية عام 1967م– مزار مارمرقس بالكاتدرائية المرقسية الكبرى بالأنبا رويس– أباكير ويوحنا بأبي قير عام 1968م– اللوحات الجدارية بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون عام 1970م- وضع التصميمات الكاملة لكنيسة العذراء بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1983م– رسم أيقونة ضخمة مهداة باسم مصر بمبنى الأمم المتحدة بنيويورك عام 1987م– كنيسة العذراء جاردن سيتي عام 1979م– كنيسة مارمينا بالإسكندرية عام 1975م– كنيسة مارمرقس بولاية جرسي سيتي عام 1970م).
الجوائز وشهادات التقدير التي حصل عليها:
حصل الفنان الكبير على العديد من الجوائز في حياته نذكر منها:
- جائزة تشجيعية، عام 1956م.
- شهادة الدكتوراة الفخرية على مجمل أعماله وتقديرًا لمشواره، عام 1984م.
- ميدالية من أكاديمية الفنون بفلورنسا –إيطاليا.
- الميدالية الذهبية من معهد الدراسات الشرقية– فينسيا عام 1987م.
ولقد كتب عنه الفنان الكبير الأستاذ كمال الملاخ (1918-1987م) في موسوعته الرائدة “80 عامًا من الفن في مصر”، حيث قال عنه:
“وبرز اسم د. إيزاك فانوس الذي تخصَّص في دراسة الفن القبطي قديمًا وحديثًا حتى أتقن فن رسم الأيقونات القبطية بالطريقة التقليدية القديمة باستخدام صفار البيض مع الخل وخلطهما بالألوان، مع تحضير اللوحة (الأيقونة) بنفس الخامات والأسلوب القديم.
د. إيزاك فانوس وُلِد عام 1919 ودرس النحت بكلية الفنون التطبيقية وتخرج عام 1941، ثم حصل على دبلوم معهد التربية العالي للمعلمين قسم الرسم سنة 1946، ودبلوم معهد الدراسات القبطية 1956 (مينا بديع عبد الملك ذكر 1958). سافر إلى باريس حيث تخصص في دراسة رسم الأيقونات وأعمال الموزاييك والرسم الحائطي (الفريسك) ونوافذ الزجاج المعشق والملون في عدد كبير من الكنائس والمزارات بجميع أنحاء مصر. وفي الكنائس القبطية خارج مصر قام بالأعمال الفنية بكنيسة لندن 1978م وكنيسة جرسي سيتي بولاية نيوجرسي بأمريكا 1970م وكنيسة حي كوينز بنيويورك 1982م. كما وضع التصميمات الكاملة لكنيسة السيدة العذراء في منطقة “إيست بروونزيك” بأمريكا عام 1983م. وقد رسم أيقونة أهديت باسم مصر لمبنى الأمم المتحدة بنيويورك عام 1978م”.
ويذكر كمال الملاخ في نفس الموسوعة أن معهد الدراسات القبطية قد أنشأ قسمًا خاصًّا للفن القبطي، نبغ فيه كثير من رموز الفن القبطي ذكر منهم (منير مرقس– يوسف نصيف– بدور لطيف وغيرهم الكثير).
والجدير بالذكر أن إيزاك فانوس قد كتب مقالًا في مجلة إبداع (خلال عام 1994م) بعنوان “الفن القبطي تأثيراته ومؤثراته بين الأصالة والمعاصرة”، وفي هذه المقالة يذكر فانوس فضل معهد الدراسات القبطية فيقول عنه: “كانت من اهتمامات المعهد إيجاد حركة فنية قبطية معاصرة خالصة استطاعت استخلاص القِيَم الفنية في التراث المصري القديم وخلال العصور للتعايش مع العصر من جهة وتخدم المضمون اللاهوتي لترجمة العقائد المسيحية من جهة أخرى.. وقد استطاعت هذه الحركة أن تشق طريقها بصعوبة… وعن الألوان المستعملة في رسم الأيقونة يذكر منها:
- الأصفر الأوهرا.
- الطينة اللينة.
- الطينة المحروقة.
- اللون الأسود.
- أكسيد الحديد الأحمر.
- الأزرق النيلة.
- الأبيض الجيري.
وعن رمزية الألوان يقول:
- اللون الأبيض يرمز إلى الطهارة القلبية.
- اللون الأزرق يرمز إلى الأبدية التي لا نهاية لها.
- اللون الأسود يرمز إلى الوجود.
ثم يضيف: “هذه القيم التشكيلية تعطي دائمًا ملامح الشخصية المصرية جنبًا إلى جنبٍ مع استغلال طرق الأداء في التشكيل وخصوصًا في مجال تشكيل الأيقونات أو الرسوم الجدارية أو الفريسك أو الموزاييك”.
بعض الذكريات الشخصية معه:
كان لكاتب هذه السطور فرصة التعرف على الفنان الكبير شخصيًّا خلال فترة دراستي في قسم اللغة القبطية بمعهد الدراسات القبطية خلال الفترة من (1987–1990م)، فقد كان شبه مقيم في أتيليه الفن بالمعهد لا يبارحه يومًا، وعندما عثرت على كتاب 80 سنة من الفن لكمال الملاخ، عرضت عليه ما كتب عنه في الموسوعة، فقرأها باهتمام شديد، وطلب مني أن أشتري له نسخة منها، وأحضرتها له، ففرح بها كثيرًا وشكرني بشدة. وخلال فترة عمادة الأستاذ الدكتور رسمي عبد الملك لمعهد الدراسات القبطية، طلب مني الدكتور رسمي التوجه إلى منزل الفنان الكبير (كان يسكن في شقة بجوار الكاتدرائية مباشرة) لإجراء حوار معه حول رحلته مع الفن القبطي، ومع معهد الدراسات القبطية، وبالفعل تم تحديد الموعد معه، فتوجهت إليه وبصحبتي جهاز تسجيل صغير لتسجيل الحوار بالكامل. وبعدها قمت بتفريغ الحوار على ورق وقدمته إلى الدكتور رسمي الذي أعجبه كثيرًا. ولعل أكثر ما شدني في هذا الحوار هو قوله لي: “لقد كانت نصيحتي دائمًا للفنانين الشبان أن لا يقلدوني في أسلوبي، إنما يجب أن يكون لكل واحد فيكم أسلوبه الخاص المميز”.
مصادر ومراجع:
- مينا بديع عبد الملك، أقباط في تاريخ مصر (الجزء الثاني)، جمعية مارمينا العجايبي للدراسات القبطية بالإسكندرية، مايو 2019م، ص 35-37.
- قاموس التراجم القبطية، جمعية مار مينا العجايبي بالإسكندرية، الطبعة الأولى 1995م، صفحة 41، الشخصية رقم 64.
- كمال الملاخ ورشدي إسكندر وصبحي الشاروني: 80 سنة من الفن (1908-1988م)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999م، ص 209-210.
- قطاع الفنون التشكيلية: السيرة الذاتية إيزاك فانوس يوسف.
- ليلى فريد– الأيقونة التي احتجبت– موقع الحوار المتمدن، 30 يناير 2007م.
- جودت جبرة– إسحق فانوس– موقع ويكي القبطي.
- إيزاك فانوس– موقع الكنوز القبطية.
- إيزاك فانوس، شهادة فنان تشكيلي مصري عن الأيقونات، موسوعة الفن القبطي في مصر 2000 عام من المسيحية في مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008م، ص 238-241.