كان الساتر الترابي القائم أمام خط بارليف يمثل عقبة كبيرة للجيش المصري في كيفية اختراقه، ولكن جاء الحل على يد ضابط مهندس عبقري يدعى “باقي زكي يوسف”.
ميلاده ونشأته:
ولد في 23 يوليو 1931م، وتدرج في مراحل التعليم المختلفة حتى التحق بكلية الهندسة، وتخرج فيها عام 1954م شعبة ميكانيكا. وانتدب بعدها للعمل في مشروع السد العالي خلال شهر مايو 1964م، ثم عُين رئيسًا لفرع المركبات برتبة مقدم في الفرقة 19 مشاة الميكانيكية. وفي هذه الفترة شاهد عن قرب عملية تجريف الجبال من الأتربة والرمال في داخل مشروع السد العالي بمحافظة أسوان.
كما عمل ضابطًا مهندسًا في القوات المسلحة خلال الفترة من (1954-1984م)، قضى منها خمس سنوات برتبة لواء.
الجوائز وشهادات التكريم التي حصل عليها:
خلال حياته العسكرية نال العديد من الجوائز وشهادات التكريم نذكر منها:
- نوط الجمهورية العسكري من الدرجة الأولى من الرئيس الراحل أنور السادات في فبراير 1974م عن أعمال قتال استثنائية تدل على التضحية والشجاعة الفائقة في مواجهة العدو.
- وسام الجمهورية من الطبقة الثانية من يد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك عام 1984م، وذلك بمناسبة إحالته إلى التقاعد.
قصة اختراقه الساتر الترابي:
أما عن قصة اختراقه للساتر الترابي لخط بارليف، فهي كما يروي عمر طاهر في كتابه “صنايعية مصر” أن شابًّا مصريًّا اكتشف ثلاثة أخطاء دفعة واحدة:
- الخطأ الأول أن الساتر الترابي يعتمد في تكوينه على الرمال.
- الخطأ الثاني أن الساتر الترابي تمت إقامته بزاوية مائلة (80 درجة).
- الخطأ الثالث أن الساتر أقيم على حافة الضفة الشرقية.
وعندما وصل الأمر إلى إدارة المركبات بالجيش المصري بترشيح بعض الضباط للعمل كمنتدبين في مشروع السد العالي، اختير الضابط الشاب باقي زكي يوسف مع آخرين للسفر، وكان الضابط الشاب أحد المسؤولين عن إذابة الجبال التي تحيط بمكان مشروع السد العالي والاستفادة من الرمال والصخور المذابة في بناء جسم السد نفسه.
وبعد النكسة صدرت الأوامر لكل الضباط المنتدبين بالعودة إلى مواقعهم، فعاد باقي زكي يوسف كرئيس لفرع المركبات في إحدى تشكيلات الجيش الثالث. وكان من موقعه يراقب خط بارليف الذي يقف بارتفاع 20 مترًا (ما يعادل عمارة من سبعة أدوار)، وكان الموقع حصينًا مجهزًا بالألغام والمفرقعات، فكان فتح ثغرة واحدة يحتاج إلى 15 ساعة وخسائر بشرية تفوق الوصف.
وفي خلال شهر مايو 1969م، استُدعي باقي زكي يوسف، وأخبره قائد الفرقة بصدور أوامر بالعبور إلى الضفة الشرقية في الوقت الذي سوف تحدده القيادة، وهنا طرح باقي زكي يوسف فكرته وهي “طلمبات ماصة كابسة على زوارق خفيفة تسحب المياه وتضخها بقوة اندفاع عالية”. وعندما استمع قائد الفرقة إلى فكرته، ضرب المكتب بقوة وصرخ قائلًا: “هي ما تجيش إلا كده”.
وعندما علم الرئيس عبد الناصر بالخطة، أصدر أوامره أن يتم تجربة الفكرة أولًا في جبال حلوان، وكانت مفاجأة أن يتم فتح الثغرة في نموذج مماثل لطلمبات السد العالي في ثلاث ساعات بدلًا من الخمس عشرة ساعة المتوقعة.
وبعد أربع سنوات، وفي خلال شهر يناير 1972م، تم عمل بروفة نهائية في إحدى الجزر داخل القناة على نموذج مماثل، فكانت النتيجة مبهرة.
وأخبره قائد الفرقة العسكرية قائلًا: “لقد حصلت اليوم على إمضاء بموافقة ناصر على فكرتك -فهو من أشرف الإمضاءات العسكرية- فرد عليه المقدم باقي: “البركة في حضرتك”، فقال له القائد: “أنت مش عارف أنت عملت إيه، أنت إدتنا الطفاشة اللي هتفتح بيها الباب لمصر”.
ويذكر عمر طاهر أنه بعد ثورة يناير كان اللواء باقي زكي يوسف ضيفًا في أحد البرامج التلفزيونية، فسألته المذيعة إن كان يشعر بمرارة بسبب تجاهل النظام السابق للأبطال مثله، فرد اللواء باقي: “شوفي، انسي حكاية المرارة دي. أنا كنت من أوائل الناس اللي عدوا يوم 7 أكتوبر الساعة 7 الصبح ومعايا النجدة والمساعدات، وأنا معدِّي من الثغرة اللي اتفتحت كانت رقبتي أطول من ساري التلفزيون بتاعكم”.
كما ذكرت أرملته في أحد الأحاديث المسجلة معها: “أنا كنت مع إنسان لم يلوَّث من الأرض، كان إنسانًا ممتازًا وحكيمًا جدًّا، كان يريد أرضنا بأي شكل، كانت مشكلة حياته، والحمد لله اشترك فيها وحرر الأرض”.
وفاته:
توفي اللواء باقي زكي يوسف في 23 يونيو 2018م عن عمر يناهز 87 عامًا.
نعي الكنيسة القبطية للبطل الكبير:
نعت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اللواء باقي زكي يوسف، بطلًا من أبطال مصر الشجعان، صاحب فكرة استخدام قوة دفع المياه في حرب أكتوبر 1973م لهدم الساتر الترابي لخط بارليف الذي كان –وقتها– رمزًا لتفوق العدو وسيطرته التامة على الضفة الشرقية لقناة السويس، ليفتح الطريق أمام قوات مصر الباسلة للعبور. سوف يذكر التاريخ والوطن حفيد مهندسي مصر العظام بناة الأهرام وصانعي الحضارة، واثقين أن لأمانة المهندس باقي زكي يوسف في عمله مكافأة ومجازة لدى الله في ملكوت السموات.
تكريم السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي له:
كرم السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي اسم البطل اللواء أركان حرب المهندس باقي زكي يوسف، وذلك يوم 10 نوفمبر 2018م، وتم إطلاق اسم باقي زكي يوسف على نفق التسعين بالقاهرة الجديدة.
وأقامت مكتبة القاهرة الكبرى أمسية تأبين للواء مهندس باقي زكي يوسف، وكانت الأمسية بتاريخ 7 ديسمبر 2018م.
مصادر ومراجع:
- أنطونيوس الأنطوني، وطنية الكنيسة القبطية، الجزء الثالث، ص 407-408.
- عمر طاهر، صنايعية مصر مشاهد من حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث، دار الكرمة للنشر، 2017م، ص 269-277.
- ملاك لوقا، أقباط القرن العشرين، مطبوعات أنجيلوس، ص 502.
- نورهان مصطفى: اللواء باقي زكي يوسف.. من هو صاحب فكرة الطفاشة التي فتحت بوابة مصر؟ جريدة المصري اليوم، الأربعاء 7 أكتوبر 2020م.
- أميرة هاشم: الكنيسة القبطية تنعى اللواء المهندس باقي زكي، بوابة الأهرام، 23 يونيو 2018م.