هو واحدٌ من أشهر علماء القبطيَّات في مصر والعالم، وقد ورث عشق القبطيَّات والآثار عمومًا عن والده العالم الكبير الأستاذ إقلاديوس لبيب.
ميلاده ونشأته:
ولد في 19 سبتمبر 1905م في ضاحية عين شمس، وتشرَّب عشق اللغة القبطية منذ طفولته، فقد كان من تقاليد الأسرة منع التحدث بغير اللغة القبطية داخل المنزل حتى يتدربوا جيدًا على إتقانها. درس في مدرسة الأقباط الكبرى التي أنشأها البابا كيرلس الرابع، ثم التحق بالمدرسة الخديوية في المرحلة الثانوية حتى حصل على شهادة البكالوريا عام 1925م، والتحق بعدها بكلية الحقوق، وكان قد افتُتِح قسم جديد لدراسة الآثار.
دراسته للآثار:
قابل باهور لبيب الأستاذ الكبير لطفي السيد، والملقَّب بأستاذ الجيل، وأبدى له رغبته في دراسة الآثار بجانب دراسته للحقوق، فوافق أستاذ الجيل؛ حيث إنه كان يرغب في تشجيع الدراسة بقسم الآثار. ولكن في يوم امتحان الليسانس تصادف أن جاء موعد الامتحانين في نفس الوقت، فاضطر باهور لطلب تأجيل امتحان الحقوق، وامتحن امتحان الآثار حتى حصل على الليسانس عام 1930م. وكان من بين أساتذته الذين درَّسوه في هذه الفترة نذكر العالم الروسي جولنشيف (1856-1947م) أستاذ فقه اللغة المصرية القديمة، هرمان يونكر (1877-1962م) وله حفائر مهمة في منطقة الأهرامات بالجيزة اكتشف خلالها مقابر ترجع إلى عصر الدولة القديمة، والسير بيرسي نيوبري (1868-1949م) أستاذ التاريخ والآثار بالجامعة المصرية… إلخ.
ثم سافر في بعثة إلى ألمانيا خلال عامي 1930-1931م لنيل درجة الدكتوراه، وكانت بعثة كبيرة مكوَّنة من مجموعة كبيرة من العلماء قُدِّر لها قيادة الجامعة المصرية في العديد من التخصصات فيما بعد، نذكر منهم في مجال الآثار: عبد المنعم يوسف أبو بكر وأحمد محمد بدوي، كذلك سافر في نفس البعثة الدكتور مراد كامل لدراسة اللغات السامية، كما سافر إلى فرنسا يوسف مراد لدراسة الدكتوراه في علم النفس (وهو رائد دراسات علم النفس التكاملي في مصر)، وعثمان أمين لدراسة الدكتوراه في الفلسفة من فرنسا أيضًا (وهو رائد الفلسفة الجوانية في مصر)… إلخ.
وفي ألمانيا، تتلمذ باهور لبيب على يد مجموعة كبيرة من أساطين علم المصريات، مثل هرمان جرابو أكبر عالم للغة الهيروغليفية في العالم، كذلك العالم الألماني كورت زيتة رئيس قسم الآثار الفرعونية بمتحف برلين، كذلك تتلمذ على يد عميد الأثريين الألمان أدولف إيرمان، وكان موضوع رسالة الدكتوراه هو (الملك أحمس الأول طارد الهكسوس من أرض مصر ومؤسس الأسرة الثامنة عشرة)، وبالفعل تمكن من إنجاز رسالة الدكتوراه في أربع سنوات، وكانت بتاريخ 29 نوفمبر 1934، وكان بذلك أول مصري يحصل على درجة الدكتوراه في الآثار المصرية. ثم عاد إلى مصر وعمل أستاذًا للغة القبطية وعلاقتها بالمصرية القديمة، ثم قام بتدريس اللهجات القبطية المختلفة. ولكنه تعرض للظلم والغبن ففُصل من الجامعة نتيجة مواجهة مع شخصية ذات نفوذ، وخلال زيارة الملك فاروق للمتحف المصري في أبريل 1945م، وكان باهور لبيب بين صفوف التشريفة التي استقبلته، فعرض عليه الظلم الذي تعرض له، فأصدر الملك أمرًا بإرجاع باهور لبيب للعمل كأمين في المتحف المصري، ثم مديرًا للمتاحف الإقليمية. ولكن النقلة الكبرى في حياته جاءت بقرار تعيينه مديرًا للمتحف القبطي خلال الفترة من (1951-1965م) وهو بذلك يُعتبر ثالث مدير له بعد مرقس باشا سميكة (1864-1944م)، الدكتور طوجو مينا (1906-1948م) ولقد زار المتحف خلال مدة رئاسته العديد من رؤساء الدول والشخصيات الرسمية نذكر منهم الإمبراطور هيلاسلاسي إمبراطور إثيوبيا السابق في يوم 28 يونيه 1958م، وزارته ولية عهد الدانمارك في نوفمبر 1962م، ورئيس غانا الراحل نكروما.
المناصب التي تولاها:
تقلد العديد من المناصب الأخرى الهامة مثل “عضو بالمجلس القومي للثقافة، ومقرر لجنة الآثار بالمجالس القومية المتخصصة– عضو بالمجمع العلمي المصري منذ عام 1960م– عضو بمعهد الآثار الألماني ببرلين– عضو الجمعية الجغرافية الأمريكية– عضو لجنة المتاحف باليونسكو.. إلخ”.
الجوائز والنياشين التي حصل عليها:
كما حصل على العديد من النياشين والأوسمة، نذكر منها ميدالية ذهبية من الإمبراطور هيلاسلاسي، كما حصل على وسام العالم من الدنمارك، ووسام الاستحقاق من درجة الصليب الكبير من ألمانيا الغربية، كما حصل أيضًا على مفتاح مدينة ميونيخ، وشهادات تقدير متنوعة من ألمانيا وإيطاليا وتشيكوسلوفاكيا.. إلخ.
الكتب والمؤلفات التي كتبها:
نُشرت له العديد من الكتب والأبحاث والمقالات في مجال المصريات والقبطيات والإسلاميات باللغات العربية والألمانية والفرنسية، نذكر منها كتيبًا صغيرًا عن الفن القبطي في سلسلة كتابك التي صدرت عن دار المعارف عام 1978م (الكتاب رقم 118)، الفن الإسلامي في مصر (باللغة الإنجليزية وصدر عام 1960م).
كما كتب مقدمة العديد من الكتب نذكر منها كتاب “التربية في العصر القبطي” للدكتور سليمان نسيم، موسوعة تاريخ الأقباط “للأستاذ زكي شنودة الجزء الثالث وصدر عام 1966م، وأخيرًا كتاب “التصوير في التراث المصري القديم” للدكتور المهندس محمد حماد. كما قام بنشر وتحقيق مكتبة نجع حمادي، وهي عبارة عن مجموعة برديات اكتُشفت في صعيد مصر وتحديدًا في نجع حمادي عام 1945، بينما كان أحد الفلاحين يبحث عن السماد بمنطقة جبل الطريفي، فعثر على قنينة من الفخار، فظن في البداية أنه بداخلها كنز كبير، فكسرها فوجد بداخلها مجموعة من أوراق البردي. وأخذت تنتقل من يد إلى يد حتى وصلت إلى تاجر آثار بلجيكي يُدعى “ألبرت أيد” فاشتراها وباعها لأحد المعاهد السويسرية. وعندما كان الدكتور طوجو مينا مديرًا للمتحف القبطي، أقنع المسئولين بضرورة شراء هذه المخطوطات التي خرجت من مصر، ولكن نتيجة وفاة الدكتور طوجو مينا المفاجئة في عام 1949م، تعثرت الإجراءات قليلًا. إلى أن جاء عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وكان وقتها وزيرًا للمعارف، فاهتم بهذا الاكتشاف كثيرًا، وكوَّن لجنة لإصدار قانون خاص لحماية الآثار، نتج عنه احتفاظ الحكومة المصرية بهذه المخطوطات فانتقلت ملكيتها للمتحف القبطي عام 1952م. وكان الدكتور باهور لبيب وقتها يعمل مديرًا للمتحف، فقام بنشر صور لمخطوطات هذه المكتبة عام 1956م. ثم تأسست لجنة تحت رئاسة اليونسكو لفحص ودراسة هذه المخطوطات من مجموعة من كبار علماء القبطيات في العالم، نذكر منهم مارتن كراوس، بويك، جويسبل، روبنسون… إلخ. حتى خرجت ترجمتها الكاملة إلى اللغات الحية المختلفة عام 1976م خلال مؤتمر القبطيات الأول، الذي عُقِد في مدينة القاهرة خلال فترة وزارة الدكتور جمال العطيفي للثقافة، وكان رئيس هيئة الآثار وقتها الدكتور جمال الدين مختار. وفيه تأسست الجمعية الدولية للدراسات القبطية International Association for Coptic Studies ويعرف اختصارا بـ (IACS). واختير الدكتور باهور لبيب رئسًا فخريًّا Honorary President لها.
ومن الأعمال الأخرى التي قام بها الدكتور باهور لبيب أنه كان عضوًا في لجنة تقصِّي الحقائق حول الحفريات الإسرائيلية التي قام بها الإسرائيليون في منطقة دير سانت كاترين عقب عدوان 1956م. وكانت اللجنة مكونة من الدكتور باهور مندوبًا عن مصلحة الآثار، الأستاذ فؤاد السيد مندوبًا عن دار الكتب، (وهو بالمناسبة والد الدكتور أيمن فؤاد سيد عالم المخطوطات الإسلامية)، والمهندس نجيب سلامة والمصور بولس فرج من موظفي المتحف القبطي. وتوجهت البعثة إلى دير سانت كاترين بتاريخ 17 يونيو 1957م. وأثبتت أن الأثريين الإسرائيليين قد قاموا بعمل حفائر خارج أسوار الدير.
كما شارك في حفائر بمنطقة أبو مينا الأثرية بصحراء مريوط في عام 1951م. كما كان رئيس لجنة التنقيب عن آثار كنيسة السيدة العذراء بأتريب بمدينة بنها محافظة القليوبية، وكان ذلك عام 1969م. كما كان عضو اللجنة البابوية التي شكلها قداسة البابا شنودة الثالث- نيح الله نفسه في فردوس النعيم- لتقصي الحقائق حول صحة نبأ اكتشاف رفات يوحنا المعمدان بدير القديس أبو مقار بوادي النطرون، وكان ذلك خلال عام 1978م.
وفاته:
وأخيرًا وبعد رحلة حافلة بالعطاء والإنجاز رحل العالِم الكبير الدكتور باهور لبيب عن عالمنا يوم 7 مايو 1994م عن عمر يناهز 89 عامًا، ودفن في مقابر الأسرة في الجبل الأحمر. واهتم بتسجيل سيرة حياته نجله الدكتور أحمس لبيب باهور لبيب بكتاب رائع مدعم بعشرات الصور والوثائق، فضلًا عن الذكريات الشخصية التي سردها المؤلف عن والده، رحمه الله رحمة واسعة بقدر ما خدم العلم والتراث المصري من خدمة كبرى.
مصادر ومراجع:
- أحمس باهور لبيب، باهور لبيب قصة كفاح ونجاح، 2009م.
- مينا بديع عبد الملك، قاموس التراجم القبطية، جمعية مارمينا العجايبي بالإسكندرية، الطبعة الأولى، 1995م.
- مينا بديع عبد الملك، أقباط في تاريخ مصر (الجزء الأول)، جمعية مارمينا العجايبي بالإسكندرية، نوفمبر 2017م.