تُعتبر الكاتبة “بلسم عبد الملك” واحدة من أهم رائدات الصحافة النسائية في مصر، فقد أنشأت مجلة “المرأة المصرية”. التي لعبت دورًا بارزًا في تاريخ الثقافة المصرية عمومًا.
ميلادها ونشأتها:
والمعلومات عن بلسم عبد الملك قليلة؛ فهي حسب الدكتور رامي عطا صديق، من مواليد صعيد مصر، وهي تنتمي إلى إحدى العائلات في مدينة أبنوب التابعة لمديرية أسيوط، وقد اهتم الوالدان بتعليمها تعليمًا جيدًا، حيث التحقت بإحدى مدارس الراهبات الفرنسيات، مما مكَّنها من إتقان اللغة الفرنسية إلى جانب اللغة العربية بالطبع.
الوظائف والمناصب التي تقلدَتْها:
عُيِّنت مُدرِّسة بإحدى مدارس البنات بطنطا، ورُقِّيَت بعد ذلك ناظرة مدرسة البنات المرقسية بالإسكندرية. ونظرًا لكفاءتها الإدارية العالية، استُدعيت لتنظيم جمعية التوفيق القبطية بسوهاج، وعندما أثبتت كفاءة في هذا العمل، تم الاستعانة بها في عدد من المدارس في بني سويف والمحلة الكبرى وحارة السقايين. كما أنها عُيِّنت أستاذة فنية في مدرسة السنية الأميرية للبنات بالقاهرة.
الدور الوطني للكاتبة الكبيرة:
كان لها دور كبير في ثورة سنة 1919م؛ حيث شاركت في المظاهرات النسائية، كما أنها أنشأت مجلة “المرأة المصرية”.
قصة تعرفها على الزعيم الوطني مصطفي كامل:
تعرفت على الزعيم الوطني الكبير “مصطفى كامل” (1874-1908م)، وحول قصة تعرفها عليه يقول رامي عطا صديق: “كنت عائدة من الإسكندرية إلى القاهرة في مهمة رسمية تتعلق بعملي المدرسي وأردت أن أقطع الوقت في القطار بالقراءة في إحدى المجلات الفرنسية، وكان الزعيم مصطفى كامل باشا جالسًا أمامي في نفس الديوان، فسألني بالفرنسية: اسمحي لي يا سيدتي بسؤال صغير، أني أرى زيَّكِ أوروبيًّا وجلستكِ جلسة سيدة أوروبية تحترم نفسها وفي يدكِ مجلة فرنسية لي الشرف بصلة الصداقة مع أصحابها، وفي الوقت نفسه أرى أن وجهكِ يكاد يكون مصريًّا- فهل حضرتكِ فرنسية؟ فأجبته بالعربية: لي الفخر أن أكون مصرية صميمة لحمًا ودمًا من الآباء والأجداد إلى فجر التاريخ، فوثب واقفًا من الدهشة وأبدى استغرابه من وجود امرأة مصرية في زي أوروبي في هذا الوقت المبكر وطلب أن يعرف اسمي، فأجبت: اسمي بلسم عبد الملاك ومهنتي ناظرة مدرسة البنات القبطية المرقسية بالإسكندرية، فاسترسل معي في الحديث العذب والثناء المستطاب، وقدم لي رجاء أن يكون اسمي بلسم عبد الملك وليس عبد الملاك، فقبلت مغتبطة وصار هذا اسمي من تلك الساعة.
ولقد طالبت بلسم عبد الملك بإحياء ذكرى مصطفى كامل في أثناء إحدى الاحتفالات الوطنية التي أقيمت عام 1920م للاحتفال بأحد رموز الحركة الوطنية.
تأسيس مجلة “المرأة المصرية”:
وفي خلال سنة 1920، أصدرت بلسم عبد الملك مجلة “المرأة المصرية”، واستمرت في الصدور حتى وفاتها عام 1939م، وقد نادت بلسم على صفحات مجلتها بضرورة الاهتمام بتعليم المرأة حتى تتحلى بالعلم والثقافة وتتخلص من قيود الجهل، كما طالبت بضرورة خروج المرأة للعمل إلى جوار الرجل على قدم المساواة، كما رحبت بمشاركة المرأة المصرية في مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي عام 1923، وكانت باستمرار ترحب بتأسيس الجمعيات النسائية التي تساهم في نهضة المرأة المصرية، كما كانت بلسم تؤكد دومًا أن المرأة المصرية ليست أقل كفاءة من المرأة الأجنبية. ولقد فتحت بلسم عبد الملك صفحاتها لعدد من الكاتبات المصريات لكي يكتبن فيها بحرية ويعبرن عن أنفسهن. كما سمحت للرجال أن يساهموا بأقلامهم في الكتابة بها، وكان من بينهم المؤرخ الكبير توفيق بك إسكاروس (1871-1942م) الذي ساهم بسلسلة مقالات عن المرأة المصرية خلال الفترة من (1923-1926م).
كما تعاونت في الكتابة في مجلة “المصرية” التي كانت تصدرها هدى شعراوي (1879-1947م). وتولت أخيرًا الإشراف على تأليف كتاب عن الشاعرة “ملك حفني ناصف” (1886-1918م) المعروفة بباحثة البادية، كما يذكر الدكتور رامي عطا صديق أنها كتبت كتابًا عن “التدبير المنزلي” صدر عام 1925م، واستمرت في الكتابة والكفاح حتى توفيت في يوم 2 نوفمبر 1939م.
الأهمية الأدبية والثقافية لمجلة “المرأة المصرية”:
حول الأهمية الأدبية والثقافية لمجلة “المرأة المصرية” كتب إسماعيل إبراهيم في كتابه “صحفيات ثائرات” إن العدد الأول منها صدر عام 1920م، وهي مجلة أدبية شهرية علمية نسائية، وحمل غلاف العدد الأول منها صورة لامرأة فرعونية، وذكرت السبب في ذلك بقولها “إن المجلة تأتي برسم الأميرة المصرية “نُفرت” لأنها سوف تكون مجلة تعبر عن المرأة المصرية الصحيحة، بعد أن نهضت المرأة المصرية لتأخذ بيد القابعات في ظلام الجهل، وسوف يكون هذا الرسم في صدر كل عدد إن شاء الله، دلالة على أنها مصرية بحتة تقوم بخدمة المرأة التي نهضت في هذه الأيام الأخيرة عاملة في سبيل ترقية المرأة”.
ولقد كتبت بلسم عبد الملك في افتتاحية العدد الأول من المجلة: “لقد كنت من اللواتي صرفن وقتًا ثمينًا من حياتهن في التدريس، وعرفت في تلك مدة ما تحتاجه الفتاة المصرية من العلم والتربية، وكتبت كثيرًا في الصحف السيارة والمجلات النسوية في موضوع المرأة، ثم وجدت فراغًا كبيرًا في عالم الأدب لا يملأه غير وجود مجلة نسائية مصرية بحتة لترقية الجنس اللطيف، ولتكون ميدانًا تتسابق فيه أقلام ربات الخدور من المصريات، فقمت بإنشاء هذه المجلة وأسميتها “المرأة المصرية” وذلك بمساعدة كثيرات من سيدات العائلات الشريفة اللواتي شجعنني ماديًّا وأدبيًّا”.
الاهتمام بالمرأة الريفية:
اهتمت المجلة بالمرأة الريفية، فنشرت عدة مقالات لفاطمة حسن عن (الريفيات– الفرق بين الريفية والحضرية… إلخ) وقد دافعت المجلة عن المعلمة المصرية، وأيدت قرار وزير المعارف حينذاك أحمد زكي أبو السعود الذي طالب باستبدال المعلمات الأجنبيات بالمعلمات المصريات، ثم عددت بلسم عبد الملك أسماء بعض المصريات اللاتي لا يقللن كفاءة عن الأجنبيات مثل (نبوية موسى– نور الهدى عبد الله– ماتيلدا عوض– نور حسن… إلخ).
كما اهتمت المجلة بنشر الأخلاق والفضيلة؛ ففي أحد أعدادها دعت لتجنُّب ما أسمته “الخطايا السبع” وتشمل (السياسة بلا مبدأ– الثروة بلا عمل– اللذة بلا ضمير– المعرفة بلا أخلاق– التجارة بلا أدب– العلوم بلا إنسانية– العبادة بلا تضحية)، كما اهتمت المجلة بكتابة عدة مقالات عن “بطلات التاريخ” قدمت من خلالهم قصص حياة بعض زعيمات النهضة النسائية حول العالم.
مصادر ومراجع:
- إيريس حبيب المصري، قصة الكنيسة القبطية، الجزء الخامس من (سنة 1870-1927)، ص 144.
- رامي عطا صديق، الأقباط وصناعة الصحافة المصرية، تقديم سمير مرقس، دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع، الطبعة الأولى، سبتمبر 2016م، ص 117-122.
- إسماعيل إبراهيم، صحفيات ثائرات، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الأولى، سبتمبر 1997، ص 85-92.
- إيرين موسى، بلسم عبد الملك.. صحفية قبطية تطالب باستقلال مصر من الاحتلال، جريدة وطني، 17 فبراير 2022م.