من بين الشخصيات القبطية التي لعبت دورًا كبيرًا ومؤثرًا خلال النصف الأول من القرن العشرين، نذكر تادرس بك وهبي، فهو يُعتبر من أوائل المؤسسين للمسرح المصري في مصر.
ميلاده ونشأته:
وُلِد في حارة زويلة خلال عام 1856م (بعض المراجع الأخرى ذكرت 1860م). وفي سن الخامسة من عمره التحق بمدرسة الأرمن بالأزبكية، وهناك تعلم مبادئ الفرنسية والأرمنية. وفي العاشرة من عمره التحق بمدرسة الأقباط الكبرى بالأزبكية، حيث تعلم اللغتين العربية والإنجليزية، وتقدم بعدها للامتحان النهائي، وكان يرأس لجنة الامتحان رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873م)، وقد كتبت صحيفة الوقائع المصرية التي كان يرأس تحريرها الطهطاوي نفسه في العدد الصادر بتاريخ 5 مارس 1872م “صار افتتاح الامتحان الذي ميز تادرس وهبي بين الأقران، وأشير إليه بالبنان. وكان امتحان هذا التلميذ في اللغة العربية والمنطق والبيان، واللغة الفرنسية والإنجليزية، والهندسة واللغة الطليانية. فأحسن في كل هذه الإجابة، وظهرت عليه إشارات النجابة”، وبعد أن تخرج في المدرسة عمل مترجمًا بنظارة المعارف، ودرس اللغة القبطية على يد برسوم الراهب. كما التحق في نفس الفترة بالأزهر، حيث درس وتعمق في دروس اللغة العربية، ثم استقال من خدمة الحكومة، وعمل مدرسًا للغتين العربية والفرنسية بمدرسة الأقباط الكبرى بحارة السقايين ثم ناظرًا لها حتى أحيل إلى المعاش عام 1916م”.
كتب عنه المؤرخ اللبناني الكبير فيليب دي طرازي (1865-1956م)، فقال: “إنه أثرى مجلة روضة المدارس المصرية التي أسسها علي باشا مبارك (1823-1893م) عام 1870م، أنه أثرى المجلة بالعديد من المقالات القيمة”.
قائمة الكتب والمؤلفات التي كتبها:
أثرى الأديب الكبير تادرس بك وهبي المكتبة القبطية والمصرية بالعديد من الكتب والمراجع القيمة، نذكر منها في حدود ما تمكنت من التوصل إليه:
- العقد الأنفس في ملخص التاريخ المقدس، وهو ترجمة عن الفرنسية، وطبع في مطبعة الوطن القديمة.
- التحفة الوهبية في تقريب اللغة الفرنسية.
- رسالة بعنوان “ارتشاف الراوي من صرف النحو الفرنساوي”.
- الخلاصة الذهبية في علم العربية.
- مرآة الظرف في فن الصرف.
- عنوان التوفيق في قصة يوسف الصديق. (وهذه القصة قد مثلت بحضور الخديو توفيق باشا، ولنا عودة تفصيلية إليها بعد الانتهاء من عرض قائمة مؤلفاته).
- الأثر النفيس في تاريخ بطرس الأكبر ومحاكمة ألكسيس، وقد مثلت أيضًا في دار الأوبرا.
- رواية تلماك، وهي مترجمة عن الفرنسية.
- كتاب باللغة القبطية لتدريس المبتدئين. وقد طبع عدة مرات.
له أيضًا عدة كتب أخرى لم تطبع بعد نذكر منها: “تاريخ مصر مع فلسفة التاريخ”، وكتاب مطول في فنون الأدب، وديوان شعر ونثر.
أما عن مسرحية “عنوان التوفيق في قصة يوسف الصديق” يذكر عنها الدكتور سيد علي إسماعيل في دراسته الرائدة عنها، والصادرة عن سلسلة تراث المسرح المصري، المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية. أن مقدمة المسرحية وضعها علي بك فهمي رفاعة رافع الطهطاوي (1848-1903م) أنه يستحسن هذا النوع من الفن الذي يتوافق في موضوعاته مع قواعد الدين الإسلامي. فقال: “هذا الفن بمدلوله الأصلي إن خلا من عوارض تشينه، وتحلى بمباحثات تزينه، وتقلد بعلو همه، وتجرد من انتهاك حرمه، ولم تكن آلة موصولة للنفوس الدينة، إلى ارتكاب ما لا يليق بالإنسانية، فهو الواجب سياسة والجائز شرعًا والمحلل طبعًا، والحسيب أصلًا وفرعًا”.
ثم يقدم الشاعر حفني ناصف (1855-1919م) بقصيدة نادرة في مدح المسرحية ومؤلفها، نذكر منها:
كتابل وهبي بك عز نظيره إذا قسته بالدر يستحق الدر
تخال إذا طالعته إن ما مضى من الأمر مشهود وهذا هو السحر
وتنظر في أسجاعه حسن يوسف فيا حبذا في حسنه السجع والشعر
وبعدها يقدم تادرس بك وهبي مقدمتين: الأولى تشمل ملخصًا عن تاريخ مصر في عهد ذي القرنين، والبطالسة وإنشاء مكتبة الإسكندرية، ثم الرومان والفتح الإسلامي والمماليك والعثمانيين والحملة الفرنسية، ومحمد علي باشا، ثم حديثًا مطولًا عن المدارس القبطية وما وصلت إليه من تقدم، ثم تحدث عن نفسه، وظروف كتابته للمسرحية.
أما المقدمة الثانية، فيعرض فيها ملخص قصة يوسف الصديق، واختتم المؤلف مسرحيته بخاتمة قصيرة بعنوان (خاتمة وعظة وصفية لمجمل السيرة اليوسفية) ثم قصيدة دعائية من قصائده.
ويرصد الدكتور سيد على إسماعيل بعض الملاحظات في المسرحية يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
الملاحظة الأولى إن المؤلف لم يقسم مسرحيته إلى فصول، بل قسمها إلى عدة مقامات.
الملاحظة الثانية إن المؤلف لم يقسم مقاماته إلى مشاهد كما هو معروف حاليًا، بل قسم كل مقامة إلى عدة فصول.
الملاحظة الثالثة إن المؤلف كان يضع عناوين لمقاماته، وعناوين أخرى لفصوله.
الملاحظة الرابعة إن المؤلف كان تارة يكتب بعض الإرشادات المسرحية واضعًا إياها بين أقواس، وتارة أخرى يكتبها ضمن سياق الحوار.
الملاحظة الخامسة تتمثل في شخصيات المسرحية وطريقة كتابتها فمثلًا كان يقول “قال ممثل يوسف عليه السلام” ولم يقل “قال يوسف مباشرة، على اعتبار أن كل شخصية منهم تمثل نبيًّا من الأنبياء، ولا يحق دينيًّا ولا رقابيًّا إظهار أحدهم على خشبة المسرح بصورة مجسدة.
الملاحظة السادسة والأخيرة تتمثل في شخصية امرأة العزيز حيث ذكرها هكذا “قال ممثل امرأة العزيز”، حيث إن التقاليد المسرحية وقتها كان الرجال يقومون فيها بأدوار النساء في الأغلب الأعم.
أما عن مسرحية “تاريخ بطرس الأكبر” يذكر عنها الدكتور سيد علي إسماعيل أنه نشرها عام 1904م بالمطبعة الكبرى ببولاق، وهو يتكون من 160 صفحة، وفي الفصل الأول منها تحدث المؤلف عن حالة العمران بمصر منذ عهد مينيس إلى العصر الحديث، وفي الفصل الثاني، تحدث عن ملخص لتاريخ بطرس الأكبر من خلال الحديث عن حالة بلاد الروس قديمًا، وما قامت به شقيقته صوفيا من الفتن والدسائس، وتأسيس مدينة بطرسبرج، وزواج بطرس من كاترين، ثم الحديث عن الخلاف بين بطرس وولده ألكسيس الذي وصل إلى حد إعدام ألكسيس، أما الباب الثالث والأخير، فقد خصصه المؤلف لنص المسرحية؛ حيث قسمها إلى خمس مقامات، وكل مقامة تتكون من فصلين من الفصول المعنونة، وفي خاتمة المسرحية قدم دراسة تاريخية شغلت 43 صفحة.
وفي مقالة مهمة للدكتورة عايدة نصيف بعنوان “تادرس وهبي من شعراء الأقباط”، جاء فيها أنه نشر العديد من القصائد ورد الكثير منها في كتاب سيد كيلاني “الأدب القبطي قديمًا وحديثًا” بعضها نُشر في جريدة الوقائع المصرية، وقصيدتان في رثاء “بطرس غالي”، وقصيدة أخرى في الذكرى السنوية الأولى لوفاته عام 1911م، وله قصيدة في تهنئة الخديو عباس لنجاته من مؤامرة اغتيال دُبِّرت له عام 1912م ونُشِرت في مجلة روضة المدارس. كما كتب قصيدة دعا فيها الأقباط إلى نبذ ما بينهم من خلافات جرت وقائعها بين الإكليروس وخصومهم بسبب النزاع على الأوقاف وغيرها من الأمور، ودعوته لأهمية الوحدة المسيحية. ودعا أخيرًا إلى سيادة الود والوفاء.
ومن بين النماذج الشعرية التي ذكرتها ما نظمه في ذكرى اغتيال بطرس باشا غالي عام 1911م، حيث قال:
إلام تحاول طول البقاء وتنشب فينا سهام المنون.
فواحر قلباه حم القضاء وعم البلاد فأدمى العيون.
بفقد الرئيس دفنا الفخار وكان لدينا المكين الأمين.
غدرت بالوزير بطرس غالي فاندبها أيها الثقلان.
وفاته:
توفي الأديب تادرس بك وهبي عام 1934م، عن عمر يناهز 78 عامًا.
مصادر ومراجع:
- سيد علي إسماعيل: عنوان لتوفيق في قصة يوسف الصديق، سلسلة تراث المسرح المصري، المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، السلسلة رقم 12، 2005م.
- تادرس وهبي بك 1860: 1934، صور أعلام الديار المصرية وعلمائها.
- الدكتورة عايدة نصيف: تادرس وهبي من شعراء الأقباط، البوابة نيوز، الجمعة 8 أبريل 2016م.
- دير القديس أنبا مقار الكبير: أراخنة هذا العصر، وهبي بك تادرس، سلسلة من تاريخ كنيستنا، السلسلة رقم 167.
- كتب ومؤلفات تادرس وهبي، مؤسسة هنداوي.
- الأثر النفيس في تاريخ بطرس الأكبر ومحاكمة ألكسيس– وهبي بك تادرس.
- نبيل أبو القاسم: أعلام علماء مصر، ص 255، الشخصية رقم 222.
- فيليب دي طرازي، تاريخ الصحافة العربية، الجزء الثالث، ص 70.
- محمد سيد كيلاني، الأدب القبطي قديمًا وحديثًا، ص 237-250.