ميلاده ونشأته:
هو كاتب ومؤرخ وصحفي مصري قبطي، وُلد في أسيوط وتحديدًا في منقباد خلال عام 1875م، وتعلم في مدارس أسيوط، وتدرج في مراحل التعليم المختلفة حسب ظروف عصره. ثم عمل معاون تفتيش أرمنت التابع للدائرة السنية عام 1874م، ثم عمل معاونًا لمصلحة الأحوال الأميرية في أسيوط. أسس جمعية خيرية لإعانة الفقراء عام 1882م. ثم بعدها عمل معاونًا في وابورات النيل في أسيوط عام 1882م.
كما أسس شركة مساهمة في أسيوط باسم “الشركة التجارية القبطية” وقد خصصت عُشر أرباحها للأعمال الخيرية، وفتحت فروعًا لها في سوهاج وجرجا وأخميم. كما أسس شركة عقارية بالفيوم للمتاجرة وإصلاح الأراضي فاتُّهم زورًا وحسدًا بالتزوير أنه استحوذ على 300 فدان. ولكن ثبتت براءته، فمنحه الخديو لقب البكوية عام 1903م كنوع من رد الاعتبار له.
خدماته في المجال الكنسي:
أما عن خدماته في المجال الكنسي والقبطي، ففي عام 1884م دعا إلى إنشاء لجنة لإحياء التاريخ القبطي، وكان أعضاء اللجنة هم (تادرس شنودة المنقبادي– الخواجة يوسف إسرائيل– سرجيوس قلته– أبادير سمعان- مشرقي حنا– أبادير نخيلة– صليب ميخائيل– ساويرس حنا)، وقررت اللجنة ترتيب احتفال كبير بعيد النيروز، وبالفعل تم هذا الاحتفال في شهر سبتمبر 1885م، وقد حضره مطران أسيوط في ذلك الوقت، وقناصل الدول المختلفة وأعيان وموظفو أسيوط. ولقد ذكر المرحوم الأستاذ نجيب كيرلس المنقبادي حفيد مؤرخنا العظيم، أن ترتيب الاحتفالية بدأ بالصلاة، ثم أُلقيت الخطب الحماسية عن تاريخ الأقباط وتاريخ المدرسة القبطية بأسيوط، كما تم توزيع اللحوم والدقيق والأغذية المختلفة على فقراء مصر -أقباط ومسلمين- دون تمييز.
تأسيس جريدة مصر:
وفي مجال العمل الصحفي، عشق تادرس شنودة المنقبادي العمل الصحفي منذ وقت مبكر، ففكر في إنشاء جريدة يومية مع تادرس بك وهبي (1865-1934م). وكان ذلك عام 1889م، ولكنه لم يستطِع؛ لأنه كان يعمل بالحكومة وقتها، ولكنه فيما بعد أصدر مجلة تُسمَّى “النور” لنشر الأخبار الطائفية، والعناية بأخبار الجمعيات والإصلاحات الطائفية، ولكنها لم تستمر طويلًا، ولكن أتيحت له فرصة كبرى لتأسيس صحيفة كبرى لعبت دورًا كبيرًا في تاريخ الصحافة المصرية، ألا وهي “جريدة مصر”. فقد ظهر العدد الأول منها عام 1895م، ولقد تميزت كتاباته في الجريدة بالتنوع، فكان يكتب في السياسة والاقتصاد والاجتماع، ويغلب على أسلوبه الإسهاب والإطالة، والميل إلى الاقتباس من الكتاب والشعراء والحكم والأمثال وأقوال الساسة.
الدور الوطني الذي لعبته جريدة مصر:
صدر العدد الأول من جريدة مصر في يوم الجمعة 22 نوفمبر 1895 بمدينة القاهرة. وقد لعبت جريدة مصر دورًا كبيرًا في تاريخ الحركة المصرية، كما جاء على لسان تادرس شنودة المنقبادي نفسه فقد “نظرت إلى حالة المصريين بعين التأمل وإذ ببذور التدهور والتفكك في طور النمو، ووجدت أنه من العار ألا يكون للأقباط جريدة معتدلة تعمل بقلب مخلص وغيرة صادقة على خدمتهم وقيادتهم إلى المبادئ القويمة والإصلاح الصحيح”. وتحت عنوان “الاتحاد قوة” ذكرت الجريدة أن أبناء الوطن يجب عليهم الاهتمام بالمصالح العامة طالما حكام الأمة يعاملون جميع أفرادها حسبما تقتضيه أحوال العدالة وقوانين المساواة… فإن أية أمة تنقسم على ذاتها مصيرها الخراب، وأي شعب تمسك أفراده بأذيال الاختلاف كان هدفًا لمخالب التطرف، فكفانا انقسامًا”.
فقد كان المنقبادي يرى أن الطائفية شيء والوطن شيء آخر ولا يجب أن يتداخل الاثنان فقال: “وقد يحتمل أن يكون أبناء الوطن مختلفي المذاهب والأديان على أن ذلك لا يجب أن يتخذ ذريعة إلى إهمال المصالح الوطنية العامة”.
قال عنها اللورد كرومر في أحد تقاريره “إن الأقباط وجريدة مصر مثال يحتذى به في الجد والاجتهاد وتحصيل العلوم، والدفاع عن حقوقهم بغير استكانة”.
وتوقفت جريدة مصر خلال عام 1966م بعد كفاح دام واستمر حوالي 71 عامًا (1895-1966م).
ترجمة ونشر كتاب “تاريخ الأمة القبطية”:
وفي مجال الترجمة والنشر، قام تادرس شنودة المنقبادي بنشر وطبع كتاب “تاريخ الأمة القبطية وكنيستها” للمؤرخة الإنجليزية الشهير “بوتشر Edith Butcher”، أما الترجمة فقام بها إسكندر أفندي تادرس أحد موظفي وزارة الداخلية، وطبع على نفقة جريدة مصر عام 1900م. وقد كتب تادرس شنودة المنقبادي مقدمة في الطبعة الأولى منه قال فيها: “إذا قرأ القارئُ تاريخَ الأمة القبطية التي عنت بوضعه هذه السيدة الفاضلة يرى أنها أمة لم يُرَ لها نظير بين أمم الأرض التي تراكمت عليها من سيف ونار واضطهاد وعذاب وحروب داخلية وخارجية وثورات أهلية… التي لو حاقت واحدة منها بأقوى أمم الزمان لما بقي لها في عالم الوجود وجود.. ولا مراء في أن الأمة القبطية الحاضرة بما عرف عنها من الذكاء الخارق والفطنة تستفيد من تاريخها هذا فائدة لا تجدها في غيرها إذ نقف على حقيقة ما فيها بأجلى بيان ويتجلى بها مجدها القديم الذي انهار وضاع فعلمت على استرجاعه.. ومعلوم أن هذا التاريخ يمتاز عن غيره من التواريخ الأخرى التي كتبت عن الأمة القبطية في أنه صحيح ودقيق لم يترك شاردة إلا وسجَّلها في باطنه فضلًا عن أنه كُتِب بروح خالية من الغرض أو الجبن الذي أضاع أكثر الحقائق التاريخية”.
الكفاح الوطني لتادرس شنودة المنقبادي:
في مقال بعنوان “إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث: المؤتمر القبطي” لصموئيل تادرس، يذكر فيه أنه خلال عام 1908م، ذهب وفد مكون من أخنوخ فانوس، تادرس شنودة المنقبادي، حبشي مفتاح لمقابلة الخديو لتقديم بعض الطلبات الخاصة بمساواة الأقباط والمسلمين في التعيين بالمناصب الإدارية، وتعطيل المحاكم يوم الأحد، وتعليم الدين المسيحي في المدارس الحكومية للتلاميذ الأقباط.
والجدير بالذكر أن تادرس شنودة المنقبادي كان أول من طالب بالاهتمام بقصر السكاكيني، فبعد أن توفِّي السكاكيني باشا عام 1923م، وبعد وفاته بأربع سنوات (أي عام 1927م) قدم المنقبادي شهادته عن بناء القاهرة الخديوية ودار الأوبرا، مؤكدًا أن السكاكيني قدم من دمشق إلى القاهرة للعمل في قناة السويس، فكلفه الخديو إسماعيل ببناء دار الأوبرا، وقام برفع التراب المحيط بالمنطقة، واشترى 30 فدانًا لتأسيس الحي المعروف حاليًا “حي السكاكيني”.
زيارته للإكليريكية وتشجيعه للطلبة:
ذكر الأرشيدياكون القديس حبيب جرجس (1876-1951م) في موسوعته الهامة “المدرسة الإكليريكية بين الماضي والحاضر” أن تادرس شنودة المنقبادي قام بزيارة المدرسة الإكليريكية عام 1897م، حيث شجع الطلبة وطالبهم بالاهتمام بالوعظ في الكنائس والجمعيات.
وفاته:
توفي الكاتب والصحفي والمناضل تادرس شنودة المنقبادي عام 1932م عن عمر يناهز 74 عامًا.
نداء ورجاء:
كان كاتب هذه السطور خلال فترة عمله بقاعة الدوريات بدار الكتب والوثائق المصرية، يهتم بتصفُّح بعض الأعداد العشوائية من جريدة مصر، فلاحظ أنها تُعتَبَر وثيقةً تاريخيةً مهمةً ليوميات وأحوال الوطن بصفة عامة، والكنيسة والأقباط بصفة خاصة، ومن هنا فإنني أوجه نداءً إلى جميع مراكز المعلومات والبحث والتوثيق والأرشفة في الكنيسة القبطية بسرعة جمع –بل أقول إنقاذ– ما تبقى من هذه الجريدة، خصوصًا أني لاحظت أن حالة الورق سيئة جدًّا وفي طريقها للاندثار الكامل، ويا حبذا لو شمل هذا المشروع أيضًا كل الدوريات القبطية، التي كان لها دور مهم في تشكيل الوعي والثقافة القبطية، والتي كان يكتب بها صفوة علماء ومفكري الكنيسة خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
مصادر ومراجع:
- تادرس بك شنودة المنقبادي وطني وصحفي– تاريخ الأقباط المنسي.
- مينا بديع عبد الملك: البعد الوطني وراء الاحتفالية برأس السنة المصرية، جريدة المصري اليوم، الأربعاء 9 سبتمبر 2020م.
- عواطف عبد الرحمن ونجوى كامل، تاريخ الصحافة المصرية: دراسة تاريخية ومعاصرة، ص 327-328.
- هيروك ميوكاو– الصراع على الهوية المصرية (دراسة حالة لمهرجان نيروز)، ترجمة محمد مسعد يحيى، الحوار المتمدن، 21 ديسمبر 2018م.
- مريم مسعد: قصة جريدة مصر التي أسماها الإنجليز الجريدة الوطنية المتطرفة، جريدة وطني 3 مايو 2015م.
- موسوعة تاريخ أقباط مصر، الجرائد والمجلات القبطية التي صدرت خلال الفترة ما بين 1877- 1952.
- رامي عطا صديق، الصحافة المصرية في القرن التاسع عشر، تاريخها وافتتاحياتها، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى، يناير 2006، ص 109-110.
- مريم مسعد صادق: لأول مرة السيرة الذاتية للمؤرخة بوتشر، موقع صوت المسيحي الحر
- دونالد مالكوم ريد: فراعنة من؟ ص 396.
- صامويل تادرس: إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث: المؤتمر القبطي، الحرة، 1 مارس 2018م.
- بوابة الأهرام: قصة السكاكيني مع تلال العقارب في القاهرة الخديوية، 4 يوليو 2020م.
- مينا بديع عبد الملك، أقباط في تاريخ مصر، جمعية مارمينا العجايبي للدراسات القبطية بالإسكندرية، الجزء الثاني، مايو 2019م، ص 40-43.
- حبيب جرجس: المدرسة الإكليريكية بين الماضي والحاضر، 1939م، ص 22.