يُمثل الأستاذ الدكتور جرجس متى أهمية كبيرة في تاريخ علم الآثار المصرية واللغة الديموطيقية منها تحديدًا، فهو يُعتَبَر أول أستاذ مصري يتخصص في هذه اللغة (أو بالأحرى لأن الخط الديموطيقي فرع من فروع تطور اللغة المصرية القديمة).
ميلاده ونشأته:
جاء عنه في قاموس التراجم القبطية “أنه رئيس قسم الآثار بكلية الآداب جامعة القاهرة سابقًا، التحق بمعهد الآثار وتتلمذ على يد جماعة من كبار العلماء المصريين والأجانب. ونال دبلوم المعهد الكاثوليكي من باريس في 1931م. وبعدها التحق بجامعة أكسفورد ونال البكالوريوس في 1933م، ثم الدكتوراه في 1936م وكان موضوع رسالته “الأوستراكا الديموطيقية في مجموعة أكسفورد وباريس وفيينا والقاهرة. ثم عُين مدرسًا في معهد الآثار المصرية بكلية الآداب، وقد تدرج من هذه الوظيفة حتى أصبح أستاذًا ورئيسًا للمعهد. وعندما أُلغي المعهد وأُنشئ قسم الآثار بنفس الكلية اختير رئيسًا للقسم بفرعيه المصري والإسلامي إلى أن ترك الخدمة في عام 1965. وقد نشر قرابة ستين بحثًا باللغة الإنجليزية، حول اللغة المصرية وخاصةً فرعها الديموطيقي”.
ولقد جاءت سيرته في موسوعة Coptic Encyclopedia، حيث كتب عنه منير بسطا Munir Basta تحت اسم Girgis Mattha، ذاكرًا أنه كان واحدًا من أوائل الخريجين من المعهد المصري للآثار المصرية Institute of Egyptology in Fouad 1 University in Cairo. ثم سافر في بعثة لدراسة الآثار المصرية في المعهد الكاثوليكي Institute Catholoque in Paris، ثم درس في إنجلترا في جامعة الملكة Queens College بجامعة أكسفورد تحت إشراف عالم المصريات والقبطيات فرنسيس جريفيث Francis L. Griffith، ثم عاد إلى مصر عام 1937، حيث عمل محاضرًا ثم أستاذًا مساعدًا في قسم فقه اللغة Philology. ولقد عُين نائب مدير للمعهد خلال الفترة من (1949- 1950) ثم صار عميدًا للمعهد خلال الفترة من (1950- 1965). ولقد كانت كتابات الدكتور جرجس متى في علوم المصريات متميزة جدًّا.
وتوجد له كتابات قيمة في دوريات:
(Institute Francais d Archeologe Orienatle- The Builletin of the Faculty of Letters- Bulletin de Institute d Egypt) ومعظم هذه الدراسات في المواضيع القانونية والاقتصادية من الوثائق الديموطيقية الأصلية Legal and economic subjectsfrom original demotics sources. (Muinr Basta ;- Girgis Mattha. Coptic Encyclopedia)
ولقد ذكرت موسوعة Who Was Who أنه ولد في 5 مايو 1905م، وتوفي في 19 فبراير 1967م.
وفي مقالة هامة للدكتور بولس عياد عياد (1928- 2009) بعنوان “الراحل جرجس متى رئيس قسم علوم المصريات بجامعة القاهرة The Late professor Girgis Mattha Chairman of the Department of Archeology University of Cairo نشرت في مجلة” Coptic Church Review volume 27 , Number 1 , spring 2006 “
حيث يذكر عنه إنه التحق بكلية الطب لمدة سنتين، ولكنه لم يشعر بميل لهذا النوع من الدراسة، فحول دراسته إلى قسم الآثار المصرية لمدة أربع سنوات، وكان من بين زملاء الدراسة (جورجي صبحي– سليم حسن– سامي جبرة، من المصريين)، وتتلمذ على يد مجموعة من العلماء الأجانب مثل (Newberry –Golenischeff – Junker). وبعد التخرج أرسلته جامعة فؤاد الأول في بعثة إلى فرنسا للدراسة في المعهد الكاثوليكي، وكان ذلك خلال عام 1931م، ثم درس في جامعة أكسفورد خلال الفترة من (1931-1936م) كما زار العديد من المكتبات العالمية خلال فترة دراسته، وكان موضوع الرسالة حول الأوستراكا الديموطيقيةThe Demotic Ostraca from the collections at Oxford, Paris, Berlin, Viennaand Cairo.
ويذكر الدكتور بولس عياد أنه بعد عودته إلى مصر، عمل مدرسًا في جامعة فؤاد الأول، وساعد كثيرًا من الباحثين في قراءة وترجمة النصوص الديموطيقية مما أثار إعجاب واحترام كل الباحثين، وفي خلال عام 1956م، أغلق المعهد ليبدأ العمل في قسم الآثار المصرية، فعمل الدكتور متى رئيسًا لقسم الآثار المصرية.
ويذكر عنه الدكتور بولس عياد من خلال تلمذته على يد العالم الكبير في كلية الآثار، حيث كان يتميز بالقدرة العالية على الشرح والتوضيح، وكانت محاضراته شيقة جدًّا، وكانت لديه القدرة أن يجيب على أي سؤال يُوجَّه إليه، ويذكر بولس عياد أنه حضر له ذات محاضرة، وأنه كان يترجم نصوصًا هيراطيقية بدون الاستعانة بقواميس، وكان يهتم أن يحلل كل كلمة جاءت في النص، مع مقارنة مثيلاتها في اللغتين اليونانية والقبطية، ولقد كتب الدكتور متى ما يقرب من حوالي 60 كتابًا، وقد غطت كتاباته كل الكتابات المصرية بخطوطها المختلفة (هيروغليفية– هيراطيقية– ديموطيقية– قبطية).
ويذكر الدكتور بولس عياد أخيرًا أن بروفيسر جريفث، قد سجل في أحد كتبه؛ حيث أشاد كثيرًا بجهود تلميذه القبطي المجتهد جرجس متى.
أهميته العلمية:
وحول جهود جرجس متى في دراسة وتدريس الخط الديموطيقي، يذكر الدكتور محمد رأفت أن جرجس متى كان أول المقتحمين لهذا المجال الذي درس الديموطيقية في جامعة أكسفورد على يد العالم الشهير جريفيثF. L.Griffith، وكان أول مصري ينشر مجموعة كبيرة من النصوص الديموطيقية المسجلة على الأوستراكا (الشقاقات). (محمد رأفت: الجهود التي بذلها العلماء لفك رموز الخط الديموطيقي، موقع تاج مصر Crown of Egypt، نقلًا عن كتاب الكتابة الديموطيقية للأستاذ الدكتور عبد الحليم نور الدين).
توجد محاضرة للعالم الكبير بعنوان “تقرير تمهيدي عن قانون هرموبوليس.. الشرائع القديمة والكشف عن بعض نصوصها” جاءت في دورية Bulletin de L Egypt /Annee 1940 حيث يذكر في المحاضرة أن بعثة الآثار بجامعة فؤاد الأول عثرت على ملف من ورق البردي داخل قادوس من الفخار.. وعهدت الجامعة إلى الدكتور جرجس متى بدراسة هذا الملف، وتبين من الدراسة أنه يحوي مجموعات خاصة بالتزامات المالك والمؤجر وشؤون الهبة والميراث والانتفاع والتسجيل، ولقد كشف هذا الملف عن نصوص تشريعية هامة تتعلق بتطور القوانين في مصر القديمة.
ترشيحه لوهيب عطا الله (المتنيح الأنبا غريغوريوس) للدراسة في جامعة مانشتستر:
الجدير بالذكر أن العالم الكبير الدكتور جرجس متى، كان قد رشح تلميذه النجيب “وهيب عطا الله جرجس بقطر” للدراسة في جامعة مانشتسر عند عالم القبطيات الكبير فالتر تل Walter Till (1894- 1963)؛ حيث جاء في خطاب التزكية: يسرني أن أرشح الأستاذ وهيب عطا الله جرجس الذي كان طالبًا ممتازًا بمعهد الآثار المصرية بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول، أرشحه لدراسة خاصة بالدراسات القبطية القديمة لبعثة صيفية إلى جامعة مانشتستر لدى العلَّامة الكبير الأستاذ ولتر تيل حيث لا تتوفر هنا المراجع الخاصة بهذه الدراسة.
30/ 3/ 1952
دكتور جرجس متى
وفي خطاب مُرسَل من الطالب وهيب عطا الله إلى الدكتور جرجس متى بتاريخ 1 فبراير 1954م، جاء فيه: “أستاذي الجليل الدكتور جرجس متى أحييكم تحية حب بإخلاص وإجلال، متمنيًا سلامة الله أن يحفظكم متمتعا بالسلامة والصحة والرفاهية. قد علمت هذا الأسبوع من أستاذنا الدكتور تل بسؤالكم له عني، فقفز قلبي سرورًا بذلك الاهتمام، وكذا رأيت أن أكتب لكم لأشكركم على هذه التحية ولأبثكم مشاعر الامتنان، وبهذه المناسبة أتمنى أن يكون خطاباي الأولان قد وصلاكم. إذ أخشى أن يكون كلاهما أو أحدهما قد فُقِد بالبريد، فقد عرفت أخيرًا أنكم قد نقلتم إلى مسكن آخر. أذكر هذا فقط على سبيل العلم، وحتى لا أبدو أمام أستاذنا مقصرًا في واجب مقدَّس، أحرص على أدائه في احترام ومحبة وإعزاز… أما عني، فإني أبذل جهدي في مواصلة الدرس بقدر ما يسمح به الوقت، وعلى قدر ما أملك من إمكانيات، وأعترف بأنني راغب أن أستزيد كثيرًا من القراءة والدرس، فموضوع الرسالة، إلى جانب أنه ممتع ومفيد، فإنني أحس بأنني كلما قرأت رأيت إمتاعًا وفائدة، كما أجد ما يجلو أمامي من صعوبات. على أنني أعترف لكم بامتناني الجزيل على تفضلكم بالسؤال عني والكتابة إليَّ، إن هذا بالحق فضل ومحبة واهتمام، بلغ من قلبي مبلغًا عميقًا وأوقفني ذاهلًا من هذا الخلق المسيحي الكريم.
أما أنبائي بإيجاز فهي أنني منذ اليوم الذي سجلت فيه موضوع الرسالة، وأنا أواصل العمل قراءةً وتحريرًا حتى هذه اللحظة، ولقد انتهيت من دراسة عدد لا بأس به من الكتب والمجلات العلمية. ولكن الموضوع يقتضي مني دراسة كل النصوص التي نشرت باللغة القبطية حتى الآن، وهو يشمل تراث أربعة عشر قرنًا على الأقل، زائدًا على ما اشتملت عليه المجلات العلمية من مقالات، مما يقتضي جهدًا ووقتًا. وإنني أؤكد لكم أنني بفضل نعمة الله لولا رغبتي ونهمي في اغتراف المعرفة بتراثنا الثمين، لما قويت حتى الآن على متابعة العمل نهارًا وليلًا بصورة دعت أستاذ اللغة العربية بالجامعة -وهو مصري- أن يطلب من الأستاذ تل أن يوصيني بأن أشفق على صحتي وأعصابي من مواصلة العمل. ختامًا إذ أكرر شكري، أرجو أن تتقبلوا فائق احترامي.
وهيب عطا الله”
مصادر ومراجع:
Morris L Bierbrier (ed) Who Was Who in Egyptology4 revised ed.
Munir Basta ;- Girgis Mattha ;The Coptic Encyclopedia , volme 4.
Boulos Ayad ;- The Late Professor GirgisMatthaChairman of The Department of ArcheologyUniversity of Cairo.
- قاموس التراجم القبطية: جمعية مار مينا العجايبي بالإسكندرية، ص 64-65.
- محمد رأفت: الجهود التي بذلها العلماء لفك رموز الخط الديموطيقي، موقع تاج مصر Crown of Egypt، نقلًا عن كتاب الكتابة الديموطيقية للأستاذ الدكتور عبد الحليم نور الدين.
- الدكتور جرجس متى: تقرير تمهيدي عن قانون هرموبوليس. الشرائع المصرية القديمة والكشف عن بعض نصوصها، Bulletin de L. Institute d Egypt جلسة يوم 2 يونيه 1941م.
- موسوعة الأنبا غريغوريوس: السيرة الذاتية للأنبا غريغوريوس، الجزء الأول، الأنبا غريغوريوس قبل رسامته أسقفًا، جمعية الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي، ص 67-108.
- شكر خاص للأستاذ الدكتور سعد ميخائيل برنامج الحضارة القبطية على قناة لوجوس لتفضله بإرسال مقالة الدكتور بولس عياد.
- شكر خاص للدكتور باسم سمير الشرقاوي لتفضله بترجمة الفقرة إلى اللغة العربية وإرسالها لي.