يُمثل الفنان والمبدع الكبير حبيب جورجي أهميةً كبيرةً في تاريخ الفنون التشكيلية في مصر؛ فهو صاحب نظرية الفن التلقائي عند الأطفال التي قلبت نظريات الفن التشكيلي في العالم كله.
ميلاده ونشأته:
وُلد في 22 مارس 1892م، وتدرج في مراحل التعليم المختلفة حتى حصل على بكالوريوس كلية المعلمين، وتخصص في تدريس علوم الرياضيات. وفي عام 1918م أعلن ناظر المدرسة الإنجليزي التي كان يعمل بها مدرسًا للرياضيات عن تأسيس قسم للفن، فانضم إليها حبيب جورجي، وسرعان ما عشق حبيب جورجي هذا الأمر حتى أنه ترك تخصصه الأصلي الرياضيات وتخصص في دراسة الفن، فأوفدته وزارة المعارف العمومية في بعثة إلى إنجلترا لدراسة الفنون، وكان ذلك خلال عام 1919م، فحصل على درجة الزمالة في الفنون الجميلة عام 1923م. وبعد عودته إلى مصر عمل مدرسًا للرسم بالمدارس الابتدائية ثم الثانوية، فمدرسًا بمدرسة المعلمين العليا عام 1924م، فمفتشًا لوزارة المعارف ثم عميدًا لمفتشي الرسم عام 1940م. وقد ساهم في تأسيس العديد من الجمعيات الفنية نذكر منها جمعيات الرسم بمدارس المعلمين، وتأسيس جمعية الرعاية الفنية عام 1936م، وجمعية الرسم بالألوان المائية.
القيمة الفنية لتجربة حبيب جورجي:
أما عن الإضافة الحقيقية التي أضافها الفنان حبيب جورجي للفن المصري، فهو تأسيسه لتجربة الفن التلقائي عند الأطفال المصريين التي استغرقت ما يقرب من 12 عامًا خلال الفترة من (1939-1951م) واستخلص منها نتائج تربوية بالغة الأهمية غيَّرت مناهج التربية الفنية في مصر والعالم. وكانت بمثابة الأرضية التي قام عليها بيت الفن في الحرانية، الذي أسسه صهره المرحوم رمسيس ويصا واصف (1911-1974م) واشتهر بإنتاجه للسجاد المعروف بسجاد الحرانية.
ولقد ذكر الفنان والكاتب الكبير كمال الملاخ (1918-1987م) في كتابه الرائد “80 سنة من الفن” عن هذه التجربة فقال عنها: “في عام 1938 بدأ الفنان حبيب جورجي تجربته حول الفن التلقائي عند الأطفال. فبدأ يجمع الأطفال في سن مبكرة، وكانوا خمس فتيات وولدًا صغيرًا، وأسكنهم معه في منزله وتركهم يعبِّرون في تلقائية عن كل ما يخطر على بالهم ليستخرج المخزون التشكيلي الوراثي قبل أن يتأثروا بالحياة المدنية، فقام بعزل هؤلاء الأطفال عن المؤثرات الحضارية والتعليمية، وبعد خمس سنوات من التجربة، أي خلال عام 1943م تقريبًا، بدأ بعض الأثرياء في تدعيمه ماديًّا بعد أن شعروا بقيمة العمل الذي يقوم به. فزاد عدد الأطفال إلى 14 فتاة و6 أولاد، من أبرزهم سميرة محمد حسن وسيدة ميساك وبدور جرجس… وقد أقام لهم خمسة معارض في القاهرة، حتى وصلت التجربة إلى علم مؤسسة اليونسكو، فأقامت لهم معرضًا في باريس ومعرضًا آخر في لندن. وقد أثبت حبيب جورجي من خلال تجربته أن تاريخ الجنس البشري مختزن في أعماق الذاكرة الإنسانية بشكل مكنون، ومن الممكن عند عزل الأطفال عن المؤثرات الحضارية المختلفة مع تشجيعهم على استخراج هذا المخزون أن يقدموا ما بداخلهم من مواهب مكبوتة تنتظر اللحظة المناسبة للإعلان عنها في شكل عمل إبداعي متميز”.
وعن هذه التجربة يذكر الدكتور مينا بديع عبد الملك في كتاب “أقباط في تاريخ مصر، الجزء الأول” فيقول: “لقد امتدح العلامة الأب آيتين دريتون (1889-1961م)، مدير الآثار المصرية، هذا العمل وتنبأ بمستقبل زاهر. وحدث أنه كان في زيارة لدار التربية الفنية بحمامات القبة وشاهد هؤلاء الأبناء يبعثون الحياة في كتل من الطين تحمل كلَّ سمات الفن المصري القديم. وأبدى -على حياء- رأيًا كان يعتقد أنه يخالف به الأستاذين حبيب جورجي ورمسيس ويصا واصف. وانتقد ما تقوم به “خضرة” إحدى الفتيات الموهوبات– من تقليد متقن ومذهل لتمثال الفلاحة المعروض بالمتحف المصري، وأنه كان يفضل أن تكون أعمالهم خلاقة من وحي الخيال والبيئة– وليس النقل والمحاكاة– وهذه نظرية لا يختلف عليها اثنان. وكم كانت دهشة دريتون كبيرة عندما أكدت له “خضرة” أنها لم تدخل المتحف المصري أبدًا طول حياتها. ولكنه تراث آلاف السنين يسري في عروقها سريان الدم في الشرايين”.
ولقد أشار المفكر المصري الكبير الدكتور مراد وهبة، في كتابه المهم “فلسفة الإبداع” إلى تجربة حبيب جورجي التي جمع خلالها ستة من الأطفال العاديين فقال عنها: “في عام 1950م دعت اليونسكو حبيب جورجي إلى إقامة معرض في فرنسا وإنجلترا يعرض فيه آثار المدرسة الفنية التي أنشأها. وخصصت الإذاعة البريطانية برنامج النقاد الأسبوعي لمناقشة أعمال هذا المعرض. وفي هذا البرنامج قال الناقد الأدبي روبرت أنستي Robert Anstey إن أعمال هذه الفتاة سيدة ميساك قد خرجت عن نطاق الطبيعة وأحدثت صياغة جديدة للطبيعة. وقال موريس كوليز في مجلة “تيم آندتايد” إننا رأينا سجاجيد نسجتها أيد تتراوح أعمارها بين العاشرة والرابعة عشرة أفضل من السجاجيد التي تصنع وفقًا لمشاهير الفنانين المعاصرين الفرنسيين والإنجليز. ومعنى هذا القول إن الطفل منذ البداية ومن غير تعليم يتذوق العملية الإبداعية ويمارسها. ومعناه أيضًا أن الإبداع سابق على المحاكاة”.
زيارة ملكة إنجلترا لمعرض حبيب جورجي:
ذكر الفنان الكبير حبيب جورجي أن ملكة إنجلترا قد غيَّرت برنامج زيارتها لترى معرض حبيب جورجي، كما قال له الفيلسوف الإنجليزي العالمي ألدوس هكسلي Aldous Huxley (1894- 1963): “إن نظريتك في الفن قلبت مفاهيمنا في الفن رأسًا على عقب”.
ويذكر الدكتور مينا بديع عبد الملك في مقالته عن حبيب جورجي، أن وزارة الثقافة التفتت إلى أهمية حبيب جورجي ورأت الاستفادة منه، فقدمت إليه الطابق الثاني من وكالة الغوري حيث اهتمت الصحف والتلفزيون المصري به وألقت أضواءها على أعماله ولقد أصبحت هذه الوكالة مركز إشعاع فني.
بزوغ فكرة معهد الدراسات القبطية في منزله:
ذكرت المؤرخة الكبيرة إيريس حبيب المصري (1918–1994م) في موسوعتها الرائعة “قصة الكنيسة القبطية– الجزء السادس رقم ب، صفحات 69-73” أن فكرة إنشاء معهد الدراسات القبطية وُلدت في منزل حبيب جورجي بأبي قير حيث قالت: “كان الدكتور عزيز سوريال عطية يزور حبيب جورجي، وخلال الزيارة تطرق الحديث إلى المبنى القائم على أرض الأنبا رويس، ووجوب استغلاله لخدمة الكنيسة. ورأوا أن خير وسيلة لاستغلاله هو إنشاء معهد عالٍ للدراسات القبطية، فتحمس الأنبا يوأنس مطران الجيزة الراحل للفكرة وقال لعزيز سوريال عطية: “ما دمت متضايقًا من حرمانك منصب أستاذية التاريخ بجامعة الإسكندرية– فما رأيك في الاستقالة وتركيز جهودك على افتتاح المعهد ثم تولي رئاسته”، فراقت الفكرة للمؤرخ الكبير فبدأوا يتناقشون في كيفية جمع التمويل اللازم، فأعلن الأنبا يؤانس استعداده أن يساهم بـ500 جنيه سنويًّا. وحذا حذوه الأنبا ياكوبس مطران القدس الراحل. فقال لهما حبيب جورجي: “هل أنتما مستعدَّان أن تكتبا تعهدًا كتابيًّا بذلك ليكون وثيقة في يد عزيز سوريال يطوف بها مختلف الجهات لجمع المال اللازم، فوافق المطرانان وكتبا التعهد المطلوب، وبالفعل استعان عزيز سوريال عطية بهذا التعهد لجمع المبالغ المطلوبة”.
وظل قسم الفن القبطي بالمعهد امتدادًا لمدرسة حبيب جورجي في النحت كما أسندت إليه مسؤولية تعليم الفن بالمدرسة القبطية الأولية وجمعية التوفيق القبطية.
تكريم معهد الدراسات القبطية لاسمه:
قام معهد الدراسات القبطية بتكريم اسمه مع آخرين في احتفال كبير أُقيم مساء يوم الأربعاء 31 مارس 1976م بالقاعة المرقسية بالأنبا رويس بالعباسية برئاسة نيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي، وقد تم التكريم مع خمس شخصيات أخرى هم (الدكتور عزيز سوريال عطية– الدكتور سامي جبرة– الفنان راغب عياد– الدكتور شفيق عبد الملك– الفنان الراحل حبيب جورجي– المهندس يوسف سعد).
الكتاب الذي أصدره بعنوان “حديث الفنون”:
للفنان الكبير كتاب مطبوع بعنوان “حديث الفنون” اشترك في تأليفه مع كل من “أحمد شفيق زاهر” و”محمد عبد الهادي” ولقد ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب خلال عام 1950م، ثم ظهرت منه طبعة ثانية عن “وكالة الصحافة العربية”.
ويبقى حلم ورجاء، هو نشر مثل هذه الأعمال الفنية في كتالوجات، مع الشرح والتبسيط لغير المتخصصين، حتى نساهم في نشر الثقافة الجمالية، ومحو الأمية البصرية عند الكثيرين.
وفاته:
استمر حبيب جورجي في الفن والإبداع حتى توفي في 22 أكتوبر 1965م عن عمر يناهز 73 عامًا.
مصادر ومراجع:
- مينا بديع عبد الملك، قاموس التراجم القبطية، جمعية مارمينا العجايبي للدراسات القبطية بالإسكندرية، الطبعة الأولى 1995م، ص 72-73.
- مينا بديع عبد الملك، أقباط في تاريخ مصر (الجزء الأول)، جمعية مار مينا العجايبي بالإسكندرية، نوفمبر 2017م، ص 98–103.
- كمال الملاخ وآخرون، 80 سنة من الفن (1908-1988)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991م، ص 103 وص 143–174.
- الأنبا غريغوريوس، السيرة الذاتية للأنبا غريغوريوس، الجزء الثاني رقم 39، جمعية الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي، ص 405-420.
- مراد وهبة، فلسفة الإبداع، دار العالم الثالث، الطبعة الأولى 1996م، ص 85-86.
- حبيب جورجي عبد الله الطويل– السيرة الذاتية– قطاع الفنون التشكيلية، موقع على شبكة الإنترنت.
- محمد مهدي: كيف تحول أهل الحرانية إلى فنانين عالميين زوجة رمسيس ويصا تروي، موقع مصراوي، بتاريخ الأحد 16 ديسمبر 2018م.
- إيريس حبيب المصري، قصة الكنيسة القبطية، الجزء السادس (ب) مكتبة المحبة، صفحة 69 وما بعدها.
- بدر الدين أبو غازي: حبيب جورجي، مجلة المجلة، يناير 1966م، السنة العاشرة، العدد 109، ص 99-100.
- مجلة مدارس الأحد: عدد شهري أبريل ومايو 1976م، ص 36-39.
- شكر خاص للأخ الحبيب الأستاذ إسحق الباجوشي لتفضله بتصوير عدد مجلة مدارس الأحد وإرساله لي.
- شكر خاص للدكتور سعد ميخائيل صاحب برنامج الحضارة القبطية على قناة لوجوس لتفضله بإمدادي ببعض المعلومات عن الفنان الكبير.