يُمثل العالم الكبير الأستاذ الدكتور راغب مفتاح قيمة كبرى في تاريخ الدراسات القبطية بصفة عامة، والموسيقى القبطية منها بصفة خاصة، فهو يُعتَبَر من أوائل العلماء المصريين الذين عملوا على دراسة وتوثيق الموسيقى القبطية دراسةً علميةً مقننة وفق قواعد النوتة الموسيقية.
ميلاده ونشأته:
ولد في 21 ديسمبر 1898، من عائلة قبطية عريقة خدمت الثقافة القبطية كثيرًا، نذكر منهم الأستاذ عريان مفتاح (1826-1886م) الذي قام بضبط قواعد نطق اللغة القبطية، كما كان والده حبشي مفتاح أحد مؤسسي جمعية التوفيق القبطية.
حصل راغب مفتاح على شهادة البكالوريا عام 1918م، وسافر إلى ألمانيا لدراسة الزراعة من جامعة بون University of Bnn، ثم تفرغ بعد ذلك لدراسة تاريخ الموسيقى بأوروبا. رجع إلى مصر عام 1926م، ولقد رسم مستقبل حياته أن يتفرغ بالكامل لدراسة الموسيقى القبطية، وفي سبيل تحقيق ذلك الهدف، سافر إلى إنجلترا على نفقته الخاصة، وهناك تعرف على الموسيقار العالمي “أرنست نيولاند سميث” الأستاذ بالأكاديمية الموسيقية الملكية بلندن، وطلب منه أن يقوم بزيارة مصر لمدة 7 شهور سنويًّا ما بين شهور (أكتوبر–أبريل) على أن يتحمل راغب مفتاح نفقات الإقامة كاملةً، وطلب منه العمل على تدوين الموسيقى القبطية على أسس علمية راسخة. وفي ثلاثينات القرن العشرين، قام الأستاذ راغب مفتاح باختيار المرتل “ميخائيل جرجس البتانوني (1873-1957م)” كبير مرتلي الكنيسة المرقسية الكبرى، لتسجيل ألحان الكنيسة القبطية أمام المايسترو العالمي نيولند سميث، وقام الأستاذ نيولند سميث بتدوين هذه الألحان في ستة عشر مجلدًا.
وفي عام 1932م، قامت الحكومة بعمل مؤتمر كبير للتراث الموسيقي شارك فيه كبار الموسيقيين من ألمانيا والنمسا وفرنسا… إلخ. وشارك الأستاذ راغب مفتاح في ذلك المؤتمر ببحث عن الموسيقى القبطية، ودعا الأستاذ راغب كبار الموسيقيين العالميين الحاضرين للمؤتمر، لحضور قداس في كنيسة العذراء الشهيرة بالمعلقة، وقام بصلاة القداس القمص مرقص شنودة، كاهن كنيسة المعلقة بمصر القديمة، بالاشتراك مع المعلم ميخائيل جرجس البتانوني، ولقد أثارت نغمات القداس الإلهي شعور كبار الموسيقيين العالميين الحاضرين للمؤتمر.
وفي عام 1940م، كوَّن الأستاذ راغب مفتاح فريقًا من المرتلين من طلبة الكلية الإكليريكية، وخورسين أحدهما لطلبة الجامعة والثاني للطالبات. وفي عام 1954م أقام مركزًا لتعليم الألحان للمرتلين والشمامسة في وسط القاهرة، وكلف المعلم ميخائيل بالتدريس فيه.
وكان للدكتور راغب مفتاح دور كبير في تأسيس معهد الدراسات القبطية بالقاهرة عام 1954؛ إذ قال في مذكراته الشخصية: “وفي عام 1954م أسست أنا والدكتور عزيز سوريال عطية والدكتور سامي جبرة والدكتور صابر جبرة معهد الدراسات القبطية، وحررنا محضر تأسيسه في منزل الأستاذ كامل بولس حنا، ومنذ ذلك الحين وإلى الآن وأنا رئيس قسم الألحان بهذا المعهد، وكان بالكلية الإكليريكية 250 طالبًا وكوَّنت منهم أربعة خوارس الأول والثاني والثالث والرابع… وكان ولايزال إلى الآن الخورس الأول أحسن خورس في وادي النيل، وهو يُتَّخَذ نموذجًا لكثير من الخوارس”.
وأقام المتنيح قداسة البابا شنودة الثالث حفل تكريم له عندما بلغ المائة من العمر في احتفال كبير أقيم على مسرح القاعة المرقسية بالأنبا رويس في 21 ديسمبر 1998م، وفيه تم الاحتفال رسميًّا بصدور كتاب “القداس الباسيلي” مكتوبًا بالنوتة الموسيقية عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة. واشترك في عمل هذا الكتاب الضخم كلٌّ من عالمة الموسيقى القبطية مارثا روي، والعالمة المجرية مارجريت توت، والعالم القبطي الدكتور راغب مفتاح. (كان لكاتب هذه السطور شرف حضور هذه الاحتفالية، وفي مداخلة شخصية لي مع العالمة الكبيرة الدكتورة مارثا روي قالت لي إن هذا الكتاب خير تكريم للموسيقى القبطية ذات التأثير العالمي).
وفي يوم 13 يناير 2000 قامت جمعية محبي التراث القبطية بتكريم الدكتور راغب مفتاح ضمن واحد من المهتمين بالموسيقى القبطية بقاعة إيوارت Ewart التذكارية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. (كان لكاتب هذه السطور شرف حضور هذه الاحتفالية).
وأهدى الدكتور راغب مفتاح كل النوت الموسيقية التي بحوزته عن الموسيقى القبطية إلى مكتبة الكونجرس الأمريكية، وقام السيد جيمس بلنجتون James H. Billington (1929-2018م) مدير مكتبة الكونجرس في ذلك الوقت باستلامها في احتفال عالمي مهيب.
وذَكَرَ الدكتور راغب مفتاح في أحاديث مختلفة ثلاثة مصادر للموسيقى القبطية هي: (المصرية القديمة– العبرية– اليونانية). فقد أخذ المسيحيون الأوائل العديد من الموسيقى المصرية القديمة ووضعوا عليها نصوصًا مسيحية، ومن أشهر هذه الألحان لحن “غولغوثا”، الذي كان يستعمله المصريون القدماء أثناء عملية التحنيط، ولحن “بيك إثرونوس” الذي يشتمل نصفه الأول على نغمات حزينة تُردَّد لوفاة الفرعون، والنصف الثاني نغمات مبهجة تردد لزفاف الفرعون المنتقل إلى مراكب الشمس لتصحبه إلى رع في دنيا الخلود. كما انسكبت موهبة التلحين على العديد من كبار آباء الكنيسة القديسين مثل القديس كليمندس السكندري– القديس أثناسيوس الرسولي– مار أفرام السرياني– القديس هيلاريون أسقف بواتيه– القديس أمبروسيوس أمير اللحن اللاتيني… إلخ. كذلك أيضًا هناك بعض تأثيرات الموسيقى العبرية (موسيقى المعبد اليهودي) دخلت عن طريق اليهود المتنصرين بالإسكندرية. وبعض الألحان التي أضافها البابا كيرلس الرابع (1816-1861م) بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية رقم 110. من الكنيسة اليونانية مثل لحن “توليتوس– لحن العذراء (آطاي بارثينوس) وغيرها الكثير”.
وذَكَر الدكتور راغب في أكثر من حديث، وفي أكثر من مكان، أن الموسيقى القبطية موسيقى صوتية خالصة، ولذلك لا يليق استخدام الآلات الموسيقية مثل العود والأورج وغيرها من الآلات الموسيقية في العزف، والآلات الوحيدة المسموح بها هي الصنوج والدف لضبط الإيقاع فقط لا غير.
وخلال فترة دراستي بمعهد الدراسات القبطية، كنت شاهد عيان على نشاط وجهد الدكتور راغب مفتاح؛ حيث كان شبه مقيم في الأستوديو الخاص به في المعهد، وكان يعتبره معبده الخاص. وكنت دائم الحوار معه للاستفادة بعلمه وخبرته في تسجيل وتوثيق الألحان والموسيقى القبطية.
كما كنت شاهد عيان –بحكم عملي في الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية- على اهتمامه بتوصيل وإيداع شرائط معهد الدراسات القبطية إلى إدارة الموسيقى بالهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية بنفسه، وكانت موجودة وقتها بالطابق الخامس من المبنى. وشاهدتُ الجهد الكبير الذي كان يبذله، وهو الشيخ المسن الذي تجاوز المائة سنة، لصعود السلالم في الدور الخامس لتعطل المصعد خلال ذلك اليوم.
وفاته:
تنيح الدكتور راغب مفتاح في 16 يونيه 2001م عن عمر يناهز 103 أعوام، وقام المتنيح قداسة البابا شنودة الثالث بالصلاة على جثمانه الطاهر مع لفيف من الآباء المطارنة والأساقفة، وعميد وأساتذة معهد الدراسات القبطية.
مصادر ومراجع:
- ST –Takla.org راغب مفتاح- موقع على شبكة الإنترنت.
- د. ماجد عزت إسرائيل: راغب مفتاح رائد الموسيقى القبطية (1898-2001)، الكتاب منشور PDF.
- مينا بديع عبد الملك: أقباط في تاريخ مصر، الجزء الأول، جمعية مارمينا للدراسات القبطية بالإسكندرية، نوفمبر 2007م، ص 116-120.
- راغب مفتاح.. حارس التراث القبطي– مصر، موقع على شبكة الإنترنت.
- راغب مفتاح…. 14 عامًا على رحيل عاشق الألحان القبطية، موقع على شبكة الإنترنت.
- شكر خاص جدًّا للسيدة الفاضلة المرحومة لورانس مفتاح ابنة شقيق العالم الكبير لتفضلها بإمدادي ببعض المعلومات والوثائق النادرة الخاصة بالعالم الكبير.
- حوار خاص مع العالمة الكبيرة المرحومة الدكتورة مارثا روي.
- بعض الذكريات الشخصية لكاتب هذه السطور.