يُمثل المفكر والفيلسوف الدكتور زكريا إبراهيم حلقة مهمة في تاريخ الفكر المصري الحديث؛ فهو المفكر الكبير الذي أثرى المكتبة العربية بالعديد من الكتب والمراجع القيمة في مجالات الفلسفة والتربية وعلم النفس وعلم الاجتماع والسير والتراجم… إلخ.
ميلاده ونشأته:
وُلد الدكتور زكريا إبراهيم في مدينة القاهرة في 24 يوليو 1924، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدرسة فاروق الأول الثانوية، والتحق بكلية الآداب قسم الفلسفة في عام 1940م وتخرج فيها عام 1944م، وكان من بين زملائه في نفس الدفعة الدكتور يحيي هويدي عميد كلية الآداب جامعة القاهرة سابقًا (؟- 2014م)، ووهيب عطا الله جرجس (1919-2001م) “المتنيح الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي في الكنيسة القبطية فيما بعد”. ثم حصل على درجة الماجستير في الفلسفة من جامعة القاهرة وكانت حول الفيلسوف الفرنسي موريس بولندل، وكان ذلك عام 1949م. وسافر بعدها إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون وكانت حول الفيلسوف الأمريكي وليم أرنست هوكنج، وحصل عليها بتقدير امتياز، وكان ذلك عام 1954. وعاد بعدها إلى مصر وعمل أستاذًا للفلسفة بجامعة القاهرة، وتدرج بعدها في المناصب حتى وصل إلى منصب رئيس قسم الفلسفة بجامعة القاهرة، كما انتُدِب للتدريس في جامعات الخرطوم والأردن، واختتم حياته في المغرب حيث توفِّي فجأة أثناء عمله في جامعة الملك محمد الخامس بالمغرب في 27 أبريل 1976م، ولم يتجاوز من العمر حوالي 52 عامًا تقريبًا. وبالرغم من هذا العمر القصير، إلا أنه كتب وألَّف أكثر من 35 كتابًا في مختلف مجالات الحياة تتميز جميعها بالعمق والشمول. لعل من أشهرها وأهمها سلسلة المشكلات الفلسفية.
كتبه ومؤلفاته:
- مشكلة الفلسفة (1963م).
- مشكلة الحب (1964م).
- مشكلة الحرية (1967م).
- مشكلة الفن (1967م).
- المشكلة الخلقية (1969م).
- مشكلة الحياة (1971م).
- مشكلة الإنسان.
- مشكلة البنية.
وفي سلسلة نوابغ الفكر الغربي كتب كتاب “برجسون” (1956م)، وفي سلسلة عبقريات فلسفية كتب:
- كانط والفلسفة النقدية (1963م).
- هيجل والفلسفة المثالية.
كما ألَّف كتابًا بالغ الأهمية في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصر بعنوان “دراسات في الفلسفة المعاصرة”، وقد صدرت طبعته الأولى عام 1968م. وكتب كتابًا عن “الفلسفة الوجودية” صدر عام 1957م، وكتاب “تأملات وجودية”، صدر عام 1963م. وفي مجال الفن كتب كتاب “فلسفة الفن في الفكر المعاصر”، صدر عام 1966م، وكتاب “الفنان والإنسان” صدر عام 1973م. وفي مجال المرأة والأسرة له كتاب “سيكولوجية المرأة”، وكتاب “الزواج والاستقرار النفسي”، صدر عام 1957م. وعن أهمية الضحك والفكاهة كتب كتاب “سيكولوجية الفكاهة والضحك”، صدر عام 1958م. وفي مجال الدراسات الاجتماعية كتاب “الأخلاق والمجتمع”، صدر عام 1966م، وكتاب “الجريمة والمجتمع”، صدر عام 1959م.
كما كتب أيضًا كتاب “الثقافة الاجتماعية والمنطق” وقد صدر عام 1959م، وأخيرًا كتب في مجال الدراسات الاجتماعية كتاب “مبادئ الفلسفة والأخلاق” صدر عام 1966م. كما شارك في سلسلة أعلام العرب التي كانت تصدر عن دار المعارف، وكتب فيها كتابين هما: “أبو حيان التوحيدي” صدر عام 1964م، وكتاب “ابن حزم” وقد صدر عام 1966م، وفي مجال الشباب كتب كتابًا مهمًّا بعنوان “نداءات إلى الشباب العربي”.
وفي مجال الترجمة، ترجم كتاب “الزمان والأزل.. مقال في فلسفة الدين للفيلسوف الإنجليزي ولتر ستيبس”، وراجعه الدكتور أحمد فؤاد الأهواني، وقد صدرت عنه طبعة خاصة ضمن مكتبة الأسرة في سلسلة “إنسانيات” عام 2013م.
كتاباته الفلسفية في الدوريات المختلفة:
كتب الدكتور زكريا إبراهيم العديد من المقالات الصحفية في العديد من المجلات الثقافية مثل مجلة “المجلة” و”مجلة الفكر المعاصر”؛ حيث كان من ضمن هيئة المستشارين للمجلة خلال فترة رئاسة تحرير الدكتور فؤاد زكريا (1927-2010م) لتحريرها. وقد كتب مقالًا بعنوان “فلسفة تمجد الإنسان” في العدد الخاص الصادر عن الفيلسوف البريطاني برتراند راسل (1872-1970م) في مجلة الفكر المعاصر عدد شهر ديسمبر 1967م، كما ساهم في الكتابة عن العدد التذكاري الخاص بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر (1918-1970م) في عدد شهر نوفمبر 1970م من مجلة الفكر المعاصر.
كتاباته الفلسفية في المجلات الكنسية:
اهتم الدكتور زكريا إبراهيم بالمجال الكنسي منذ فجر شبابه؛ فلقد خص مجلة اليقظة لصاحبها القمص إبراهيم لوقا (1897- 1950م) ببعض المقالات اللاهوتية والفلسفية وهو لم يزل بعد طالبًا بعد بكلية الآداب قسم الفلسفة، ومن المقالات التي تمكَّنَّا من حصرها:
- أكتوبر 1939م مقالة “طب النفوس”.
- أكتوبر 1941م مقالة بعنوان “مشكلة الجبر والاختيار في المسيحية (الحلقة الأولى).
- نوفمبر 1941م مقالة بعنوان “مشكلة الجبر والاختيار في المسيحية” (الحلقة الثانية).
- يناير 1942م مقالة بعنوان “الله” الحلقة الأولى.
- فبراير 1942م مقالة بعنوان “الله” الحلقة الثانية.
وفور تخرجه في كلية الآداب عام 1944م، وفور تأسيس مجلة مدارس الأحد عام 1947م، كان من بين الرعيل الأوائل الذي اهتم بالكتابة في هذه المجلة بجانب عددٍ كبيرٍ من قادة الفكر القبطي الذين لعبوا دورًا خطيرًا في التعليم الكنسي فيما بعد، نذكر منهم: نظير جيد (المتنيح قداسة شنودة الثالث)– وهيب عطاالله (المتنيح نيافة الأنبا غريغوريوس)– المرحوم الدكتور وليم سليمان قلادة– المرحوم الدكتور سليمان نسيم– رمزي عزوز (المتنيح الأنبا يؤانس أسقف الغربية فيما بعد)– عبد المسيح بشارة (المتنيح الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف فيما بعد– كمال حبيب (المتنيح الأنبا بيمن أسقف ملوي فيما بعد)- المرحوم الدكتور مراد كامل- الدكتور مراد وهبة (أطال الله حياته ومتَّعه بالصحة والعافية)… إلخ. ولقد حاولنا حصر بعض هذه المقالات في حدود الإمكانيات المتاحة فكانت على النحو التالي:
- حياة القديس أوغسطينوس (أبريل 1947م).
- رسائل في كلمات (مايو 1947م). وتضمنت “كونوا رجالًا- أغمضوا عيونكم– لا تستثقلوا وصاياه”.
- رسائل في كلمات (يونيه 1947م)، وتضمنت “راقبوا أفكاركم- حاسبوا ضمائركم– اعلوا على أنفسكم” وفي نفس العدد ترجمة قصة للكاتب الفرنسي “لامنيه” بعنوان “العناية الإلهية”.
- أوجدوا النادي الصيفي (يوليو 1947م).
- الآن (أغسطس 1947م).
- تأثير المدرس في تلاميذه من الناحية العملية الجزء الأول (سبتمبر 1947م).
- تأثير المدرس على تلاميذه من الناحية العملية الجزء الثاني (أكتوبر 1947م).
- قدسية الزواج (فبراير 1948م).
- خطاب مفتوح من المسيحية إلى المسيحيين (أبريل 1948م).
- في سبيل الإصلاح (مايو 1948م).
- أصنام العصر الحديث “عبادة الذات– عبادة المال– عبادة العلم” (سبتمبر 1948م).
- نقيق الضفادع (أكتوبر 1948م).
- حاجتنا إلى ثقافة روحية (يناير 1949م).
ولقد ذكر فيه ضرورة الاهتمام بالثقافة الروحية عن طريق الاهتمام بالكتب حيث قال: “إننا في حاجة إلى نهضة ثقافية شاملة؛ فلابد أن نقدم للشعب القبطي سلسلةً قيِّمةً من المؤلفات الدينية الجديدة والكتب الروحية الممتازة. ولعلنا أحوج ما نكون إلى مثل هذه الحركة حتى يقبل الشباب القبطي على دراسة المسيحية وفَهْم معانيها السامية؛ فلو أننا حرصنا على أن نقدم للقراء كتبًا ممتازة تجمع إلى قوة الإقناع براعة العرض، وحسن التشويق وجمال الأسلوب، لأقبل الشباب المثقف على قراءة الكتب الدينية بشغف ولذة. ولعل من واجب الشباب القبطي أن يساهم بالقسط الأوفر في هذه الحركة الثقافية الكبرى حتى نشبع حاجة الشعب إلى الثقافة الروحية ونزيد من إقبال الناس على الاطلاع الديني”.
- مذكرات قبطي في باريس (يناير 1951م):
ويظهر فيها حرصه على الصلاة الروحية حتى وهو في بلاد الغربة؛ حيث يذكر في مذكراته تحت يوم 14 يونيه 1951م: “قرأت اليوم بحثًا فلسفيًّا عن الصلاة، وكم أود لو استطعت نقله إلى العربية. ولكن الغريب أن نعمة الله تفتقدني دائمًا، فقد فَتُرت صلواتي منذ حين. ومن أجل هذا ساقتني العناية الإلهية إلى هذا البحث الفلسفي لكي يذكِّرني بقيمة الصلاة. والأعجب من ذلك أني رأيت أيضًا في الحلم منذ بضعة أيام أن والدتي جاءت تلومني لأنني لم أفكر في الاتصال بخالقي قبل أن أذهب إلى الفراش، ومن يدري فربما تكون هناك قلوب طاهرة ترفع الصلوات من أجلي كل حين، وبفضل هذه الصلوات لم تختنق في نفسي بقية من إيمان!”.
- معنى الحياة الإنسانية (يونيه ويوليه 1954)، ومن العبارات الجميلة التي وردت في ذلك المقال قوله: “أما جوهر الحياة الإنسانية الحقيقية فهو ذلك النزوع الأسمى إلى ما هو أفضل، وتلك الرغبة المستمرة في التقدم؛ فالإنسان يتحكم في الطبيعة ويظل دائمًا في حالة قلق مستمر وحنين دائم إلى ما هو غير موجود، والصفة المميزة الأولى للإنسان هي هذا القلق المستمر.. ولا تتمثل عظمة الحياة الإنسانية إلا في شعور الإنسان بسمو إرادته وقدرته المستمرة على العمل والنشاط”.
قراءة في كتاب “دراسات في الفلسفة المعاصرة”:
وإذا ما حاولنا أن نطلع على كتاب “دراسات في الفلسفة المعاصرة” نجده يحصرها في الاتجاهات التالية:
- الاتجاه المادي:
ويمثله كل من الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، والوضعية المنطقية ومن أشهر ممثليها دائرة فيينا في النمسا، والمادية الجدلية ويمثلها “كارل ماركس” (1818-1883م).
- الاتجاه الروحي (أو فلسفة الفكر):
ويمثله الفيلسوف الإيطالي “كروتشة” (1866-1953م) والكانطيون الجدد ومن أشهرهم “أرنست كاسيرز” (1874-1945م).
- الاتجاه الحيوي (أو فلسفة الحياة):
ويمثله الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (1859-1941م)، والفيلسوف الألماني ولهم دلتاي (1833-1911م). وشبنجلر (1880-1936م).
- الاتجاه الفنومنولوجي “الظاهري” (أو فلسفة الماهية):
ويمثله الفيلسوف الألماني أدموند هوسرل (1859- 1938م) وماكس شيلر (1874-1928م).
- الاتجاه الأنطولوجي (أو فلسفة الكينونة):
ويمثلها صمويل إسكندر (1859- 1938م) ووايتهد (1861-1947م) ومن الممكن أن يدخل في هذا الاتجاه المدرسة التوماوية الجديدة (أتباع توما الإكويني) ويمثلهم جاك ماريتان (1882-1973م) وايتين جيلسون (1884-1978م).
6-الاتجاه الوجودي (أو فلسفة الوجود):
ويمثلها سورين كيركجورد (1813-1855م) ومارتن هيدجر (1889- 1976م) وجان بول سارتر (1905-1980م) وجبريل مارسيل (1889-1973م).
أما المميزات العامة للفلسفات المعاصرة، فيحددها زكريا إبراهيم في أن عصرنا هو: عصر التحليل– عصر التعقيد– عصر العودة إلى عالم الواقع– عصر العودة إلى الاهتمام بالإنسان- بروز الاهتمام بمشكلة القِيَم- عصر اللامذهبية.
وفي كتاب فلسفة الفن في الفكر المعاصر، وبعد مقدمة شاملة عرض فيها اهتمام الفلاسفة بدراسة الجمال عبر العصور، ثم عرض بعد ذلك لفلسفة الفن عند برجسون، وكروتشة، جورج سانتيانا، جون ديوي، أندريه مالرو، ميرلو يونتي، ألبير كامي، جان بول سارتر، مارتن هيدجر… إلخ. ومن فلاسفة الفكر العربي الحديث والمعاصر عرض لفلسفة عباس محمود العقاد، سلامة موسى، توفيق الحكيم، زكي نجيب محمود… إلخ.
وتميز مفكرنا الكبير على المستوى الإنساني بحبه الشديد للفكاهة والضحك والمرح (وله كتاب مهم عن فلسفة الضحك والفكاهة) كما تميز بعطفه الشديد على أولاده وبناته واحتضانه لطلابه وحرصه الشديد على نجاحهم وتفوقهم سواء في الدراسة أو الحياة العامة.
ويبقى رجاء وأمنية، وهي ضرورة العمل على ظهور طبعات شعبية جديدة من كتبه ومؤلفاته في مكتبة الأسرة ضمن مهرجان القراءة للجميع، وأيضًا ضرورة العمل على جمع وتصنيف وطبع مقالاته الكثيرة المتناثرة سواء في المجلات الثقافية العامة أو المجلات القبطية كاليقظة ومدارس الأحد.
مصادر ومراجع:
- بعض المعلومات والأحاديث الشخصية مع نجلته مدام ريموندا زكريا إبراهيم.
- مينا بديع عبد الملك، قاموس التراجم القبطية، جمعية مارمينا العجايبي بالإسكندرية، الطبعة الأولى 1995، ص 107.
- أعداد متفرقة من مجلة مدارس الأحد خلال حقبتي الأربعينات والخمسينات.
- مجلة اليقظة خلال عام 1942م.