يُمثل الكاتب الكبير سلامة موسى أهمية كبيرة في تاريخ الفكر المصري، فهو كان واحدًا من أوائل من دعوا إلى تبني المنهج العلمي في التفكير.
ميلاده ونشأته:
ولد في عام 1887م في قرية كفر العفي بمديرية الشرقية، تلقى تعليمه الأول في المدارس الابتدائية ثم انتقل إلى القاهرة للدراسة الثانوية وبعدها سافر إلى باريس عام 1907م، ثم استقر في لندن وتعرف على نشاط الجمعية الفابية، وبعد عودته إلى القاهرة أسس عام 1914م مجلة المستقبل التي أقفلتها سلطات الاحتلال البريطاني، كما شارك في تأسيس الحزب الاشتراكي المصري عام 1920م، وتولى رئاسة تحرير مجلة الهلال خلال الفترة من 1923م إلى 1929م، وفي عام 1929م أسس “المجلة الجديدة” التي لعبت دورًا تنويريًّا مهمًّا في الثقافة المصرية، كما احتضنت كثيرًا من المواهب الشابة مثل نجيب محفوظ ويحي حقي وأحمد رامي، وقد زجت حكومة صدقي باشا بسلامة موسى في السجن بتهمة النشاط الشيوعي، ثم انضم إلى جمعية الشبان المسيحيين وكان يعقد بها اجتماعًا أسبوعيًّا ثابتًا كان له دور كبير في تثقيف مئات الشباب سواء القبطي أو المسلم، وكتب في عشرات المجلات مثل “الهلال– البلاغ– المقتطف– مصر- النجمة– الزهراء– الكاتب المصري– مارجرجس.. إلخ”.
وخاض في حياته كثيرًا من المعارك الفكرية والثقافية والسياسية الحادة وكان دائمًا في صف الحرية والديمقراطية والتقدم.
كتاباته ومؤلفاته:
أثرى الكاتب سلامة موسى المكتبة المصرية والعربية بحوالي 46 كتابًا. نذكر منها على سبيل المثال: (مصر أصل الحضارة– أحلام الفلاسفة- الأدب الإنجليزي الحديث– الأدب للشعب- الشخصية الناجعة– المرأة ليست لعبة الرجل– تربية سلامة موسي.. إلخ).
قراءة في كتبه ومؤلفاته:
في كتاب “مصر أصل الحضارة” يؤكد سلامة موسى على فكرة أن الحضارة في العالم كله بدأت في مصر ومن مصر، كما يؤكد أن جذور هذه الحضارة ما زالت تسري فينا فهو يقول: “وفينا من يعتقد أن درس الفراعنة لا يفيدنا كثيرًا؛ لأن الصلة قد انقطعت بيننا وبينهم في اللغة والدين والسياسة والاجتماع والثقافة والفنون. ولكن هذا الاعتقاد خطأ، فإننا لا نزال من حيث السلالة مصريين، يجري في عروقنا الدم الذي كان يجري في جدودنا قبل خمسة آلاف سنة”.
ويختتم كتابه هذا بفصل عنوانه “قيمة الحضارة المصرية”، قال فيه: “هؤلاء الفراعنة، هؤلاء الآباء هم فخر الإنسانية وسوف يذكرون بالإعجاب بعد آلاف السنين وسوف تذكر مصر أنها القطر الوحيد الذي نشأت فيه الحضارة الأولى وعلمت الناس الدين والقوانين والفنون ومبادئ العلوم، وشعب مصر القديم الذي أسدى إلى الإنسانية هذا الفضل هو من السلالة الميداتيرية (سكان البحر الأبيض المتوسط)، أي تلك التي عاشت حول هذا البحر المتوسط بشواطئه الأربعة سواء في إفريقيا أو في آسيا أو في أوروبا، ولا يزال أبناؤها حول هذا البحر وربما يزداد عددهم وتنساح سلالتهم حتى تبلغ الحبشة أو اليمن في الجنوب أو أوروبا الوسطى في الشمال”.
دعوته إلى الانفتاح على العالم:
وبالرغم من إيمان سلامة موسى الشديد بعظمة الحضارة المصرية، إلا أنه لم يكن أبدًا من دعاة الانغلاق. بل على العكس من ذلك دعا إلى ضرورة الانفتاح على العالم، وقيام ما يسمى بالعالمية، فلقد كتب مقالًا شهيرًا في المجلة الجديدة عدد شهر مارس 1930م بعنوان “الوطنية والعالمية” خلاصة ما فيه من أفكار أن ما يساعد على انتشار العالمية بعض النقاط منها:
- سرعة المواصلات وانتشارها.
- سوف تساعد سرعة المواصلات على انتشار الأمراض والأوبئة، الأمر الذي لا يجدي معه الحَجْر الصحي بمعناه التقليدي، الأمر الذي يتطلب إقامة هيئة واحدة تشرف على جميع الأمم وتراقب الأمراض وتعالجها (وهو ما تحقق بعد ذلك في منظمة الصحة العالمية).
- إننا في حاجة لدستور أوفى للحريات والحقوق من ذلك الدستور الذي نُشِر في أيام الثورة الفرنسية؛ فنحن في حاجة إلى حرية سياسية تضمن لجميع الأمم حقوقها السياسية (وهو ما تحقق بعد ذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة بتاريخ 10/12/1948م).
- من العوامل التي تساعد على العالمية جائزة نوبل في الآداب والعلوم، وقد نال جائزة نوبل علماء وأدباء من الهند واليابان، وللأسف لم ينلها أحد من مصر حتى الآن (وهو ما تحقق بعد ذلك على يد الرئيس محمد أنور السادات في السلام والأديب نجيب محفوظ في الآداب والدكتور أحمد زويل في العلوم).
- من الوسائل التي تعمل على تحيق العالمية البريد؛ فهو اتحاد بين جميع دول العالم على الاشتراك في عمل واحد.
- من أعظم المؤسسات العالمية ذلك المؤسس الزراعي في روما؛ فلقد أنشأه ثريٌّ في أمريكا لكي يبحث أحوال الغلال في العالم (وهو ما تحقق يعد ذلك في منظمة الفاو).
- وأهم الوسائل وأقواها هي بلا شك عصبة الأمم المتحدة، ولكن يُعاب عليها ثلاثة أشياء: أولًا إنها ليست عصبة للأمم بل عصبة لحكومات، والعيب الثاني إنها ما زالت خاضعة لنفوذ الحلفاء وهو نفوذ نأمل أن يزول قريبًا، أما العيب الثالث فهو ضعفها؛ إذ هي قائمة الآن بالمعاهدات فقط وليس لها جيش أو أسطول ينفذ إرادتها.
إيمانه بحرية الفكر:
آمن سلامة موسى أيضًا بأهمية الحرية الفكرية، وله في ذلك كتاب شهير بعنوان “حرية الفكر وأبطالها في التاريخ”، كتب فيه يقول: “وليس من ينكر أن للحرية الفكرية أضرارًا؛ فليس شيء في العالم نجني منه فائدة دون أن يكون له ضرر، وضررها هذا لا يمنع الناس من الانتفاع بها”.
كما كتب في المجلة الجديدة عدد نوفمبر 1929م يقول: “إن حبس الحرية للأفراد ينتهي بالثورة، والطريقة المُثلَى للفرد والأمة هي الحرية التي يُساء استعمالها أحيانًا، والأرجح أن خير علاج نعالج به إساءةَ الحرية هي أن تزيد الحرية حتى يألفها الفرد والجماعة ولا يجدون فيها بهذه الآلفة ما يستهويهم إلى التمادي والغلو في ممارستها”.
وضع قواعد لكيف نقرأ كتابًا:
نذكر أيضًا أنه وضع للشباب قواعد عامة لكيف نقرأ كتابًا، وذلك في كتاب شهير له بعنوان “التثقيف الذاتي”، حيث قال:
- تصفَّح الكتاب ككل من خلال الفهرس.
- قراءة فصول الكتاب حسب ترتيب المؤلف.
- يجب أن تجعل الوجبة الذهنية متوازنة فلا تكون كبيرة فنتخم بها، ولا صغيرة فلا نشبع منها.
- يجب أن يصاحب قراءة الكتاب تلخيصه كتابةً حتى تعم الفائدة.
- يجب عليه التركيز في الكتاب فلا يكون مشتَّت الذهن قبل أو أثناء عملية القراءة.
- يجب تثبيت المكان والزمان المخصص للقراءة حتى تصير عادة ثابتة.
وفاته:
توفي الكاتب والمفكر الكبير سلامة موسى في 4/ 8/ 1958م.
مصادر ومراجع:
- آرثر جولد شميت (الابن)، قاموس تراجم مصر الحديثة، ترجمة وتحقيق عبد الوهاب بكر، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، 2003م، ص 696-699.
- بعض مؤلفات سلامة موسى.