يُمثل الفنان والمصور الفوتوغرافي فؤاد عبد الملك أهميةً كبيرةً في تاريخ الفن المصري الحديث والمعاصر؛ فهو مؤسس ما يُعرف “متحف الشمع”، وهو أيضًا من الرعيل الأول المؤسسين لجمعية محبي الفنون الجميلة.
ميلاده ونشأته:
وفقًا لكمال الملاخ، وُلِد فؤاد عبد الملك بالقاهرة عام 1887م، وكان والده من التجار المتعهدين لتوريد المفروشات والملابس للحكومة. درس بكلية الفرير ثم الآباء اليسوعيين، وتخرج منها سنة 1895م. ونظرًا لميله الطبيعي للفنون الجميلة كان يساعد أساتذته في عمل المسارح والمناظر في الحفلات المدرسية. وفي سنة 1896م تلقى درس التصوير الفوتوغرافي عن الأستاذ الفرنسي “جورج دي بييف” ولم تمضِ مدة وجيزة حتى بلغ شوطًا كبيرًا في إتقان هذا الفن. وما أن علم “لكجيان” المصور الفوتوغرافي بما وصل إليه فؤاد من البراعة في التصوير، حتى عيَّنه مساعده. ثم سافر إلى ميونيخ والتحق بمدرسة الفنون الجميلة وعاد إلى مصر ليشتغل بفن التصوير، ولكنه اضطر إلى ترك محله لعدم وجود مشجعين في ذلك العهد. وفتح محلًّا للزراعة الصناعية ومعامل الألبان وكان أول محل تأسس لهذا الغرض بمصر، لكنه اضطر إلى تصفية المحل سنة 1900م.
وفي سنة 1908م غادر مصر إلى أوربا بغرض دراسة الفنون والصنائع. وظل هناك عدة سنوات حتى عَلِم بإنشاء مدرسة للفنون الجميلة وأخرى للزخارف، فعاد وأوجد علاقات مع الفنانين المصريين. وأسس دارًا مصرية هي الأولى من نوعها تشجيعًا للفنون، وسمَّى هذه الدار “دار الفنون والصنائع المصرية” ومركزها شارع بولاق، وأقام فيها أول معرض للفنون والصنائع المصرية، وأقام أول معرض للفنون الجميلة سنة 1920م. وبعدها كون جمعية محبي الفنون الجميلة وكان سكرتيرًا عامًّا لها. وأنشأ متحف الشمع.
ويذكر عنه الأستاذ بدر الدين أبو غازي في كتابه “جيل من الرواد”، فيقول: “ولكن جمعية محبي الفنون الجميلة ترتبط أيضًا بشخصيةٍ لا تُنسَى.. رجل جمع الدهاء والذكاء والمقدرة والاقدام وخبرات متنوعة غريبة.. تعلم في حداثته الرسم والتصوير الفوتوغرافي بمصر وألمانيا وأتقنه حتى وصلت مخيلته إلى التفكير استعمال السينما قبل أن ينتشر هذا الفن، والتحق برحلة علمية للمستشرق الكبير “الكونت دي لمبرج”، وسافر إلى بلاد العرب الجنوبية، وظهرت أعماله التصويرية في مؤلَّفات الرحلة المحفوظة في متحف فيينا الوطني. ولم يلبث عند عودته إلى مصر عام 1896م أن يعمل علي التفرغ لهذا الفن”.
تأسيس جمعية محبي الفنون الجميلة:
في عام 1920م، أسس فؤاد عبد الملك دوارًا للفنون والصنائع المصرية في شارع بولاق رقم 21، وذلك تشجيعًا لترقية الفنون والصنائع المصرية، وأقاموا أول معرض للربيع سنة 1921م؛ حيث ذكر في إعلان هذا المعرض أنه يحوي أثاث البيوت ورياشها المصنوعة في دار الفنون والصنائع في مصر. كما أنه كتب في دعوته، أنه المعرض الرابع. وفي سنة 1922م افتتح المعرض باسم “صالون القاهرة” وكتب في دليل المعرض أنه أقيم على نفقة “دار الفنون والصنائع المصرية” لصاحبها فؤاد عبد الملك وشركاه. وأُسنِدت سكرتارية المعرض إلى راغب عياد. واشترك في هذا المعرض 27 فنانًا مصريًّا و15 من الأجانب. وساعدت الجمعيةَ بعضُ السيدات المصريات وفي مقدمتهن هدى شعراوي، وتسابقن في التبرع بالمال حبًّا في الترقي بالفنون، وساعدن الجمعية مساعدة كبيرة. ثم رأى فؤاد عبد الملك أن خير وسيلة لصيانة المعرض وتثبيت دعائمه هي إنشاء جمعية قوية ترعاه وتنشطه. وكان في مقدمة من لبى دعوته إلى هذه الجمعية محمد محمود خليل. ثم أُلِّفت جمعية محبي الفنون الجميلة سنة 1923م، وتكون أول مجلس إدارة للجمعية من السادة الآتي أسماؤهم: الأمير يوسف كمال رئيسًا– محمد محب وإميل ميريل نائبين للرئيس– محمد محمود خليل سكرتير عام– يوسف قطاوي أمينًا للصندوق– فؤاد عبد الملك وشارل بوجلان سكرتيرين– عشرين عضوًا من الأجانب والمصريين، كما أُلِّفت لجنة من السيدات.
تأسيس متحف الشمع بالقاهرة:
في صيف عام 1934م، أنشأ فؤاد عبد الملك متحف الشمع، الذي سُمِّي عند بداية إنشائه “المتحف التاريخي المصري” وكان يحتل عند إنشائه قصر “تيجران” بشارع إبراهيم باشا. وفي خلال عام 1947م، انتقل المتحف إلى مقر بشارع القصر العيني، قبل أن يُهدَم المقر فتُنقل محتويات المتحف إلى حلوان بمقره الحالي، الذي افتُتِح في 6 أغسطس 1950م.
خطاب ورثة المرحوم فؤاد إلى السيد مدير متحف التعليم:
في عام 1962م، وتحديدًا في 19 مارس 1962م قام ورثة المرحوم فؤاد عبد الملك وهم (جورج عبد الملك– واصف عبد الملك– حلمي عبد الملك) بتقديم بيان مُفصَّل عن متحف الشمع، إلى السيد مدير متحف التعليم بوزارة التربية والتعليم، وكانت أهم بنود البيان:
- تاريخ إنشاء المتحف في عام 1934م.
- الهدف من إقامته هو نشر الثقافة في جميع طبقات الشعب بطريقة فنية مجسمة.
- عدد الزائرين من مصريين يبلغ خمسة وعشرين ألف فرد مصري، وخمسة عشر ألفا من الأجانب والوفود الأجنبية.
- رسم الدخول للطلبة هو ثلاثة قروش والدخول العمومي خمسة قروش.
- مواعيد فتحه للجمهور من الساعة الثامنة صباحًا إلى الساعة الخامسة مساءً.
- لا تخص المتحف أي إعانة فنية مالية.
- المشرفون على المتحف هم الورثة السادة: (جورج عبد الملك– واصف عبد الملك– حلمي عبد الملك).
- مرفق طيه صورة فوتوغرافية للمرحوم السيد/ فؤاد عبد الملك.
الوضع الحالي لمتحف الشمع:
يقع متحف الشمع حاليا بالقرب من محطة مترو حلوان، ولقد افتُتِح المقر الحالي للمتحف في 6 أغسطس 1950م، وكان في البداية خاضعًا تابعًا لمحافظة القاهرة، إلى أن تسلمته وزارة الثقافة في عام 1997م لينضم إلى قائمة المتاحف التابعة لقطاع الفنون التشكيلية. ويضم المتحف 116 تمثالًا و26 منظرًا تحكي تاريخ مصر، بدءًا من الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية، حتى ثورة يوليو 1952م، ويقوم تقسيم المتحف على تخصيص عدد من القاعات لكل فترة زمنية معينة، ويحيط بكل قاعة حديقة مورقة، ويمكن المرور من مشاهد عصر إلى مشاهد عصر آخر عبر الغرف المتصلة ببعضها على شكلٍ متوالٍ، يسرد لنا الحقب التاريخية في ترابط تاريخي.
ويبدأ الزائر بقسم العصر المصري القديم الذي يضم تماثيل أمنحتب الرابع، وحور محب بجوار زوجته، كما يضم تمثالًا رائعًا يمثل انتشال موسى النبي من النيل، وتظهر في خلفية هذا المشهد المعابد الفرعونية ونهر النيل. كما يضم مشاهد وقصصا وروايات عن عهد الخلفاء الراشدين، وتماثيل تروي انتصار صلاح الدين على الصليبيين، وطرق علاج صلاح الدين لريتشارد قلب الأسد. وفي قاعة أخرى مشهد أسر لويس التاسع في دار ابن لقمان بالمنصورة بعد هزيمته في معركة المنصورة عام 1250م. وفي قاعات أخرى تمثل الشارع المصري في وضعه الحالي أبرزها ليالي رمضان وارتباطها بالشارع المصري.
وفاته:
توفي عام 1955م، وهو يُعتَبَر من الرواد المصريين الأوائل لتشجيع الفنون الجميلة في مصر.
مصادر ومراجع:
- رشدي إسكندر وكمال الملاخ، 50 سنة من الفن، دار المعارف بمصر، 1962م، ص 113-114.
- بدر الدين أبو غازي، جيل من الرواد، صفحة 21، 22.
- صفحة صور وحكايات: فؤاد عبد الملك، أسدى للفن المصري خدمات جليلة، كان من بينها تأسيس متحف الشمع، 30 أبريل 2020م.
- منصة كلمتنا: متحف الشمع بحلوان.. تجسيد لمراحل تطور الأحداث المصرية.
- أسماء هنداوي: منصة كلمتنا، متحف الشمع بحلوان.. تجسيد لمراحل تطور تاريخ الأحداث المصرية، 4 ديسمبر 2022م.
- الموقع الرسمي لوزارة الثقافة.
- شكر واجب للسيد معالي وزير الثقافة الأسبق الأستاذ الدكتور عماد أبو غازي الذي تفضل ونبهني إلى أهمية هذا الفنان الكبير، وتفضل وأمدني بكثير من المعلومات عنه.