يُعتبر الدكتور فايز فايق بطرس واحدًا من أشهر أطباء مرض القلب، حيث كان له دور كبير في علاج حالات كثيرة من المشاهير في مصر.
ميلاده ونشأته:
وُلِد خلال عام 1932، وعمل أستاذ أمراض قلب وأوعية دموية وأمراض القلب من مشكلات الصمام– اضطرابات نبض القلب– اعتلال عضلة القلب.. إلخ. وعمل لفترةٍ مديرًا لمعهد خلال الفترة من (1988-1993م). نجح خلالها في تطوير المعهد، حيث استُكمِل المبنى الجديد للمعهد، واهتم بتشجيع أطباء المعهد الشباب على البحث والدراسة وطرق كل أبواب العلم لخدمة المريض. وفي عهده نُظِّم أول مؤتمرات جمعية القلب المصرية الذي حظي بنجاح فاق كل التوقعات.
وقد كان هو الطبيب المعالج لكثير من آباء الكنيسة، نذكر من بينهم نيافة الحبر الجليل الأنبا غريغوريوس، أسقف الدراسات العليا والثقافة القبطية والبحث العملي (1919-2001م)، حيث أُصيب بأزمة قلبية أثناء اجتماع أساتذة معهد الدراسات القبطية يوم الجمعة 5 فبراير 1971م، حيث شعر بألم شديد في منطقة القلب والصدر، مع تنميل في الذراع الأيسر، ثم الذراع الأيمن، فاستقر الرأي بعد حضور الدكتور فايز فايق بطرس على نقله إلى مستشفى دار الشفاء أولًا ثم مستشفى هليوبوليس بمصر الجديدة.
وفي يوم 9 مارس 1971م، جاء خبر نياحة البطريرك القديس البابا كيرلس السادس (1902–1971م) في نحو الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا، فقام الدكتور فايز فايق بطرس بزيارة نيافته في المساء نحو الساعة الثامنة والنصف، فأراد أن يمهد له الجو لقبول النبأ الأليم دون حدوث ضجة أو صدمة. وفي أثناء الزيارة قال له: “إني أتيت في الواقع لا لأكشف عليك بل لأراك وأنال البركة، وفي نفس الوقت لأقول لك إن صحة قداسة البابا متأخرة، وهو مُتعب جدًّا”. وكان الدكتور فايز فايق قد اتصل بشقيقه أنور عقب وفاة قداسته، وطلب منه أن يتكتم الخبر عن الأنبا غريغوريوس حتى لا تسوء صحته، وأنه سوف يأتي لزيارته في المساء لتمهيد الخبر له تدريجيًّا. وفعلًا جاء كما قال.
وفي يوم الأربعاء الموافق 10 مارس 1971م، جاء الدكتور فايز فايق لزيارته والاطمئنان عليه بعد أن علم بخبر نياحة البابا، وكان مما قال له “إنه جاء لا ليكشف عليَّ، وإنما كما قال ليراني وينال البركة وأخذ يكلمني معزيًا ومتأثرًا”.
كما كان الدكتور فايز فايق هو الطبيب المعالج لتماف إيريني (1936-2006م) رئيسة دير الشهيد العظيم أبو سيفين، حيث رافقها في رحلة علاجها لأكثر من ربع قرن. سمع صوت آلامها، وقرأ نبضات قلبها. ويقول الدكتور فايز فايق: “منذ عام 1980م باشرتُ علاجها، وظللتُ معها حتى لحظة رحيلها بعد 26 عامًا.. حَمَلتْ فيها بإيمان كامل صليبَ المرض، ولكننا كنا نلمس يد الله الشافية تسبقنا.. العجيب أن يد الله الشافية والتي كانت تتقدم في اللحظة التي يعجز فيها الطب، كان بإمكانها أن تقدم الشفاء الكامل.. ولكن هذا لم يحدث.. بعد كل نكسة تُشفَى لأيام قد تطول أو تقصر ليعاود صليب المرض يرافقها..”. ويروي الدكتور فايز: “عندما كنت أقول لها: إزيك يا تماف؟ تقول لي: كويسة. طيب بتنامي؟ تجيب: لا. بيجي لِك ألم؟ تقولي لي: أيوة، فأسألها: طيب بتقولي كويسة ليه؟ تقول لي: راح أقول لك إيه يعني؟! كانت لا تشكو أبدًا رغم أنني كنت أعرف من الكشف والتشخيص أنها تعبانة وتتألم!”.
ويروي الدكتور فايز فايق أيضًا: “إنها قبل وفاتها بثلاث سنوات، توقف القلب تمامًا.. من الناحية العلمية نحن نعطي ثلاث صدمات لإنعاش القلب.. وبعد أن أعطيناها الصدمات الثلاث ولم ينبض القلب، ألهمني ربنا أن نعطيه صدمة رابعة.. وبعدها عادت إلى الحياة.. وكان هذا فعلًا بإرشاد من ربنا.. كنا نعالجها بالإيمان أكثر منه بالطب، وكان الله يقف معنا. وكنا نشعر أن هناك قوة من ربنا ليمد في عمرها.. وأنها تعيش بمعجزة.. لأن لا الطب ولا الأدوية التي تتعاطاها يمكن أن تفعل شيئًا مع عضلة القلب التي ضعفت إلى هذا الحد”. ويذكر الدكتور فايز أنه بعد أن عادت إلى الحياة بعد الصدمة الرابعة، اتصلتُ بالدكتور يانج في أمريكا لأستشيره في بعض النقاط، وإذ به يصرخ منزعجًا لأنه لم يكن مصدقًا أنها ما زالت تعيش حتى اليوم، وقال له: “هذا لا يتفق مع العلم لأن عضلة القلب كانت ضعيفة جدًّا جدًّا منذ خمس سنوات ولا أصدق أنها تعيش حتى اليوم”.
من بين المرضى الذين عالجهم أيضًا، نذكر الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور (1931-1981م)؛ فحدث أن تعرَّض لأزمة قلبية مفاجئة مساء يوم الخميس 14 أغسطس 1981م إثر مشادة كلامية مع بعض الأصدقاء، فنُقِلَ إلى مستشفى هليوبوليس. وعندما لاحظ طبيب الاستقبال خطورة الحالة، اتصل على الفور بالدكتور فايز فايق أستاذ جراحة القلب بالمستشفى، وما أن تلقى الدكتور فايز المكالمة، صرخ في وجه الطبيب وقال له: “هذا شاعر كبير.. بسرعة جهز الحالة لدخولها العناية المركزة وأنا أرتدي ملابسي الآن وسأكون عندك بعد خمس دقائق..”، فرد عليه الطبيب “لكننا لم نستكمل إجراءات الدخول؟”، فرد عليه الدكتور فايز: “تجاهل كل إجراءات الروتين ونفِّذ ما طلبته منك فورًا”. وعندما وصل الدكتور فايز نقله فورًا إلى غرفة العناية المركزة، واستخدم جهاز تنظيم القلب والتنفس الصناعي، واستمرت المحاولات لمدة نصف ساعة، خرج بعدها ليقول للشاعر الكبير “أحمد عبد المعطي حجازي” والدكتور “جابر عصفور”: “البقية في حياتكم الأستاذ مات”، ليبكي الجميع بما فيهم الطبيب الذي كان من محبي شعره وكتاباته.
والجدير بالذكر أن الدكتور فايز عندما وجَّه له أحد الصحفيين سؤالًا عن الأضرار التي يمكن أن يسببها الصيام لمرض القلب، أجاب وقال: “إن الصيام الدوري الروتيني مفيد للقلب، وإن الجوع لا يقلل فقط من خطر الإصابة بأمراض الشريان التاجي ومرض السكري، ولكنه يسبب تغييرات كبيرة في مستويات الكوليسترول بالدم. والكوليسترول المرتفع يشكل خطرًا على مرض القلب”.
كما شارك الدكتور فايز فايق في مؤتمر “التدخلات بالقسطرة العلاجية لأمراض القلب والشرايين”، الذي أقيم بقاعة المؤتمرات بقصر العيني؛ حيث أكد الدكتور فايز خلال المؤتمر على أهمية استعمال الدعامات الحديثة المبطنة بمواد تمنع تجلط الدم، خاصة لمرضى السكر، حيث تأتي بنتائج جيدة، وتُجنِّب المرضى العمليات الجراحية، وهذه الدعامات تتميز بوجود مادة طبية على جدارها تمنع التصاق صفائح الدم بجدار الدعامة، وبالتالي تقلل بصورة كبيرة من نسبة حدوث تجلط الدم.. والمشكلة الرئيسة تكمن في ارتفاع ثمن هذه الدعامات بأربعة أضعاف ثمن الدعامات العادية، وإن كان من المُنتَظَر أن تنخفض هذه التكلفة بالتدريج مع انتشار استعمالها.
وفاته:
تنيح الدكتور فايز فايق بطرس في يوم 8 سبتمبر2021م، وتمت الصلاة على جثمانه الطاهر في كنيسة مارمرقس بشارع كليوباترا بمصر الجديدة.
مصادر ومراجع:
- نيافة الأنبا غريغوريوس: السيرة الذاتية للأنبا غريغوريوس، الجزء الثالث، جمعية الأنبا غريغوريوس للبحث العلمي، ص 471-475.
- خالد ناجح: صلاح عبد الصبور.. تأملات في زمن جريح، موقع دار الهلال- 22 أكتوبر 2020م.
- جمال الشناوي: صحتك في رمضان/ الصيام يفيد مرضى الضغط المرتفع، الأحد 25 أبريل 2021م.
- زينة منصور: أسباب إصابة الشباب بالذبحة الصدرية، موقع النجاح، 19 أكتوبر 2016م.
- حكاية دير من الأديرة: 16 يناير 2015م.