تُعتبر الكاتبة الصحفية “ملكة سعد” واحدة من أهم رائدات الصحافة النسائية في مصر، حيث لعبت المجلة التي أسستها “الجنس اللطيف” دورًا كبيرًا في تاريخ الصحافة والثقافة المصرية.
ميلادها ونشأتها:
حسب الدكتور رامي عطا صديق، فإنها وُلِدت عام 1881م، وكان والدها يعمل في قصر الخديو، وقد اهتم بتعلميها كثيرًا حسب ظروف عصرها، فأرسلها إلى إحدى الكليات ببيروت لتلقي العلم بها. ثم تزوجت من ابن عمها، وكان يُدعَى “عبده جرجس سعد”، وعقب عودتها إلى القاهرة، عملت مدرسة في إحدى المدارس، كما شاركت في ثورة 1919م، حيث شاركت في مظاهرة 16 مارس 1919م الشهيرة (والتي تحدد بسببها يوم المرأة المصرية بعد ذلك).
كما شاركت في اجتماع الكنيسة المرقسية الكبرى في الأزبكية بتاريخ 13 ديسمبر1919م، حيث اجتمع عددٌ كبيرٌ من القيادات النسائية، وأصدرن احتجاجًا على بعض قرارات الاحتلال البريطاني منها:
- نفي الزعماء المُنتَخَبين أثناء الثورة.
- المعاملة القاسية للشعب طوال فترة الثورة.
- رفض الوزارة المعيَّنة بمساعدة الإنجليز (وزارة وهبة باشا).
- احتجاجهن على رفض مطالب مصر بحضور مؤتمر الصلح.
- رفض بقاء الحماية شكلًا وموضوعًا، وضرورة إعلان استقلال مصر.
- التنديد بحنث كبار ساسة بريطانيا من وعودهم تجاه شعب مصر.
النشاط الاجتماعي للكاتبة الكبيرة:
من النشاط الاجتماعي الذي يُذكَر لها أيضًا تأسيس “جمعية نشر الفضيلة والآداب الدينية”. وكانت دائرة اهتمام هذه الجمعية علاج المشاكل الاجتماعية التي كانت متفشية في المجتمع المصري في ذلك الوقت، عن طريق تشجيع الزواج المبكر من خلال إزالة العقبات كالحد من المغالاة في المهر، كذلك محاربة الرقيق الأبيض وبيوت الميسر. ولكن كان لها عشق شديد للصحافة، فأصدرت في عام 1908م مجلة “الجنس اللطيف”.
وأصدرت ملكة سعد أيضًا كتابًا بعنوان “ربة الدار”، وهو كتاب يهتم بالتدبير المنزلي، طبعته لها مطبعة التوفيق عام 1915م، ونظرًا لقيمته الكبيرة، تقرر تدريسه في مدارس وزارة المعارف في ذلك الوقت.
مجلة الجنس اللطيف:
أما عن مجلة “الجنس اللطيف” فيذكر عنها الدكتور إسماعيل إبراهيم في كتابه المهم “صحفيات ثائرات” أن العدد الأول منها صدر في خلال شهر يوليو 1908م، ووصفتها صاحبتها أنها “مجلة أدبية، اجتماعية، شهرية لصاحبتها ومحررتها ملكة سعد”.
وفي العدد الأول منها، أكدت ملكة سعد على هدف المجلة حيث قالت: “إن هدف المجلة من الصدور أن تأخذ المرأة مكانتها كإنسانة تعرف أن الحرية ليست التبرج والتزين بالملابس الفاخرة، وجر ذيول الافتخار، والسير وراء هوى النفس، لكن الحرية هي أن نعرف ما لنا وما علينا من الحقوق، فلا نُهان ولا نُباع كأمةٍ بثمن، ولا نكون ألعوبة في أيدي الجنس النشيط، الذي يتصور أننا لم نخلق لنكون له عونًا، وإنما خلقنا لنكون في وهاد الذل رادعات، نضربك الأنعام، ونحرم من الاشتراك معه في الأعمال النافعة المفيدة”.
أهداف ومبادئ المجلة:
ووضعت ملكة سعد أهداف ومبادئ المجلة وحددتها في النقاط التالية:
- ترقية شعور المرأة الشرقية، وإعدادها بالوسائط الأدبية المفيدة لتكون في يومٍ ما في مستوى واحد مع المرأة الغربية.
- تفهمها حالة الوسط الناشئة فيه، ومركزها بالنسبة للرجل، ومركز الرجل بالنسبة لها.
- تفهيم المرأة واجبها نحو الهيئة الاجتماعية، بصفتها عضوة نافعة في جسم العمران.
- إرشادها إلى مسؤوليتها نحو وطنها وبلادها وعائلاتها وزوجها.
- مساعدتها على إبطال العوائد المُستَهجَنة، تلك العوائد الرثة السخيفة، التي تتمسك بها كل نساء الشرق، حتى كادت تقضي عليهن، وجعلت الغربيين ينظرون إلينا شذرًا، ويضحكون من سخافة العقل الشرقي، وكيف أنه في فجر القرن العشرين لا يزال لعادات العصور المظلمة تأثير في نفسه، وأن الشرقي والشرقية يتوارثانها من أجيال. ومع كثرة احتكاك الشرق بالغرب، لم يقم من ينظف عقل الشرقية من صدأ العصور الماضية.
- ترويض عقل المرأة بما نكتبه من حين لآخر في هذه المجلة من النكات الأدبية والفكاهية المقبولة.
وكانت موضوعات المجلة تدور حول أهمية تعليم المرأة تعليمًا يؤهلها لتكون أمًا صالحة عالمة بشؤون المنزل وأولادها، لا تعليمًا يخرج بها عن نطاق هذا العمل.
واستمرت المجلة في الصدور، حتى قامت الحرب العالمية الأولى، مما أثر على توزيع المجلة، مثلما أثر على الكثير من المجلات، فصارت تصدر كل عددين معًا ابتداءً من عام 1918م في 23 صفحة، بالرغم من أنه قبل سنوات الحرب كان عدد الصفحات يصل إلى ما بين 32–40 صفحة للعدد الواحد.
محتويات مكتبتها الفريدة:
ذَكَرت ملكة سعد في كتابها الرائد “ربة الدار” وبناءً على وصف المؤرخة الأمريكية بث بارون Beth Baron للكتاب، حيث ذكرت ملكة سعد محتويات المكتبة التي يجب أن توجد في كل دار؛ فقد شملت قائمةً من المؤلفين شملت بعض السيدات مثل (أوليفيا عبد الشهيد– ملكة هاشم) كما تراوحت عناوين الكتب بين القديم والجديد وقائمة الكتب مرتبة حسب الموضوع (كتب صحية– أخلاقية– اجتماعية– تاريخية)، وذكرت ملكة من ضمن قوائم الكتب مثل كليلة ودمنة، وتحتل كتب قاسم أمين أهمية خاصة في قائمتها.
أما الكتب التاريخية، فقد أعطت تركيزًا خاصًّا على أعمال جورجي زيدان. وفي قائمة المجلات، شملت مجلات (المقتطف– الهلال– الجنس اللطيف– فتاة الشرق– الحياة)، وخلت القائمة من كتب الشعر، وتوصي ملكة سعد في كتابها باحترام الكتب وحمايتها من العثة- استعمال الكتاب والسماح بإعارته للأصدقاء بعد ترقيم الكتاب وتسجيل رقم الكتاب المعار- وتجليد المجلات).
كما تعرضت ملكة سعد في كتابها بتقديم تفاصيل كثيرة عن ضرورة الاهتمام بديكور المنزل، مع الاهتمام باللوحات والزهور، وفي ذلك كتبت تقول: “لقد مضى زمن النوم الطويل، زمن القعود والتواني وأصبحنا في زمن الجد والنشاط والتفكير في نافع الأعمال”.
مرضها الأخير ووفاتها:
يذكر عنها الدكتور رامي عطا صديق نقلًا عن الكاتب الصحفي الراحل “نجيب كيرلس المنقبادي” أنها تعرضت لتجربة قاسية في آخر أيام حياتها؛ إذ فقدت بصرها نتيجة عملية خاطئة أُجرِيت لها في عينيها لإزالة المياه الزرقاء، ومن ثم توقفت كل أنشطتها الاجتماعية والثقافية ولم نعلم عنها أي شيء بعد ذلك.
مصادر ومراجع:
- رامي عطا صديق، الأقباط وصناعة الصحافة المصرية، تقديم سمير مرقس، دار جداول للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، سبتمبر 2016م، ص 85-88.
- إسماعيل إبراهيم، صحفيات ثائرات، الدار المصرية اللبنانية، ص81-84.
- بث بارون، النهضة النسائية في مصر الثقافة والمجتمع والصحافة، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، الكتاب رقم 118، 1999م.