يُعتبر المُعلّم ميخائيل جرجس البتانوني بحق رائد الألحان القبطية في الكنيسة القبطية.
ميلاده ونشأته:
أما عن ميخائيل جرجس البتانوني نفسه، فهو وحسب كما كتبت عنه المؤرخة الكبيرة “إيريس حبيب المصري” (1918-1994م) في كتابها “قصة الكنيسة القبطية- الجزء التاسع” أن والده كان موظفًا صغيرًا بوزارة المالية، ومع ذلك فقد حباه البابا كيرلس الخامس بالصداقة إلى حد أنه كان ينزل أحيانًا ضيفًا عندهم.
ولقد وُلِد ميخائيل جرجس البتانوني في 14 سبتمبر 1873م، وعندما بلغ سن الثالثة من العمر، أصيبت عيناه بالرمد مما أدى إلى فقدان بصره تمامًا، فألحقه والده بأحد الكتاتيب، حيث مكث به سنتين (1879-1881م) حفظ خلالها المزامير والتسبحة وتعلم اللغة القبطية. وبعدها التحق بمدرسة الأقباط الكبرى حيث مكث بها أربع سنوات. ثم التحق بالدراسة بالأزهر في رواق الأقباط في الفترة من (1885-1891م) وفي هذه الفترة أتقن علوم النحو والصرف والبيان، كما استمع إلى ألفية بن مالك وحفظ منها أبياتًا كثيرة.
وقد لاحظ البابا كيرلس الخامس في صوت هذا الشاب الناشئ جمالًا خاصًّا، كما لاحظ قدرته العجيبة على الحفظ، فقام برسامته مرتلًا في الكنيسة المرقسية الكبرى بمرتب شهري قدره 25 قرشًا، ثم عيَّنه مدرسًا للألحان بالكلية الإكليريكية في 2 نوفمبر 1894م (أي بعد افتتاحها بسنة). حيث درس اللاهوت والعقيدة على يد القمص فيلوثاوس عوض (1837-1904م)، أما الألحان فقد تلقاها على يد المعلمين أرمانيوس صليب.
وكان المعلم ميخائيل يتحايل بكل الطرق الممكنة لكي يحفظ منهم الألحان، لأنهما كانا بخيلين في تحفيظ الطلبة الألحان. كما تعلم اللغة القبطية بطريقة برايل، ومن هنا عيَّنه المسؤولون مدرسًا لطقوس الكنيسة وعلم الدين واللغتين القبطية والعربية بمدرسة المكفوفين بالزيتون. وحدث أنه في خلال عام 1903 زار الخديو عباس حلمي الثاني (1874-1944م) المدرسة، فقام المعلم ميخائيل بتحيته بقصيدة باللغة القبطية ثم ترجمها إلى اللغة العربية، فأعجب به الخديو جدًّا وقال له “برافو ميخائيل بك” وقد تميز المعلم ميخائيل بالغيرة الشديدة على الألحان الكنسية، فكان ينتقل بين الجمعيات المختلفة لتحفيظ الألحان.
وتروي الأستاذة إيريس القصة التالية التي تدل على غيرته الشديدة على ألحان الكنيسة، وذلك أن المتنيح القمص صليب سوريال (1916-1994م) قد طلب المعلم ميخائيل منه موعدًا لكي يتثبت من حفظه لألحان أسبوع الآلام، فأشفق الأب الكاهن على شيخوخة الرجل، وطلب منه أن يتقابلا في الإكليريكية، ولكنه فوجئ أن المعلم ميخائيل قد زاره في منزله، وما أن شاهده إلا أن بادره بالقول: “أريد يا أبونا صليب أن أطمئن على تمكنكم من ألحان أسبوع الآلام. وهذا هو السبب الذي دفع بي إلى المجيء إليك لأراجعها معك”. وظل يراجعها معه لمدة ثلاث ساعات متواصلة.
وكان يقوم مع كل كاهن بنفس هذا التصرف، وقد ظل مرتبه ثابتًا لم يرتفع قرشًا خلال الستين عامًا التي قضاها في الخدمة (1893-1957م).
وفاته:
قام بأداء صلوات البصخة المقدسة من يوم أحد الشعانين إلى مساء أربعاء أيوب، وفي نهاية اليوم طلب من تلميذه المرافق له أن يمر عليه باكر يوم خميس العهد ليصحبه إلى الكنيسة كالمعتاد، ولكن شاءت إرادة الله أن يتنيح فجر يوم خميس العهد 18 أبريل 1957م عن عمر يناهز 84 عامًا.
قالوا عنه:
وصفه راغب مفتاح (1898-2001م) بقوله: “إنه الأستاذ العبقري الذي تمكن بعبقريته الفنية الخارقة من أن يؤدي بالموسيقى القبطية خدمة تجل عن الوصف، فكان هو الواسطة الوحيدة في تسليم الألحان القبطية على أصالتها إلينا”.
ولقد نجح بنعمة الله في تسجيل القداسين الباسيلي والغريغوري وألحان البصخة المقدسة بواسطة شمامسة ومرتلين تسلموا اللحن عن أستاذهم الأول المعلم ميخائيل.
وقد كتب عنه الدكتور سليمان نسيم (1923-1998م) مقالًا في مجلة مدارس الأحد عقب نياحته في مايو 1957م بعنوان “المعلم ميخائيل جرجس” حيث وصفه أنه فنان مطبوع له أذن موسيقية دقيقة، تلتقط النغم، وكان يحب الترتيل الكنسي، وكان في شبابه لا تعييه حيلة في جمع الألحان فكان يأخذ نقودًا من والده، ويعطيها لعرفاء صغيري السن، ويطلب منهم أن يجلسوا إلى المعلمين الكبار ليحفظوا اللحن، بينما يجلس هو في الخفاء يلتقط اللحن.
ولقد استمع البروفسير نيولاند سميث Newland Smith (1875- ما بعد 1957م) أستاذ الموسيقى بجامعة أكسفورد الذي أحضره الدكتور راغب مفتاح سبع سنوات متواصلة لتحفيظ الألحان الكنسية في نوتة دقيقة شاملة، لم يسترح لكل المعلمين الذين سمعهم إلا للمعلم ميخائيل، إذ كان متقن اللحن، دقيق التوقيع، سلس الأداء، يتيسر معه مراجعة اللحن عدة مرات، فيكون ثابتًا وبذلك يثبت تسجيله في النوتة لدرجة أنه أطلق عليه لقب المعلم الكبير Great Master.
نصائحه للمرتلين الشباب:
وعندما سأله أحد تلاميذه على طرق تحفيظ اللحن للشباب، وكان ذلك قبل نياحته بشهرين، فرد وقال على المعلم أن يلتزم بالقواعد التالية:
- على المعلم أن يقدر صوت التلميذ وطبقته ودرجة احتماله، ثم عليه أن يؤدي اللحن أمام التلميذ في الطبقة التي تناسب التلميذ وتريحه.
- على المعلم أن يشجع التلميذ على نجاحه، ولا يعنفه على ما ليس تقصيرًا منه.
- على المعلم أداء اللحن بروحانية، فالمعنى والهزات والربط والتذوق تندمج جميعًا في الأسلوب الذي يؤدي به اللحن. والمعلم الحقيقي هو الذي يذكي في التلميذ تذوق اللحن.
ويروى عنه قبل وفاته بنحو شهر، بحث الشباب عن معلم يقيم التسبحة، فلم يجدوا أيًّا من المعلمين، وكان المعلم ميخائيل في وقت راحته في أحد الأماكن بالكلية الإكليريكية، فقاموا بتوجيه الدعوة إليه وهم خجلين نظرًا لشيخوخة الرجل، ولكن الرجل أسرع إلى الكنيسة وأقام التسبحة في همة ونشاط.
ويروي بيشوي فخري في مقال له على صفحة الكنوز القبطية أن القمص سيداروس سعد، رئيس الدير المحرق خلال الفترة من (1936-1937م)، استدعى المعلم ميخائيل إلى دير المحرق لتسليم رهبان الدير الألحان الكبيرة، فكانت أول زيارة له في نهاية عام 1936م، حيث تعرف على المعلم توفيق يوسف، الذي استلم منه ألحانًا عديدة أفاد بها كثيرين من رهبان الدير وطلبة إكليريكية المحرق وكثيرًا من كهنة الصعيد.
وحسبما يذكر بيشوي فخري أن المعلم ميخائيل قد أخبر الدكتور راغب مفتاح أن معظم موسيقى القداس الكيرلسي قد ضاعت منذ زمن ولم يبقَ منها إلا لحن الترحيم، واللحن الذي يقال في نهاية المجمع (ليس لنا نحن أيها السيد).
ويذكر كاتب هذه السطور بعض الأحاديث الشفوية التي سمعها من أساتذتنا الكبار في الكلية الإكليريكية الذين عاصروا المعلم ميخائيل أنه كانت لديه موهبة التلحين، وكثير من التراتيل الكنيسية المتداولة من ألحانه ومنها لحن “يا كل الصفوف السمائيين” الذي يقال في عيد القيامة وطول فترة الخماسين المقدسة، ونشيد “معهد اللاهوت يا نور الهدى” الذي نظمه حبيب جرجس، كما أنه كانت توجد لديه مهارة كبيرة في العزف على العود.
مصادر ومراجع:
- إيريس حبيب المصري، قصة الكنيسة القبطية– الجزء التاسع، ص 171-176.
- سليمان نسيم، المعلم ميخائيل جرجس، مجلة مدارس الأحد، عدد شهر مايو 1957م بشنس 1673ش، ص 7–10.
- بيشوي فخري، المعلم ميخائيل جرجس البتانوني، موقع الكنوز القبطية.