يُمثل ميخائيل عبد السيد أهميةً كبيرةً في تاريخ الصحافة المصرية، بل والثقافة المصرية بصفة عامة.
ميلاده ونشأته:
يذكر الدكتور رامي عطا صديق في كتابه عن صحافة الأقباط، أنه يوجد اختلاف بين المؤرخين حول تاريخ ومكان ميلاده؛ فبينما بذكر رمزي تادرس وخير الدين الزركلي أنه وُلِد في القاهرة، يذكر زكي محمد مجاهد وكذلك نجيب كيرلس المنقبادي أنه وُلِد في أسيوط. وحول تاريخ ميلاده، يذكر نجيب كيرلس المنقبادي وكذلك قاموس التراجم القبطية أنه وُلِد عام 1830م، ويذكر محمد زكي مجاهد أنه وُلِد عام 1852م، بينما يجمع كلٌّ من رمزي تادرس وخير الدين الزركلي وعمر رضا كحالة أنه ولد عام 1860م.
التحاقه بالتعليم الأزهري:
أيًّا كان تاريخ ميلاده، فإن اسمه بالكامل هو ميخائيل بن عبد السيد بن شحاته بن أبي البهاء بن هواش. اهتم والده بتعليمه على أرفع مستويات عصره؛ حيث درس في المدارس الأمريكية والقبطية، بل وأكثر من ذلك التحق بالتعليم الأزهري، وكان معه في نفس الدفعة تادرس بك وهبي ناظر المدارس القبطية، وجندي بك إبراهيم الذي خلفه في جريدة الوطن. ولما كان ذلك ممنوعًا قرر أن يدخل خلسة، وكان يسمي نفسه عبد السيد دون أن يذكر اسم ميخائيل، وظل مخفيًّا لمدة سنتين، حتى كُشف أمره بمحض الصدفة، فأوسعه الشيوخ ضربًا. ولما علم الأمام الشيخ محمد عبده (1849-1905م) بذلك قام باستضافته في مكتبه وطيب خاطره، وأذن له بمتابعة الدروس في الأزهر دون مضايقة من أحد.
التحاقه بدار العلوم:
وعندما أنشا علي باشا مبارك (1823-1893م) مدرسة دار العلوم، التحق بها ميخائيل عبد السيد لكي يستزيد علمًا من دروس اللغة العربية. ثم عمل بالتدريس بعد ذلك، حيث قام بالتدريس صباحًا في مدرسة الأمريكان؛ حيث كان يدرس مادة الترجمة، وبعد الظهر كان يقوم بالتدريس في مدرسة الأقباط الكبرى؛ حيث كان يدرس مادة اللغة العربية. ويذكر المرحوم الأرشيدياكون القديس حبيب جرجس (1867-1951م) في موسوعته “المدرسة الإكليريكية بين الماضي والحاضر” أنه كان من الرعيل الأول للتدريس بالمدرسة الإكليريكية، حيث كان يدرس مادة اللغة الإنجليزية.
إصدار جريدة الوطن:
اهتم بإصدار صحيفة خاصة به هي “جريدة الوطن”، في يوم 17 نوفمبر 1877م، والتي يذكر عنها الدكتور رامي عطا -نقلًا عن رمزي تادرس- أنها كانت مدرسة تمرين على السياسة ومعرفة أحوال الدول وتصرفاتها وهمة رجالها. ولقد كانت تصدر في البداية كجريدة أسبوعية، وبداية من عام 1886م، صارت تصدر ثلاث مرات في الأسبوع. وحسب موقع موسوعة تاريخ أقباط مصر، ذكر الموقع عن جريدة مصر الدعوة إلى الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة في بوتقة واحدة هي “الجامعة الوطنية المصرية”.
ويكتب فيليب دي طرازي (1865-1956م) في كتابه العمدة الموسوعي “تاريخ الصحافة العربية” عن جريدة الوطن، فيقول عنها: “جريدة أسبوعية سياسية تجارية أنشأها ميخائيل عبد السيد في 17 تشرين الثاني سنة 1877م في القاهرة. ونشرها في المطبعة التي استجلبها الأنبا كيرلس الرابع… وكانت في أول عهدها صغيرة الحجم، واشتهرت قبل الاحتلال وبعده بتحيزها للوطنيين، كما كانت من أشياع العرابيين في عهد الثورة.. وفي 29 أغسطس 1900م ابتاع جندي إبراهيم امتياز جريدة الوطن من ميخائيل عبد السيد بمبلغ مائة جنيه إنجليزي، وأصدرها يوميًّا في أربع صفحات ذات ستة أعمدة. فطُبعت حينئذٍ في مطبعة “جمعية التوفيق” وكان عبد السيد يوافيها من حين إلى آخر بفصول سياسية”.
دوره في الكفاح الوطني:
وفي إطار مساندته للحركة الوطنية في مصر، كان يتابع كل ما يكتبه الزعيم الوطني مصطفى كامل (1874-1908م) ويعلق عليه. وفي إحدى المرات كتب عنه يقول “لقد انشرح كلُّ من سمع حضرة الوطني الماهر –مصطفى كامل– لأنه أظهر أن في المصريين من هو مقتدر في الإعراب عن نوايا الأمة المصرية بالاعتدال والرزانة والحض على مكارم الأخلاق والحث على المحبة والمُسالَمة.
ولقد عشق ميخائيل عبد السيد الوطن في كل كتاباته؛ ففي مقالة له بجريدة الوطن بتاريخ يوم 25 أغسطس 1881م، كتب يقول في تعريف معنى الوطن: “مسكن الإنسان الذي نشأ فيه وتغذى من نباته واستنشق من هوائه وشرب من مائه وتمتع بمروجه. إن حب الوطن من الإيمان، وقيام المواطن بواجبات الوطن يستلزم تأدية ما يجب نحوه من الحقوق وإلا رُمِيَ صاحبه باللوم والعقوق”.
ويؤكد أيضًا على أهمية نبذ التعصب، فقال في مقالة له نشرت بجريدة الوطن بتاريخ 14 نوفمبر 1888م، حيث قال: “إن البلاد المرتاحة من آفة التعصب هي المرتقية إلى ذرى المجد والسعد، وبالعكس من ذلك فإن البلاد المتمكن منها هذا الداء هي المنحطة إلى حضيض التأخر”.
وقد امتدح في جريدته كثيرًا رياض باشا رئيس النظار في ذلك الوقت، مُعتبرًا إياه رجلًا فذًّا لا مثيل له في شجاعته الأدبية.
ولقد طالب في جريدته بحق مندوبي الصحف في حضور جلسات مجلس شورى النواب، وحق الجرائد في نشر ما يدور بهذه الجلسات. كما طالب أعضاء مجلس شورى النواب أن يكونوا حكماء وحازمين صارمين يراعون الصالح العام، وأن تكون لهم معرفة بالثقافة العامة.
كما هاجم عبد السيد الفكر الخرافي والاعتقاد في وجود الجن والعفاريت، لذا دعا إلى نشر التعليم المجاني بين جميع الأطفال مع ضرورة إلزام كل أب بتعليم أولاده تعليمًا أوليًّا من أجل تربية صحيحة.
وآمن أيضًا أن مصر سبقت جميع الأمم في معرفة المخترعات العلمية والفنية والهندسية.
هكذا عشق ميخائيل عبد السيد العمل الصحفي منذ فجر شبابه، فلقد آمن بالرسالة التنويرية الكبرى التي تدعو إليها الصحافة، فاشتغل في مجلة روضة المدارس المصرية (1870- 1892م) التي أسسها رائد التنوير المصري الحديث رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873م).
كتبه ومؤلفاته:
أثرى ميخائيل عبد السيد المكتبة الثقافية بالعديد من الكتب والترجمات نذكر منها:
- كتاب سلوان الشجي في الرد على إبراهيم اليازجي، وطُبع في مطبعة الجوائب خلال عام 1872.
- كتاب الرياض الزهرية في الأعمال الجبرية، طبعته له مطبعة الحسينية عام 1874، وهو كتاب مدرسي تعليمي.
- كتاب روضة الكتاب في علم الحساب، بالاشتراك مع آخرين يتضمن بعض الموضوعات الحسابية.
- رواية بسماتيك الأول، وهي رواية تاريخية أدبية عن أحد ملوك مصر القديمة.
الترجمات التي قام بها لبعض الكتب:
كما ترجم بعض الكتب نذكر منها:
- تنوير الأفهام في مصادر الإسلام.
- رسالة في علم الفلك.
- كتاب بث المعارف ونث العوارف، وهو كتاب في الحث على ضرورة الاهتمام بالثقافة والمعرفة.
الكتب التي اهتم بطباعتها:
اهتم بتشكيل لجنة لطبع الكتب المهمة والنادرة، ومن بين الكتب التي طبعتها اللجنة نذكر:
- تهذيب الأخلاق لابن مسكويه: تناول فيه آراء وكتابات الفلاسفة في (النفس– الخلق– الخير والسعادة– ظهور الفضائل– دواء النفوس… إلخ).
- كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة.
- الأحكام السلطانية للإمام الماوردي.
- العقد الفريد للأندلسي.
ووصفه رمزي تادرس مؤلف كتاب “الأقباط في القرن العشرين” أنه العالم النابغة، وأن حياته كلها عمل وجهاد، بل حياة ونشاط وإقدام جعلته في مصاف كبار العلماء وأهل الفضل الذين ظهروا في العصر الحديث ونالوا مكانة سامية بين رجال العلم.
وفاته:
توفي ميخائيل عبد السيد في عام 1914م. ويبقى نداء ورجاء وهو ضرورة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من جريدة الوطن، وكافة الدوريات القبطية الأخرى المرتبطة بالبدايات الأولى للصحافة المصرية، وهو نداء موجَّه إلى جميع مراكز المعلومات والتوثيق والأرشيف داخل الكنيسة القبطية وخارجها أيضًا.
مصادر ومراجع:
- رامي عطا صديق، أقباط في ذاكرة الصحافة المصرية، أسقفية الشباب، 2009م.
- رامي عطا صديق، المصريون المسيحيون ونشر الثقافة العربية، المجلة العربية، 29 نوفمبر 2016م.
- الجمهرة: معلمة مفردات المحتوي الإسلامي، موقع على شبكة الإنترنت.
- كتاب الأعلام للزركلي، الجزء السابع، الطبعة الثامنة، بيروت دار العلم للملايين، 1989م، ص 337.
- قاموس التراجم القبطية، جمعية مارمينا العجايبي للدراسات القبطية بالإسكندرية، الطبعة الأولى، 1995م، ص 233.
- ميخائيل عبد السيد: موسوعة التراجم والأعلام.
- عمر كحالة: معجم المؤلفين، الجزء 13، ص 61.
- موسوعة تاريخ أقباط مصر: الإعلام والتبشير والمجلات.
- فاروق أبو زيد، الفكر الليبرالي في الصحافة المصرية، عالم الكتب، بدون سنة نشر، صفحات متفرقة من الكتاب.
- منير شكري: رسالة مارمينا الرابعة عشرة، قراءات في تاريخ الكنيسة المصرية، جمعية مارمينا العجايبي للدراسات القبطية بالإسكندرية، ص 667.
- الإعلام والتبشير والمجلات– موسوعة تاريخ أقباط مصر، موقع على شبكة الإنترنت.
- فيليب دي طرازي، تاريخ الصحافة العربية، الجزء الثالث، ص9-12.
- إيريس حبيب المصري، قصة الكنيسة القبطية، الجزء الخامس، ص 120.
- حبيب جرجس، المدرسة الإكليريكية بين الماضي والحاضر، ص16.
- شكر خاص للأخ الحبيب الدكتور رامي عطا صديق أستاذ تاريخ الصحافة المصرية لتفضله بإرسال الدراسة التي أعدها عن ميخائيل عبد السيد.