يُمثل الدكتور نجيب باشا إسكندر أهمية كبيرة في تاريخ الطب في مصر؛ فهو الوزير الشهير الذي كافح مرض الكوليرا عند ظهوره في مصر عام 1947م، ووضع خطة مُحكمة للقضاء عليه.
ميلاده ونشأته:
جاء عنه في موسوعة “صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر” لزكي فهمي، أنه وُلد في 2 يونيو 1887م، والتحق بمدرسة الأقباط الكبرى، ونظرًا لنبوغه في الخطابة، اختارته إدارة المدرسة للترحيب بعلية القوم أثناء زيارتهم للمدرسة. ورغم صغر سنه، أتقن اللغات القبطية والإثيوبية. ثم انتقل إلى مدرسة عابدين الأميرية حيث حصل على شهادة الابتدائية عام 1901م وكان من أوائل الناجحين، والتحق بعدها بالمدرسة التوفيقية ثم مدرسة الأقباط الكبرى، وبعد حصوله على شهادة البكالوريا عام 1904م، التحق بمدرسة الطب الملكية، وحصل منها على شهادة الدبلوم في الطب عام 1909م. وعُيِّن بعدها طبيبًا في أحد المستشفيات الحكومية، وعندما شعر أن مستقبل العمل في المستشفيات الحكومية غير مفتوح للمصريين، سافر إلى أوروبا وتخصص في طب الأمراض الباطنية. حصل على شهادة علاج المناطق الحارة من جامعة باريس، وانتُخب عضوًا في الجمعية الملوكية البريطانية لصحة وأمراض البلاد الحارة. وتخصص في العلوم البكتريولوجية من كلية باستور بباريس وعلم الأمراض الجلدية من جامعة فيينا.
عاد بعدها إلى مصر أواخر عام 1912م، وعمل طبيبًا في أحد المستشفيات بمرتب كبير حسب مقاييس ذلك العصر، كما فتح عيادة خاصة. وقد كان للدكتور نجيب باشا إسكندر فضل كبير في تأسيس جمعية الأطباء المصرية ونقابة الأطباء المصرية، وانتُخِب عضوًا في مجلس إدارة الجمعية الطبية الملكية.
كما انتُخب عضوًا في مجلس النواب عن دائرة شبرا.
دوره في الكفاح ضد مرض الكوليرا:
أما عن دوره في الكفاح ضد مرض الكوليرا، فهو كما يذكر لنا إسحق إبراهيم الباجوشي في مقال بعنوان “نجيب باشا إسكندر وزير الصحة بطل وباء مكافحة الكوليرا وتكريم الكنيسة له”، أنه كان وزيرًا للصحة في حكومة النقراشي باشا (1888–1948م) ووقتها اجتاحت مصر موجة وباء كوليرا كاسح عام 1947م، فكلفه النقراشي باشا بوضع كل الخطط الممكنة للقضاء على الوباء ومحاولة حصاره. فأصدر نجيب باشا قرارًا بحظر التجول بين المحافظات إلا بأمر كتابي منه، كما أمر بضرورة الإبلاغ عن أي حالة تظهر أو حتى الحالات محل الشك، وأذيع أول خبر لانتشار وباء الكوليرا في جريدة الأهرام في عددها الصادر بتاريخ 24 سبتمبر 1947م بعنوان “التحوط من إصابات الكوليرا” ونظرًا لشدة الإصابات، توقفت حركة القطارات وأيضًا حركة الملاحة، وسافر وزير الصحة بنفسه إلى المناطق الموبوءة، وطلب الوزير اعتماد مبلغ مائة ألف جنيه لمكافحة الوباء، فأصدر النقراشي باشا أمرًا باعتماد مبلغ خمسمائة ألف جنيه، وأشرف نجيب باشا على إنتاج المصل الواقي بنفسه، وكان يتم إنتاج ثمانين ألف لقاح يوميًّا من أجل هذا الغرض. وقد بلغ عدد المصابين في يوم واحد 625 مصابًا و338 حالة وفاة، وتبرعت السينما المصرية بدخل الحفلات لها للإنفاق على ضحايا الوباء، وقد استمر الوباء قائمًا حتى نهاية شهر ديسمبر 1948م. وبعد انحسار الوباء، قامت وزارة الصحة ممثلة في وزيرها نجيب إسكندر بعمل حفل شاي في 5 ديسمبر 1948م، وأقيم الحفل في فندق هليوبوليس بمصر الجديدة، وحضر الحفل بعض مطارنة الكنيسة القبطية موفدين من قبل قداسة البابا يوساب الثاني.
كرمت الكنيسة اليونانية والكنيسة القبطية الطبيب الكبير نجيب إسكندر في حفل كبير كُتب عنه في مجلة صهيون عدد شهر يناير 1948م، تحت عنوان “الدكتور نجيب إسكندر باشا بطل مكافحة الكوليرا”، جاء فيه “أهدى حضرة صاحب الغبطة خريستوفورس بطريرك الروم الأرثوذكس نيشان القديس مرقس الرسولي إلى معالي الدكتور نجيب باشا إسكندر، في حفل ودي حضره قداسة البابا يوساب الثاني وبعض المطارنة وسكرتير البابا وبعض الأعيان، وذلك تقديرًا للمجهود الإنساني الكبير الذي بذله للقضاء على وباء الكوليرا وإنقاذه حياة الألوف من البشر”.
ويروي أيمن عثمان الباحث في التراث المعاصر، أنه في 24 سبتمبر 1947م فوجئ مدير مستشفى حميات العباسية، بطبيب يحذره من أن الكوليرا وصلت المستشفى، فتحرك المدير على الفور إلى جناح العزل، وكشف على المريض المذكور، وأعلن حالة الطوارئ في المستشفى. ثم تم توزيع لافتات صحية في كل الأماكن بالالتزام بعدم الخروج من المنزل وعدم السلام بالأيدي، وأصدر نجيب باشا وزير الصحة بيانًا بفرض حظر التجوال بين المحافظات، وضرورة الإبلاغ عن كل حالة مُشتَبَه فيها.
ويلخص الكاتب والباحث أيمن عثمان الحرب ضد الكوليرا في أربعة أنواع من الحروب:
- الحرب الأولى ضد الوباء نفسه (سبتمبر 1947- نوفمبر 1948م).
- الحرب الثانية ضد الاستهتار والتهاون الذي زاد من حجم الوفيات والإصابات.
- الحرب الثالثة ضد الهلع والخوف الذي أصاب الشارع المصري وقتها.
- الحرب الرابعة ضد أغنياء الحرب، الذين وصفهم النقراشي باشا بقوله “الجشع أكثر فتكًا بالمصريين من الكوليرا”.
والجدير بالذكر أن نجيب باشا إسكندر قد تولى وزارة الصحة في عهد الملك فاروق الأول خلال الفترة من (28 ديسمبر 1948م حتى 3 نوفمبر 1949م).
كذلك يُعتبر نجيب باشا إسكندر هو أول رئيس مصري لنادي هليوبوليس الرياضي، وكان ذلك خلال الفترة من (1949-1954م) وكان قد سبقه ثلاثة مديرين من الإنجليز.
مصادر ومراجع:
- زكي فهمي، صفوة العصر في تاريخ رسوم ومشاهير رجال مصر، مكتبة مدبولي، 2008، ص 466-474.
- إسحق إبراهيم الباجوشي: نجيب باشا إسكندر وزير الصحة بطل مكافحة وباء الكوليرا وتكريم الكنيسة له، مجلة الكرازة، 12 يونيو 2020م- 5 بؤونة 1736ش.
- سلوى الزغبي: طبق الأصل… باحثون يحيون حكايات تراثية عن الأوبئة تشبه زمن الكورونا، جريدة الوطن، الجمعة 27 مارس 2020م.
- قائمة وزراء الصحة في مصر منذ إنشائها إلى الآن– موقع نقابة الأطباء، 29 مارس 2021م.
- موقع نادي هليوبوليس الرياضي.