الدكتورة هيلانة سيداروس هي واحدة من أوائل الطبيبات المصريات والعربيات.
ميلادها ونشأتها:
وُلِدت في 13 يناير 1904م بمدينة طنطا، ونظرًا لضعف بنيتها الجسدية، التحقت بمدرسة البنات القبطية وهي في الثامنة من عمرها، وكانت جميع المدرسات في تلك الفترة إنجليزيات ما عدا مدرس اللغة العربية الذي كان شيخًا أزهريًّا. وبعد نهاية دراستها الابتدائية التحقت بكلية إعداد المعلمات. ونظرًا لتفوقها الدراسي رُشِّحت لبعثة إلى إنجلترا لدراسة علوم الرياضيات، بسبب تفوقها في هذا العلم. وبالفعل سافرت إلى لندن عام 1922م للتخصص في الرياضيات، ولكن بعد فترة من دراستها علمت أن الدراسة ستقتصر على ما يعادل شهادة إتمام الدراسة الثانوية في مصر، وبعد نهاية الدراسة ستحصل على خطاب يحدد تخصصها! غضبت هيلانة لهذا الأمر وطلبت مقابلة المستشار الثقافي (ما يقابل الملحق الثقافي حاليًا) بالسفارة المصرية بلندن، الذي عرض عليها دراسة الطب، حيث كانت قد تأسست في ذلك الوقت جمعية كيتشنر التذكارية بهدف إقامة مستشفى للمرضى من النساء فقط، على أن تتولى إدارتها طبيبات مصريات فقط، ولهذا تقرر تدريب فريق من الطالبات المصريات بإنجلترا، واختيرت هيلانة سيداروس من ضمن هذا الفريق. (وحسبما يذكر الكاتب الصحفي الكبير ماهر حسن أنه كان معها في نفس البعثة توحيدة عبد الرحمن شقيقة المحامية الكبيرة مفيدة عبدالرحمن، وقد عادت إلى مصر بعد هيلانة بنحو شهرين حسبما جاء الخبر في مجلة اللطائف المصورة في 6 أغسطس 1932م).
فرحت هيلانة كثيرًا بهذا العرض كما فرحت معها أسرتها، وبالفعل التحقت هيلانة بمدرسة لندن الطبية للنساء مع خمس مصريات أخريات، وكان ذلك عام 1922م. ولقد أشفق عليها الأساتذة الإنجليز من دراسة الطب نظرًا لصعوبته على البنات، وعرضوا عليها دراسة رياض الأطفال، لكنها رفضت بإصرار وقبلت التحدي بدراسة الطب. وقد عانت في البداية من مادة التشريح ومنظر الدماء الذي كان يسبب لها ألمًا شديدًا، ولكنها أصرت على استكمال الطريق حتى تمكنت من الحصول على درجة البكالوريوس في الطب بنجاح وتفوق. وفي عام 1929م أصبحت أول طبيبة مصرية مؤهلة لممارسة مهنة الطب، ولم يتجاوز عمرها أكثر من 25 عامًا.
وعادت هيلانة إلى مصر ومعها شهادة الطب والتوليد من الكلية الملكية البريطانية، والتحقت بالعمل بمستشفى كتشنر بالقاهرة، وفي عام 1935م، عُرض عليها العمل في رعاية الطفولة مع فتح عيادة خاصة بها. ولقد شجعها الطبيب الكبير الدكتور عبدالله الكاتب (1896-1983م) الذي عاونها على فتح عيادة في باب اللوق، كما كلفها الدكتور نجيب باشا محفوظ (1882-1972م) والذي يُعتَبَر رائد علم أمراض النساء والتوليد في مصر بالعمل بالمستشفى بالقبطي بالقاهرة.
وبعد أن بلغت السبعين من العمر، شعرت أنه ليس من المناسب لها أن تستمر في العمل كطبيبة، فاستقالت من عملها وبدأت في ممارسة العمل الاجتماعي، حيث انضمت إلى الجمعية الخيرية القبطية للعمل الاجتماعي، وهي الجمعية التي أسست المستشفى القبطي بالقاهرة عام 1926م. كما مارست هوايتها المفضلة في ترجمة بعض الكتب للأطفال والكتابة عن مشاهير الرجال.
وروت هيلانة سيداروس في حوار لها مع الإعلامية سامية الأتربي أن الأطباء الإنجليز كان لديهم جهل كبير عن مصر؛ حيث كانوا يتصورنهم أنهم حفاة ومتخلفون، لكنها أوضحت لهم أننا نعيش حياة متقدمة نرتدي الأحذية ونركب السيارات.
دورها في العمل الوطني:
والجدير بالذكر أن الدكتورة هيلانة سيداروس لم يقتصر نشاطها على الطب فقط، بل كان لها دور كبير في العمل الوطني أثناء ثورة 1919، وكانت عمرها لا يزيد عن15 عامًا، إلا أنها شاركت في المظاهرات النسائية التي قامت في تلك الفترة. وكانت تتردد على منزل الزعيم الوطني “سعد زغلول” (1859-1927م) الذي عرف بـ”بيت الأمة”. كما شاركت في اجتماعات الحركة النسائية بقيادة السيدة “صفية زغلول” (1876-1946م) من أجل مناهضة الاحتلال البريطاني ومقاطعة البضائع الإنجليزية. كما انضمت أيضًا إلى جمعية “هدى شعراوي” (1879-1947م).
وتُعتبر هيلانة سيداروس أيضًا هي أول امرأة مصرية تتعلم قيادة السيارات، حيث إن طبيعة عملها تتطلب منها استخدام السيارات كثيرًا نظرًا لعمليات الولادة المفاجئة.
وفاتها:
تنيحت صباح يوم الخميس الموافق 15 أكتوبر 1998م عن عمر يناهز 94 عامًا.
مصادر ومراجع:
- سامية الأتربي: مع هيلانة سيداروس أول طبية مصرية، برنامج ماسبيرو زمان.
- مينا بديع عبد الملك، أقباط في تاريخ مصر (الجزء الأول)، نوفمبر 2017م، جمعية مارمينا العجايبي بالإسكندرية، الطبعة الأولى 2017م، ص 307-310.
- ماهر حسن: الطبيبة الرائدة هيلانة سيداروس، جريدة المصري اليوم، الأربعاء 22 أبريل 2020م.
- لطيف شاكر: وطن يعيش فينا، موقع الكنوز القبطية، ص 28-29.
- خالد منتصر: من هي أول طبيبة عربية، جريدة الوطن، السبت 27 مارس 2021م.