الدكتور وهيب كامل سعد من أشهر أساتذة الدراسات اليونانية واللاتينية في مصر، الذين لم ينالوا القدر الكافي من الشهرة بالرغم من أهمية الأعمال التي قدمها.
ميلاده ونشأته:
من مواليد 14 أغسطس 1917م، وتدرج في مراحل التعليم المختلفة حتى حصل على ليسانس الآداب من قسم الدراسات الأوروبية القديمة عام 1939م، وصدر قرار بتعيينه معيدًا في الكلية، وبعدها تقدم للحصول على درجة الماجستير بمرتبة الشرف الأولى ونجح بالفعل في الحصول عليها في مارس 1942م. ثم أتيحت له الفرصة للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة لندن بتاريخ 4 أغسطس 1948م، وبالفعل نجح في الحصول على الدكتوراه عام 1950م. وعاد بعدها إلى مصر حيث عمل مدرسًا بالقسم بتاريخ 16 نوفمبر 1950م، ثم رُقي إلى أستاذ في 30 يناير 1951م.
كتبه ومؤلفاته:
أثرى المكتبة التاريخية في الدراسات اليونانية– اللاتينية بمجموعة من الكتب القيمة نذكر منها:
- هيرودوت في مصر– صدر عن دار المعارف عام 1946م.
- ديودور الصقلي في مصر– صدر عن دار المعارف عام 1947م.
- سترابون في مصر– صدر عن دار مكتبة الأنجلو عام 1954م.
- أميانوس ماركينيوس في مصر– صدر عن مكتبة الأنجلو.
- ترجمة كتاب علوم اليونان وسبل انتقالها تأليف أوليري دي لاس (1872-1957م)، وذلك بالاشتراك مع الدكتور زكي علي، ولقد صدر عن مكتبة النهضة ضمن سلسلة الألف كتاب عام 1962م.
عرض محتويات كتابه “هيرودوت في مصر “:
ينقسم الكتاب إلى:
- مقدمة عن حياة هيرودوت.
- غزو قمبيز لمصر.
- الزراعة في مصر.
- حدود مصر.
- النيل.
- داخلية ليبيا.
- مقارنة بن نهري النيل والطونة (الاسم القديم لنهر الدانوب).
- العادات المصرية.
- الحيوانات المقدسة في مصر.
- الحياة اليومية في مصر
- الجنائز.
يذكر المؤلف عن حياة هيرودوت أنه ولد حوالي عام 484 ق.م. حسب رأي بعض المؤرخين، في مدينة هاليكارنوس في الجنوب الغربي من آسيا الصغرى، وكان الإمبراطور في عهده عنيفًا في اضطهاد خصومه، فقرر هيرودوت الهروب إلى جزيرة ساموس. وكان هيرودوت شديد الإعجاب بأهل أثينا فتعددت زياراته لهم، وكتب عنهم الكثير، مما نال إعجاب المجلس النيابي عندهم، ومنحوا له مكافأةً خاصَّةً. وفي أثينا توطدت علاقته بالكاتب المسرحي الكبير سوفوكليس (496ق.م.– 405ق.م تقريبًا)، كما نال إعجاب الكثير من كُتَّاب اليونان مثل أريستافونيس (446–386ق.م.) الذي أشار إليه أكثر من مرة في كتاباته، ومن خلال كتابات هيرودوت، عرفنا أنه زار مصر وسوريا وبابل وسوسا وهمذان، وتنقل بين شواطئ البحر الأحمر وجنوب روسيا.
والأرجح حسب إجماع معظم المؤرخين أنه زار مصر خلال عام 459ق.م، ومكث هيرودوت في مصر حوالي ثلاثة أشهر ونصف، وكانت في الفترة من أغسطس إلى نوفمبر على الأرجح. وذكر هيرودوت في كتابه ثمانية عشر إقليمًا من أقاليم مصر ومديرياتها، واحد منها فقط في الوجه القبلي. وذكر من المدن المصرية 44 مدينة، ويبقى السؤال: إذا لم يكن يجيد اللغة المصرية القديمة، كما أن المصريين لم يكونوا يجيدون اللغة اليونانية، فما هي اللغة التي كان يتكلمون بها؟ والأرجح حسب رأي الدكتور وهيب هو الاستعانة بالمترجمين.
ويؤكد هيرودوت في كتابه أن أغلب مصادر معلوماته كانت من كهنة منف، وفي الفصل الخامس والثلاثين من الكتاب، يسجل حديثًا رائعًا عن مصر فيقول عنها: “ولكني سأستهل حديثي عن مصر مسهبًا؛ لأنها تشتمل على روائع أكثر من سائر العالم، وترينا آثارًا تفوق الوصف بالنسبة لسائر البلاد، من أجل هذه الأسباب سأتحدث عنها أكثر من البلاد الأخرى: المصريون نظرًا إلى مناخهم الخاص.. فالنساء عند المصريين يذهبون إلى الأسواق ويمارسن التجارة، أما الرجال فيبقون في البيوت. والرجال يحملون الأثقال على رؤوسهم أما النساء فيحملهن على أكتافهن. والمرأة عندهم لا تكون كاهنة لإله أو إلهة، أما الرجال فمنهم الكهنة لكل الآلهة والإلهات.. وكهنة البلدة في كل مكان يطلقون شعورهم، أما في مصر فيحلقونها.. ويعيش الناس في مصر على القمح والشعير. وهم شديدو التقوى –أكثر من سائر الشعوب– وهذه السنن التي يتبعونها: يشربون من أقداح برونزية يغسلونها كل يوم. ويحلق الكهنة كل أجسادهم يوميًّا، لئلا يتولد فيها قمل أو غيره من الحشرات أثناء قيامهم بخدمة الآلهة. ويتخذ الكهنة ثيابهم من الكتان وحده وأحذيتهم من البردي ولا يُسمَح لهم بلبس غير ذلك من الملابس والأحذية، وهم يستحمون كل نهار بالماء البارد ومرتين بالليل. وهم يرعون من الطقوس ما لا يعد ولا يُحصَى”.
وفي الفصل الخاص بنهر النيل، قال عنه: “وعندما يفيض النيل لا يغمر الدلتا وحدها، بل يغمر كذلك ما يُسمَّى بالبلاد الليبية وبلاد العرب إلى مدى مسيرة يومين من كلا الجانبيين ويزيد أحيانًا عن ذلك، وأحيانًا يَقِلُّ. ولم أستطع أن أستقي معلومات عن طبيعة النهر من الكهنة ولا من أحد غيرهم، ولقد كنت شديد الحرص على أن أعرف منهم لماذا يأتي النهر في فيضان مدة مائة عام مبتدئًا من الانقلاب الصيفي حتى إذا بلغ هذا القدر من الأيام يفيض ماؤه، وينحسر ثانية، ويظل غائصًا طول الشتاء إلى أن يحين موعد الانقلاب الصيفي ثانية؟”.
وفي الفصل الخاص بالأعياد المصرية، يذكر المؤلف أنهم يحيون أعيادًا كثيرة أهمها وأقدسها يقام في مدينة بوباسطس؛ ففي هذه المدينة معبد ضخم لإيزيس، وهي تقع في وسط الدلتا المصرية، وطقوس الاحتفال يلخصها هيرودوت كما يلي: “يبحر الرجال والنساء معًا، ويكون في كل قارب لفيف كبير من الجنسين وتمسك بعض النسوة بالطبول ويطبلن، في حين يزمر الرجال طوال الرحلة. باقي النساء والرجال يغنون ويصفقون، وكلما وصلوا في طريقهم تجاه مدينة ما، جنحوا بمركبهم نحو الشاطئ وعندما يصلون إلى بوباسطس يحيون العيد بتضحيات عظيمة. ويستهلك الكثير من النبيذ في هذا العيد أكثر مما يُستَهلَك في بقية العام كله، ويجتمع لإحياء هذا العيد من الرجال والنساء حوالي 700 ألف نسمة عدا الصبيان والأطفال”.
وعن العادات الاجتماعية، أكد هيرودوت أنه إذا قابل الصغار منهم الكبار أفسحوا لهم الطريق وتنحوا جانبًا، وإذا أقبل عليهم الكبار قاموا من مقاعدهم. وهم يلبسون قمصانًا من التيل مموَّجة عند القدمين، ويلبسون فوقها أردية من الصوف الأبيض. وعن الطب يذكر هيرودوت أن كل طبيب يختص بداء واحد لا أكثر، فبعضهم مختصٌّ بالعيون، والبعض مختصٌّ بالأسنان، والآخر بالأمعاء، ويوجد تخصص متفرد للأمراض المجهولة (الأمراض المستعصية بلغة العصر).
ونعرض أخيرًا للفقرة الخاصة ببناة الأهرام، ففي الفصل رقم 125 من الكتاب يصف طريقة بناء الهرم فيقول: “وهذه هي طريقة بناء الهرم، بُنِي أولًا بشكل سلالم ويسميها البعض درجات والبعض الآخر هياكل، وبعد أن بنوها على هذا النحو -بادئ ذي بدء- رفعوا الأحجار الأخرى بواسطة آلات خشبية قصيرة، فهم يرفعون الأحجار من الأرض إلى الطبقة الأولى من الدرجات وبعد أن يرفع الحجر إلى هذه الطبقة يوضع على آلةٍ أخرى قائمة على الطبقة الأولى، ومنها يُرفَع إلى الطبقة الثانية ومنها يوضع في آلة ثالثة”.
وفاته:
توفي في 14 يناير 1957م عن عمر يناهز 40 عامًا.
مصادر ومراجع:
- علي عبد التواب علي، عادل سعيد النحاس: رواد الدراسات اليونانية واللاتينية، كلية الآداب– جامعة القاهرة، 2019م.
- كتب هيرودوت في مصر وهيب كامل– مكتبة نور.
- شكر خاص للأستاذ الدكتور سامح فاروق حنين، أستاذ الأدب البيزنطي بجامعة القاهرة، الذي وفَّر نشرةً خاصةً بتاريخ تطور الدراسات اليونانية واللاتينية في مصر.