يُمثل الزعيم الوطني الكبير ويصا واصف قيمة كبيرة في تاريخ الحركة الوطنية المصرية، فهو أول رئيس برلمان قبطي.
ميلاده ونشأته:
اسمه بالكامل “ويصا واصف ميخائيل الببلاوي” كان والده من كبار التجار في عصره، تلقى تعلميه الأول في مدارس طهطا. وفي المرحلة الثانوية التحق بمدرسة التوفيق الثانوية بشبرا حتى حصل على شهادة البكالوريا عام 1889م. ونظرًا لذكائه الشديد سافر إلى فرنسا لدراسة العلوم في جامعاتها، فلما أتم دراسته عاد إلى مصر وعمل مدرسًا للعلوم بمدرسة رأس التين الثانوية بالإسكندرية. وفي تلك الفترة كان الإنجليز يحاربون التعليم الفرنسي، فكتب عدة مقالات في جريدة “اللواء”، ومن هنا كانت فرصة تعرفه بالحزب الوطني. ولما كان وزير المعارف البريطاني “دانلوب “يحارب التعليم الفرنسي بشدة، شعر ويصا واصف بعدم الأمان في وظيفته كمدرس، فأشار عليه “مرقص بك فهمي” المحامي أن يدرس القانون وحينئذ يمكنه أن يعمل محاميًا حرًّا ويستقيل من الوظيفة، فأعجب ويصا بالفكرة وبالفعل سافر إلى فرنسا لدراسة القانون. وبالرغم من أنه قد واجهته صعوبات كثيرة في الدراسة، إلا أنه تمكن من اجتيازها وحصل على ليسانس القانون عام 1902م من جامعة “إكس” بفرنسا. ثم عاد إلى وطنه واستقال من وظيفته كمدرس والتحق بمكتب “أنطون سلامة المحامي “بالإسكندرية حتى عام 1905م، ثم عمل بمكتب “مرقص حنا المحامي” بالقاهرة.
جهوده في العمل السياسي:
في مجال العمل السياسي، كان ويصا واصف من رجال الحزب الوطني، حيث كان من ضمن الثلاثين عضوًا الذين انتخبتهم “الجمعية العمومية الأولى للحزب الوطني” المنعقدة في 17 ديسمبر 1907م. وفي الحفل الذي أقامه الحزب الوطني عام 1909م، ألقى ويصا واصف خطبة هاجم فيها “اللورد كرومر” لتقريره عن أن الحركة الوطنية مصطبغة بالصبغة الدينية، حيث قال: “هل توجد أمة في العالم أسعدها الحظ لأن تبني وطنيتها على قواعد متينة كالتي تبنى عليها الوطنية المصرية التي يشترك أفرادها في الجنس واللغة والعوائد والقانون والماضي والتاريخ؟ هل لو لم يكن القبط على تفاهم تام مع إخوتهم المسلمين في فكرة الوطنية كانوا يشتركون معهم في تلك المظاهرة الكبرى التي جرت لفقيد الشرق والوطنية”.
كما كتب ذات مرة: “ويوجد بجانب المسالة الدينية مسألة الجنس والوراثة، التي هي عامل في تطور الشعوب والتي لا تقل أهمية عن عامل الدين، فنحن المصريون طبعنا روحنا على كل مبدأ وكل أمنية من مبادئ البشر وأمانيه.. ومما هو ثابت في التاريخ نفوذ مدرسة الإسكندرية الوطنية واعتبار الكنيسة القبطية إلى الآن كأنها الرأس المفكر للمسيحية. ونحن المصريون أيضًا الذين حفظنا المدنية العربية الإسلامية.. إن هذا الشعب المصري مصري لأنه أبدي في مصريته وشخصيته.. وهذا درس يشدد عزائمنا ويدعونا للطمأنينة على مستقبلنا”.
ولما سافر سعد زغلول إلى باريس في 11 أبريل 1919م، كان ويصا واصف مستشارًا للوفد المصاحب له. وعندما حاول الإنجليز إقناع الأقباط بحماية إنجلترا لهم، أدلى ويصا واصف بحديث لإحدى الجرائد الفرنسية قال فيه: “إن مصر لا تعرف أكثرية وأقلية ولن يكون في البرلمان إلا أحزاب سياسية بمعناها العصري يكون القبط فيها مبعثرين، ولم يكن للقبط في أي وقت موضع لتشريع استثنائي بل عوملوا دائمًا كمصريين يتمتعون بكافة الحقوق”، وعندما سُئل عن المؤتمر القبطي الذي عقد سنة 1911م، قال: “لم يكن إلا غلطة سياسية لن يتجدد وقوعها”.
وحين جاءت وزارة مصطفى النحاس سنة 1928م، قرر تعيين ويصا واصف رئيسًا لمجلس النواب، وكان الملك فؤاد يحلو له أن يفض الدورة البرلمانية قبل انتهاء مدتها، وحدث في سنة 1930 تولي إسماعيل صدقي الوزارة فوافق الملك على تعطيل الحياة النيابية، وأرسل قوة مسلحة أغلقت باب الدار بسلسلة حديدية، وجاء ويصا واصف ليدخل فوجد الباب موصدًا، فطلب من رئيس الحرس البرلماني تحطيم السلسلة فحطمها بالفعل، ودخل إلى البرلمان، وأرسل إلى رئيس مجلس الوزراء الخطاب التالي: “تنص المادة 117 من الدستور أنه لا يجوز لأي قوة مسلحة الدخول إلى المجلس إلا بطلب رئيسه. ولقد حدث ظهر اليوم أن أُحيطت دار البرلمان بناءً على أمر الحكومة بقوات غفيرة من رجال الجيش المسلحين.. أمام هذا الاعتداء الصارخ لا يسعنا إلا توجيه الاحتجاج إلى الحكومة على تلك التصرفات المنافية كل المنافاة لما يقضي به الدستور. ولما تستوجبه دار البرلمان من الهيبة والاحترام.. 20 يوليو 1930م”.
وقد اغتاظ القصر من هذا التصرف جدًّا، فأصدر إسماعيل صدقي مرسومًا بحل البرلمان ليجري انتخابات لا يكون الوفد فيها هو الأغلبية، فيعود ويصا واصف إلى المحاماة ليقف أمام المحاكم المختلطة يدافع عن المظلومين والثوار، وكان من عادته ألا يتقاضى أجرًا من الفقراء وغير القادرين.
وفي الأسبوع الأخير من شهر مايو 1931م؛ حدث أنه كان في الإسكندرية للمرافعة في إحدى القضايا، فدعاه أحد معارفه إلى وجبة سمك، فشعر بعدها بألم شديد في المعدة، فلما فحصه الأطباء، اكتشفوا أنها حالة تسمم.
وفاته:
في يوم 27 مايو 1931م، توفي الزعيم الكبير ويصا واصف، فخرجت مصر كلها عن بكرة أبيها تودع جثمانه من منزله بالجيزة، حتى وصل إلى الكنيسة البطرسية بالعباسية، وكانت الجماهير تهتف طول الطريق “اشكي الظلم لسعد يا ويصا”، لتودع مصر زعيمًا وطنيًّا كبيرًا رحل عنها عن عمر يناهز 58 عامًا.
مصادر ومراجع:
- إيريس حبيب المصري، قصة الكنيسة القبطية، الجزء الخامس، ص 122- 126.
- لمعي المطيعي، هذا الرجل من مصر، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1997م، الصفحات من 652-660.
- مينا بديع عبد الملك، أقباط في تاريخ مصر، (الجزء الأول)، جمعية مارمينا العجايبي بالإسكندرية، نوفمبر 2017م، ص326-329.
- ملاك لوقا، أقباط القرن العشرين، مطبوعات أنجيلوس، ص412–413.