يُعتبر يعقوب فام يُعتبر واحدًا من أهم رواد الفكر التربوي في مصر.
ميلاده ونشأته:
تاريخ ميلاده غير معروف على وجه الدقة وفي ضوء ما ذكره عنه سلامة موسى فإنه حصل على درجة الدكتوراة في العلوم التربوية من جامعة “ييل” بالولايات المتحدة الأمريكية، وعندما عاد إلى مصر عمل رئيسًا لنادي الصبيان في جمعية الشبان المسيحية، وقد كتب عنه سلامة موسى فقال: “حوالي سنة 1926م أنشأت الجمعية قسمًا للصبيان الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و16 سنة. ويرأس هذا القسم يعقوب فام الذي تعلم في جامعة ييل بالولايات المتحدة الأمريكية قيادة الصبيان وإرشادهم وتكوين شخصياتهم وتقويم أخلاقهم. وحوالي سنة 1933م أنشأت الجمعية نادي كوبري الليمون للصبيان المحرومين الذين يجمعون من الأحياء الفقيرة ويعلمون كيف يقضون وقتهم في أعمال وألعاب تعاونية اجتماعية تبعدهم عن التسكع في الشوارع. هذا النادي هو أول الحركات الارتيادية لتعليم الصبيان الفقراء في مصر.
كما كتب عنه مراد وهبة بشكل أكثر تفصيلًا في كتابه “مسار فكر- سيرة ذاتية”، حيث قال: “كان يدير قسم الصبيان بجمعية الشبان المسيحية مربٍّ اسمه يعقوب فام لا أكون مغاليًا إذا لقبته بالمربي الأول على نحو ما نقول عن أرسطو المعلم الأول. نال درجة الماجستير في التربية من جامعة يال بأمريكا، وكانت التربية محكومة بمذهب فلسفي اسمه بالإنجليزية Pragmatism وبالعربية مذهب الذرائع على حد ترجمة يعقوب فام الذي أسهم في إشاعة هذا المذهب بعد عودته من أمريكا، إذ ألف كتابًا عنوانه اسم المذهب يحكي فيه تميزه عن غيره من المذاهب الفلسفية الأخرى، فهذا المذهب يرى أن الحس أو العقل ليس أداة للمعرفة الخالصة، إنما نستعين به في التعامل مع الحياة العملية اليومية. وهذا المذهب في نهاية المطاف هو التعبير الفلسفي عن الليبرالية، وقد استعان يعقوب فام بهما في تربيته والسؤال إذن كيف استعان بهما؟ عندما أصبح سكرتير قسم الصبيان في عام 1936م”.
أسس خمسة أندية بأسماء فرعونية، هي (أحمس– أخناتون– رمسيس– تحتمس– آمون) ينتخب كل نادٍ رئيسًا ونائبًا للرئيس وسكرتيرًا وأمينًا للصندوق، وتشترك جميع الأندية في انتخاب رئيس للقسم يُسمى “العمدة”، والعمدة يعين رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء يعين ستة أعضاء.
والذي دفع يعقوب فام إلى قبول هذا المنصب في الجمعية، أنه كان يريد إصلاح حقل الطفولة والصبا، إذ أنه يرى أن الطفل المصري عاجز عن المثابرة في أي عمل خالٍ من المنفعة اللحظية أو الآنية، وهذا العجز هو السمة الأساسية التي يترتب عليها عدم الإتقان، وعدم الوعي بالإتقان يعني عدم الوعي بقيمة الزمن، وإذا انعدم الوعي بقيمة الزمان انعدم الوعي بقيمة الواجب، ومن ثم يصبح العمل مكروهًا ويصبح الخروج عن القانون مألوفًا لأن العمل يستلزم القانون والخروج عن القانون خروج عن العقل لأن القانون من صنع العقل”.
أما سيد عويس، فقد كتب عنه في كتاب “التاريخ الذي أحمله على ظهري” فقال: “الأستاذ يعقوب فام عاش حياته كلها من أجل أن يربي النشء؛ فقد كانت التربية هدفه الأول. درس في مدارس مصرنا الغالية، وواصل دراسته العليا في جامعة ييل بالولايات المتحدة الأمريكية، وتدرب التدريب الكافي في محيط الصبيان والشبان في مصر وخارج مصر. وعندما وجد أنه أهل للقيام بالمهمة الجليلة كرَّس حياته ليصنع جيلًا من المصريين. أبناؤه الآن رجال يصنعون الرجال. كان رحمه الله يعمل لهم وبهم.. ومنذ أن كان شابًّا وحتى وفاته في أواخر الخمسينات من القرن العشرين، وهو يعمل من أجل مصر دون أي دعاية. تجده في الصباح وحتى المساء يعمل مع الصبيان والشبان.. كان يقول لنا إن مصر لا تحتاج إلى أناس يبكون وينوحون على فساد الحياة عندنا. فالبكاء والنواح لا يعودان على أحد بفائدة وكان يقول لنا أيضًا إننا جزء من هذه الحياة الفاسدة، وإنها فاسدة لأننا نحن لا نعمل على إصلاحها بما في وسعنا من جهد.. أليس من العار علينا أن نقعد منتظرين مجيء الإصلاح على يد غير أيادينا ويعمل أناس غيرنا. ثم ماذا يستطيع الغير أن يصنعه ونعجز نحن عنه؟ ماذا يستطيع الفرد العادي المثقف أن يفعل؟ ثم ماذا يمنعنا أن نفعل مثلما يفعل غيرنا؟
وحول تأثير يعقوب فام على حياته، قال سيد عويس: “إنني أدين للأستاذ يعقوب فام بالكثير. كانت محاضراته في مدرسة الخدمة الاجتماعية لا تجد عائقًا فتدخل في كياني وتشعل دماغي. وتجعلني أعيش معها وبها فترة من الزمان، فإذ بي تغيرت وأصبحت نظراتي نحو الحياة مختلفة قبل أن أنصت إلى ما كان يقول، لقد كان ثريًّا بأفكاره لبقًا في ردوده.. لقد جعلني أحب العلم وحرضني على تحديد المفاهيم التي أتحدث بها أو عنها، ويسَّر لي السبيل القويم لمناقشة الآراء وغرس في نفسي الحاجة إلى حب الولاء وإلى العمل الجماعي والاعتزاز بالكرامة وتقدير إنسانية الإنسان.. كان رحمه الله ذا ملاحظة نفاذة.. كان دائمًا ما يقول لنا: “نحن مربُّون ولسنا وعاظًا”. لم يكن داعيًا وكان لا ينتهي إلى رأي إلا بعد الفحص الدقيق مستخدمًا في ذلك المنهج العلمي الذي كان يدعو إليه ويؤمن بضرورة تطبيقه ويعمل بما يقول.
قصة تأسيس نادي كوبري الليمون:
أما قصة تأسيس نادي كوبري الليمون، فلقد شرح فكرته يعقوب فام في كتابه “أطفالنا وكيف نسوسهم؟”، حيث فام مشاكل الأطفال والمشردين مثل مشاكل (التعليم– الأمية– الفقر– التشرد– الأطفال بلا مأوى… إلخ) مع مجموعة من التربويين، فاقترح عليهم فكرة تأسيس نادي “كوبري الليمون”، حيث يقيم بجمع هؤلاء الأطفال مع توفير برامج الرعاية والتعليم المتاحة حسب ظروفهم وإمكانياتهم. ولقد كتب مقدمة كتاب “أطفالنا وكيف نسوسهم؟” عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، ومما ذكره في الكتاب أنه حرص في هذا النادي على توفير الألعاب الرياضية وورش تدريب في بعض المهن مثل صناعة الصابون. ويتم استقبال الأطفال مساءً، كما تم تشغيل بعضهم في المصانع والشركات مع متابعة دقيقة. كما يمكن تشغيل النادي في ورديات عندما ينتهي صغار السن يأتي بعدهم الأكبر سنًّا والشباب ثم كبار السن لاستخدامه كنادٍ معتاد”.
أهم كتاباته ومؤلفاته:
أثرى يعقوب فام المكتبة الفلسفية والتربوية بالعديد من الكتب نذكر منها:
- البراجماتزم أو مذهب الذرائع.
- دراسات في الأخلاق: بحث وتحليل حالات خاصة في تربية الصبيان.
- التربية والأخلاق: بحث عملي في تكوين الأخلاق.
- أطفالنا وكيف نسوسهم؟
قراءة في كتاب “دراسات في الأخلاق”:
يقع في خمسة فصول ويتناول قضايا مثل (الفردية– الطاعة– الولاء للجماعة– الخوف عند الأطفال– العوامل الإيجابية في الأخلاق).
يؤكد المؤلف في المقدمة أن الحالات المعروضة ليست من صنع المؤلف وما كان لي دور فيها إلا دور المتفرج الناقد الذي يستطيع أن يحلل الظواهر ويُدون مشاهداته، أشاهد الصبيان الذين في عهدتي ينشطون، ثم أراقب هذا النشاط بطريقة علمية موضوعية أبحثها، وأحللها، وأعالجها، ثم أدون هذه جميعها.. وعلى هذا فقد خرج هذا الكتاب عمليًّا في موضوعه بعيدًا عن المسائل النظرية بقدر ما سمحت به الظروف، بالاختصار أستطيع أن أزعم أن هذا الكتاب هو ترجمة لحياة بعض الصبيان ونشاطهم في معهد الصبيان بجمعية الشبان المسيحية.
مقالاته في الصحف:
أثرى العالم الكبير المجلات المختلفة بعدد كبير جدًّا من المقالات، جمع موقع أرشيف المجلات منها ما يقرب من 47 مقالة في مختلف المجلات مثل (الهلال– المجلة الجديدة– المقتطف– الثقافة) وعلى سبيل المثال نذكر عينة منها في حدود المساحة المتاحة للمقالة:
- الشخصية والفردية: مجلة الهلال، يونيو 1929م.
- المركزية في مصر: المجلة الجديدة، نوفمبر 1929م.
- فلسفة الوسائل والغايات: المجلة الجديدة، يناير 1930م.
- كتاب من الصين: المجلة الجديدة، مايو 1930م.
- كتاب من أمريكا: المجلة الجديدة، يوليو 1930م.
- فلسفات: المجلة الجديدة، سبتمبر 1930م.
- نزعة علمية: المجلة الجديدة، نوفمبر 1930م.
- نزعة حديثة في التربية: المجلة الجديدة، يناير 1931م.
- العلم والفن: المجلة الجديدة، مارس 1931م.
- الدكتور طه حسين: المجلة الجديدة، مايو 1931م.
- مصر في عهد أخناتون: المجلة الجديدة، مارس 1935م.
- الطفل وأوقات الفراغ: المقتطف، مارس 1937م.
- وظيفة العلم ووظيفة الفلسفة: المجلة الجديدة، مارس 1936م.
- الإصلاح بين اليأس والرجاء: مجلة الثقافة، 9 سبتمبر 1941م.
- صديقي الدكتور محمد عوض: مجلة الثقافة، 13 يوليو 1943م.
تاريخ وفاته:
للأسف تاريخ وفاته مثل تاريخ ميلاده غير معروف على وجه الدقة.
مصادر ومراجع:
- سلامة موسى، تربية سلامة موسى، ص135.
- مراد وهبة، مسار فكر.. سيرة ذاتية. الجزء الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2011م، ص 8-10.
- سيد عويس، التاريخ الذي أحمله على ظهري، كتاب الهلال، ص284-297.
- أخبار السودان لحظة بلحظة: مشروع مصري رائد في الإصلاح الاجتماعي نوادي أو معاهد أطفال الشوارع، 26 نوفمبر2017م.
- قراءة في بعض كتب العالم الكبير.
- مقالات يعقوب فام: أرشيف الشارخ للمجلات الأدبية والثقافية العربية.
- شكر خاص للأستاذ سامي إرميا رئيس مجلس إدارة جمعية الشبان المسيحين لتفضله بإرسال مجموعة من الصور للعالم الكبير من أرشيف الجمعية.