يُعتبر المؤرخ والمترجم المصري الكبير يعقوب نخلة روفيلة واحدًا من أهم المؤرخين المصريين المعاصرين الذين كتبوا موسوعة مهمة في تاريخ الكنيسة القبطية عُرفت باسم “تاريخ الأمة القبطية”.
ميلاده ونشأته:
وُلد خلال عام 1847م. تلقى تعليمه الأول في الكتاتيب القبطية، ثم أكمل تعليمه في مدرسة الأقباط الكبرى، وفيها تعلم اللغات الإيطالية والإنجليزية كما أتقن اللغة القبطية. وبعدها عمل أستاذًا للغة الإنجليزية والإيطالية في مدرسة حارة السقايين. وعلى يديه تخرج عدد كبير ممن ارتقوا إلى الوظائف العليا بالدولة بعد ذلك، أما اللغة الفرنسية فقد تعلمها بمجهوده الشخصي. ثم ترك مهنة التدريس وعمل بعدها في المطبعة الأميرية ببولاق وتدرب على أعمالها حتى أصبحت لديه خبرة واسعة بأعمال المطابع، وبسبب هذه الخبرة عندما تقرر إنشاء مطبعة التوفيق عُين رئيسًا لها، فقام بتنظيم إدارتها، وساهم بخبرته في كثير من المطابع الأخرى مثل مطبعة الوطن القديمة وجريدتها. وبعد أن ترك المطبعة الأميرية عُين في مصلحة الأملاك الأميرية حيث شغل بها مركزًا مرموقًا، وبعدها عمل سكرتيرًا لشركة سكك حديد الفيوم، فاهتم خلال فترة إقامته في الفيوم بإنشاء عدد من الجمعيات الخيرية الأهلية، كما أسس مدرستين كبيرتين لتعليم البنين والبنات. ثم طلب تسوية معاشه حتى يتفرغ للخدمة والنشاط الأهلي. فساهم في تأسيس جمعية التوفيق القبطية والتي تأسست عام 1891م، كما ساهم في تشكيل المجلس الملي.
جهوده في الإصلاح الكنسي:
حول جهوده الإصلاحية، يذكر الأستاذ الدكتور مينا بديع عبد الملك في كتابه “أقباط في تاريخ مصر” أن يعقوب نخلة روفيلة له جهود إصلاحية جبارة. فحين سمع أول نداء في سبيل الإصلاح كان من أوائل من انضم إلى الجمعية القبطية الإصلاحية عام 1874م، وكان الدافع لإنشائها هو مناصرة الفقير والمسكين. وقد حفظ الأقباط له هذا الجميل، فانتخبوه أول النواب في المجلس الملي الثاني الذي انتُخِب في يوم الخميس 22 مارس 1883م وحصل وقتها على 150 صوتًا، كما انتُخِب عضوًا في المجلس الملي الثالث الذي تم انتخابه في 29 يونيو 1892م. كما أسَّس جمعية دينية عُرفت باسم “جمعية الله معنا”، وأسس في منزله “النادي القبطي”. كما أسس ناديًا علميًّا باسم النادي المصري الإنجليزي للحوار Anglo Egyptian Discussion Club وكان في بادئ الأمر يجتمع في مدرسة الاقتصاد بالظاهر، وكان يرأس جلسات الحوار أستاذ بريطاني، ثم قام يعقوب نخلة روفيلة بتسليمها إلى مدرسة التوفيق، فقامت بتبديل اسمها إلى “مدرسة التوفيق”، وقد كانت زوجته كريمة المعلم برسوم واصف من كبار الأقباط مثالًا رائعًا للزوجة والأم.
جهوده في المجلس الملي:
وحول جهوده في المجلس الملي، يذكر المؤرخ الراحل الدكتور منير شكري (1908-1990م) أن يعقوب نخلة روفيلة اختص بالناحية الثقافية لإعداد شبيبة عالية يسلمون إليها الراية لتستأنف الجهاد، لقد كان موقعه في المجلس كمثل وزير تربية للشباب، فأنشأ مدرسة سماها “مدرسة الاقتصاد” وأدارها بكفاءة عالية، ثم أنشأ “النادي القبطي” في منزله فكان يُعتبر أول نادٍ تهافت عليه الشباب، وعُرف بنظرته الثاقبة أهمية دراسة اللغة الإنجليزية، فأنشأ نادي المناقشة الإنجليزي المصري The Anglo Egyptian Discussion Club، كانت تُعقَد فيه جلسات مناقشة ومناظرة باللغة الإنجليزية ويديرها أستاذ إنجليزي، وعندما تأسست جمعية التوفيق القبطية بالقاهرة، تسلمت مدرسة الاقتصاد وبدلت اسمها إلى “مدرسة التوفيق”. وخلال فترة حياته في الفيوم حوالي عشر سنوات، أسس فيها مدرستين، كما أسس فيها فرعًا لجمعية التوفيق القبطية.
وفي مقالة أخرى في نفس الكتاب بعنوان “رجال الإصلاح عام 1874م أو المجلس الملي الأول” يذكر أنه في ليلة الثلاثاء 29 كيهك 1590 للشهداء الموافق 6 يناير 1874م، اجتمع في منزل المرحوم برسوم بك جريس روفيلة كل من يعقوب بك نخلة روفيلة، وجندي بك يوسف القصبجي، وعزوز أفندي حبشي، وقرروا إنشاء جمعية تُسمى “جمعية الإصلاح” وسرعان ما انضم إليهم في اليوم التالي وهبة بك حنا الشماع، وحنا بك باخوم. وكانت مهمة تلك الجمعية في ذلك الوقت بالنسبة للأمة القبطية تماثل مهمة الوفد المصري سنة 1919م؛ إذ طالبت بحق اشتراك الأمة في إدارة شؤونها بواسطة مجلس نيابي منتخب، وقد قوبلت من الجميع بالترحاب والسرور وأسرع إليه كثيرون للانضمام إليها حتى بلغ عدد أعضائها أكثر من 400 شخص في أقل من شهر.
وافتتحت “جمعية الإصلاح” أعمالها بأن أرسلت خطابات إلى القائمقام البطريركي تُخطره فيها بتكوينها وأغراضها، وتطلب إليه أن يتخذ من الوسائل ما يكفل للأمة الاشتراك في إدارة شؤونها. وأسرع الأنبا مرقس إلى دميان بك جاد شيحة، كبير الأمة في ذلك الوقت، راجيًا منه أن يُظهِر من الحزم والعزم ما يوقف هؤلاء المشاغبين عند حدهم، فوعده دميان خيرًا وأرسل إلى جمعية الإصلاح بطلب تشكيل وفد لمقابلته، فذهب إليه وفد مكون من يعقوب نخلة روفيلة وبرسوم بك جريس وجندي بك يوسف وعزوز أفندي منقريوس وغطاس أفندي عريان ومرقس بك ميخائيل مفتاح. وتقدم إليه يعقوب بك شارحًا أغراض الجمعية فقال: “نحن أبناء الأمة نرى أوجه نقص كثيرة في أمتنا ونريد أن ننهض بها، وسبيلنا الرئيس إلى ذلك هو المطالبة بإشراك الأمة في إدارة أوقافها وإصلاح شؤونها بواسطة مجلس نيابي ننتخبه، ولسنا نطالب ببدعة؛ إذ أننا نقتفي بذلك أثر أعرق الأمم وهذا أيضًا نظام موجود في بعض الطوائف حولنا، لم يسع دميان بك– ككل رجل شريف– إلا أن يشكرهم على غيرتهم وأن يمدح فيهم الشهامة والإخلاص ولكنه رجاهم أن يتركوا مسألة الأوقاف وإدارتها حتى يتعين البطريرك وهو الذي يستطيع معهم حل تلك المسألة”.
كتاباته ومؤلفاته:
أثرى المؤرخ الكبير المكتبة القبطية بالعديد من الكتب والمراجع القيمة نذكر منها:
- تاريخ الأمة القبطية.
- التحفة المرضية في تعليم الإنكليز اللغة العربية (صدر عام 1882).
- الإبريز في تعليم لغة الإنكليز (1882).
- قاموس الإصلاحات (لم يطبع).
عرض كتاب “تاريخ الأمة القبطية”:
هو واحد من الكتب المرجعية المهمة التي صدرت قرب نهاية القرن التاسع عشر، حيث صدرت الطبعة الأولى منه عام 1899م، والكتاب يقع في حوالي 378 صفحة، وجاءت عبارات مدح وتقدير الكتاب في 6 صفحات، كتبها كل من بطرس أفندي حنا عبود أستاذ اللغة الإنجليزية بمدرسة الفيوم الأميرية، والأستاذ جرجس فيلوثاوس عوض الكاتب والمؤرخ المعروف، ليكون مجمل الكتاب 384 صفحة، أضف عليه الملاحق والفهارس في حوالي 16 صفحة أخرى، ولقد انتهى المؤلف من كتابة الكتاب في 7 سبتمبر 1899م، وصدرت طبعته الأولى عن مطبعة التوفيق في نفس العام.
ويذكر الدكتور جودت جبرة في مقدمة الطبعة الثانية من الكتاب، أن هذا الكتاب يُعتبر أول عمل مهم يتناول تاريخ الأقباط في مجلد واحد، وبالرغم من مرور قرن كامل على ظهور الكتاب، إلا أنه ما زال مصدرًا موثوقًا به للمشتغلين بالتاريخ القبطي، كما أنه في نفس الوقت كتاب نافع لكل مثقف يرغب في الوقوف على التاريخ الحقيقي لأجداده، فقد أقدم على تأليف هذا الكتاب غير مبالٍ بما يلاقيه من صعوبات في إعداده، كما قد خرج بمجموعة من النتائج تدل عل قدرته على النظرة الشاملة والفاحصة في نفس الوقت لتاريخ الأقباط. كما اتبع روفيلة أيضًا منهجًا علميًّا في تقييمه للمادة التاريخية المتاحة له آنذاك. ويضيف الدكتور جودت أنه عند تقييم كتاب روفيلة علينا أن نضع في الاعتبار أنه قد مضت مائة عام على طباعته، وظهرت فيه موسوعات ومعاجم عديدة ومؤلفات لا حصر لها لم تكن في متناول يد المؤلف، ومن ثم يجب أن نتجاوز عن الأخطاء التي وقع فيها فيما يتعلق بالأصول المصرية القديمة أو القبطية لأسماء المواقع والمدن المذكورة في الكتاب.
ومن بين المميزات التي تميز بها هذا الكتاب -كما يذكر الدكتور جودت- أنه وضع فهرسًا مرتبًا ترتيبًا أبجديًّا جمع فيه أسماء الأعلام من شخصيات ومواقع جغرافية ودمج فيها عددًا كبيرًا من الموضوعات التي مثَّلت بالنسبة له أهمية خاصة مثل (جامع ابن طولون) أو (ضرائب الأقباط) أو (قوانين ابن العسال) مما يزيد من قيمة الكتاب؛ فقد كان سابقًا لعصره في التنبيه على أهمية جمع التراث الأدبي للأقباط فيقول: “يا حبذا لو انتهز بعض فُضَلائِنا هذه الفرصة الثمينة ووجهوا التفاتهم إلى ما بقيَ عندنا من الآثار القديمة عديمة المثال تحت يد من لا يعرف لها قيمة ويرفعون لغبطة البطريرك مشروعًا يجمع شتاتها في محل واحد مع المحافظة عليها كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم”.
كما قام الدكتور إبراهيم ساويرس بتقديم عرض وتقييم للكتاب على صفحة “الدراسات القبطية في مصر”، جاء فيها من نقاط القوة التي رآها الدكتور إبراهيم في الكتاب:
روفيلة أول قبطي يلفت النظر لأعمال أبو دقن، بل ويقتبسها (يوسف أبو دقن هو أحد علماء الأقباط في القرن السادس عشر، ولقد تعلم وعلم في أوروبا في الفترة من 1595–1632م).
روفيلة عالج موضوع محاولات كنيسة روما للوحدة مع الكنيسة القبطية، من وجهة نظر سياسية واجتماعية دون أن يعرج على أي تفاصيل روحية أو لاهوتية.
في إطار معالجته للعلاقات الحبشية القبطية أورد تفاصيل مهمة عن المرسلين الأجانب إلى إثيوبيا، وما نتج عن تبشيرهم بأمور سياسية، دون التطرق لأية أمور عقيدية.
في تحليله لبعض الوقائع لم يقبل ببعضها بسبب المبالغة فيها، حتى لو كان مدونها قبطيًّا مشهودًا له.
استخدم روفيلة كل المصادر التي كانت متاحة في عصره، مثل ساويرس بن القفع، ابن العميد، المقريزي، ويبدو أنه استخدم مصادر غربية لم يذكرها.
ذكر مصادر مهمة، مثل بعض المجلات القديمة والوثائق المنشورة بها في القرن التاسع عشر.
عالج روفيلة بحكمة قضية الأسقف الأنبا إيسيذوروس، رئيس دير البرموس، وقضية الصراع حول نشأة المجلس الملي، وغير ذلك من القضايا التي كان شاهد عيان عليها.
تعتبر شهادة روفيلة شهادة حق في زمن صعب ومضى.
وفي تعقيب آخر على نفس الصفحة للدكتور مجدي جرجس أستاذ علم الوثائق بجامعة كفر الشيخ والخبير بالمعهد الفرنسي للآثار الشرقية، قال فيه: “إن كان روفيلة طبعًا في غاية الأهمية، ولكن ظروف تأليفه في نهاية القرن التاسع عشر جعلته يتجه لإعادة قراءة تاريخ القبط من منظور غير ديني، وهي طفرة في زمنه. ولكن مشكلة الكتاب –من وجهة نظر دكتور مجدي– هو تفرده بذكر معلومات مهمة لم يعاصرها ولم يذكر مصدرها، منها مثلًا ذِكره لخراب دير الأنبا أنطونيوس خلال عام 1484م واستمر الخراب لمدة 80 سنة تقريبًا، ولكن الحقيقة أن مدة خراب الدير لم تتجاوز 17 سنة فقط”.
كما كتبت عنه الكاتبة الصحفية الكبيرة ماجدة الجندي في مقال مهم لها بجريدة الأهرام بعنوان “ما بعد اللقطة” قالت فيه: “عكف روفيلة على تدوين كتابه تلبية لشعور مجهل حتى لعامة الأقباط، ولهذا عكف على تجميع الحوادث العابرة على مدى العصور، مستهلًّا كتابه بما جاء به المقريزي في خططه، إن مصرايم بن حام قد أتى بأولاده وسكن مصر وسُمِّيت باسمه، ولما كثر أولاده اقتطع لكل واحد منهم قطعة يحوزها باسمه هي فقط. وكان قفطايم من أكبر الأبناء خصه بقطعة سميت باسمه هي فقط”.
وفاته:
عاش آخر أيامه في الفيوم يخدم بكل جد واجتهاد حتى هاجمه المرض الأخير، فعاد إلى القاهرة طلبًا للعلاج والشفاء. وقد وافته المنية صباح يوم الجمعة 14 أبريل 1905م. عن عمر يناهز 58 عامًا.
مصادر ومراجع:
- القمص تادرس يعقوب ملطي، قاموس آباء الكنيسة وقديسيها مع بعض الشخصيات الكنسية (ن–ي)، ST Mina Coptic Orthodox Church – New Jesy، سنة 2000م، ص173-174.
- رياض سوريال، المجتمع القبطي في مصر في القرن 19، مكتبة المحبة، ص176.
- مينا بديع عبد الملك، أقباط في تاريخ مصر، جمعية مارمينا للدراسات القبطية بالإسكندرية، الجزء الأول، نوفمبر 2017م، ص 333–336.
- قاموس التراجم القبطية: جمعية مار مينا العجايبي للدراسات القبطية بالإسكندرية، الطبعة الأولى 1995م، ص 277، 278، الشخصية رقم (493).
- منير شكري، قراءات في تاريخ الكنيسة المصرية، رسالة مارمينا الرابعة عشرة، 1993، ص538-553.
- يعقوب نخلة روفيلة، تاريخ الأمة القبطية، تقديم دكتور جودت جبرة، الطبعة الثانية، مؤسسة مارمرقس لدراسات التاريخ القبطي، 2000م.
- إبراهيم ساويرس، الدراسات القبطية في مصر، 5 مارس 2021م.
- موسوعة تاريخ أقباط مصر، المؤرخ يعقوب نخلة روفيلة، موقع على شبكة الإنترنت.
- ماجدة الجندي: ما بعد اللقطة، جريدة الأهرام، 6 يناير 2021م.