بِاسـم الآب والابـن والـروح القـدس، الإلـه الواحـد. آمـين.
يضُم هذا الكتاب خمس عظات مختارة من عظات أُلقيت في الاجتماع العام يوم الأربعاء على مدار عامين، وهى:
| 6 / 8 / 2014 | حيـاة الرضـا |
| 13 / 8 / 2014 | فضائـل حيـاة الرضـا |
| 20 / 8 / 2014 | كيـف نقتـني حيـاة الرضـا |
| 1 / 1 /2014 | السـعادة |
| 26/ 6 / 2013 | الوقـت البهـي |
نلاحظ في زماننا هذا وعلى جميع المستويات أن حياة التذمُّر تتسع وتتزايد، ومع عِلمنا بأن القلب البشـري لن يملأه شـيء كما يقول الفلاسفة: “الإنسان بئر من الرغبات”. فالإنسان يتذمَّر دائماً. ونجد أنفسنا في احتياج إلى كنز فضائل لكي نحيا خاصة فضيلة الرضا.
وأيضـاً نضع أمامنا قول مُثلَّث الرحمات المُتنيّح قداسة البابا شنوده حينما قال: “لا توجد ضيقة دائمة تستمر مدى الحياة، لذلك في كل تجربة تمرّ بك قل: “مصيرها تنتهي. سيأتي عليها وقت وتعبُر فيه بسلام. إنما خلال هذا الوقت ينبغي أن تحتفظ بهدوئك وأعصابك، فلا تضعف ولا تنهار، ولا تفقد الثقة في معونة اللَّـه وحفظه”.
لذا فإننا في هذه المحاضـرات نتعلّم كيف نقتني ونسير ونحيا في حياة الرضا، ولا نجد مثالاً حياً مُعاشاً لهذه الفضيلة أعظم وأعمق من حياة أُمّنا السيدة العذراء.
ثم تطرّقنا في هذا الكتاب إلى مفهوم السعادة التي يبحث عنها الجميع ويتفقون في طلبها، ويقول عنها غاندي: “تتوقّف السعادة على ما تستطيع إعطاءه لا على ما تستطيع الحصول عليه”.
وأخيراً نذهب في رحلة مع داود النبي الذي قال عنه اللَّـه “وجَدْتُ داوُد بنَ يَسـَّى رَجُلاً حَسـَبَ قلبي، الذي سَيَـصنَـعُ كُلَّ مَشيئتي” (أع 13 : 22)، وعبارة: “وَجَـدْتُ داوُد” تعني أن اللَّـه كان يبحث ووجد هذا القلب، ولذا نبحث معه من خلال مزموره كيف كان يقضي وقتاً بهيّاً مع اللَّـه، ونأخذ منه خطة فيها الوقت والسيرة والحياة السعيدة.
وإذ نضع هذا العمل بين يديك أيها الحبيب ونهديه إلى كل نفس تشتاق أن تسير في حياة الفضيلة، لكي يكون نوراً ولو صغيراً في هذا الطريق. ونصلّي أن يُبارك اللَّـه حياة كل من له اشتياق أن يسير في طريق الرضا والسعادة الإلهية، وأن يكون هذا الكتاب لمجد اسمه القدوس، بشفاعة القديسة العذراء مريم، والقديس مارمرقس الرسول. له كل المجد والإكرام والسجود الآن وكل أوان.
البابا تواضـروس الثاني
تمهـــيد:
يقول مُعلّمنا بولس الرسول: “إِنّي فَـرِحْتُ بالرَّبِّ جِدًّا لأَنَّكُمُ
الآنَ قد أزهَـرَ أيضـاً مَـرَّةً اعْتِناؤُكُمْ بي الذي كُنتُمْ تعتَنونهُ، ولكن لم تكُنْ
لكم فُـرصَةٌ. ليس أني أقُولُ منْ جِهَـةِ احْتِيَاجٍ، فإِنّـِي قد تعَلَّمْتُ أن أكُونَ
مُكْتَفِياً بما أنـا فـيـه. أعْرِفُ أنْ أتَّضِعَ وأعْرِفُ أيضاً أن أستَفضِل. فِي كُلِّ شيءٍ
وفي جَمِيعِ الأشيَاء قد تَدَرَّبتُ أن أشْـبَـعَ وأن أجُوع، وأن أستَـفْـضِل وأن أنْـقُـصَ. أسْـتـَطِـيـعُ كُـلَّ شَــيْءٍ فِـي المَسِـيحِ الَّـذي يُقَوِّينِـي” (في 4 : 10 ــ 13).
إنّ أمنا العذراء مريم هى كنز من الفضائل، ومهما تحدَّثنا عنها، وعن شخصيتها، وعن حياتها وفضائلها، لن نوفيها حقها، فأمنا العذراء مريم هى التي نتشفّع بها، وكما نقول في تسبيحنا وصلواتنا: “إنها فخر جنسنا”، وعندما نذكر فضائلها نجدها عديدة جداً، وسنتكلّم هنا عن أحد هذه الفضائل القوية، والتي نحتاج إليها في هذا الزمان، وهى فضيلة حياة الرضا.
إننا نلاحظ في زماننا هذا، وعلى جميع المستويات الفردي … والأُسـَري … وعلى مستوى المجتمع … وعلى مستوى الوطن… وعلى مستوى العالم ككل، أن حياة التذمُّر تتسع وتزداد جداً، ولكن عندما نتأمَّل حياة أُمّنا العذراء مريم؛ نتذكّر كيف إنها كانت إنسانة راضية وناجحة.
فقد نجد في بعض الأحيان أشخاصاً يكون لديهم كل شيء، بل وأحياناً لديهم أكثر مما يحتاجون إليه، ومع ذلك لا يشعرون بالرضا والفرح، والأكثر من ذلك إننا نجدهم يتذمّرون على حياتهم، وذلك بالرغم من نِعَم اللَّـه الكثيرة جداً لهم؛ ولذلك يقول مُعلِّمنا بولس الرسول: “قـد تَـعَـلَّـمـتُ أن أَكُـونَ مُكْتَـفِـياً بما أنا فـيـه” (في 4 : 11).
إنَّ هذا التذمُّر قد يحدث في جميع المستويات، بمعنى أنه قد يصيب الإنسان المُكرَّس بأي صورة من الصور، وقد يصيب الإنسان الذي يعيش في أسـرة بها زوج وزوجة وأبناء وبنات، وقد يصيب الإنسان الذي يعيش بمفرده، وقد يصيب الإنسان الذي يعيش في مجتمعنا هذا أو خارجه في أي بلدٍ آخَر.
إننا عندما نتأمَّل هذه الآية الجميلة التي ذكرها معلمنا بولس الرسول، والتي تقول: “قد تَعَلَّمْتُ أن أكُون مُكْتفِياً بما أنا فيه ” (في 4 : 11)، يجب أن نتذكّر أن القديس بولس الرسول كتب رسالته إلى أهل فيلبّي وهو في السجن أي وهو في قمة الألم، وقرية فيلبّي هى قرية صغيرة وفقيرة، وتعتبر أول قرية في أوروبا نالت نعمة الإيمان بالسيد المسيح.
وفي أثناء وجود القديس بولس الرسول في روما حيث سُجِن هناك لمدة عامين، حضـر إليه بعضٌ من أولاده من قرية فيلبّي، وذلك للاطمئنان عليه، وتقديم له بعض العطايا القليلة التي قد جمعوها؛ لأنه لم يكن لديه إمكانية العمل، كما كان يعمل سابقاً في صناعة الخيام، وذلك لوجوده في السجن، وقد قَبِلَ معلمنا بولس الرسول عطاياهم بسـرور، وذَكَر هذه الآية الجميلة التي تُعبـّر عن حياة الرضا.
معنـى الرضـا:
إنَّ الرضا هو شعور إيماني وإيجابـي، فالإنسان الذي يشعر بالرضا في حياته، ليس هو شخصاً سلبياً يقول: “ليس في الإمكان أفضل ممّا كان”، ولكنه شخصٌ إيجابـيٌّ ومجتهدٌ، وأيضاً الرضا هو شعور لقلبٍ هادئٍ ونفسٍ هادئـةٍ.
وهذه التركيبة التي تجمع الشعور الإيماني والإيجابي والهادئ في الإنسان، تعبّر عن قبول هذه الحياة التي يقدّمها اللَّـه لنا … الحياة التي يقدّمها اللَّـه لكل شخص فينا … وتعبّر أيضاً عن فرح الإنسان بكل ما يقدّمه اللَّـه له.
إنَّ أهم ما في حياة الرضا هو الإحساس الدائم بالحضـرة الإلهية، بمعنى أن يكون اللَّـه حاضـراً، والإنسان ينظر… في كل عمل … في كل مقابلة … في كل كلمة … في كل جلسة … الخ، ينظر يد اللَّـه هى التي تعمل ويشكر الرب مهما كان الحـدث صـغيـراً .
إنَّ الإنسان الراضي، دائماً يكون لديه إحساس أن اللَّـه هو الذي يُدبّر هذا الكون، وليس أن اللَّـه اكتفى بخلق الكون وتركه، ولكنه يكون متأكداً أن اللَّـه ما زال يرعى هذا الكون، وقد ذَكَر مُعلّمنا داود النبي هذا الاختبار عندما قال: “جَعَلْتُ الـرَّبَّ أمامي في كُلِّ حِينٍ، لأنـَّهُ عـن يَميني فـلا أتـزعـزَعُ” (مز 16:8)
عندما نتكلّم عن حياة الرضا بأكثر تفصيل، نجد في فضيلة الرضا التي تمتعت بها أمنا العذراء، والتي يجب أن نعيشها ونمارسها جميعاً، أربعة جوانب أساسية، وهيَ: أولاً إن فضيلة الرضا طبيعة شخصية، وثانياً أسلوب حياة، وثالثاً علامة نجاح، ورابعاً حياة اكتفاء. وسنتكلّم بالتفصيل عن كل جانب من هذه الجوانب.
أولاً: طبيعـة شـخصيـة
إنَّ أول جانب من جوانب حياة الرضا في الإنسان أنها طبيعة شخصية، وقد تكوّنت في الإنسان من خلال تنشئته وتربيته وتكوينه، فمن أحد أهم الفضائل التي يجب أن نزرعها في الطفل الصغير بطريقة مباشـرة، أو غير مباشـرة هى فضيلة الرضا، بمعنى كيف يكون راضياً.
نحن نسمع كثيراً من الشكاوي من الآباء، والأمهات أن أبناءهم
لا يشعرون بالرضا عن كل ما حولهم في حياتهم. مثال لذلك: عندما يقدِّم الآباء بعض الهدايا لأبنائهم في مناسبات مختلفة، مثل نجاحهم في الدراسة، يكون ردّ فعل الأبناء، هو عدم الرضا عن هذه الهدايا باعتبارها هدايا بسيطة ولا تناسبهم!
وقد نسمع أحياناً أن طفلاً صغيراً عمره لا يتعدّى اثني عشـر عاماً، عندما يسأله والده عن نوع الهدية التي يريدها بمناسبة نجاحه مثلاً، تكون إجابة هذا الطفل الصغير أن هدية نجاحه يجب ألاّ تقل عن سيارة،
وهنا نتعجّب! كيف يفكّر هذا الطفـل الصغير بهذه الطريقة؟ مع العِلم إنه لو أحضـر له والده أي هدية أخرى من الهدايا المعتادة، التي تقدم في مثل هذه المناسبات، يكون الطفل غير راضٍ وغير فرحٍ بهذه الهدية.
وهنا يتذكّر الآباء أنه عندما كانت تأتي إليهم بعض الهدايا بمناسبة نجاحهم مثـلاً، كانت فرحة هذه الهدايا تستمر وقـتاً طويلاً، مهما كانت هذه الهدايا بسيطة وغير ثمينة.
لذلك فإن أول جانب من جوانب حياة الرضا هو طبيعة الشخصية، بمعنى الطبيعة التي نكتسبها، ونأخذها من خلال تكويننا في مراحل حياتنا المختلفة، ونذكر هنا على سبيل المثال هذه القصة الواقعية.
إنني في إحدى المرات أحضـرت مجموعة من الأطفال الصغار في المرحلة الابتدائية من أحد أحياء القاهرة الراقية، وأرسلتهم لخدمة أطفال في نفس أعمارهم لإحدى القرى الفقيرة جداً، وبعد فترة صغيرة قابلت إحدى أُمّهات أطفال الحي الراقي، وفوجئت أنها تقدّم لي الشكر على ما قدّمته لأولادها من خدمة عظيمة! فسألت ما هى هذه الخدمة العظيمة؟!
إنّ كل ما فعلناه مع أولادها، إننا قد قمنا باستضافتهم أياماً قليلة، في إحدى القرى الفقيرة جداً! فأجابت أن أولادها كانوا لا يقبلون أي شيء يقدّم لهم، ودائماً في حالة من التذمُّر على كل شيء، ولكن بعد زيارتهم لأطفال في مثل أعمارهم، ولكن في بيئات فقيرة جداً ومحرومة، بدأوا يشعرون أنهم يمتلكون كنوزاً كثيرةً جداً، بينما غيرهم من الأطفال الذين في مثل أعمارهم، في حالة من الحرمان والفقر، لذلك بدأت تتـغيّر مشاعرهم، وبدأوا يشعرون بالرضا الكامل عن حياتهم.
لذلك يجب علينا أن نربّـي أولادنا بهذا الأسلوب، الذي يجعلهم يشعرون بالرضـا، والفرح في حياتهم.
ثانياً: أسـلوب حيـاة
إنّ الجانب الثاني في حياة الرضـا، أنها أسـلـوب حياة وممارسـة يومية، يمارسه الإنسان في حياته … في أُسـرته … في دراسته … في عمله … في خدمته، ويجب أن نحافظ على هذه الفضيلة.
عندما نتأمل في إجابة أمنا العذراء مريم، على الملاك الذي أتى ليبشّـرها بميلاد ربنا يسوع المسيح، نجد أنه بالرغم من أن هذه البشارة، كانت بشارة عجيبة جداً، ولم يسمعها أحد من قَبْل في تاريخ البشـرية؛ إلا إنها أجابت على الملاك بالإجابة التي تُعبّر عن تمام حياة الرضا، فقالت: “هوذا أنا أمَـةُ الـرَّبِّ. لِيَكُـنْ لـي كقـولِكَ” (لو1: 38).
بالرغم من أن أُمّنا العذراء مريم كانت صغيرة في السن، ونشأت في مجتمع شِبه مُغلَق، وأيضاً هذه البشارة بكل المقاييس النفسية والاجتماعية تُعتَبر أمراً مرفوضـاً تمامـاً، لأنها فتاة عذراء صغيرة في السن، فكيف يحدث معها هذا؟! إلا إننا نجد أن أمنا العذراء مريم قد قَبِلَت البشارة بكل رضا.
وهذا يُبيِّن لنا أهمية هذه الفضيلة في حياتها إذ قد تربّت في سنوات طفولتها الأولى على القبول؛ بمعنى قبول الكلمة … وقبول البشارة،
أو كما يقول القديس بولس الرسول: “قد تَعَلَّمْتُ أن أكُونَ مُكتَـفِـيـاً بما أنا
فـيـه” (في 4 : 11) بمعنى أن يقول الإنسان: أنا في يدك يارب، فأفعل بي كل ما تريد.
ولكننا في أحيانٍ كثيرة نجد أن طريقة حديث الأب مع الأم في المنزل، تكون بطريقة ممتلئة من التذمُّر وعدم الرضا، ونتيجة لذلك يتسـرّب هذا التذمُّر إلى الأبناء، أو أن الأم تتحدَّث بطريقة يوجد بها شيء من عدم القبول والرضا، وتكون النتيجة أن هذا الإحساس يتسـرّب إلى أولادنا وإلى بناتنا. فالرضا هو أسلوب حياة يجب أن نحياه ونمارسه.
ثالثاً: عـلامـة نـجـاح
إنّ الجانب الثالث في حياة الرضا، أنها علامة نجاح، فالإنسان الراضي دائماً ناجحٌ في حياته، ولكننا لا نقصد بالإنسان الراضـي هنا، إنه الإنسان المستكين السلبي في حياته، بل هو الإنسان الإيجابي الذي يعمل … يذاكر… يتعب … يخدم … الخ، وكما يقول المزمور: “طُوبى للرَّجُلِ الذي لم يَسلُكْ في مَشُورَة الأشرارِ، وفي طَرِيقِ الخُطَاةِ لم يقـف، وفي مَجْلِسِ المُستَهْزِئين لـم يَجلِس. لكن في نامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُـهُ، وفي نامُوسِـهِ يَلْهَجُ نـهـاراً ولـيـلاً. فَيَكُونُ كَشَـجَـرَةٍ مَـغـرُوسَـةٍ عِندَ مَجَارِي المِيَاه، التي تُعْطي ثمَـرَهَـا في أوانهِ، وورقُـهَـا، لا يَـذبُـلُ. وكُلُّ مـا يَصـنـعُـهُ يَـنـجَـحُ” (مز1: 1 ــ 3).
إنّ الإنسان الراضي إنْ وضَعَ يده في أي عمل ينجح … ففي الخدمة ينجح … في مشـروع أسـرة ينجح … في مشـروع اقتصادي ينجح ويكبر… في التكريس ينجح ويكبر وهكذا؛ فالإنسان الراضي تجمعه هذه الجوانب الثلاثة؛ طبيعة شخصية، وأسلوب حياة يتدرّب عليه خطوة خطوةً، وعلامة نجاح، فهو إنسان ينجح في كل ما تمتد إليه يديه من عمل.
إنّ الإحساس بالرضا يبدأ بمعرفة أن اللَّـه هو كل ما نحتاج إليه، لذلك فالكتاب الذي قام بوضعه المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث “اللَّـه وكفى” يُعتبر من أعظم الكتب التي كتبها قداسته؛ لأنه يُعبّر عن اختبار روحي صميم لحياة الرضـا.
إنَّ الإحساس بالرضا يبدأ حينما نعرف أن كل ما نحتاج إليه، هو مُشخّصٌ في حضور اللَّـه، ولذلك ما أسعـد وما أبهج الإنسان الذي يمتلئ قلبه باللَّـه، وكما يقول مُعلّمنا بولس الرسول: “كُـونُوا مُكْتَـفِيـنَ بما عندكُـم، لأنَّـهُ قـال: لا أُهـمِـلُكَ ولا أتـرُكُكَ (عب 13 : 5).
رابعاً: حـيـاة الاكتـفـاء
يوجد جانبٌ آخَر من جوانب حياة الرضا، وهو أنها حياة اكتفاء، ولعلّ هذا من أصعب دروس الحياة، فالذي يجب أن يتعلّمه الإنسان، هو أن يكون مكتفياً بما هو فيه، وإذا استطاع الإنسان أن يصير مكتفياً، يكون قد وصل إلى قمَّة الحياة الروحية.
ومن أمثلة الذين سقطوا في الخطية بسبب عدم الاكتفاء هما أبوانا الأوّلان: آدم وحواء، فقد خلق اللَّـه لهما المسكونة كلها فخَلق النور… والكواكب … والشمس والمملكة النباتية … والمملكة الحيوانية … الخ، وجهّز الحياة بأفضل ما تكون، ثم قال لأبينا آدم تفضّل كمَلكٍ لمملكتك، وكتاج للخليقة كلها، ثم أراد اللَّـه أن يُكمل سعادة أبينا آدم، ويُشعره بإنسانيته، فأوجد معه حواء ككائن عاقل يتحاور مـعـه.
وهنا نسأل أبانا آدم هل ينقصك شـيء؟! ويُجيب أبونا: لا شـيء ينقُصني على الإطلاق، فقد خلق اللَّـه كل هذه المسكونة من أجلي، وكل هذه الحيوانات، وجعلني أنا الذي أعطيها أسماءها، وأيضاً جعلني أتحدَّث معه في كل يوم، فما أمتع هذا الفردوس! ولكن ينقصني شيءٌ واحدٌ إن اللَّـه قال لي: “من جَمِيعِ شـجـَرِ الجَنَّة تـأكلُ أكـلاً، وأمَّـا شَجَرَةُ معرِفَـة الخَـيـْرِ والشَّــرِّ فـلا تأكُـل منـهـا، لأنَّـك يـوم تأكُـلُ منـهـا مَوتــاً تـمُـوتُ” (تك 2 : 16 ــ 17).
وكان هذا اختباراً إيمانياً بسيطاً جـداً، لكي ما يختـبـر آدم نفسه هل قد صار مكتفياً أم لا؟ ولكن للأسف فشل أبونا آدم في هذا الاختبار البسيط وسقط، رغم أن العقوبة كانت واضحة “موتاً تموت”، وسَقَطت أيضاً
أمنا حواء وطردهما اللَّـه من جنة عدن.
ومن هنا نرى أن قصة سقوط الخليقة بدأت بعدم الرضـا، ولذلك فإن حياة الخطية عـامّـةً تبـدأ بعدم الرضـا.
ونذكر على سبيل المثال أيضاً قصة: “الابن الضال”، فقد كان إنساناً مكرّماً في بيت أبيه، ولكنه تسـرّب إليه شعور بعدم الاكتفاء والرضا في حياته، وبدأ يرى خارج بيت أبيه ما يُبهره، ويلفت أنظاره، ويجعله يشعر بعدم الاكتفاء! ونحن نعلم جميعاً تفاصيل قصة “الابن الضال”.
لذلك قال سليمان الحكيم: “النَّفسُ الشَّبعانةُ تَدُوسُ العَسَلَ، وللنَّفسِ الجائعةِ كُلُّ مُـرّ حُـلْـوٌ” (أم 27 : 7). إنّ هذا الشبع صورته هو حياة الرضا، فما أسعد الراهب الذي يجلس في ديره وهو راضٍ، وكذلك ما أسعد كلاً من الكاهن… الراهب … الأسقف … الزوج… الزوجة … الخطيب… الخطيبة… الابن … الابنة … الصغيـر … الكبيـر … الخ، الذي يكون راضياً، وفرحاً بحياته. بالسعادة كل إنسان يعيش راضياً.
إنَّ القلب البشـري مهما وُضِعَ فيه لن يمتلئ، كما قال أحد الفلاسفـة: “إن الإنسان بئـرٌ من الرغبات”، فالإنسان يريد بصفة مستمرة، لذلك يقول معلمنا بولس الرسول: “قد تَعَلَّمتُ أن أَكُون مُكتفِياً بما أنا فيه” (في 4 : 11)، لأنه قد تعلّم هذا الدرس وأيقنه من أبينا آدم، وأيضاً قد تعلّمته أمنا العذراء مريم، ولذلك تُسمَّى: “حواءنا الجديدة”.
تُحكَى قصة لطيفة عن شجرة عيد الميلاد، أنها ذات يوم تذمّرت على شكلها، وذهبت إلى السيد المسيح، وقالت له: كيف تكون شجرة عيد الميلاد الخاصة بـك ورقهـا صغيـرٌ هكذا؟ وسألها السيد المسيح عن رغبتها، فقالت أريد أن يكون ورقي من الذهب!
وفعل لها السيد المسيح ما أرادت، ولكن في المساء أتى إليها لصوصٌ، وسـرقوا أوراقها، فذهبت متذمّرة إلى السيد المسيح، وطلبت منه أن تكون أوراقها من الزجاج. وأيضاً أجاب السيد المسيح لها طلبها، ولكن في الليل هبّت عاصفة شديدة أدَّت إلى تكسير هذه الأوراق الزجاجية.
فتذمّرت مرة أخرى، وذهبت إلى السيد المسيح، وقالت له أريد أن تكون أوراقي الخضـراء كبيرة وعريضة، وأجاب لها الرب طلبها هذه المرة أيضاً، فمّرت بالشجرة مجموعة من الخراف وأكلت الأوراق! وفي النهاية عادت الشجرة إلى السيد المسيح وقالت له أريد أن أعود كما صنعتني! فلا يوجد لصوص يسـرقونني، ولا عاصفة تُكسّـر أوراقي، ولا خراف تأكلني، وهكذا أظِلّ شجرة خضـراء جميلة.
إنَّ الإنسان الذي يتذمَّر دائماً ما يخسـر؛ لذلك فإن حياة الرضا لها أربع صفات رئيسية: أولاً أن يكون الإنسان راضياً بالاختيار والقرار المصيري،
ثانياً أن يكون راضياً بالخدمة والمسئولية، ثالثاً أن يكون راضياً بالآخَر،
رابعاً أن يكون راضياً بالظروف والبيئة.
أولاً: الرضـا بالاختيـار
إنَّ أول صفة من صفات حياة الرضا، هو أن يرضى الإنسان بالاختيار والقرار المصيري، الذي قد اختاره لنفسه، فالاختيار حرية ومسئولية. مثال لذلك إنسان اختار طريق الزواج، واختار إنسانة مُعيّنة، وسمح اللَّـه أن يربط بينهما بسـر الزيجة المقدّس، فهنا يجب عليه أن يجتهد ويحاول أن يُنجِحَ هذه الزيجة.
وأيضاً هو أو هى اختاروا طريق التكريس، أو طريق الخدمة بأي صورة من الصور، فيجب أن يجتهدوا ويحاولوا أن ينجحوا في هذا الطريق الذي اختاروه لأنفسهم.
فعندما تكون راضياً ستكون نـاجحـاً، والكتاب يقول: “ليسَ أحدٌ يَضـَعُ يدَهُ على المحرَاث ويَنظُرُ إِلى الوَرَاء يَصْلُـحُ لِمَلَكُوتِ اللَّـهِ” (لو9 : 62). ولكن يجب على الإنسان أن ينتبه إلى حرب التشكيك، فمن الممكن أن يحاربه عدو الخير بحرب التشكيك.
مثال لذلك، من الممكن أن يقول له: إن اختيارك كان خاطئاً وغير صحيحٍ، أو أن الطريق الذي تسير فيه غير سليم، وإن كنت قد اخترت طريقاً آخَر لكنت أكثر نجاحاً، وهنا يبدأ عدو الخير حربه ضد هذا الإنسان، ويظل يلقي بالشكّ في قلبه. من جهة طريقه حتى يتمكّن منه، ويوقعه أخيـراً.
والكتاب المقدّس مليء بالأمثلة، منها: قصة “راعوث المؤابية” والتي وردت قصتها في سفر راعوث، ومعنى كلمة راعوث هى “جميلة”، وهو اسم من الأسماء الجميلة الذي نسمِّي بها بناتنا، فراعوث المؤابية قد تعرّضت لآلام شديدة جداً، فقد تغرّبت عن بلادها، ومات زوجها، وأخو زوجها وحَمُوها، ولم يكن معها أحد، فقد كانت غريبة ولم يكن لها ولدٌ.
وبالرغم من كل هذا كانت راضية، وعندما نقرأ سِفرها نشعر بكم كانت هى راضية؛ ولذلك باركها اللَّـه، وصارت مذكورة في سلسلة أنساب السيد المسيح، وفي نسب داود النبي فهى مثال لإنسانة راضية بمصيرها.
ونسمع أيضاً عن والدة القديس يوحنا الذهبي الفم: وكانت تُدعى “أنثوثا”، وكانت فتاة جميلة، وإنسانة فاضلة وقد تزوّجت، وأنجبت ابنة، وابن هو القديس يوحنا الذهبي الفم، ثم مات زوجها في الحرب بعد فترة صغيرة من زواجهما، ثم بعد حوالي عـام آخَر ماتت ابنتها أيضاً بسبب المرض، وقد عُـرِضَ عليها الزواج من رجال كثيرين، لكنها كانت قد أخذت قرراً، وهى أن تعيش لتربية ابنها الوحيد، وكانت راضية بنصيبها.
ثم بعد فتـرة كبر ابنها، وطلب منها الذهاب إلى الدير لكي يصير راهباً، فقالت له: “يا ابني لا تُرمِّلني مرة ثانية، فيمكن أن تعيش حياة الرهبنة معي هنا في هذا المنزل، ثم بعد رحيلي اذهب إلى الدير”، وقد أطاع الابن هذا الأمر، وأصبح بعد ذلك القديس العظيم يوحنا ذهبي الفم، فأول صفة من صفات حياة الرضا هى: الرضا بالاختيار والقرار المصيـري.
ثانياً: الرضا بالخدمـة والمسئوليـة.
الصفة الثانية من صفات حياة الرضا هى: الرضا بالخدمة والمسئولية، فأحياناً يقارن الإنسان نفسه بالآخَر، وهنا يبدأ في التذمُّر، فقد أعطى اللَّـه لكل إنسان وزنات على قدر طاقته، فلا تُقارِن نفسك بآخَر.
مثال لذلك، ما ورد في مَثَل الوزنات الذي ورد في الكتاب المقدس: “فَأعطَى واحداً خَمْسَ وزناتٍ، وآخَرَ وزنتَينِ، وآخَرَ وزنةً. كُلَّ واحدٍ على قَدْرِ طاقتِـهِ. وسَافَرَ للوَقتِ. فمضى الذي أخَذ الخَمْسَ وزناتٍ وتاجر بها، فَرَبحَ خَمْسَ وزناتٍ أُخَرَ. وهكذا الذي أخذ الوزنَتَينِ، … وأمّا الذي أخذ الوزنة فَمَضَى وحَـفَـرَ في الأرضِ وأخفَى فـضَّـةَ سَيِّدِهِ … أتى سَيِّدُ أُولئِكَ العَبيدِ وحَاسَبَهُم. فَجَاءَ الذي أخَذَ الخَمْسَ وزَناتٍ وقَدَّم خَمْسَ وزَنَاتٍ أُخَر … فَقَال لـه سَيِّدُهُ: نعِمَّا أيُّها العَبدُ الصَّالِحُ والأمينُ! كُنتَ أمِيناً في القَلِيلِ فَأُقِيمُكَ على الكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلى فَرَحِ سَيِّدِكَ. ثُمَّ جَاءَ الذي أخَذ الوزنتَينِ وقال: يا سَيِّدُ، وزنتَيْنِ سَلَّمْتَني. هُوَذَا وزنتَانِ أُخريانِ رَبحْتُهُمَا فَوقَهُمَا. قال له سَيِّدُه: نعمَّا أيُّـهـا العَبدُ الصَّالحُ الأمين! كُنتَ أميناً في القَليلِ فَأُقِيمُكَ على الكَثِيرِ. اُدخُل إِلى فَرَحِ سَيِّدِكَ. ثمَّ جَاء أيضاً الذي أَخَذَ الوزنة الواحِدَةَ وقال: يا سَيِّدُ، عَرفْتُ أَنَّكَ إِنسَانٌ قاسٍ… فَخِفْتُ ومَضَيتُ وأخْفَيْتُ وزنَتَك في الأرضِ … فأجَابَ سَيِّدُهُ وقال له: أيُّها العَبد الشِّرِّير والكَسلانُ … فَخُذُوا منـه الوَزنـةَ وأعطُوهـا للَّـذي لـه العَـشـرُ وزنـاتٍ (مت 25 : 15ــ 28).
وهنا نجد أن الذي أخذ الخمس وزنات تاجر وربح خمس وزنات أُخر، فكانت نسبة ربحه مائة في المائة، والذي أخذ الوزنتَيْن لم يقف أمام اللَّـه ليسأله لماذا أعطيتني وزنتَيْن، وأعطيت أخي خمس وزنات؟! ماذا يفرق أخي عني؟!
ولكنه أخذ الوزنتَيْن، واجتهد فيهما، وحقق نفس النسبة مائة في المائة، أمّا الذي أخذ وزنة واحدة، فقد ظنَّ ظناً خاطئاً في صاحب الوزنات، وطمرها في التراب، وأراد أن يجد مبرراً لكسله، وإضاعة وقته؛ وكانت النتيجة أن صاحب الوزنات أخذ منه هذه الوزنة، وأمر أن تُعطى لصاحب العشـر وزنات، لأنه كان إنساناً مهملاً وكسلاناً. فإحدى صفات حياة الرضا، أن الإنسان يكون راضياً بالخدمة والمسئولية، وكما يقول الكتاب: “كُلَّ الأشياء تعْمَلُ مـعـاً للخَـيـرِ” (رو 8 : 28).
ونذكر على سبيل المثال، إنه قد تختار إحدى الكنائس خادماً شاباً أميناً من أولادها، لكي يُرسَم كاهناً للَّـه، وبعد رسامته بما يقرب من عامين أو ثلاثة، نجد أن خدمته بدأت في الضّعفِ رويداً رويداً، وبعد فترة أخرى
بدأ في حياة التذمُّر، وذلك لأنه لم يحسب حساب النفقة جيداً، وبدأ في
مقارنة نفسه بآخَرين من نفس عمره، سواء كانوا من الكهنة أو زملائه في الدراسة أو الخدمة، وبعد هذه المقارنة، يبدأ يقع في خطية التذمُّر، وعدم الرضا.
والسيد المسيح ينظر إليه معاتباً، ويقول له: أعطيتك نعماً كثيرةً جداً وكبيرة، فقد أعطيتك نعمة الكهنوت، ونعمة ائتمانك على أسـرار الناس وخدمتهم، والصلاة من أجلهم، وعملت على يديك نعماً ومعجزات كثيرة، فلماذا التذمُّر؟! وهنا يضيع منه الكثير من البركات التي أعطاها له اللَّـه.
وهناك إنسانٌ آخَر يدخل في عملاً من الأعمال ولكنه لا يستمر أكثر من شهرين، ويبدأ في التذمُّر، ثم يترك العمل ويذهب إلى عمل آخَـر، وأيضاً يستمر فيه ليس أكثر من شهرين أو ثلاثة، ثم يتركه أيضاً وهكذا…!!
فهذا الإنسان لا ينجح في حياته، وتقول اختبارات الآباء في البرية: “كثـيـر التنقُّل قليل الثمر”. مثلما توضَع زرعةٌ، وقبل أن تنبت يتم نقلها إلى أرضٍ أخرى، وهكذا إذا تكرر هذا الأمـر لا يمكن أن تأتي هذه الشجرة بأي ثمر. فعلى الإنسان أن يثبت ويعلم أن اللَّـه يرسم له خطة حياته بكل دقـة.
ثالثاً: الرضـا بالآخَــر
إنّ الصفة الثالثة من حياة الرضا هى: الرضا بالآخَر. بمعنى أن يكون الإنسان راضياً بمن معه، وهذه ربما تكون في الزواج باعتبار أن إنساناً يرتبط بإنسانة، أو من الممكن أن تكون في العمل باعتبار أن الآخَر هو الزميل
أو الشـريك في العمل، أو في مشـروع تجاري مثلاً، وربما تكون في الخدمة ويقول الكتاب: “اثنانِ خَـيـرٌ من واحِـدٍ، لأنَّ لهما أُجـرَةً لتَـعَبـهِمـا صَالحةً. لأنه إِن وقَـعَ أحَدُهُمـا يُقـيـمُـهُ رفـيـقُـهُ” (جا 4 : 9 ــ 10).
إن كل إنسان في العالم خلقه اللَّـه لدورٍ مُتميّزٍ ولمسئولية محددة؛ فاللَّـه لم يخلق إنساناً في العالم كله بلا مسئولية أو دورٍ، فهناك شخص يُسمَّى Troublemaker بمعنى أنه إنسان يختلق المشاكل مع من حوله،
ولا يستطيع أن يجد راحته مع أحد، وهناك شَخص آخَر يُسمَّى Peacemaker أي صانع سلام، ومثل هذا الإنسان يتمنَّى أي شخص أن يعمل أو يخدم معه.
ومن أسباب عدم راحة شخص مع مَن حوله أو انغلاق قلبه من الآخَر؛ هو قلّة المحبة وعدم قبول الآخَر، فالرضا بالزميل أو بالشـريك من الممكن أن يكون أيضاً في حياة التكريس، مثال لذلك ما ورد في رسالة فيلبي حيث تحدّث القديس بولس الرسول عن أختَيْن كانتا تقومان بالخدمة معاً، وحدث بينهما خلاف في الفكر فأرسل إليهما بولس هذه الآيات: “أطلُبُ إلى أفُودِيَةَ وأطلُبُ إلى سِنتِيخي أن تَفتكرا فكراً واحِداً في الرَّبِّ. نَعَمْ أسألُكَ أنت أيضاً، يا شَرِيكِي المُخلِصَ، سَـاعِـد هـاتَينِ اللَّتَينِ جاهَـدَتـا معي في الإنجِيلِ، مع أكلِيمَندُس أيضاً وباقي العامِلِين معي، الذين أسمَاؤُهُم في سـفـرِ الحيـاة” (في 4 : 2 ، 3).
فبالرغم من أنهما اختلفتا، لكن مُعلّمنا بولس الرسول أراد أن يُرضي الأختين بعبارة لطيفة، ويعطي لهما لقباً رائعاً فقال: “اللَّتَيْنِ جَاهَدَتا معي في الإنجِيل“، بمعنى أن جهادهما ومشاركتهما معه في الخدمة، كانت من أهم أسباب نجاح خدمته وكرازته بالإنجيل.
وعلى سبيل المثال لحياة الرضا نذكر هنا هذه القصة الواقعية، فهذه القصة لأسـرة صغيرة تتكون من زوجة وزوجٍ وابنٍ مُعاقٍ ذهنياً، وهذه الأسـرة المباركة بدلاً من أن تتذمَّر على اللَّـه بسبب هذه العطية أي الابن المعاق، فكروا فكراً إيجابياً، وهو أن يكرّسوا حياتهم لخدمة الأُسـر التي أعطاها اللَّـه أولاداً بهذه الصـورة.
وبالفعل قاموا بإنشاء جمعية وخدمات، ومكان على هيئة بيتٍ لطيفٍ يقومون فيه باستضافة مثل هذه الحالات، كما قاموا أيضاً باستدعاء بعض الأطباء، ومخاطبة بعض الهيئات المختصّة في الخارج، لكي يتواصلوا لعلاج بعض هذه الحالات، وبذلك حوّلوا العطية التي أعطاها لهم اللَّـه والتي كانت من الممكن أن تكون سبباً لتذمّرهم، إلى عملٍ إيجابيٍّ خدموا به أنفسهم والآخَرين.
رابعـاً: الرضـا بالظـروف
آخِر صفـة نذكرها هنا عن حياة الرضا هى: الرضا بالظروف أو البيئة، ففي كل يوم تتغيّر أشياء وحالات كثيرة، وتاريخنا في الشهور القليلة الماضية تغير فيه الكثير، ونحن نصلّي كل يوم في قِطع صلاة الساعة الثالثة ونقول: “مُبارَك الربُّ إلهُنا، مُبارَك الربُّ يوماً فيوماً يُهيئ طريقَنا لأنه إله
خلاصنا”.
فاللَّـه له ترتيب جميل في كل يوم، ويجب أن تكون لنا الثقة الكاملة في أن اللَّـه يدبّر كل شـيء لخيرنا، حتى إن صادفنا في أحد الأيام شيئاً غير متفق مع رغباتنا، فيجب أن نتأكد أن هذا أيضاً لخيرنا، وذلك إن كنا أمناء في حياتنا مع اللَّـه.
وهذا ما يجعل كنيستنا تعلّمنا أن نقول في بداية كل صلاة: “نشكُرَك على كُلِّ حال، ومن أجل كُلِّ حال، وفي كل حال”، ونحن نصلّي صلاة الشكر دائماً في جميع مناسباتنا.
ونذكر في تاريخ مصـر الدكتور طه حسين، الذي فَقَد بَصَـره، وهو في سنٍ صغيرٍ، ولكن هذا لم يمنعه من أن يحصل على أعلى الدرجات العلمية، من أكبر جامعات فرنسا، وهى جامعة السُّـربون، ولم تمنعه هذه الإعاقة أيضاً من أن يكون وزيراً للمعارف في مصـر، أي وزير للتربية والتعليم في ذلك الوقت، ويكون أيضاً أحد المشاهير، والمتميزين في تاريخ مصـر.
احذر التذمُّر أو التمرّد، فكل أفعال اللَّـه دائماً لخيرك، حتى وإن
بَدَت في بعض الأحيان غير مقبولة للعقل، لكن اللَّـه سوف يستخدمها لخيرك.
جيد أن نضع حياة أُمّنا العذراء مريم كمثال، وكنموذج في حياة الرضا التي نحتاجها جميعاً، إنّ الإنسان الذي يعيش حياة الرضا هو إنسان له فضائل كثيرة، فحياة الرضا ليست فضيلة واحدة، بل هى مجموعة من الفضائل، وعلى سبيل المثال نذكر هذه القصة التي ذكرها أبونا تادرس يعقوب في بعض كتبه، حيث كتب يقول:
إنه قد ذهب لزيارة إنسانٍ مريضٍ، وكان مُتقدّماً في العمر، ويشكو من الكثير من الأمراض إلى الدرجة التي جعلت أغلب أعضاء جسده تقف عن العمل: يدَيْه … عينَيْه … رجلَيْه… كُلَّ شيءٍ، وقد ذهب أبونا إليه لتعزيته وتشجيعه ببعض الكلمات، وعندما تقابل معه أبونا وجده فرحاً، وقد
احتار أبونا لذلك، وأيضاً كان لا يعلم ماذا يقول له مع حالته المأساوية والصعبة.
فسأله أبونا هل قرأت الكتاب المقدَّس، فأجاب نعم منذ فترة طويلة، وسأله أبونا أيضاً، وهل تقرأه في الوقت الحالي؟! فأجاب هذا الشخص نعم، وتعجب أبونا كيف؟! وهو لا يستطيع أن يرى، فسأله أبونا كيف تستطيع أن تقرأه في ظروفك هذه؟!
أجاب هذا الإنسان المريض في ابتسامة: إني أستطيع أن أقرأه بلساني، لأن لسانه كان هو العضو الوحيد الذي يعمل؛ فكان يأتي بالإنجيل المكتوب بالحروف البارزة ويضع عليه طرف لسانه، وإن جاز التعبير يستطعم الكلمة وهو راضٍ، فحياة الرضا بها ثلاث فضائل أساسية وهى: الشكر الدائم، والاعتماد على السيد المسيح. وأن يكون الهدف هو السيد المسيح، وسنتحدّث بالتفصيل عن كل فضيلة.
أولاً: الشـكـر الدائـم
إنَّ الفضيلة الأولى من فضائل حياة الرضا، هو أن يقدّم الإنسان الشكر الدائم للسيد المسيح، فالإنسان الراضي دائماً يشعر ويحس بعطايا السيد المسيح له، وأيضاً يشكره يومياً على كل شيء في حياته: على صحته … على تسديد جميع احتياجاته … على غفران خطاياه … على نصيبه في الحياة الأبدية المتاحة أمامه … على وجود كنيسة يستطيع أن يقدّم فيها عباداته … على وجود الخدمة … على وجود مجتمع يعيش فيه … الخ.
إنَّ الإنسان الراضي جميع نبضات قلبة تشكر اللَّـه في كل وقت، على عطاياه التي لا يمكن حصـرها، فكل فرد منا يشعر أن تواجده داخل مصـر كدولة وكبلد وكأرض أفضل من كل بلاد العالم. وهناك شخص آخَر يشكر المسيح أنه عضو في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التي تتمتع بالتاريخ الطويل وبالقديسين، فنحن أبناء هؤلاء القديسين. وهناك آخَر يشكر مسيحه دائماً، أن بلادنا مصـر هادئة من ناحية الكوارث الطبيعية؛ فهناك بلاد أخرى نسمع ما يحدث فيها من زلازل وبراكين وفيضانات وثورات الطبيعة، فنشكر اللَّـه أن بلادنا مصـر هادئة من ناحية كل هذا.
وهناك آخَر يشكر اللَّـه دائماً على حلاوة المناخ، فطبيعة جو مصـر يتغيـّر بين الفصول الأربعة، من حر إلى برد إلى معتدل، لكنه في معدلاته الطبيعية مُحتَمَل، ولكن في بعض بلادٍ أخرى من العالم، الجو غير مُحتَمَل من حرارة شديدة أو برودة قارسة.
إنّ مصـر من أكثر عشـر دول في العالم تظهر بها الشمس، فالشمس نِعمة إلهية. ويوجد أيضاً في مصـر منطقة الساحل الشمالي، وهى من أغنى مناطق العالم في ظهور الشمس. وأيضاً يوجد في مصـر نهر النيل، وهو نِعمة كبيرة لمصـر، فتوجد بلاد أخرى بجانب مصـر لا يوجد بها نهر.
إنّ حياة الرضا بها حياة الشكر، فالإنسان الراضي هو إنسان في طبيعته الداخلية ونبضات قلبه وفكره، يشكر المسيح على كل النِّعَم التي قدّمها ويقدمها له. ومن أقوال القديس باسيليوس الكبير في هذا الشأن هذه العبارة المشهورة، والتي يحفظها أغلبنا: “ليست عطية بلا زيادة إلاَّ التي
بلا شكر”، فكلما شكر الإنسان أكثر، كانت عطايا اللَّـه له أكثر.
أمّا الإنسان المُتذمّر فإنّ اللَّـه ينظر إليه بتعجُّب! ويسأل لماذا هذا الإنسان يتذمّر؟! وأنا قد أعطيته أشياء كثيرة جداً، فقد أعطيته كذا وكذا … الخ.
وهناك مَثَل روسي مشهور يقول: “كنت أتذمَّر على اللَّـه لأنه ليس عندي حذاء، ولكنني ذات يوم وَجَدْتُ إنساناً بلا قدَمَيْن حينئذٍ شكرت اللَّـه”.
بمعنى إن الإنسان من الممكن أن يتذمّر على اللَّـه لأنه لا يمتلك حذاءً، ولكنه عندما يجد إنساناً آخَر محرومـاً من القدمَيـْن، حينئذٍ يشكر اللَّـه، ويعلم أن اللَّـه قد أعطاه عطية ثمينة جداً، ولكن الإنسان لا يشعر بالعطية إلا عندما يرى إنساناً آخَر محروماً منها.
فأول فضيلة في حياة الرضا أن يقدّم الإنسان شكراً متصلاً للسيد المسيح على كل شيء، وفي كل وقت، ومثال لذلك الأحداث التي تمّت في بلادنا الحبيبة مصـر في الثلاث سنوات الماضية، ونستطيع أنْ نقول أنّ ما حدث هو معجزة، تستحق الشكر كل الحياة، بل ونتأكد أن السيد المسيح يرعانا، ويرعى شعباً بأكمله، فشكراً للَّـه على رعايته ومحبته الكبيرة.
ثانياً: الاعتمـاد علـى المسـيح
إنَّ الإنسان الذي يعيش حياة الرضا، يعيش معتمداً تماماً على السيد المسيح، فهو رفيقه طول الطريق، كما يقول المزمور: “إِذا سِرتُ في وادي ظِلِّ الموت لا أخاف شَـرّاً، لأنَّك أنتَ معي. عصاك وعُكَّازُكَ هُمَا يُـعـزِّيانِنِي”
(مز23 : 4)، وتسمى هذه الحياة: “هى حياة المَعيَّة”، بمعنى أنني أسير برفقة اللَّـه، فالإنسان الراضي يشعر دائماً أن اتكاله على السيد المسيح.
إنّ الإنسان الراضي لا يخاف من شيء على الإطلاق، ويكون واثقاً من الطريق الذي يسير فيه، مهما تعرّض في هذا الطريق لتجارب وحروب روحية من عدو الخير، الذي يحاول أن يُسقِط الإنسان في الخطية بأي شكل من أشكالها المختلفة. فالإنسان الراضي يكون واثقاً من نُصـرَة السيد المسيح ومساندته له، وحتى إن سقط يكون واثقاً أنه سيقوم بمعونة اللَّـه له، وبذلك يعيش معتمداً اعتماداً تاماً على السيد المسيح.
ومثال لذلك أيضاً، ما ورد في الكتاب المقدَّس عن قصة خروج بني إسـرائيل من أرض مصـر (خر14)، ففي بداية القصة نجد أن اللَّـه قد وضع موسى النبي وشعب بنى إسـرائيل في مواجهة مع البحر الأحمر، فكان العدو خلفهم والبحر أمامهم.
ولكن موسى النبي كانت ثقته في اللَّـه كاملة، أنه سيُدبّر الأمر، ولكنه لم يكن يَعلَم كيف! حتى خاطبه اللَّـه وأمره أن يستخدم العصا التي كان يستند عليها في سيره ويضـرب بها البحر، لينشقّ إلى نصفَيْن، وصنع اللَّـه لهم طريقاً في البحر، وكانت النتيجة هى معجزة عبور البحر الأحمر.
ومثال آخَر عندما تقابل السيد المسيح مع “زكا العشار”، وزكا هذا كان رجلاً عشّاراً له حساباته، وإمكانياته وشهرته وأشياء كثيرة، لكنه عندما تواجه مع شخص السيد المسيح، وكما نقول في لغتنا العامية عندما تقابلت عيناه مع عينَي السيد المسيح، تغيـّر به كل شيء، فلم يَعُدْ اعتماده على المال بل صار اعتماده على السيد المسيح.
فقال: “ها أنا ياربُّ أُعطِي نصْفَ أموالي للمَسَاكِينِ، وإِن كُنتُ قد وشَيْتُ بأحَدٍ أرُدُّ أربَـعَـة أضعافٍ” (لو19: 8)، وهنا نسأل زكا: هل تعلَم ما سيتبقّى لك من مال بعد كل هذا التوزيع؟ يُجيب هذا أمر لا يهمني! لأن اعتمادي أصبح على السيد المسيح، فالسيد المسيح يستطيع أن يُغيّر في طبائعنا، ومشاعرنا ما دمنا نعيش في حياة الرضا.
وأيضاً عندما نتأمل قصة حياة شاول الطرسوسي الذي نعلم جميعاً ماضيه، ومدى اضطهاده لكنيسة اللَّـه، فكيف نُصدّق أن شاول هذا يؤمن بالسيد المسيح؟! كيف أن شاول الذي كان مجرّد ذِكر اسمه يثير الرعب، يعرف السيد المسيح؟! وهل عندما عرف السيد المسيح ظل بطباعه القاسية والشـرسة أم تغـيـّر، وكيف تغيـّر؟
إنَّ النعمة لا يقف أمامها شيءٌ، فشاول هذا أصبح القديس بولس الرسول، بل وشبّه نفسه بالسَّقْط، والسّقط هو الجنين الذي يموت “وآخِرَ الكُلِّ كأنَّه للسِّقـطِ ظَـهَـرَ لي أنـا” (1كو 15: 8)، وبدأ في خدمته للسيد المسيح، وأصبح عملاقاً في الكرازة، وتغيـَّر طبعه الشـرس إلى طابعٍ وديعٍ.
وقد سجّل لنا أيضاً القديس بولس الرسول هذا الخطاب الوداعي، وهو عائدٌ إلى أورشليم، بعد زيارته لمدينة أفسس، التي مكث بها حوالي ثلاث سنوات فكتب يقول: “لذلك اسـهَـرُوا، متـذكِّرِينَ أنّي ثـلاث سِنِينَ ليلاً ونهَاراً، لم أفتـُر عن أن أُنـذِرَ بدُمُوعٍ كُلَّ واحدٍ. والآن أستَوْدِعُكُمْ يا إِخوَتي للَّه ولكَلِمَةِ نعمَتِهِ، القادرة أنْ تَبنِيَكُمْ وتعطِيكُم ميراثــاً مع جَمِيعِ المُقَدَّسِينَ. فِـضَّـةَ أو ذَهب أو لبَاس أحَدٍ لم أشـتَـهِ. أنتُمْ تعلَمُونَ أنَّ حاجاتي وحاجَاتِ الذين معي خَدَمَتهَا هَاتَانِ اليدانِ. في كُلِّ شيءٍ أرَيتُكُم أنه هكذا ينبغي أنكُم تَتعَبُون وتَعْضُدُونَ الضُّعفاء، مُتذَكِّرِين كلمات الـرَّبِّ يسُوع أنهُ قال: مَغبُوطٌ هو العَطَاء أكـثـرُ مـن الأخــذ ” (أع20 : 31 ــ 35).
وعندما ذكر الآية: “أنتُم تَعلَمُون أنَّ حَاجَاتي وحَاجَات الذين معي خَدَمَتهَا هاتانِ اليَدَانِ” (أع20 : 34)، رفع يديه إلى فوق ليريهم يديه، لأن يديه كانت متأثرة من صناعة الخيام التي كان يعمل بها، ولأن هذه الصناعة، كانت تعتمد على شغل الإبرة، فأثناء العمل كانت هذه الإبرة الكبيرة تسبب له جروحاً في كف اليد.
وأما الآية التي تقول: “في كُلِّ شيءٍ أريْتُكُم أنَّه هكذا يَنبغي أنَّكمْ تَتعَبُونَ وتعـضُـدُون الضُّـعـفـاءَ، مُتَذَكِّرِين كلمَات الرَّبِّ يَسُوعَ أنـهُ قال: مَغبُوطٌ هو العطَاءُ أكـثـرُ من الأخـْذِ ” (أع20 : 35)، فهى الآية الوحيدة التي قالها السيد المسيح ولم تُذكَر في البشائر الأربع، وقد ذكرها القديس بولس الرسول في معرض حديثه مع قسوس وخدام كنيسة أفسس.
فهذه الكلمات هى كلمات حيّة وقد تصير دينونة لنا، لذلك ينبغي أن ينتبه الخادم في جميع مراحله ومستوياته لأن كلمة الضعفاء هى كلمة كبيرة، ومفتوحة لكل أنواع الضعف، فالإنسان الذي يحيا حياة الرضا هو إنسان يعتمد على شخص السيد المسيح، ولا يخاف من شيء أو يشكّ في شيء وليس عنده يأسٌ.
ومن أقوال القديس يوحنا الذهبي الفم في ذلك، هذه العبارة الجميلة “اللَّـه لا يعطينا عندما نتكاسل، فاللَّـه يعطينا عندما لا نستطيع”، فماذا يعطي اللَّـه للإنسان الكسلان؟! … إن حياة التذمُّر تُتعِب الإنسان نفسه، وخصوصاً إذا كان خادماً أو كاهناً لأحد الكنائس أو مسئولاً.
إنَّ اللَّـه لا يعطينا عندما نتكاسل، ولكنه يعطينا عندما لا نستطيع، لذلك يجب على الإنسان أن يعمل ويجتهد، ويكون اعتماده على اللَّـه، ورجاؤه وثقته بالكامل في شخص السيد المسيح، وأن يسلك أمامه بأمانةٍ مهما كانت الصعاب، لأن اللَّـه هو الذي يدبّرها، فاللَّـه يدبّر كل شيءٍ.
ثالثـاً: الهـدف هـو المسـيح
إنّ حياة الإنسان الذي يحيا في حياة الرضا، هدفها يكون هو السيد المسيح، لأن حياة الرضا تعطيه الفرصة في أن يصير في عِشـرة مقدسة معه. ونتذكّر هنا القصة المعروفة عن القديس العظيم الأنبا بيشوى: إنه عندما أراد تلاميذه أن يروا السيد المسيح لكي يتعزوا ويتلذذوا برؤيته مثله، لأنه كان له شفافية كبيرة، وكان يستطيع أن يتعزّى ويتلذّذ به، فاتفق معهم على أن يروا السيد المسيح على الجبل قبل غروب الشمس.
وبالفعل أسـرع جميع الآباء الرهبان إلى الجبل في هذا اليوم، وليس لديهم غير شهوة واحدة وهى: أن يروا السيد المسيح، وفي الطريق تقابلوا مع رجُلٍ عجوزٍ، وسألهم: لماذا تُسـرعون هكذا على خلاف العادة؟! فأجابوه: إن السيد المسيح سيظهر على الجبل قبل غروب الشمس.
فطلب منهم هذا العجوز أن يذهب معهم، فاعتذروا خشية أن
يتعطّلوا في الطريق بسبب بُطء سيره. ونحن نعلم بقية القصة لأنها واسعة الانتشار، وكيف تقابل السيد المسيح مع الأنبا بيشوى وكيف حمله قديسنا على كتفِهِ.
وهنا نرى كيف أن النعمة كانت أمامهم ولم يأخذوها. فالإنسان الراضي، هدفه يكون هو شخص السيد المسيح، فقد يكون المسيح هو الشخص الذي يكلّمك أو الذي تتعامل معه أو تتقابل معه: في الدراسة … في العمل … في الجِيرة … في الخدمة … في جميع سلوكياتنا.
إنَّ الشخص الذي يكون دائماً هدفه هو السيد المسيح نجده دائماً يُظهِر المحبة لكل أحدٍ، لأنه يوجد لديه دائماً شعورٌ أن السيد المسيح يراه، فهو رفيقه، ويسير معه في الطريق دائماً، فالحياة التي هدفها السيد المسيح هى حياة نقيّة.
لذلك، فالإنسان الذي يعيش حياة الرضا هو إنسان يعيش في التقوى، ومخافة اللَّـه، ويشعر دائماً بالحضور الإلهي أمامه، وكما يقول الكتاب: “تُحبُّ الرَّبَّ إِلهك وتَسمَعُ لصَوته وتلتَصِقُ به، لأنـَّهُ هو حَيَاتُكَ” (تث30 : 20)، فالإنسان الراضي، مسيحه أمامه دائماً، في البيت … في الشارع … في العمل … في الدراسة … في الكنيسة … في الخدمة … داخل مصـر … خارج مصـر… الخ. ففي كل مكان مسيحه أمامه دائـماً، ومن هنا تكون البركة.
ولكن ما معنى البركة هنا؟ إن البركة هى النعمة النازلة من فوق، والشكر المتصاعد من أسفل، ونتصوّرها هنا بطريق له اتجاهين، اتجاه النعمة وهى نازلة من عند اللَّـه، وأنت تشعر بها وتعيش فيها، وترى مُعطيها وهو السيد المسيح، واتجاه آخَر وهو الشكر المُتصاعِد الموجَّه إلى
السيد المسيح صاحب كل نعمة في حياتنا، وفي كل أيام عُمرِنا.
فما أسعد الإنسان الراضـي … وما أسعد الإنسان الذي يشعر بالفرح لكل ما يصنعه السيد المسيح له في حياته! فهو إنسان يشعر أن السيد المسيح يحمله من مرحلة إلى مرحلة … ومن فترة إلى فترة … ومن يوم إلى يوم. وكما نقول في قِطع صلاة الساعة الثالثة: “يُهيئ طريقنا لأنه إله خلاصِنا”.
وأحياناً الإنسان لا يشعر بحلاوة ما هو فيه إلاّ عندما يتركه. مثال لذلك: كل أولادنا يخشون من عام هو عام الثانوية العامة، لأن به تحديد مصير، ويبدأ الطالب هذا العام بحرصٍ شديدٍ، وفي نهاية العام يؤدِّي الامتحان ويُحقّق نتيجة طيبة، ويدخل الكلية التي كان يتمنّاها، وبالرغم من صعوبة هذا العام، إلاّ إنه بعد فترة من هذه المرحلة وعندما يتذكّر هذا العام، يستطيع أن يقول أنه كان عاماً جميلاً.
فيجب أن نتأكّد أن عطايا اللَّـه لنا دائماً لخيرنا وسلامنا، مهما بَدَت الصورة أحياناً غير واضحة، فاللَّـه يعمل دائماً لخيرنا.
السؤال الهام الآن: ما هى معوقات حياة الرضا؟… وما الذي يجعل الإنسان غـير راضٍ؟… وما الذي يجعل حياته غير مقبولة أمامه؟…
أو ما الذي يجعل الإنسان لا يحب حياته؟
من أقوال السيد المسيح: “تُحِبُّ الرَّبَّ إلهك من كُلِّ قلبـِكَ، ومن كُلِّ نَفْسِكَ، ومن كُلِّ فِكْرِك. هذه هى الوصِيَّةُ الأولى والعُظْمَى. والثَّانِيَةُ مثلُها: تُحِبُّ قرِيبَكَ كنَفْسِكَ” (مت22: 37 ــ 39)، ولكن ما المقصود هنا بكلمة: “تحب نفسك”؟!
إنَّ المعنى المقصود هنا، ليست هى الأنانية، بل “القبول”، بمعنى أن تقبل نفسك، وتقبل ذاتك، وكما يقول القديس مار إسحق السـرياني: “اصطَلِح مع نفسك تصطلح معك السماء والأرض”.
فقد يوجد إنسان يكون عدواً لنفسه … ومتذمّراً على نفسه … وعلى أيامه … وعلى حياته… وعلى اختياراته … الخ. ويكون نتيجة ذلك أن هذا الإنسان يعيش تائهاً في هذا العالم، ويتخبّط من مكان إلى مكان، ومن شخص إلى شخص، ولا يستطيع أن يُحقِّق نجاحاً في حياته، وهناك إنسان آخَر يكون راضياً عن حياته، ويبذل كل ما في وسعه لينجح في طريقه، ويُكلِّل اللَّـه سعيه بالنجاح، وكما يقول الكتاب: “تـلـذَّذ بالـرَّبِّ فَيُـعْـطِيَـكَ سُـؤل قَـلبـِكَ”
(مز 37 : 4).
فما الذي يجعل الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياة الرضا؟… وما
هو المانع لذلك؟! قبل أن نجيب على هذا السؤال علينا أن نتفق على
مبدأ هام جداً وهو أن الشيطان عندما يُحارِب الإنسان يقدّم له الخطايا الصغيرة، والتي قد تبدو تافهة أمامه أولاً، ثم يأتي إليه بعد ذلك بالخطايا الكبيرة.
فالشيطان عندما يبدأ محاربته للإنسان يبدأ بمحاولة إيقاعه في خطية صغيرة وتافهة، ثم يأتي له بأخرى صغيرة أيضاً، وهكذا… ثم يبدأ بعد
ذلك يُوقعه في الخطايا الكبيرة. فالخطايا الصغيرة تؤدي إلى الخطايا الكبيرة. وكما قال القديس مرقس الناسك: “الشيطان يقدّم لنا خطايا صغيرة
تبدو كأنها تافهة في أعيننا، لأنه بغير هذا لا يقدر أن يقودنا إلى الخطايا الكبيرة”.
إنَّ الذي لا يجعل الإنسان يعيش حياة الرضا، على أي مستوى من المستويات عدّة أسباب منها:
أولاً: ذات الإنسـان
فهو لا يرى في الوجود غير نفسه ومكانته، وبالتالي لا يستطيع أن يحب الآخَرين، ولا أن يشعر بحبهم، لذلك لا يستطيع أن يشكر اللَّـه على أي شيء، فهو إنسان يعيش في الأنانية.
والقديس بولس الرسول يقول: “مَغْبُوطٌ هو العطَاءُ أكثرُ من الأخذ”
(أع20 : 35)، وأحياناً يكتبون هذه العبارة على صناديق العطاء في الكنائس، ولكن ليس المقصود هنا هو مجرّد العطاء المادي فقط، ولكن المقصود هو روح العطاء بكل أشكاله وأنواعه، فقد يكون هذا العطاء هو مجرّد ابتسامة واحدة، تعطيها لشخص يكون في احتياجاً إليها.
إنَّ الشخص الذي يعيش في الذات، وإحساس السُّلْطَةِ وإنه مُتسلِّط … وحاكم … وآمِر … الخ. مثل أب في بيته، أو خادم في خدمته، أو كاهن في كنيسة، يدمّره هذا الإحساس، ولا يستطيع أن يشعر بحياة الرضا. بمعنى أن الذّات تصنع جداراً يمنعه من الشعور بالرضا، ويكون هذا الإنسان متذمّراً بشكلٍ دائمٍ في حياته.
وأذكر على سبيل المثال هذه القصة الواقعية التي حدثت معي، فقد تقابلت مع إنسان كان يخدم منذ عدّة سنين في خدمة معينة، ولاحظت أنه متذمّر على حالته، فسألته ماذا تفعل وما هى خدمتك؟ فكانت إجابته قاسية جداً، حيث قال: إن المكان الذي أخدم به لا يستحق خدمتي! فإذا كانت رؤيته بهذه الصورة الصعبة، فكيف يشكر اللَّـه، وكيف يعيش حياة الرضا؟!
إنَّ الإنسان الذي يرى كل مَن حوله، من إخوته أو الذي يخدمون معه في أي خدمة أو عمل، أنهم أقل منه وهو الأعظم، وهو الأسمى، وهو الذي لا مثيل له، فذات هذا الإنسان تصنع جداراً بينه وبين اللَّـه، ويعيش في قوقعة ذاته، ولا يستطيع أن يرى آخَر غير نفسه، ويكون نتيجة لذلك أنه لا يستطيع أن يعرف حياة الرضا، ولا أن يستمتع بحياته.
ثانيـاً: الطـمـوح
الأمر الثاني الذي يمنع الإنسان من حياة الرضا هو الطمع، بمعنى الطمع في أمورٍ مادية، أو أمورٍ معنوية أو الرغبات بصفة عامة، أو الشهوات. ففي البرية والحياة الرهبانية المصـرية، يقول الآباء: “السير في البراري يُميت من النفس الشهوات”.
فالإنسان الذي يسير في البرية، لا يرى حوله غير الرمال، فما الذي يمكن أن يشتهيه؟! ولكن عندما يسير هذا الإنسان في أحد الشوارع الممتلئة من المحال التجارية، فإنه يرى الكثير من الأشياء المعروضة، والتي تُثير في داخله الكثير من الشهوات، وقد تدفعه للرغبة في اقتناء هذه الأشياء.
فالإنسان الذي يعيش وقلبه ممتلئ من رغبات لا تنتهي وشهوات
لا تُحصى، لا يستطيع أن يعيش في حياة الرضا. ومَن يذهب إلى المحاكم يرى أعداداً ضخمة من القضايا المرفوعة، وحينئذٍ يُدرِك أن عدداً كبيراً جداً من الناس في حالة من الطمع، ومن الممكن أن يكون بعض هؤلاء الأشخاص إخوة، وقد تناولوا طعامهم من طَبَقٍ واحدٍ! ولكنه الطمع هو الذي جعلهم يفعلون ذلك.
وهناك قصة روسية مشهورة، عن إنسان ذهب إلى أمير بلدة، وطلب منه أن يعطيه مساحة من الأرض، فسأله الأمير عن المساحة التي يريدها، فأجابه المساحة التي تسمح بها، فقال له الأمير: أمامك الأرض كلها فيمكنك أن تعبر فيها بحصانك، وكل المسافة التي ستقطعها سأعطيها لك، بشـرط أن تعود قبل غروب الشمس.
فوجد الرجل أن هذا عرضاً ممتازاً، وفعلاً بدأ جولته بحصانه في الأرض، وكلّما فكّر في الرجوع لكي يصل قبل غروب الشمس، يقول لنفسه يمكن أن أسير مسافة أخرى ثم أعود، وذلك بسبب طمعه، وحتى يحقق أكبر مساحة ممكنة من الأرض.
ثم بدأ رحلة العودة بأقصى سـرعة وطاقة، وفعلاً استطاع أن يعود قبل غروب الشمس، ولكنه بمجرّد وصوله وقع من فوق حصانه ومات، وذلك بسبب الإجهاد الشديد الذي تعرَّض له حتى يتمكّن من الرجوع من كل هذه المسافة قبل غروب الشمس، وللأسف طمعه كان سبباً في ضياعه! في حين أنه لو كان قد اكتفى بمساحة صغيرة كان ذلك أفضل له، ولكن ماذا نقول؟ إنه الطمع!
فاحذر من الطمع، واحذر في تربية أولادك من الطمع، وليحذر الإخوة من الطمع؛ فالطمع يُضيِّع ما معك، وما كنت ستحصل عليه، وأيضاً ستفقد النعمة التي كان سيعطيها اللَّـه لك. فاحذر وتعلّم من قول الرب: “مَغبُوطٌ هـو العطَـاءُ أكـثرُ مـن الأخـذ” (أع20: 35).
ثالثـاً: الإنسـان الملتـوي
إنَّ الأمر الثالث الذي يمنع الإنسان من حياة الرضا هو الإنسان الملتوي، أو الإنسان الغامض، فمثلاً هناك إنسان عندما تتقابل معه، تشعر وكأنه علامة استفهام كبيرة، وإنسان آخَر تشعر في حديثه أن كلامه كلام غير مستقيمٍ وغير مضبوطٍ، ولا يوجد به أي نوعٍ من الصـراحة والوضوح، وقد تشعر في جلوسك معه بعدم الارتياح، وكما نقول في اللغة الشعبية: “هذا الكلام مش راكب على بعضه”.
فالقديس أُغسطينوس نشأ في بيتٍ مستورٍ، وتعلّم الخطابة، ولكنه
كان غير راضٍ عن نفسه، وكان يهزأ بدموع أمه، وعندما صار شاباً يافعاً
ترك بلده في الجزائر وذهب إلى مدينة ميلانو في إيطاليا، ليبحث عن الخطابة، فوجد ضالته في القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو وأُعجِبَ به كخطيبٍ.
ولكن شاءت نعمه اللَّـه، أن تقع في يد القديس أُغسطينوس قصة حياة القديس العظيم الأنبا أنطونيوس أب جميع الرهبان، والتي كتبها القديس الأنبا أثناسيوس في أوروبا أثناء نفيه، وكأن النعمة حاصـرت هذا الرجل، فدموع أمه من ناحية، وعِظات القديس أمبروسيوس من ناحية، وحياة القديس الأنبا أنطونيوس من ناحية أخرى، وهنا بدأ القديس أُغسطينوس يعرف حياة الرضا.
ونتعرّف على حياة الرضا هذه كما سجّلها لنا في كتابه: “اعترافات أُغسطينوس”، لقد كان القديس أُغسطينوس متذمّراً في حياته الأولى، ولكنه عندما تاب صار راضياً. فحياة التذمُّر مرتبطة بالخطية، ومن أهم ملامح وعلامات حياة التوبة هى حياة الرضا.
ومن هنا نستطيع أن نقول أن الإنسان المُلتوي أو القليل الإيمان، أو الإنسان الذي يعيش في تعالٍ، أو في جمود فكري، أو الشخص الذي له قدرٌ كبيرٌ من العناد، أو حب التملُّك، أو المشاعر المريضة، لا يستطيع أن يحيا في حياة الرضا.
قبل أن نتحدّث عن كيفية اقتناء حياة الرضا، سنتحدّث أولاً عن ما قبل خِلقة الإنسان، فقبل أن يوجد الإنسان كان مجرّد فكرة في عقل اللَّـه، فاللَّـه الخالق العظيم فكّر في الإنسان قبل أن يوجَد، وفكّر فيه كشخصٍ، وكإنسانٍ يولَد في هذا العالم، وأكثر من ذلك إن اللَّـه كان مشغولاً بالإنسان قبل أن يكون له اسم أو وجود.
وكان اللَّـه في ترتيبه أن يوجِد إنساناً الذي هو أنت فيخلقك في زمن معين، وفي توقيت معين، وبجنس معين وتولَد على أرضٍ معينة، وتصير أنت كما هو الآن، وهذا الأمر شيء هام جداً يجب أن نتذكّره دائماً، لأنه أساس لحياة الرضا، إننا من قبل أن نوجَد واللَّـه مهتم بنا، وهذا ما يُسمّى انشغال اللَّـه الخالق بخِلقة يديه.
فقبل أن يرتبط زوج بزوجة، كان الابن في ترتيب اللَّـه أنه ذات يومٍ سيولَد، فاللَّـه يعرف كل خطوة في حياتنا، بل أن حياتنا كلها مكشوفة أمام عينيه، فمهما أعطانا اللَّـه من عمرٍ، إن كان مائة عامٍ أو أكثر أو أقل،
فهذه السنين الطويلة بكل تفاصيلها مكشوفة، ومعروفة أمام عينيه، فاعلم أنك كنت فِكرة في عقل اللَّـه، واللَّـه انشغل بك حتى أوجَدك، لذلك
فأنت موضع اهتمام اللَّـه قبل أن توجَد، وهذا هو الأساس القوي لحياة الرضا.
مثال لذلك: إنّ اللَّـه قد يُرتّب بعض الأحداث، وهذه الأحداث قد تسمح أن يتزوّج شخص معين زوجة معينة ويُنجبا ابناً، ويصير هذا الابن معروفاً على الأرض بالاسم الذي أخذه عند ميلاده، وهذه هى المرحلة الثانية، وهى خطة نظام اللَّـه في البشـر، ومن الممكن أن نبسِّطها بطريقة أخرى فنقول: إنك كنت فكرة في عقل اللَّـه، ثم صِـرتَ خطة في قلبه،
ثم صِـرَت فرحة في يده عندما أوجَدك، فكم أنت كائن هام جداً عند اللَّـه؟!
فاللَّـه لم يخلق إنساناً بلا هدف، فكل إنسان أوجده اللَّـه
على هذه الأرض له مقصدٌ وله هدفٌ، فاللَّـه لم يخلق الإنسان صدفة، حاشا للَّـه، فالإنسان كان فكرة في عقل اللَّـه وخطة في قلبه، وفرحة في يده، وكما يقول الكتاب: “لذَّاتي مع بَني آدَمَ ” (أم 8 : 31)، وصار اللَّـه مسـروراً جداً بالإنسان.
ولتشبيه ذلك من طبيعة حياتنا البشـرية، عندما تكون سيدة حُبلى، وتنتظر مولوداً قادماً، ففي يوم ميلاده تكون فرحة كبيرة في البيت، ونفكر في اسم هذا المولود ماذا سيكون إن كان ابناً أو ابنة، ويتم تسجيله في المواليد، ويكون له اسم في المكان الذي وُلِدَ فيه.
وقد نعبّر عن هذه الفرحة بأن يأتي الأهل والأصدقاء للمُبارَكة، ثم بعد ذلك يبدأ هذا الطفل الصغير في النمو قليلاً قليلاً، حتى يصير إنساناً كاملاً وبالغاً، ويعيش هذه الحياة، وهذه كلها أفعالٌ بشـرية، أما اللَّـه الخالق فتكون فرحته فرحة خاصة جداً، وكما يقول الكتاب: “أنا حَمَلتُكُم على أجنِحَـة النُّسُـورِ وجِئـتُ بكُـم إِليَّ ” (خر19: 4).
وهنا نسأل كيف إنسان بهذه الخلفية يعيش حياة الرضا؟ وكيف يقتنيها؟ ونجيب أن هناك ثلاثة جوانب تجعل الإنسان دائماً فرحاً، ويعيش في جو من الرضا والقبول، وهذه الجوانب الثلاثة هى: أولاً الطاعة والقبول، ثانياً حياة التسليم، ثالثاً الثقة والإيمان.
أولاً: الطاعـة والقبـول
إنَّ أول جانب من جوانب اقتناء حياة الرضا هو القبول والطاعة لمواعيد اللَّـه، فالإنسان الذي قد درّب نفسه على أن يطيع اللَّـه في حياته، يستطيع أن يعيش في حياة الرضا، فالطاعة بها شكل من أشكال الإيمان أو التسليم كما حدث مع أبينا إبراهيم أبي الآباء.
فقد كان يحيا في أور الكلدانيين أي في العراق حالياً، وسمع نداءً إلهياً يقول له: “اذْهَب مِنْ أرضِكَ ومن عَشِيرَتِكَ ومن بَيْتِ أبيك إِلى الأرضِ
التي أُرِيكَ. فَأَجعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وأُبارِكَكَ وأُعظِّم اسمَكَ، وتكُونَ
بركَةً. وأُبارِكُ مُبَارِكِيكَ، ولاعِنَكَ ألعَنُهُ. وتَتَبَارَكُ فيك جَمِيعُ قبائلِ
الأرضِ. فذهَبَ أبـرَامُ كَـمَـا قـال لـه الـرَّبُّ وذهَبَ مَـعَـهُ لُوطٌ ” (تك12: 1 ــ 4).
فعندما نتأمل هذه الآيات السابقة، وهذا النداء الإلهي نستطيع أن نرى بوضوح أكثر من جانب، فنرى في هذه الآيات الأمر الإلهي، وأيضاً الطاعة الإنسانية، أو الطاعة البشـرية التي قد تم تنفيذها مباشـرة، وكما نتعلّم من النسكيات الديرية هذه العبارة: “على ابن الطاعة تحل البركة”، والحياة تشهد بذلك.
فالإنسان الذي يعيش في الطاعة ينال بركة، ففي البيت ينال بركة الأسـرة … وفي الدير ينال بركة الرهبنة … وفي الخدمة ينال بركة الكنيسة … وفي المجتمع ينال بركة المجتمع الذي يعيش فيه. والمقصود بالطاعة هنا هو الطاعة الحكيمة والطاعة المتعقّلة، وليس الطاعة المطلقة بدون تعقُّل.
لذلك لا يستطيع الإنسان أن يشعر بحياة الرضا، دون أن يعيش في هذه الطاعة، أما الإنسان الذي يرفض حياة الطاعة والقبول، ويريد أن يفعل ما يراه فقط، ويرى دائماً أن أفكاره فقط هى الصائبة والصحيحة، فهذا الإنسان لا يستطيع أن يعيش في حياة الرضا.
ثانياً: حيـاة التسـليم
إن الجانب الثاني الذي يساعد الإنسان على حياة الرضا هو حياة التسليم، وأبسط صورة لحياة التسليم، هى صورة أب يكون مُمسِكاً بيد ابنه الصغير، ويسير معه في أحد الشوارع المزدحمة، فنرى أن هذا الابن الصغير لا يكون مشغولاً بكيفية عبور الشارع أو يخشى من العربات.
ولكنه يشعر بمنتهى الأمان، لأنه ممسك بيد أبيه، والأكثر من ذلك إننا نجده مشغولاً بالنظر إلى الناس والعربات والمحلات، وكل ما يلفت الانتباه من صورٍ أو إعلانات أو أضواء أو غيرها، وشعوره بالأمان هذا يرجع إلى أنه ممسك بيد أبيه! لذلك نقرأ في بعض سير القديسين، إنه عندما كان أخٌ مبتدأ يتعرّض لبعض الحروب الروحية، كان يقف للصلاة ويقول: “ببركة أبي ارفع يارب عني هذه الحروب”.
إنَّ الإنسان في هذه الأزمنة التي نعيش فيها أصبح إلهاً لنفسه، وذلك لأن عقله قد اخترع وابتكر أشياء كثيرة جداً، وأصبح لا يستطيع أن يعيش حياة التسليم، لأن عقله أصبح يفكّر في كل شيء، ولكنه يفكّر بطريقة سلبية، أمَّا التسليم فهو التفكير الهادئ.
وكما يقول الكتاب “أمَّـا طَيِّبُ الْقَلْبِ فَوَلِيمَةٌ دَائِمَةٌ” (أم 15 : 15)، بمعنى أنه يكون فرحاً وراضياً، ودائماً في حالة من التسليم القلبي أو التسليم الداخلي، والتسليم هو الذي يجعل الإنسان يشعر بشكل من أشكال الراحة النفسية، والراحة الداخلية.
ففي بعض الأحيان لا يستطيع الإنسان أن يشعر براحة نفسية، وذلك لأنه يريد الحصول على أشياء كثيرة، إن كانت نفسية أو مادية، ولا يريد حدوث أشياء أخرى قد لا يرغب في حدوثها.
وأيضاً من أسباب عدم حدوث الراحة النفسية، أنه قد لا تنسجم أفكاره مع أفكار من حوله ممن يتعامل معهم، في مجال الأسـرة … أو العمل … أو الخدمة … أو في أي مجال.
ومن المعروف مما قرأناه من أقوال الفلاسفة عن تاريخ البشـرية قبل ميلاد السيد المسيح، أن الأخلاق كانت هى العنصـر الحاكم في علاقات البشـر بعضهم مع بعض، ومع الوقت تطور البشـر وعرفوا اللَّـه والتجسُّد والصلب، وكان ذلك كما نعلم جميعاً منذ أكثر من ألفي عام، ثم بدأ التطور العلمي، ومع بداية الثورة الصناعية في العالم واختراع الآلات، أصبح عقل الإنسان هو إلهه.
وعلى سبيل المثال أذكر لكم هذه القصة الواقعية، إنني في أحد المرات كنت أتحدّث مع مجموعة من الشباب الأجنبي في الخارج، وكنت أتحدث معهم عن اللَّـه، وإنه هو الذي يدبّر حياتنا، وفوجئت بفتاة عمرها لا يزيد عن ثمانية عشـر عاماً، تقول لي إني لا أحتاج إلى اللَّـه في أي شيء! عندما أريد الكهرباء أضغط على مفتاح الكهرباء، فيضيء المكان، وهكذا كل ما أحتاج إليه، فما الذي يجعلني أحتاج إلى اللَّـه! وبالطبع هذا فكر قاصـر.
إنَّ حياة التسليم بها ضمان للصحة النفسية للإنسان ولكن ما معنى الصحة النفسية؟ إن الصحية النفسية هى أن كل وظائف جسم الإنسان تكون متوافقة بعضها مع بعضٍ، لذلك عندما يحدث صـراع ورغبات وتطلعات للإنسان ربما تكون بعيدة عن يديه، قد يحدث بعض الخلل في وظائف جسم الإنسان، وقد يجد الإنسان نفسه قد دخل في أتعاب نفسية كثيـرة، لذلك فحياة التسليم هى أداة أمان.
إنَّ أقرب مثال لذلك هو قصة حياة راعوث الجميلة، التي عاشت حياة التسليم حتى آخِر يومٍ في حياتها، وعندما نقرأ السفر الخاص بها في الكتاب المقدَّس، وهو سفر صغيـر جداً، عبارة عن أربعة أصحاحات، نستطيع أن نختصره في أن: راعوث إنسانة عاشت حياة التسليم، برغم كل ما مرّ بها من ظروف قاسية خلال مشوار حياتها.
ثالثـاً: الثقـة والإيمـان
إنَّ الجانب الثالث الذي يجعلنا نعيش في حياة الرضا هو الثقة والإيمان، بمعنى الثقة في شخص السيد المسيح الذي يدبّر هذه الحياة، وكما يقول الكتاب: “ونحن نَعلَمُ أَنَّ كُلَّ الأشيَاء تَعْمَلُ معاً للخَيْرِ للَّذينَ يُحِبُّون اللَّه”
(رو 8 : 28) فعندما نقرأ هذه الآية نشعر أن لنا ثقة، وإيمان داخلي، بأن يد اللَّـه قوية وما زالت تعمل، وهو يدبّر كل شيء.
وتدبيرات اللَّـه للإنسان تدبيرات حكيمة جداً، ولكن قد يشعر الإنسان في بعض الأوقات أنه غير مُدرِك لـِمَا يحدث حوله من أحداث، وهل هى لخيره أم لا؟! ولكن من خلال ثقته وإيمانه بيسوع المسيح، تصير حياته في جوٍ من الرضا الجميل.
مثال لذلك شاول الطرسوسي، الذي كان يضطهد كنيسة اللَّـه بإفراطٍ، وكان مجرد ذٍكر اسمه يُزعج كل أحدٍ من المؤمنين، ولكن بعد ظهور
السيد المسيح له في الطريق إلى دمشق، لم يجد شاول غير جملة واحدة يستطيع أن يجيب بها على السيد المسيح وهى: “يارَبُّ، مـاذا تُرِيـدُ أنْ أفـعَـل؟” (أع 9 : 6).
إنَّ هذا السؤال: “يارب ماذا تريد أن أفعل؟” هو أحد أسئلة الكتاب المقدّس الجميلة، وكأن كل فردٍ منا يريد أن يقول للرب: يارب أنا لا أريد أن أفعل شيئاً بفكري الخاص أو رغبتي الخاصة، بل أريد أن أفعل ما تريده أنت، والذي يُفرِح قلبك أنت.
وعندما نتذكّر أحداث يوم خميس العهد، عندما انحنى السيد المسيح وبدأ يغسل أرجُل تلاميذه، وجاء دور القديس بطرس الرسول، ابتعد ورفض في البداية، فقال له السيد المسيح قولاً جميلاً جداً: “لَسْتَ تعلَمُ أنتَ الآنَ ما أنـا أصنـَعُ، ولكِنـَّكَ سَتَـفـهَـمُ فيمـا بـعـد ” (يو13: 7).
فنحن في بعض الأحيان نرى أموراً كثيرة، ولكننا لا نفهم لماذا؟! ولكن اللَّـه في توقيته المناسب يعمل، ويعمل لخيرنا دائماً، كما يقول الكتاب “كُلُّ أَيَّامِ الْحَزِينِ شَـقِـيـَّةٌ” (أم 15: 15)، فالإنسان الذي لا يكون راضياً عن ظروفه ويعيش في جو من الحزن، تكون كل أيامه تعباً وشقاءً.
والمقصود بالحزين هنا هو الإنسان البعيد عن اللَّـه والذي يسير بفكره الخاص، ويوجد بداخله كثير من الأمواج والصـراعات لرغباتٍ كثيرة؛ ومثل هذا الإنسان لا يجد تعزية في الطريق الروحي.
“أمَّـا طَيِّـبُ القَلْـبِ فَوليمَـةٌ دائِمَـةٌ ” (أم 15 : 15)، والمقصود بطَيِّب القلب هنا، هو الإنسان الراضي عن حياته، ويعيش في حياة الطاعة والقبول، فالإنسان الذي يعيش حياة التسليم يشعر دائماً أنه في وليمة دائمة، بمعنى أنه يشعر بالشبع الدائم.
يبقى شيءٌ أخير يجب أن نتعرّف عليه، وهو الممارسة العملية لحياة الرضا، وسنذكر هنا بعض الأفكار التي من الممكن الاستفادة منها، كتدريبٍ عمليٍّ لكيفية مُمارسة حياه الرضا.
أولاً: تجـنـّب كلـمـة “اشـمـعـنى”
فهذه الكلمة ضارة جداً بحياة الرضا، مثال لذلك: عندما قدّم لنا السيد المسيح مَثل الوزنات نجد أن هناك شخصاً أعطى له خمس وزنات، وآخَر وزنتين، وآخَر وزنة واحدة، ولكننا لم نقرأ أو نسمع، أن الذي أخذ الوزنتَيْن، قال لصاحب الوزنات لماذا أعطيت أخي خمسَ وزناتٍ، وأعطيتني أنا وزنتَيْن؟!
فالذي أخذ الخمسَ وزنات، تاجر وربح مائة في المائة، ونال التطويب من سيده: “كُنْتَ أميناً في القَلِيلِ فَأُقِيمُكَ على الكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلى فَرَحِ سَيِّدكَ” (مت 25 : 21)، والذي أخذ الوزنتين تاجر أيضاً وربح مائة في المائة، ولم يتذمَّر، وكانت النتيجة أنه سمع نفس التطويب الذي سمعه صاحب الخمس وزنات من سيده “كُنْتَ أميناً في القَلِيلِ فَأُقِيمُكَ على الكَثِيرِ. اُدخُل إِلى فَرَحِ سَـيِّدِكَ ” (مت 25 : 21).
إنَّ اللَّـه عندما يتعامل مع البشـر، يُعطي لكل إنسان على قدر قدراته واحتياجاته، فإن كنا نحن بحكمتنا البشـرية الضعيفة نفعل هكذا
مع أبنائنا، ونعطي كل ابنٍ حسب احتياجه، فكم وكم اللَّـه في حكمته الإلهية؟!
فيجب على الآباء أن يُعلّموا أولادهم منذ الصغر تجنُّب كلمة “اشمعنى”، لأن هذه الكلمة تجرح حياة الرضا، ولا تجعل الإنسان يستطيع أن يعيش هذه الحياة.
ثانياً : تجنّـب كلمـة “لأ”
فكلمة “لأ” هى كلمة حادة، لدرجة أن الموسيقى الخاصة بها تُتعِب الأُذن، وذلك بعكس كلمة “حاضر”، فكلمة حاضـر كلمة مُريحة للأُذن، فيجب أن تتعلَّم، وتُعلِّم أولادك أن يمتنعوا عن ترديد كلمة: “لأ“. وهناك مثل عربي شهير يقول: “قَول نَعم يُزِيد النِّعم”.
إنّ التذمُّر يُفقِد الإنسان أشياءً كثيرة جداً، ومثال لذلك ما ورد في قصة
“الابن الضال”، إنه عندما عاد هذا الابن الضال إلى بيت أبيه، فرح الجميع برجوعه فيما عدا أخاه الأكبر، الذي كان مُتذمّراً جداً، وكاد أن يُعكِّر صَفو هذا الفرح، مما اضطر أبوه، إلى أن يخرج إليه لكي ما يُهدّئ من غضبه، ويشـرح له أن أخاه هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوُجِدَ، ولكنه كان في حالة من التذمّر الداخلي!
فيجب علينا أن نتجنّب كلمة “لأ”، وخصوصاً عندما نتخاطب مع أبنائنا في المنزل، فمثلاً عندما يكون الأب غير موافقٍ على موضوعٍ ما، يكون قد طلبه منه أحد أبنائه، فبدلاً من استخدام كلمة “لأ”، من الممكن أن يقول ذلك بصيغة أخرى أفضل وأجمل، وأكثر راحة، مثل أن يقول “هنشوف هذه الحكاية”.
ثالثاً: إذا وُضِعـت في موقـف اختيـار فـلا تخـتر لنفسـك أولاً
حاول أن تترك الطرف الآخَر يختار أولاً، وهكذا صنع أبونا إبراهيم أبو الآباء مع ابن أخيه لوط، ونحن أيضاً في جميع تعاملاتنا مع أولادنا، يجب أن نعلّمهم هذا المبدأ الهام جداً، فليس من الضروري أن الذي يختار أولاً في كل مرة يكون هو الأكبر، ولكن من الممكن أن نجعل الأكبر يختار مرة، والأصغر مرة أخرى … البنت مرة، والولد مرة أخرى … وهكذا.
وبهذه الطريقة يشعر الإنسان بيد اللَّـه في هذه الاختيارات، ويشعر أيضاً بوجود آخرين معه، وأنه ليس وحده، وهكذا يفعل آباؤنا الرهبان في حياتهم الديرية، فنجد أن مدبّر الدير هو الذي يقوم بتوزيع أعمال الدير.
رابعـاً: اجعـل كـل أحاديثــك مصحـوبـة دائمـاً بابتسـامــةٍ
ففي بعض الأحيان نجد أن هناك بعض الأشخاص، تكون وجوههم عابسة، وغير مبتسمة أثناء حديثهم، في حين أن الابتسامة هى اللغة التي يفهمها جميع الناس، ولا تحتاج إلى ترجمة، بينما اللغات الكلامية تحتاج إلى ترجمة، حتى يستطيع كل فرد أن يفهمها بحسب لغته، لكن الابتسامة كما تُسمَّى هى “اللغة العالمية”، فاجعل كلامك دائماً مصحوباً بابتسامة.
إنَّ هناك فرق بين أن تقول لابنك: “أنا مخاصمك” أو “أنا زعلان منك”، وأن تقول له: “أنا بفكر أزعل منك”، فهذه المراحل تعطي جواً من الهدوء في تربية أولادنا. وكذلك يجب أن تكون مصحوباً بابتسامة، وأنت تشـرح لابنك كيفية اختيار شيءٍ معينٍ؛ لأنه في بعض الأحيان يكون غياب روح الفرح، أو روح الابتسامة في الحوار، سبباً في جعل هذا الحوار عنيفاً، وعبارة عن أوامر جامدة، ولذلك نجد أحياناً أن بعض الصغار يقولون على الكبار في البيت أنهم “خانئينّا”، فاحرص أن يكون كلامك مصحوباً دائماً بابتسامة.
خامسـاً: اسـتـخـدم عبـارات إيجابيـة
فعندما نخاطب أولادنا بطريقة إيجابية نجعلهم فرحين، وأذكر على سبيل المثال هذه القصة الواقعية: إنني كنت في زيارة لمدينة مالطه في إحدى المرات، وأثناء زيارتي قمت بزيارة عمدة هذه البلدة، فبعد الترحاب بي، أراد أن يعرّفني على هيئة مكتبه، وكان يعمل معه في المكتب ثلاثة من الموظفين: رَجلٌ كبيرٌ في السن، وشاب صغير وشابة.
فعندما أراد العمدة أن يقدّمهم لي، خاطبهم بعبارات يحبون سماعها، وليس بأسمائهم، فأشار على الرجل الكبير في السن وقال: هذا مرجعي لأنه كان رجلاً له خبرة سنين كثيرة، وأتى إلى الشاب الصغير وقال هذا ذراعي اليمين في العمل، ثم جاء دور الشابة فقال هذه وردتي.
فهذه الثلاث صفات الجميلة، أشعَرتهم بفرحة كبيرة، وأيضاً أنا
ما زلت متذكِّراً هذه القصة، رغم مرور ما يقرب من اثنتي عشـرة سنة، ولكن إن كان هذا العمدة قد عرّفني عليهم بأسمائهم لكنت قد نسيتها، ولكن لأنه قد عرّفني عليهم بهذه الصفات الجميلة، فأنا ما زلت أتذكّرها.
وأحياناً نجد الأب والأم يسخرون من ابنهم، مثال لذلك يكون لأسـرة طفل صغير، عمره في حدود العشـر سنوات، ويأتي إليهم ضيف، فبدلاً
من تشجيع طفلهم الصغير يسخرون منه، ويقولون مثلاً: “فلان عامل فنان!”.
وأحياناً كثيرة تأتي أُمّ وتقول لي: أريد أن أشكو لك من أولادي، عندي ثلاثة أولاد مغلّبني، فأقول لها هم ثلاثة ملائكة، فتنظر إليَّ الأم وهى غير راضية على هذا الكلام! وقبل أن تبدأ في أن تُكمل الشكوى بلفظٍ آخَر أقول لها: نعم من الممكن أنهم ليسوا ملائكة. وهنا تستجيب الأم، وتشعر أني سأوافقها على رأيها، وأكمل أنا حديثي قائلاً: بالفعل هم ليسوا ملائكة، بل هم رؤساء ملائكة! وهنا تُحرَج الأم أن تقول أي لفظٍ آخَر.
وأحياناً تكون أسـرة لها ثلاث بنات، وليس لهم أولاد، وكانوا يرغبون في أن يكون لهم ولد، وهذا الأمر سبب لهم الكثير من التعب النفسـي، بالرغم من أن الثلاث بنات متفوّقات في كل شيء وممتازات، فأقول للأب: إنَّ لك ثلاث وردات جميلات، فيا لسعادتك بهؤلاء البنات، إنك تعيش في حديقة جميلة!
إنَّ هذه الصفات الجميلة تُشعِر الإنسان بالرضا، وبالأخصّ إذا كان مَن يقولها شخص له مكانة في قلب المستمع، مثل: الوالد … الوالدة …
الأستاذ … أبونا … وهكذا، فاستخدام عبارات إيجابية مع كل أحد ومع كل إنسان، تجعل الإنسان يشعر دائماً بالرضا والسعادة.
سادسـاً: حـاول أن تكـتب ثـلاثـين نـعـمــة
اكتب ثلاثين موهبة أو عطية من عطايا اللَّـه، واجعلها أمامك دائماً لكي تشكر اللَّـه عليها، فمن الممكن أن يسأل شخص لعلِّي لا أجد ثلاثين نقطة أشكر اللَّـه عليها؟! أقول له: اجتهد واجعل الورقة التي كتبتها بخط يدك دائماً أمام عينيك، وتكون هذه هى صلواتنا المرفوعة دائماً أمام اللَّـه: أشكرك يا اللَّـه على كذا وكذا… ، وكل فرد يستطيع أن يكتب هذه الورقة حسب رغبته وعطايا اللَّـه له.
فعندما نشكر اللَّـه على الأمور الكثيرة والجميلة في حياتنا، مثل أن نشكره: على الأشخاص … على الأحداث … على الأزمان… على الأماكن … على البيئات التي نعيش فيها … الخ، نشعر أن اللَّـه يغدق من نِعَمِه الكثيرة علينا في كل صباح، وعندما يحدث أي عارض يسبب لنا الضيق، أو يُعكِّر أفكارنا، أو يجرح حياة الرضا، نتذكَّر هذه القائمة التي كتبناها، أي قائمة الشكر والرضا.
ويمكننا أن نكتب هذه القائمة بخطٍ كبيرٍ، ويمكننا أيضاً أن نُعلّقها في مكانٍ ظاهرٍ في حجرتنا، حتى تكون دائماً أمام أعيننا، وهذا سيساعدنا على اكتساب حياة الرضا. وأُمنا العذراء مريم مثال لهذه الحياة الراضية، وهذا الذي جعل منها إنسانة قديسة.
مز 122 (مز 121 ـ صلاة الغروب بالأجبية) عنوانه : فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب، وهو من مزامير المصاعد لأبينا داود النبي، كانوا يقولونه وهم متجهين إلى الهيكل في حالة فرح …
فَرِحْتُ بالقَائِلينَ لي إلى بَيْتِ الرَّبِّ نذهَبُ. وقـفَـتْ أرجُلُـنَا في ديـارِ أورُشَلِيمَ. أورُشلِيمَ المَبْنِيَّةَ مثل مَدينةٍ مُتَّصِلةٍ بَعضِها ببَعضٍ. لأنَّ هُناكَ صَعِدَتِ القَبائِلُ، قَبائلُ الرَّبِّ شهادَةً لإسرائِيل. يَعترِفونَ لاِسمِ الرَّبِّ. هُناكَ نُصِبَتْ كَراسيُّ للقَضَاء، كَـرَاسيُّ بَيْتِ داود. اسألي عن آلِ سلامَتِكِ يا أورشليمُ، والخِصْبُ لمُحبِّيكِ. ليَكُنْ السَّلامُ في حِصْنِكِ، والخِصْبُ في أبرَاجِكِ الرَّصينَةِ. من أجْلِ إخوتي وأقرِبائِي، تَكَلَّمْتُ من أجلكِ بالسَّـلامِ. ومن أجلِ بَيْتِ الرَّبِّ إلهنـا التَمَسْــتُ لك الخَـيْراتِ. هلِّلويــا
السعادة:
السعادة يبحث عنها الجميع ويتفقون على طلبها، ولكنهم يختلفون على تعريفها. فلو سألت الناس: ما هى السعادة؟ … ستجد تعريفاً مختلف عند كل واحد. ولكننا كلنا نتفق أننا نريد أن نعيش سُعداء، سواء على مستوى الفرد أو الأسـرة … على مستوى المدينة الصغيرة أو المجتمع الكبير، أو على مستوى العالم، حتى أننا في بعض الأحيان عندما نخاطب الذين يحتلون المناصب الكبيرة … نُلقِّبهم “صاحب السعادة”.
مـا هى السـعادة؟
هل هى في ملكٍ خاص، أو مركز مرموق؟ أم في ثروة توجد عند الإنسان؟ … أم هل السعادة في عِفّة اللسان؟ هل السعادة في أن يكون الإنسان صاحبَ سلطانٍ؟
يقول “غاندي” ـ الحكيم المعروف ـ تعبيراً لطيفاً: “إننا جميعاً نبحث عن السعادة وهى بين أيدينا، كما يبحث المرء عن نظارته وهى معلّقة فوق أنفه” … أي أنه من اعتياده على استخدام النظارة، ينسـى أنه يضعها، ويظل يبحث عنها.
السعادة أُمنية غالية في حياتنا كبشـرٍ، لذلك عندما جاء ربنا يسوع إلى الأرض متجسِّداً قال: “وأمَّـا أنا فَقَد أتَيتُ لتَكُونَ لهم حَيَاةٌ وليَكُونَ لهمْ أفضَـلُ” (يو 10 : 10). وكلمة أفضل هى تعبير عن السعادة التي يبحث عنها الإنسان.
وقد يختلف مفهوم السعادة من شخصٍ لآخَر، ولكن يجب أن نعرف أن السعادة أولاً وأخيراً هى في شخص المسيح. يقولون في أمثال العرب (الرفيق قبل الطريق)، الرفيق هو شخص ربنا يسوع المسيح، قبل الطريق. أي قبل السلوك بأي صورة من الصور، التي لا تجلب إسعاده.
سوف نشـرح كلمة “السعادة” من خلال حروفها لأنها تشـرح معناها في تركيبها اللغوي، فكلمة سعادة تتكون من خمسة حروف، ودائماً رقم خمسة في اللغة العربية يشير إلى قبضة اليد، أي منظومة عمل شاملة ومتكاملة … فيمكننا أن نجد الكثير من “الخُماسيات” في أسفار الكتاب المقدّس.
وأنت أيها الإنسان تاج الخليقة وقمة الكون، لذلك لا يمكن أن
يحصل الإنسان على السعادة إلاّ إذا ابتدأ من نقطة سماوية، أي من عند اللَّـه. وعندما تكون للإنسان علاقة قوية بالسماء في حياته، ودائماً فكر السماء حاضـر أمامه، يكون وهو على الأرض مُتصلاً بالسماء، فيجد حياته كلها سعادة.
نتذكّر معاً زكا العشار الذي كان كل همِّه جمع المال بِحُكم وظيفته، إذ أنه كان عشاراً ويجمع الضرائب وقد يظلم البعض.. وكان هذا هو كل عالمه، مُرتبطاً بالأرض، ولم يكن عنده فرصة لينظر إلى فوق، لكن عندما خطرت عليه فكرة أن يصعد إلى شجرة الجميز لكي يرى يسوع الذي يسمع عنه، فكأنها كانت رسالة من اللَّـه إلى قلبه لكي ما يرتفع، وعندما قابله المسيح وقال له: “أسـرع وانزل… اليوم حصل خلاص لهذا البيت”.. بدأت العلاقة معه … وبدأت معها شـرارة السعادة في حياة زكا، الذي تعتبره الكنيسة قديساً.
فلا بد إذاً أن تبدأ السعادة من السماء … أي من الإنسان الذي يُفكِّر في السماء.
أيضاً الطبيعة التي نعيش فيها تعطينا الشعور بالسعادة… كمثال لذلك: عندما نذهب إلى البرية الخاوية من المباني التي تعوق الرؤية، فنشاهد الرمل، وعلى مَرمَى البصـر نرى التقاء الأرض بالسماء، وأيضاً عندما نذهب إلى البحر ونرى التقاء الماء بالسماء. وكذلك في الريف الذي هو حقول خضـراء متحدة بالسماء.. هذه الأماكن يشعر فيها الإنسان بالسعادة، لأنها تؤكِّد علاقته بالسماء …
لذلك من الأهمية أن يقضي الإنسان بعض الأوقات في هذه الأماكن … هذا بالإضافة إلى حياته الروحية السماوية، سواء كانت صلوات أو تأملات أو مناجاة بينه وبين إلهه … وعندما يرى السماء مفتوحة أمامه يُلقي أحماله وأتعابه، وكأنه يسمع صوت من السماء يقول: “تعالوا إليَّ يا جميع المُتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم … فتجدوا راحةً لنفوسِكم” … فهى راحة تبدأ من السماء… حتى في اللغة الإنجليزية كلمة سعادة Happiness تبدأ بحرف (H) وهو نفس الحرف الذي تبدأ به كلمة Heaven والتي تعني سماء.
وفي كل مرة تنظر إلى السماء، وتجعل السماء في قلبك، يتقوّى إيمانك، وترتفع فوق الأرضيات والترابيات، وفي الكنيسة عندما يصلّي الأب الكاهن قائلاً: أين هى قلوبكم؟ نرد بتعبير جميل قائلين: هى عند الرب. أي أنها في السماء … فقلبي وفيه كل مشاعري وأحاسيسـي وعواطفي مرفوعة ومأخوذة في السماء. وقديماً كانوا يُطلِقون على الإنسان المرتبط باللَّـه لقب “خينيفاوي” وهى الكلمة القبطية “خين نيفيئوي ‘en nivhou`i”، أي من السماء… لأن هذا الشخص سماوي الطبع أو الشكل …
ونلاحظ في حياة الأسـرة عندما يعطي الأب أو الأم طعاماً أو هدية أو أي عطية للأبناء، يكون هو أكثر سعادة … وعندما يعطينا اللَّـه وصية مثل وصية العشور أو البكور والنذور، فهدف الوصية أولاً أن يتعوّد الإنسان على العطاء، فيصير أكثر سعادة… فكل ما عندك هو عطية من اللَّـه لك، وعندما تقدّم له مما أعطاك تصير أكثر سعادة.
مثال لذلك المرأة التي قدّمت الفَلسَيْن كانت روح العطاء في داخلها
لا تتوقف عند حدٍّ، فقررّت أن تعطي من أعوازِها كل ما تملك، فكانت أكثر سعادة واستحقّت أن يمدحها ربنا يسوع المسيح.
وهذا العطاء نسمِّيه خدمة المحبة، فهناك مَن يقدّم الخدمة ربما لأنه مكلّف بها … وربما سوف يقدّم تقريراً عنها … وهناك شخص آخَر يقدّم خدمة المحبة التي فيها شكل من العطاء وكأنه فقط “ساعي بريد” يسلّم شيئاً لأصحابه …
فإن أردت أن تعيش السعادة عوِّد نفسك باستمرار أن تقدّم … واللَّـه لا يهمه مقدار ما تقدّمه، بل المحبة التي في هذا العطاء. فإذا كان هذا العطاء مملوءاً بروح المحبة، تكتسب السعادة وتعيشها كل يوم.
على سبيل المثال: في الأسـرة، إن دخلت “الذات” في تكوين الأسـرة تكون النتيجة هى ضعف هذه الأسـرة. لكن إن عاشت الأسـرة بروح العطاء، وتقديم “الآخَر” أولاً، تكون أسـرة سعيدة بالحقيقة.
وإذا نظرنا إلى العالم من حولنا بكل ما فيه من ضعفات وحروب وعنف وجرائم، نجد أن السبب الرئيسي هو ذات الإنسان أو “الأنا”.
السعادة تأتي بأن يضع الإنسانُ الآخَرَ أولاً، لذلك قال ربنا يسوع المسيح: “إذا أراد أحَدٌ أن يكون أوّلاً فيكون آخِـرَ الكُلّ وخادماً للكُلّ” (مر 9 : 35) … وفي مَثل وكيل الظلم يقول: “اصنعُوا لكُم أصدقاءَ بمال الظّلم” (لو 16 : 9)، أي المال الذي إذا استبقيته عندك وهو يخصّ اللَّـه، تكون قد ظلمت الآخَرين. والمقصود أن ينظر الإنسان إلى احتياج وعوز الآخَر بصفة عامة. وهذه الروح في غاية الأهمية من أجل سعادة الأوطان … وأحياناً يقيسون سعادة المجتمعات بمقدار الأعمال الخيرية التي تُقَدّم فيها.
فما علاقة السعادة بالدموع؟! ألسنا نقول أحياناً: إنها “دموع الفرح” الدموع تعني التعب. فالسعادة لا تعني أن يكون الإنسان كسولاً، إنما لكي ما تحصل على السعادة لا بد أن تعمل وبِجدٍّ، لأنه مكتوب: “مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بــِرِخَـاءٍ ” (إر 48 : 10)، وأيضاً “الرَّخَاوَةُ لاَ تَمْسِكُ صَيْداً”
(أم 12 : 27)، فلا بد أن تَجِدَّ وتعمل وتتعب أيّـاً كان موقعك، مثلما يجتهد الأب والأم في تربية أبنائهم باهتمامٍ بالغٍ، حتى أن أحد القديسين يقول: “إن إكليل تربية الأبناء يساوي إكليل نُسك راهبٍ”.
ومسيحنا القدوس عندما جاء إلينا تعب وتحمّل الصليب بكل آلامه، لكي ما يمنحنا السعادة.
والدموع أيضاً هى دموع التوبة، فالإنسان لا يستطيع أن يحصل على السعادة وهو في الخطية …
إنَّ الإنسان الذي يتعاطى الكحوليات أو أي نوع من المخدرات، يشعر بسعادة مُزيَّفة، قد تدوم معه فترة قصيرة جداً.
يقول الكتاب: “النَّفسُ الشَّبْعَانَةُ تَدُوسُ العَسَلَ، وللنَّفْسِ الجَائِعَةِ كُلُّ مُرّ حُلْو ” (أم 27 : 7)، فكل المواد التي تدخل في الإدمان فيها مرارة، ولكن لأن النفس جائعة إلى السعادة، تشعر أن المُرّ صار حلواً، وهذه حلاوة لا معنى لها، ولا تستمر ولا تعطي شعور السعادة الحقيقي.
إذاً الدموع معناها أنه لا بد من التعب، حتى أن الكتاب يقول: ” الَّذينَ يَزْرَعُونَ بالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بالابتهاجِ ” (مز 126 : 5).. تخيّل الفلاح يجلس بجوار زرعه ويرويه بدموعه! كم سيكون الحصاد مفرحاً وبهيجاً.
وأذكر مثالاً لذلك: مجموعة من الخدام ذهبت لخدمة الأُسـر المُعدَمة فوجدوا الأم و أطفالها في بيتٍ فارغ ولا يوجد به سوى حصيرة، وحاولوا مع الأم أن تطلب أي شيء، أمّا هى فكانت تَرُد: “إن زوجي يشتغل وسوف يُحضِـر كل شيء”. رغم أن زوجها لم يكن له عمل ثابت ولا دخل ثابت … لكنها كانت راضية مكتفية رغم الفقر الشديد..
قصة أخرى عن أرملة فقيرة مع طفلها تسكن في حجرة صغيرة فوق سطح أحد المنازل، في ظروف صعبة … لكن هذه الأسـرة الصغيرة كانت تتمتّع بنعمة الرضا، وكان أكثر ما يُزعِج الأم هو سقوط الأمطار في فصل الشتاء … فالحجرة عبارة عن أربعة جدران وباب خشبي لكن ليس لها سقف، وكان قد مرّ على الطفل أربع سنوات منذ ولادته لم تتعرّض فيها المدينة
إلاّ لأمطار خفيفة … إلاّ إنه ذات يومٍ هَطَلَ المطر بغزارة على المدينة كلها فاحتمى الجميع في منازلهم، أمّا الأرملة والطفل فكان عليهما مواجهة موقف عصيب … نظر الطفل إلى أُمّه نظرة حائرة واندس في أحضانها لكن جسد الأم وثيابها كان غارقاً في البَلَلِ … أسـرعت الأم إلى باب الغُرفة وخلعته ووضعته مائلاً على أحد الجدران وخبأت طفلها خلف البابا لتحجب عنه سيل المطر، فنظر الطفل إلى أُمّه في سعادة بريئة، وقد عَلَت وجهه ابتسامة الرضا، وقال لأمه: ماذا يا ترى يفعل الناس الفقراء الذين ليس عندهم باب حين يسقط عليهم المطر!
ونلاحظ في تأمّلنا في كلمة “سعادة” أننا بدأنا بالسماء وانتهينا بالقلب، القلب المُكتفي والراضي والسعيد.
يُحكَى عن ثلاثة كانوا يقطعون الأشجار في الغابات.. عندما سُئِلَ الأول: ماذا تفعل؟ أجاب في ضيق: أنا أقطع الأشجار لكي ما يُصنَع منها خشب صالح للاستخدام، وعندما سُئل الثاني أجاب: أنا أكسب لُقمَة عيش لأعول أسـرتي … أمّا الثالث فكان يعمل بفرحٍ، وأجاب على السؤال أنه سعيد لأن الخشب الذي يقطعه يُستخدَم لبناء بيت اللَّـه.
تعالوا نتأمّل معاً، أيهما كان أكثر سعادة شاول الطرسوسي أم بولس الرسول؟ داود قبل الخطية أم بعدها؟ القديس أُغسطينوس في حال انحرافه وبُعده أم بعد توبته وقُربه؟
يقول القديس أُغسطينوس: “بحثتُ عنك كثيراً أيها الجمال غير المُدرَك، وأخيراً وجدتك في قلبي”. فالسعادة هى بوجود المسيح في قلبك أولاً وآخِراً.
أخيراً ضع أمامك هذه المنظومة واجتهد فيها: أن تكون سعيداً وتُسعِد من حولك … وبحسب أمانتك سيعطيك اللَّـه، فتحيا كل أيام حياتكِ في فرح وسعادة.
أعطِنـا يـارب وقتـاً بهيـاً
وسـيرة بـلا عيـب وحيـاةً هادئـةً
مزمـور 25 (مز 24 ـ صلاة باكر من الأجبية):
إليكَ ياربُّ رَفعتُ نفسِي. إلهي عليكَ توَكَّلتُ، فلا تُخزِني إلى الأبدِ.
ولا تشمَتْ بي أعدَائي. لأنَّ جميعَ الذينَ يَنتظرونكَ لا يَخْزَونَ. لِيَخْزَ الذينَ يَصْنعونَ الإثمَ باطِـلاً. أظْهِـرْ لي ياربُّ طُرُقَكَ. وعَلِّمنِي سُبُلَكَ. اهْدِني إلى عَدْلِكَ وعَلِّمْني. لأنَّكَ أنتَ هو اللَّـهُ مُخَلِّصي، وإيَّاكَ انتَظَرتُ النَّهارَ كُلَّهُ. اذكُرْ ياربُّ رأفاتِكَ ومَرَاحِمَكَ، لأنَّهـا ثابتةٌ مُنذُ الأزلِ. خَطايَا شَبابي وجَهـالاتي لا تذْكُرْ. كَرَحْمتِـكَ اذكُرْنـي أنـتَ مِـنْ أجْـلِ صَـلاحِــكَ يـــاربُّ.
لأنَّ الرَّبَّ صَالِحٌ ومُسْتَقيمٌ، لِذلِكَ يُرشِدُ الذين يُخطِئونَ في الطَّريقِ. يَهدِي الوُدَعاءَ في الحُكْمِ، يُعَلِّمُ الوُدَعاءَ طُرُقَهُ. جميعُ طُرُقِ الرَّبِّ رَحْمَةٌ وحَقٌّ لحافِظِي عَهدِهِ وشَهادَاتِهِ. مِنْ أجلِ اسْمِكَ ياربُّ تغفِرُ لي خَطيَّتي لأنَّهـا كثيرةٌ. مَنْ هو الإنسانُ الخائِفُ الرَّبَّ ؟ يُرشِدُهُ في الطَّريقِ التي ارتَضاها. نَفسُهُ في الخيراتِ تثبُتُ، ونسلُهُ يَرِثُ الأرضَ. الرَّبُّ عِزٌّ لِخائِفيهِ، واسمُ الرَّبِّ لأتقيَائِهِ، ولهم يُعلِنُ عَهدَهُ. عَيْنَايَ تنظُرانِ إلى الرَّبِّ في كُلِّ حينٍ، لأنَّــهُ يَجتــذِبُ مِــنَ الفَــخِّ رِجْلَــيَّ.
انظُرْ إليَّ وارْحَمنِي؛ لأنـِّي ابنٌ وحِيدٌ وفقيرٌ أنا. أحزانُ قَلبي قد كَثُرَتْ. أخْرِجْنِي مِنْ شدَائدِي. انظُــرْ إلى مَذَلَّتي وتَعَبي، واغفِرْ لي جَميعَ خَطايَايَ. انظُرْ إلى أعدَائي فإنَّهُم قد كَثُروا، وأبغضوني ظُلماً. احفَظْ نَفسِي ونَجِّنِي. لا أُخْزَى لأنِّي عَليكَ تَوَكَّلْتُ. الذينَ لا شَرَّ فيهمْ والمُسْتَقيمونَ لَصِقوا بي، لأنـِّي انتظرْتُكَ ياربُّ. يا اللَّـهُ أنْقِذْ إسرائيلَ من جميــعِ شــدائِـدِهِ. هلِّلويــا
هذا المزمور يعتبر صلاة للطمأنينة. حاول أن تحفظه كصلاة تشددك في حياتك.
صلاة الساعة السادسة التي نصليها في منتصف النهار، هى ساعة
مهمة جداً فهى ساعة الفداء التي فيها صُلِبَ السيد المسيح. في تحليل
هذه الساعة في الأجبية نُصلّي عبارة تُعتَبر رسالة تطمئن الإنسان وتذكّره كيف يعيش، تقول: “أعطِنا يارب وقتاً بهياً، وسيرةً بلا عيبٍ، وحياةً هادئةً … لنرضي اسمك القدوس المسجود له”. في منتصف النهار، في وقت العمل والانشغال وجميع الناس في نشاطها وحيويتها نصلّي طالبين هذه الثلاث طلبات:
1ـــ الوقـت البهـي:
أي اجعل عمرى بهيّاً وحلواً، وأعطِنا أن تكون حياتنا كلها لامعة
أمامك … الوقت البهي هو الوقت النافع والمفيد للإنسان، فالوقت ينقسم إلى قسمين: أوقات مُنيرة وبهية ومُفيدة سواء للإنسان أو البشـرية، وأوقات بلا فائدة وربما تكون فاسدة أو شـريرة … فمن أي نوع يا ترى وقتك من الاثنين؟
في منتصف اليوم أصلّي: يارب من فضلك اجعل كل يوم من أيام حياتي يوماً منيراً، وقتاً بهياً، ساعاتٍ نافعةً. مثلما يعلّمنا القديس بطرس الرسول: “انظروا كيف تسلكون بالتَّدقيق، لا كجُهلاء بل كحُكماء، مفتـَدين الوَقـت لأن الأيـّام شـرّيـرة” (أف 5 : 15 ، 16).
ما هو الوقت البهي؟ هو وقت تملأه بأفكار أو أعمال أو أقوال كلها تمجِّد اسم اللَّـه، كما يقول مُعلّمنا بولس: “فإِذا كُنتُم تأكُلُون أو تـشـرَبُونَ
أو تفعَلُون شيئاً، فافعلوا كُلَّ شيءٍ لمَجد اللَّه” (1كو 10 : 31).. وقت
أمجِّد فيه ربنا سواء كان في: المذاكرة، أعمال المنزل، العمل، الخدمة، والمجاملات … الخ.
الوقت البهي هو الوقت الذي تملأه بالروحيات، بالعمل الروحي، إن كانت وقفة صلاة أو جلسة مع الإنجيل، وقت تَحضـر فيه اجتماع في الكنيسة سواء روحي أو تعليمي، أو في صلوات التسبحة أو الترانيم أو حِفظ لحن، أو وقت تقضيه في قراءة كتاب أو تعيش في سيرة قديس، أو في مناسبة من مناسبات الكنيسة … فهو الوقت الذي تملأه بالروحيات وهذه الروحيات هى التي تبني حياتك وتجعلك تنمو روحياً … مثل الوقت الذي تقضيه في جلسة الاعتراف وما يسبقه في الاستعداد للاعتراف وما يليه، الذي فيه تطلب أن تسندك نعمة اللَّـه لتعمل ما علّمك إياه أبيك الروحي … وأيضاً مثل الوقت الذي تقضيه في خلوة روحية في أحد الأديرة أو أحد بيوت الخلوة … أو وقت تقضيه مع مُرشِد روحي تتعلّم منه، مثلما يقول داود النبي: “أخبـر بــِاسمك إخوتي” (مز 22 : 22). كلامنا مع بعض يكون في حديث روحي، والحديث الروحي ليس حديثاً جافاً، لكن إنْ تعامل الإنسان بطريقة روحية فهذه الأحاديث الروحية تُمجِّد اسم اللَّـه.
الوقت البهي هو أيضاً الوقت الذي تملأه بمشاعر التوبة، فالعالم يحاول أن يشغل الإنسان، مثلما نقول في صلاة النوم: “العمر المُنقَضِـي في الملاهي يستوجب الدينونة”، والملاهي هى الأشياء التي تُلهي الإنسان أو التي تسـرق وقته أو تخدعه، أو التي يظن أن فيها فائدة وهى ليست كذلك …
عندما نتأمّل في قصة الابن الضال نجد أنه أفسد أوقاته، ترك بيت أبيه وانحدر به الحال حتى وصل إلى مزرعة الخنازير. وابتدأ يجوع ويشتهي أكل الخنازير، وهنا بدأت مشاعر التوبة تتحرك داخله، وبدأ عنده الوقت الجيد البهي، وهذه المشاعر جعلته يعود إلى أبيه قائلاً: “أخْطَأت إلى السَّماء وقُـدَّامـكَ، ولسْتُ مُسْتَحِقّاً بعدُ أن أُدعَى لك ابناً … ” (لو 15 : 19). وكأن الوقت البهي أو مشاعر التوبة القليلة التي حرّكته هى التي أنقذت بقية عمره، لذلك لحظة صغيرة قد تنقذك من خطية كبيرة، ولا أقصد بكلمة لحظة المعنى الفَلكي لها، لكن أقصد: وقت قصير يحرّك فيك مشاعر التوبة، هذا الوقت البهي ينير كلَّ حياتك.
أيضاً الوقت البهي هو الذي تقضيه في الافتقاد ـ إن كنت خادماً أو كاهناً ـ فهو يؤثر وبشدة في حياة الإنسان، وهو أيضاً الوقت الذي تقضيه في قراءات سواء روحية أو ثقافية تبنيك، فإحدى مقوِّمات تقدُّم الإنسان والأمم هى القراءة. من الإحصاءات التي قرأتها في ذات مرة أن الإنسان في الشـرق يقرأ خمسين سطراً في السنة! في حين أن الإنسان الغربي يقرأ مائة كتاب، وكل كتاب لا يقل عن مائة صفحة، وهذا الفرق هو سبب التقدّم.
الوقت البهي هو الذي تقضيه في قراءات نافعة لك؛ لذلك في سفر الرؤيا يقول: “طُوبى للَّذي يـقـرأ ” (رؤ3:1) وأيضاً من الأوقات البهية الوقت الذي تقضيه في حل المشاكل بروح الرجاء وروح الإيجابية.
لذلك طلبة: ” أعطِنا يارب وقتاً بهياً ” مرتبطة جداً بالآية: “انظُرُوا كيف
تَسلُكُونَ بالتَّدقِيقِ” (أف 5 : 15)، لذلك الوقت البهي مرتبط جداً بالسلوك بالتّدقيق.
لذلك احرص أن تكون أوقاتك صحيحة، مُنيرة ولامعة، فيصير عمرك كله مُقدّساً.
طبعاً إنسانة مثل المرأة السامرية … الوقت الذي فيه تقابلت مع السيد المسيح، كان وقتاً بهياً. كذلك زكا عندما قابل السيد المسيح. وأيضاً اللّصّ اليمين، الوقت الذي قضاه مصلوباً مع السيد المسيح، كان وقتاً بهياً.
لذلك كل إنسان عاش في القداسة، أو أنقذه اللَّـه من خطيئة أو من سقطة، يكون هذا الوقت بالنسبة له وقتاً بهياً، ويشكر اللَّـه عليه.
الخُلاصة: اسأل نفسك في كل يوم … هل في هذا اليوم كانت أوقاتي مُنيرة؟ وماذا فعلت فيها؟ … اللَّـه يعطينا في كل صباح 24 ساعة بِكر تصنع فيها ما تشاء.
2ــ سـيـرة بـلا عـيـب:
أي سيرة طاهرة نقية. والسيرة هى أحداث حياتك، مثلما نتذكّر المتنيح البابا كيرلس السادس كقديس معاصر، ونتذكّر سيرته النقية وروح القداسة التي عاش بها.
أنت تصلّي كل يوم وتقول: “أعطِنا يارب سيرةً بلا عيبٍ … “، وهكذا يُخاطِب العريس السماوي عروس النشيد قائلاً: “كُلُّكِ جميلٌ يا حبيبتي ليس فيكِ عيبَةٌ” (نش 4 : 7). والسيرة التي بلا عيب يُقصَد بها السيرة التي فيها يكون الإنسان قدوة ونموذجاً، والعالم اليوم يحتاج كثيراً لهذه القدوة؛ لذلك في تربية أبنائنا يجب أن يحرص الآباء على أن تربيتهم ليس بالكلام أو الأوامر، بل بالقدوة والمعاملة وتقديم نموذج جيد …
ولهذا السبب تُعلّمنا كنيستنا كل يوم أن تقرأ السنكسار، الذي هو تاريخ الشهداء والقديسين بكل الأشكال وفي كل العصور، ونقول: “نُعيِّد في هذا اليوم … “، لأن كل سيرة نقرأها تُفرّح قلوبنا، ويصير كل إنسان عاش في القداسة هو “رائحة المسيح الذكية”، فالسيرة التي بلا عيب هى التي تنتشـر بالقداسة، والتي يتمجَّد صاحبها بعد أن يتـرك هذا العالم …
هناك شخص تنتهي حياته بنهاية عمره على الأرض. فهى حياة فارغة ليس فيها ما يُرضي اللَّـه. ولكن هناك إنسان قضـى حياته كلها في سيـرة
بلا عيب، فصارت حياته بعد مماته رائحة المسيح الذكية التي تنتشـر
مثل رائحة الطِّيب … وهذا ما جعل القديس بولس الرسول يقول:
“شكراً للَّـهِ الـذي يَـقُـودُنـا في مَوكِبِ نُـصرَتِـهِ في المسِيحِ كُلَّ حينٍ، ويُظْهِرُ بنا رائحَـةَ معرِفَـتِـهِ في كُلِّ مكانٍ” (2كو 2 : 14).
توجد عيوب ظاهرة مثل: خطايا اللسان، الحلف، الكلمات غير اللائقة، أو روح الغضب أو الانفعال. يوجد شخص عندما يحلّ في مكان يملأه بالسلام، وآخَر عندما يتكلّم يشيع حوله الفرح … بينما يوجد شخص
لا يستريح الناس لحضوره أو كلامه …
في مزامير صلاة الغروب نُصلّي قائلين: “مِـراراً كَثِيرة حاربوني مُنذُ صبـاي ليَـقُـل إِسرائيلُ: مِـراراً كثيرة قاتَلوني مُنذُ شَبَابي وإنهم لـم يَقدرُوا عليَّ”.
هذه هى السيرة التي بلا عيب، فقد حُورِبت وأنا فتى، وأيضاً وأنا شاب … ويتعرّض الإنسان لمحاربات كثيرة ولكن نعمة اللَّـه تسنده وتجعل له سيرة حسنة و”ذِكر الصدِّيق يكون إلى الأبد” (مز 112)، ولا تكون حياة الإنسان مرتبطة بعدد سنوات عمره على الأرض، بل تكون ممتدة في الزمن.
هل سيرتك حلوة؟ سيرة بلا عيب، سيرة بلا خطية، سيرة بلا ضعفات،
بلا سقطات، بلا عادات شـريرة، بلا علاقات آثمة؟
لاحظوا أن القداسة هى الأصل في السيرة التي بلا عيب، الخطيئة هى الاستثناء والقداسة هى الأصل، والكتاب يعلّمنا: كونوا قدِّيسين كما أن أباكم هو أيضاً قدوس، فكلنا مدعوون إلى القداسة، لأن هذا هو الأصل، أمّا الإنسان الذي يمكن أن يقع في خطية ولكنه يستطيع أن يقوم بروح التوبة، فالخطية هى استثناء في حياته.
3ــ حيـاة هادئـة:
الاضطراب والقلق والأمور المُزعِجَة تُتعِب الإنسان، قديماً لم يكن ارتفاع ضغط الدم منتشـراً بين الناس، بينما حالياً حوالي نصف البشـر يعانون من ضغط الدم المرتفع، وهذا المرض نتيجة لعدم توفر الحياة الهادئة. فالحياة الصاخبة مُتعِبَة للإنسان مثل: الأصوات العالية، الأنوار الزائدة، الزحام … وتتعب الإنسان حتى صحياً، وهناك أمراض يسمونها ” نفس ـ جسدية psychosomatic” وهى أمراض سببها نفسي ولكنها تؤثر على الجسد، فقد ترفع ضغط الدم أو تُسبِّب صداعاً أو أي أعراض أخرى.
الهدوء هو سمة الحياة الأصيلة، فاللَّـه عندما خلق آدم وحواء خلقهما في هدوء، وعاشا في هدوء، حتى مع تواجد بعض الحيوانات والطيور كانت كلها أصوات طبيعية.
والهـدوء يمكـن أن نجـده في ثـلاثـة أماكـن:
الريف: أو المكان المملوء بالخضـرة بصفة عامة، حيث الطبيعة كما خلقها اللَّـه، يقول أحد المفكرين: “اللَّـه خَلق الريف، والإنسان صنع المدينة”. من أجل هذا يرتاح الإنسان في الريف أكثر من المدن، لذلك في أديرتنا، رغم أنها موجودة في الصحاري، يحرصون فيها على وجود أماكن خضـراء؛ لأنها تُسبِّب راحة للناس.. ومن التجارب العلمية أنه عندما يذاكر شخص وبجواره أصيص من الزرع، فإن هذا يُزيد استيعابه بنسبة 30 % لأن الزرع يستهلك ثاني أكسيد الكربون ويُنتـِج غاز الأكسجين.
البرية والصحراء: البرية لها جمال عذب، ونحن كأقباط نحبها لأن غالبية أديرتنا موجودة هناك، ومجرّد التمشّـي في البراري يُزيل من النفس الشهوات، بعكس المدينة وصخبها. والبراري تقدّست بالآباء القديسين الذين عاشوا فيها، وصلّوا وجاهدوا بل وطَردوا منها الشياطين، فصارت براري مُقدّسة وصانعة للقديسين.
البحــر: ولا أقصد الشاطئ والصَّخب الموجود عليه، إنما شكل البحر وامتداده يدفع الإنسان إلى روح التأمل، وبالأخص في أوقات الشـروق والغروب، بصفة عامة منظر المياه يعطي الإنسان نوعاً من تجديد الحياة، فالماء يرمز في الكتاب المقدّس إلى الروح القدس، ويتواجه مع اللَّـه مباشـرة.
ومن الجميل أن يتذكّر الإنسان الآيات والمواقف التي ذُكِرَت في الكتاب المقدس عن المياه، ويُصلّي قائلاً: “اطرح يارب خطاياي في بحر النسيان”.
هناك شخص في حياته “troublemaker” أي “صانع مشاكل” ودائماً في عينيه الأبواب مغلقة، وعندما تَعرِض عليه موضوعاً ما، يضع أمامك مشكلة، وهناك آخَر لديه دائماً روح الرجاء ودائماً صانع سلام “peacemaker” في كل مكان يحل فيه، وهنا السلام نعمة من اللَّـه مثلما نعرف أن ثمار الروح: “محبة، فرح، سلام …” (غل 5 : 22 ، 23).
يا لسعادة الأسـرة الهادئة التي لا يوجد بها أحد يرفع صوته عالياً،
كما يقول الكتاب: “لا يُخاصِم ولا يصيح ولا يسمع أحدٌ في الشوارع صوته”
(مت 12 : 19)، وهكذا أيضاً الخدمة الهادئة التي تسير في خوف اللَّـه، كما يُحدِّثنا سفر الأعمال عن الكنيسة الأولى، وكذلك الكنيسة الهادئة، والمدينة الهادئة.
والحياة الهادئة يصنعها الإنسان الحريص عليها، حتى هدوء التفكير والكلام، وهدوء التعامل مع المشكلات، هناك شخص عند إجابته على سؤال يُجيب بطريقة هادئة، وآخَر يكون عصبياً، شخص يدخل في حوار يكون حواره هادئاً، وآخَر يغضب وينفَعِلُ ويمكن أن يبكي!
نحـن نُصلِّـي قائلـين:
أعطِنا يارب:
وقتاً بهيّاً …
وسيرةً بلا عيبٍ …
وحياة هادئةً …
لنُرضي اسمك القدوس المسجود له.
يعني حياتي يارب بهذه الثلاثة، أقدر بها أن أُرضي اسمك القدوس، ويكون لي نصيب معك في السماء …
انتبهوا … إننا نصلّي بهذه الطلبات وقت الساعة السادسة، ساعة
الصلب …
– فالوقت البهي آخذه من الصليب …
– والسيرة التي بلا عيب هى من الصليب …
– والحياة الهادئة مفتاحها هو صليب المسيح.
ونلاحظ قول معلمنا بولس: “فَانظُرُوا كَيف تَسْلُكُونَ بـِالتَّدقيقِ، لا كَجُهَلاَءَ بل كَحُكَمَاءَ، مُفْتَدينَ الوقْتَ” (أف 5 : 15 ، 16) … وكلمة “مُفْتَدِينَ” هى من الفداء.
لذلك وأنت تصلّي بهذه الطلبات كل يوم، اطلب من اللَّـه من كل قلبك أن يجعل كل أوقاتك بهية، وسيرتك مقدَّسة بلا عيب، وحياتك هادئة مرضية أمامه.