بِاسـم الآب والابـن والـروح القـدس، الإلـه الواحـد. آمـين.
الإنسان كائن جائع للحب، والحب هو اللَّـه، وبالتالي فهو جائع إلى اللَّـه. وعالَم اليوم بكل ما فيه من تقدُّم وإمكانيات وتكنولوچيا وغيرها لا يستطيع أن يُشبِع الإنسان.
ولذا نرى انتشار الخطية والعنف والجريمة بصورة كبيرة مما سبب القلق وغياب السلام والهدوء وراحة البال من قلوب كثيرة، والسبب أنها غيـر شبعانـة بحب اللَّـه لأنها بعيدة عنه.
وفي تقليد كنيستنا القبطية الأرثوذكسية نقرأ معجزة إشباع الجموع في الأحد الخامس من الشهر القبطي، ولذلك نُسمِّيه “أحد الشبع” أو “إنجيل الشبع” أو نسمِّيه “إنجيل البركـة”. وغير ذلك من التسميات الموحية بتسديد حاجة الإنسان الأساسية أي “الحُبّ”، من منظور روحي إنجيلي.
هذا فضلاً عن أننا نقرأ إنجيل معجزة إشباع الجموع يومياً في صلوات الساعة التاسعة من الأجبية.
ومن هذا المنطلق أخذنا موضوع الخمس خبزات والسمكتين كأساس لبرنامج روحي قوي يدور حول “الحب”، فالكتاب المقدس “رسالة حب”، والصلاة “لقاء حب”، والتوبة “خطوة حب”، والتناول “شـركة حب”، والصوم “خبرة حب”، وقانون الإيمان “إعلان حب”، وأخيراً السنكسار “نماذج حب”.
بهذه الصورة الروحية يستطيع الإنسان كل يوم وعلى أساس كتابي، آبائي، كنسـي، متكامل، أن يرتوي من حب اللَّـه، فيشبع ويفرح ويطمئن، وفي ذات الوقت يفيض بهذا الحب على مَن حوله في استمرارية وتبادلية تُحقِّق وجوده الإنساني، وقصد اللَّـه في خلقته وسعادته.
يضم هذا الكتاب ثماني محاضـرات مأخوذة من الاجتماع الأسبوعي يوم الأربعاء (خلال عام 2013)، سبعٌ منها تُمثِّل الخمس خبزات والسمكتين، أمَّا الثامنة فهيَ محاضـرة عن “البداية” وضعناها في المقدمة كتمهيد لمنهج الحب في الحياة الروحية.
أرجو للقارئ مُتعة الشبع من حب اللَّـه في حياته اليومية، ونعمته قادرة أن تُشبِعنا جميعاً، لمجد اسمه القدوس في كنيسته المقدَّسة، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور.
كونوا معافيـن في الرب.
| عيد الصليب
27 / 9 / 2015م |
البابا تواضـروس الثاني |
وكانَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ سَائِرِينَ مَعَهُ، فَالتَفَتَ وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ كَانَ أَحَـدٌ يَأتِـي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِـضُ أبَـاهُ وَأمَّـهُ وَامْرَأتَـهُ أن يكون لِي تِلْمِيذًا. وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا. ومَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لا يَجْلِسُ أوَّلاً ويَحْسِبُ النَّفَقَةَ، هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟ لِئَلاَّ يَضَعَ الأسَاسَ ولا يَقْدِرَ أنْ يُكَمِّلَ، فَيَبْتَدِئَ جَمِيعُ النَّاظِرِينَ يَهْزَأُونَ بِهِ، قَـــائِلِـيــنَ: هــــذَا الإِنسَـــانُ ابْتَـــدَأ يَبْنِـــي ولـم يَقْـــدِرْ أنْ يُكَمِّـــلَ.
مِن النِّعم الكثيرة التي يعطيها اللَّـه لنا في كل يوم أننا نبدأ بداية جديدة في كل صباح، ولذلك تُعلّمنا كنيستنا في كل صلاة باكر أن نقول: “اِحفظنا ولنبدأ بــِدءاً حسناً”.
والبداية هيَ الخطوة الأولى التي قد تؤدي إلى نجاح أو فشل، وقد تؤدي إلى وصول الإنسان أو أن يتوه. لذا قال الفلاسفة: “إن البداية هيَ نصف العمل”، فبمجرّد أن واحداً يبدأ عملاً يُعتَبر نصف العمل، وتحتاج هذه البداية إلى طاقة وفكر وعزيمة لكي يبدأ الإنسان.
في التداريب الرهبانية، يقول الآباء: “اذكر أول يوم دخلت فيه الدير”؛ لأن أول يوم يكون له مشاعر خاصة وهو البداية، وبالتالي ممكن أن نطبِّق هذا على كل عمل.
عندما تحتفل بعيد ميلادك فإنك تحتفل ببداية حياتك على الأرض، بداية حضورك وظهورك كإنسان تحيا على وجه هذه الأرض.
موضوع البداية من الموضوعات الكبيرة والهامة، فلو كانت بدايتك في العمل أو الدراسة أو الخدمة أو التكريس أو الرهبنة أو الزواج … إن كانت البداية جيدة، فهيَ تؤدي إلى نتيجة جيدة، أمّا إذا كانت البداية غير طيبة أو وُجِدَتْ فيها انحرافات في الطريق؛ فإنها قد تؤدي بالإنسان إلى نهاية غير طيبة.
نضع فكرة البداية في ثلاث خطوات رئيسية للإنسان الذي يعيش في مخافة اللَّـه؛ لأنه في أي عمل أنت تبدأ ويبدأ اللَّـه معك، فعند البدء تجد النعمة حاضـرة ويد اللَّـه عاملة بمجرّد أنك تبدأ.
إن النعمة موجودة وحاضـرة، يقول الرب لملاك كنيسة اللاودكيين:
“هأنذا واقِفٌ على الباب وأقرَعُ. إنَ سَمِعَ أحدٌ صوتي وفَتحَ البابَ، أدخُل إليه وأتعشَّى مـعـه وهو مـعـي” (رؤ 3 : 20).
هأنذا واقف: المسيح واقف ويَدُق الباب، وهذا هو عمل النعمة. ويأتي عمل الإنسان “إنْ سَمِع أحد وفتح”، السمع والفتح من عمل الإنسان “البداية”… “أدخُل وأتعشّى معه” تكميل العمل بالنعمة والعمل الإلهي.
لذا أول خطوة في البداية هيَ أنك تبدأ ويبدأ اللَّـه معك، أي عندما تبدأ بإخلاص وجِـدِّيـة اعلم أن اللَّـه يبدأ معك، ويقول المتنيّح قداسـة البابا شنوده الثالث: “عندما توجد النيـَّـة، اللَّـه يعطي الإمكانية”.
كلمة مبادئ مشتقة من “بدأ”، فبمجرّد القول أن هذا الإنسان صاحب مبادئ بسـرعة تعرف أن هذا الشخص جيد؛ لأنه يملك مبادئ.
والمبادئ، هيَ النقاط التي يبدأ منها الإنسان تفكيره: في العمل، في الدراسة، في الخدمة … الخ.
وكلمة مبادئ كلمة مهمة جداً، وبالتالي لكي ما تكون سيرة حياتك صحيحة يجب أن يكون لديك مبادئ, وهناك قول: “فُلان عاش من أجل المبادئ”.
أي عنده مبادئ في حياته.
إذاً البداية الأولى خطوة النعمة والمعونـة، ثم تأتي خطوة الجهاد، وهذا الجهاد لكي ما يكون قانونياً يحتاج أن يكون فيه مبادئ، ولا تتخلّى عن مبادئك لكي ما يُصلِح اللَّـه طريقك.
مثـال:
إذا قلنا أن يهوذا الإسخريوطي قد بدأ حسناً … لقد كان تلميذاً للسيد المسيح، وحضـر مع ربنا يسوع معجزات كثيرة، واستمع لتعاليم كثيرة … فما الذي جعله ينحرف؟ لم يكن عنده هذه المبادئ، ولذلك نجده سـريعاً يتخلَّى عن موقعه ويستهين بسيده.
إذا كان لديك مبادئ في حياتك، فإن حياتك ستكون سعيدة وناجحة.
مصادر المبادئ:
المصدر الرئيسي لمبادئنا وحياتنا هو الكتاب المقدس، فلا بد أن تستمد من الوصية الإلهية المبدأ الذي تعيش به.
إنْ عِشت بالمبادئ تجد حياتك تتقدَّم من خطوة إلى خطوة … وإذا حافظت على هذه المبادئ جيداً يكتمل طريقك وتأتي إلى نهاية الأمر.
إن اللَّـه الذي بدأ معنا يكمل معنا للنهاية، وتكون نهاية الأمر خيراً من بدايته، كما يقول الكتاب: “نـهـاية أمـرٌٍ خَيرٌ من بـدايـتُـه” (جا 7 : 8). هذه هيَ خطوة الكمال.
في (لو 14 : 28) يقول: “ومَن مِنْكُمْ وهو يُرِيدُ أن يَبْنِيَ بُـرْجـاً لا يَجْلِسُ
أوّلاً ويَحسِبُ النَّفَـقَـةَ، هل عِندهُ ما يَلْزَمُ لِكَماله؟” يجب أن تلاحظ فعل “يريد” يقصد به “لديه رغبة”، فهو أولاً يحسب النفقة، ويجب أن يكون لديه مبادئ، ومن الضـروري أن يكون لديه خطة أو كما يسمُّونها “خارطة طريق”، وهذا التعبير هام في التربية، فالأم عندما تجلس مع ابنها (ابنتها) وتُسلِّمه خبرة الحياة فهيَ تُسلِّمه خارطة الطريق.
قصة …
يُحكى أن أحد الشباب في الخارج عندما بلغ 18 سنة أخذ يُسجِّل كل المبادئ التي تعلَّمها من والده ووالدته، وقال: “هذه هيَ خارطة الطريق التي تَسلَّمتها من أبواي”.
يمكن أن نسميها “بداية الأبرار” أو “عزم الصديقين”، مثال لذلك الطالب الذي يبدأ دراسته، فمن أول يوم يذاكر دروسه بكل جديَّة، فتكون النتيجة مُفرِحة.
يقول القديس بولس الرسول في رسالة فيلبي: “إن الذي ابتدأ فيكُم
عملاً صالحاً يُكَمِّل إلى يوم يسوع المسيح” (في 1 : 6). يسوع المسيح يُكمِّل العمل.
بدأت مشـروعاً، بدأته بجدّيّة؟ بدأت ارتباطاً وتكوين أسـرة بدأته بجدّيّة؟ هذه هيَ البداية الصالحة.
القديس بولس الرسول يكلِّم أهل غلاطية في آسيا الصغرى ويقول لهم: “أهكذا أنتم أغبياءُ! أبَـعْـدَ ما ابتدأتُم بالروح تكَمَّلون الآن بالجسد؟” (غلا 3 : 3).
إن “الـروح أسمى من الجسد”، لقد بدأوا الطريق الروحي بجدّيّة، ولكن بعدما بدأوا توقفوا ورجعوا للوراء، وهذه البداية كانت بالروح، ولكن
حاول صاحبها أن يسندها بالجسد. فنجد مثلاً: يهوذا، قد بدأ بالخير وأكمل بالشـر.
مثل البداية التي لإنسان سطحي في معاملاته وعلاقاته، ويتأثر بأي شـيء طارئ … وهذه هيَ بداية المُستهترين، وعن هذا يقول الكتاب: “فيبتَدِئَ جميع الناظرين يَـهـزَأون بـه” (لو 14 : 29). هذا الإنسان بدأ دون أن يكون لديه مبادئ.
القديس بولس الرسول (شاول الطرسوسـي) وُلِدَ يهودياً وتعلَّم الناموس عند قدمَي غمالائيل، وظن أن مبادئه هيَ المبادئ الصحيحة، وعندما ظهر له السيد المسيح على أبواب دمشق (أع 9) بدأ يكتشف خطأه، وبدأ يفهم ويضع قدميه على البداية الصحيحة، وبدأ يقول: “يارب، ماذا تـُريدُ أن أفـعَـل؟”
(أع 9 : 6)، فرأى اللَّـه يساعده في خطواته، ويرشده إلى المكان الذي يجب أن يذهب إليه، وماذا ينبغي أن يفعل، ومع مَن يتقابل … وبعد أن قضـى فترة خلوة في الصحراء العربية (غل 1 : 17) بدأ يتغيـَّر ويتحوَّل.
نحن نصلّي كل يوم في صلاة باكر ونقول: “احفظنا ولنبدأ بدءاً حسناً”، ونكررها دائماً؛ لأن الإنسان محتاج باستمرار أن يُصوِّب طريقه ـ فمن الممكن أن ينحرف انحرافاً طفيفاً دون أن يعلَم ـ لذا فموضوع البداية يجب أن يوفّر له الإنسان كل إمكانية للنجاح، فعليه أن يبدأ ويسير في الخطوات التي رسمها وهو يَـثِق أن يد اللَّـه تُكمِّل معه.
هناك ثلاثة مبادئ رئيسية تجعل طريقك بدايته سليمة، ونهايته تُرضـي اللَّـه، وهيَ:
أمانتك وإخلاصك ووفاؤك في حياتك اليومية، مع كل نَفس … إنْ كنت قد اخترت طريقاً معيناً من كل الطرق التي تُتاح أمامك، اسلك فيه بأمانة متناهية.
مثال: يوسف الصدِّيق.
انظر كيف كانت أمانته وهو يفتقد إخوته وسلامتهم … وهو يَسـرِد أحلامَه … وهو في بيت فوطيفار … حتى وهو في السجن …
والآية واضحة جداً: ” كُن أميناً إلى الموت فسأُعطِيك إكليل الحياة”
(رؤ 2 : 10). إنها الأمانة في كل وقت وطول العمر …
” كُن أميناً إلى الموت” فيها استمرارية وفيها الخصوصية لك أنت، وفيها شكل من أشكال الشخصية، كن أميناً على أسـرتك، في دراستك، في عملك …
قصـة:
يُحكَى أن شاباً سافر لإحدى الدول العربية للعمل بها، وعلى الرغم من أنه جامعي إلا أنه عَمِل بالنقاشة.
في إحدى المرات ذهب للعمل في بيت يملكه أحد رجال كبار الدولة، واتفق معه ليعمل نقاشة هذا البيت في مدة 20 يوماً، وفي اليوم الـ 18 اصطَنَع الرجل مشكلة مع هذا الشاب، وقرر طرده دون أن يعطيه أجر الفترة التي عَمِل فيها. ولكن هذا الشاب الأمين ذهب لصاحب العمل، وقال له أنه سوف يترك العمل، ولكن طلب منه أن يَسمح له أن يُسلّمه الشغل كاملاً؛ لأن أمانته تُحتِّم عليه ذلك، فقد اتفق معه على 20 يوماً وقد تبقّى منهم يومان، وهو لا يريد أن يأخذ أجره.
خلال اليومين كان صاحب البيت سيئ المعاملة معه، لدرجة أنه كان يُفسِد ما يقوم به الشاب من عمل، بالرغم من ذلك عمل الشاب بِجِدّ وهِمّة كل الشغل إلى أن انتهى، وسلّم العمل بكل دقة دون أن يأخذ أجره المُتـَّفق عليه، ولكن سأله الرجل في دهشة: لماذا فعلت كل هذا؟ أجاب الشاب وقال: أمانتي تُحتِّم عليَّ أن أعمل هذا.
تمسّك الرجل بالشاب الأمين وأخذه معه لإدارة شـركاته، وبدأ معه منذ حوالي 10 سنوات، وما زال يعمل معه حتى الآن، وربنا أعطى هذا الشاب خيراً كثيراً بسبب أمانته.
يجب أن تكون أميناً على المكان الذي أنت فيه: في عملك، في دراستك، في وسيلة المواصلات التي تركبها، في الشارع … أمّا الأمانة الكبرى فهيَ أمانتك في وقتك (الدقائق والساعات)، أمانتك كل يوم …
يقول بولس الرسول: “انظروا كيف تَسلُكُون بالتدقيق، لا كجُهَلاء بل
كحُكَمــاء، مُفتَـدين الوقـت لأن الأيـام شــريرة” (أف 5 : 15ــ 16).
نظامك يعني أنك تسلك في حياتك بخطة مُنظّمة … أحياناً إنسان يشغل نفسه في أكثر من عمل في نفس الوقت، فهناك طالب يريد أن يدرس ويعمل ويسافر للخارج ويرتبط في نفس الوقت، وتكون النتيجة أنه لا ينجح إلاَّ في عمل واحد.
الحياة المُنظَّمة لازمة، سواء كان: في الخدمة، في الزواج، في التكريس، في الرهبنة … فالإنسان يجب أن يجعل النظام هو البداية وأحد مبادئه (يأكل بنظام ـ يذاكر بنظام ـ عبادته بنظام ـ حتى في تكريسه يوجد نظام).
النظام ليس هو التَّزَمُّت، ولكنه هو الحياة المُنظَّمة في كل شيء. فإلهنا إله نظام وليس إله تشويش. والنظام يجعل الإنسان يحقق نتيجة سـريعة، فأحياناً عَمَل يحتاج لوقتٍ قصير لإتمامه، لكن من غير النظام يستغرق وقتاً طويلاً، وهذا الوقت ضائع لا يُحقِّق شيئاً.
في الشـركات الكبرى والمشـروعات الكبيرة يقولون: “باقي من الزمن ـ مثلاً ـ 84 يوماً”.
ويُقال أنه من انجازات إحدى الشركات الكبرى أنها سجلت في (الـ CV)
أن أحد المشـروعات كان سيستغرق 10 شهور، ولكنها أنهته في 9 شهور.
هُناك أيضاً شـركة أنهت عملها قبل الموعد المحدد بـ 6 أيام ونجحت في تحقيق ربح كبير بسبب هذه المدة؛ لأن اليوم الواحد كان يُكلِّف الشـركة مليون جنيه. وبالتالي وفَّرت 6 مليون، وهذا بالطبع إنجاز.
هذا الأمر في منتهى الأهمية؛ لأن من يريد النجاح لا بد أن يكون مُنظَّماً في كل خطوة.
كنيستنا الرائعة وضعت صلاة المزاميـر (الأجبية)، لأنها تريدنا أن نعيش من خلالها مع المسيح طول اليوم، فنجد ذلك في دقة ونظام من صلاة باكر أي
6 صباحاً، وصلاة الثالثة = 9 صباحاً، والسادسة = 12 ظهراً … وهكذا حتى صلاة نصف الليل، ونجد اليوم كله مملوءاً بالصلاة وبالعمل؛ لأن العملية مُنظّمة، فالأجبية تغرس فينا مبدأً هاماً وهو النظام، النظام في حياتنا الروحية أو التَّعبُّديَّة.
عندما تُتابع رحلات القديس بولس الرسول وتدرسها على الخريطة تجده في الرحلة الأولى بدأ بدائرة صغيرة، وفي الرحلة الثانية بدأت الدائرة تكبر، وفي الرحلة الثالثة صارت أكبر فأكبر، … وهذا نظام في العمل.
لذلك المفتاح هو النظام في كل شيء: في كنيستنا، في حياتنا الروحية الشخصية، في ممارستنا، وفي خدمتنا …
النظام هو المبدأ الثاني الذي يجعل بدايتك صحيحة ونهايتك سعيدة.
يقول الكتاب: “مَـلـعُـونٌ مَنْ يَعْمَل عَمَل الرب برخاءٍ” (إر 48 : 10).
وفي مكان آخَر يقـول: “الـرخاوة لا تَمْسِـك صَـيــداً” (أم 12 : 27).
هناك شخص قلبه مجتهد، واجتهاده متوزّع على نظامه وعلى أيامه، وهذا الاجتهاد يحقق نتيجة تلو الأخرى.
الهِمَّة تجعل الإنسان دائماً شبعاناً وراضياً، ولذلك في (أف 6) يتكلّم بولس الرسول مع أهل أفسس عن حياة الجندية الروحية، ويأخذ من ملابس الجندي الروماني معانٍ للجندية الروحية (خوذة الخلاص، تُرْس الإيمان، درع الحق … وهكذا).
الهِمَّة تجعل الإنسان عنده دائماً نوع من التشجيع الداخلي، فهناك شـخص أبسط كلمة تُحبِطه، وآخَر هدفه أمامه دائماً لا يتأثر بأي عوامل، فالإنسان الذي يرى هدفه يجتهد ويتحمَّس إليه حتى إذا أُصيبَ بالفتور في وقت من الأوقات. يقول الرب لملاك كنيسة أفسس: “أنا عارفٌ أعمَالَك وتَعَبَك وصَبـْرَك … لكن عندي عليك: أنكَ تركتَ محبَّتك الأولى. فاذكر من أين سقطت وتُبْ، واعمل الأعمال الأولى …” (رؤ 2 : 2 ــ 5).
شيء مهم جداً أن الإنسان يرى الهدف الذي يسعى إليه (هدف النجاح أو هدف تكريس القلب أو هدف الخدمة)؛ لأن هذا سيجعله يجتهد ويسعى للوصول إلى الهدف.
إذاً الأمانة والنظام والاجتهاد، هذه الثلاثة مبادئ تساعد الإنسان في أي مكان، وفي أي زمان وفي أي مجال، حتى يبدأ بدءاً حسناً وينتهي نهاية حسنة.
لماذا نجد بعض الذين ابتدأوا حياة التكريس بأية صورة من الصور ينحرفون عن الطريق؟
لأن الهدف الذي أمامهم صار ضبابياً وغير واضح، فيبدأون يرجعون ويتوهون ولا يُكملون طريقهم.
بدايةً الإنسان يُريد أن يعرف ما هو طريقه … إن كان التكريس مثلاً،
عليه أن يضع أمامه كلمات ربنا يسوع المسيح: “أنا هو الطّريق” (يو 14 : 6)، ويقوم ويسير في الطريق، ويبدأ بداية صحيحة، ويقول له: “أتبَعُك أينما
تَمضـي” (مت 8 : 19)، أو مثلما تقول عروس النشيد: “اجذبني وراءك فَنـَجْري” (نش 1 : 4) … هدفي هو المسيح.
أصعب شـيء على النفس البشـرية ـ حتى على الشعوب والمجتمعات ـ أن تبدأ عملاً ولا تكمله؛ لأن فيه خسارة من كل جانب، خسارة: مال، جَهد، وقت، تنمية، تقدّم، ونمو … ولذلك يا إخوتـي من الضـرورة ونحن في بداية عام جديد، أن تكون للبداية مبادئ، والمبادئ يجب أن تُحتَـرم.
إنْ عاش الإنسان هذه المبادئ وبدأ يُصَحِّح نفسه عـلى الدوام، سوف يعرف أن حياته حياة مُثمرة واللَّـه أعطاه هذا العمر لكي يفـرح بـه.
البداية كل يوم نصلّي من أجلـهـا، ونحن نصلي ونقول: “احفظنا ولنبدأ بدءاً حسناً”، إنْ كنت بالأمس تائهاً وفي حالة فتور، فما رأيك أن تبدأ بداية جديدة بأمانة وبنظام وباجتهاد.
ليُعطِنا المسيح إلهنا أن تكون حياتنا في هذه البداية الحسنة، ونسأله أن يُرافقنا في الطريق، ويُكمل عملنا ونقائصنا، لكي ما نصل إلى هدفنا، ومن نجاح إلى نجاح. آمين.
السَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللَّـه، والفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. يَوْمٌ إِلى يوْمٍ يُذِيعُ كلامًا، وليْلٌ إِلى ليْل يُبْدِي عِلْمًا. لا قَوْلَ ولا كلام.
لا يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ. في كُلِّ الأرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وإِلى أقْصى المسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ. جعلَ للشَّمْسِ مَسْكنًا فيها، وهيَ مِثْلُ العَرُوسِ الْخَارِجِ مِنْ حَجَلَتِهِ. يَبْتَهِجُ مِثْلَ الجَبَّارِ للسِّبَاقِ في الطَّرِيقِ. منْ أقصى السَّمَاوَاتِ خُرُوجُهَا، ومَدَارُهَا إِلى أقَاصِيهَا، ولا شيْءَ يَخْتَفِي من حَرِّها.
نامُوسُ الرَّبِّ كامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ. شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الجاهِلَ حَكِيمًا. وصَايَا الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ تُفرِّحُ القَلْبَ. أمْـرُ الرَّبِّ طاهِـرٌ يُنِيرُ الْعَيْنَيْنِ. خَوْفُ الرَّبِّ نَـقـيٌّ ثَابـِتٌ إِلى الأبد. أحْكَامُ الرَّبِّ حَقٌّ عَادلَةٌ كُلُّهَا. أشْهَى من الذَّهبِ والإِبْرِيزِ الكَثِيرِ، وأحلَى من العَسَلِ وقَطْرِ الشِّهاد. أيضًا عَبْدُكَ يُحَذَّرُ بِها، وفي حِفْظِهَا ثَوَابٌ عَظِيمٌ. السَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا؟ مِنَ الْخَطَايَا الْمُسْتَتِرَةِ أبْرِئْنِي. أيْضًا منَ الْمُتَكَبِّرِينَ احْفَظْ عَبْدَكَ فَـلاَ يَتَسَلَّطُوا عليَّ. حِينَئِذٍ أكُونُ كامـلاً وأتَـبَـرَّأ منْ ذَنبٍ عَظِيمٍ. لتَكُن أقوَال فَمي وفكْرُ قَلْبـي مَـرْضِيـَّةً أمَـامَـكَ ياربُّ، صَخْرَتِي ووليِّي
ونحن في بداية السنة القبطية، وتكلّمنا عن البداية، هناك سؤال يدور دائماً في أذهاننا وهو: كيف نعرف مسيحنا القدوس معرفة شخصية؟ وكيف نَشبع منه؟
كانت الإجابة موجودة بطريقة رمزية في معجزة إشباع الجموع بالخمس خبزات والسمكتين، فقلت لنفسي: من الضـروري أنه يوجد في حياتنا خمس خبزات وسمكتين بطريقة رمزية يمكن أن تَدلنا وتُعرّفنا وتُقيم لنا علاقة شخصية بيننا وبين ربنا يسوع المسيح.
هؤلاء الذين أكلوا في هذه المعجزة (اشباع الجموع) شبعوا من الطعام المادي، وقال لهم ربنا يسوع المسيح: “اِعمَلُوا لا للطّـعـام البـائِـدِ، بـل للطّـعـام الباقي للحيـاة الأبـديَّـة” (يو 6 : 27).
لذا من خلال هذه الخمس خبزات والسمكتين يمكننا أن نعرفه هذه المعرفة الشخصية، مثلما قال القديس بولس الرسول: “لأعرفَـهُ، وقوَّة قيامَـتِـهِ، وشركَةَ آلامِـهِ، متشـبِّـهاً بمـَوتِــهِ” (في 3 : 10).
الخبزة الأولى:
الكتاب المقدَّس … ” رسـالة حــب “
لذا اخترنا المزمور رقم (19)؛ لأن هذا المزمور نُسمّيه مزمور “كلمة اللَّـه” ويسبقه المزمور الأول الذي نُصلّيه كل يوم في صلاة باكر ونقول: “وفي ناموسِهِ يلـهَـجُ نـهـاراً ولـيـلاً” (مز 1 : 2)، كذلك في مزمور (119): “سِـرَاجٌ لـرجْـلِي كلامُكَ ونورٌ لسبيلي” (مز 119 : 105)، وهذه المزاميـر الثـلاثـة تتكلَّـم عن كلمة اللَّـه.
ما هو الكتاب المقدس؟
الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد وبحسب تعبير الكتاب هو “قوة اللَّـه للخلاص”، فهو ليس رسالة فلسفية أو نظرية فكرية، ولا مجرّد كتاب تاريخ أو حكايات، أو مجرّد وسيلة تعليمية، فالكتاب المقدَّس كلمة اللَّـه وهو “قوَّة اللَّـه للخَلاص” (رو 1 : 16)، وكلمة “قوة” باللغة العامية تعني طاقة، والطاقة لها أشكال كثيرة منها الحركة أو كما تُسمَّى في عِلَم الرياضيات “الديناميكا” هندسة الحركة، وكأن قوة اللَّـه للخلاص هيَ عمل ديناميكي في حياة الإنسان، أي أن هذا الكتاب يستطيع أن يعمل في الإنسان ويُغيـِّر فيه، لذا نجد أن الحركة التي يصنعها الكتاب المقدَّس في الإنسان نُسمّيها “حركة حب” (حب اللَّـه الذي لا يتوقّف)، ولذلك نُسمِّي الخبزة الأولى التي نأخذها ونأكلها عقلياً وقلبياً هيَ كلمة اللَّـه القدوس، الكلمة المقروءة في الكتاب المقدس، فاللَّـه يعمل من خلال كلمته عملاً
لا يتوقّف، فتظل كلمة اللَّـه تعمل في الإنسان حتى تصل به إلى السماء.
صفات الكتاب المقدّس:
1ـ قوة اللَّـه لخلاص الإنسان:
مثلما يقوم صانع الشـيء بإصلاحه، كقول القديس أُغسطينوس: “الكتاب المُقدّس هو فن المسيح”. فهل لنا الأُذن التي تسمع كلام السيد المسيح؟
2 ـ مرعى للنفوس (مكان للرعاية):
مثلما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: “الكتاب المقدَّس وقراءة الكتب هيَ روضة”، فهيَ حديقة بديعة التنسيق، وفيها كل الأشكال والزهور والأشجار، وتُسمَع فيها أصوات الطيور.
الكتاب المقدّس ليس مجرّد عقيدة أو تشـريع أو أسفار، ولا هو تاريخ بل كما يُسمِّيه القديس يوحنا ذهبي الفم “فردوس الأثمار، ومنجم نادر”، لذلك عليك أن تجعله خبزاً لحياتك وتتناول منه باستمرار.
الكتاب المقدَّس هو أنسب مكان ترعى فيه نفسك، ولا يمكن أن تجد مكاناً يستطيع أن يمنحك الراحة القلبية أكثر من كتابك المقدّس. يقول أيضاً القديس يوحنا ذهبي الفم: “الكتاب يُشبه الأنهار التي لا نعرف أعماقها، لكن يكفينا أن نَميل إليها ونشـرب ونرتوي ونُبحِر فيها، بدلاً من أن نفسد أوقاتنا في قياس أعماقها ونحن نموت ظمأً”.
3 ـ وحدة واحدة من كيان واحد:
أحياناً يقولون أن الكتاب المقدّس ليس كتاباً لكنه مكتبة، وهذه المكتبة فيها من الأسفار مثل التي معنا 66 سفراً، ومعها الأسفار القانونية الثانية، أي أن المجموع 73 كتاباً.
لا نستطيع أن نأخذ الكتاب بطريقة منفصلة، لأنه وحدة واحدة متكاملة، لذا عندما نريد أن نعيش فيه يَلزَمنا روح الحكمة والتمييز، لكي نعرف روح الكتاب، لأن كثيراً من الكلمات المكتوبة بحروفٍ، ورائها روح مُعيَّنة، لا بد أن نفهمها ونعيش فيها، ولذلك قيل: “عندما تقرأ الكتاب فأنت تبحث عن الكلمة بين الكلمات”. ويقول القديس أُغسطينوس: “العهد الجديد مُخفَى في العهد القديم، والعهد القديم مُعلَن في العهد الجديد”.
فمثلاً في العهد القديم يوجد سفر إشعياء وهو مفتاح فهم العهد الجديد فيُسمَّى السفر الإنجيلي وأحياناً يُسمَّى الإنجيل الخامس، وهذا من باب الشـرح، بالرغم من أنه كُتِبَ قبل ميلاد السيد المسيح بأكثر من 800 عام. وكذلك رسالة القديس بولس الرسـول إلى العبرانيين هيَ تفسيـر للعهد القديم.
إذاً الكتاب المقدس هو وحدة واحدة، نعيشها ونرتبط بها مع مسيحنا القدوس في العهد القديم والعهد الجديد.
معنى هذا أن الإنسان بدون هذه الكلمة المقدَّسـة هو إنسان فقير لمعرفة كلمة الكتاب المقدَّس في العهدين القديم والجديد؛ لأن الكتاب المقدَّس عبارة عن أبعاد ندخل فيها، فبدون كلمة اللَّـه يُصبِـح الإنسان فقيـراً وفـارغـاً.
4 ـ صالح لكل يوم:
الكتاب المُقـدَّس صالح لكل يوم، لأنه يتحدّث عن اللَّـه الذي يريد أن يُقيم هذه العلاقة (علاقة المحبة بينه وبين الإنسان)، وطبيعة اللَّـه ثابتة لا تتغير، ثم أنه موجَّه لكل إنسان، وطبيعة الإنسان أيضاً لا تتغيـر، لذلك نُسمِّي سفر الرؤيا “سفر الخروج إلى الأبدية”؛ لأننا نقرأه في ليلة مرة واحدة، وندخل الكنيسة في الظلام ونخرج منها في الصباح، إشارة رمزية إلى الحياة على الأرض والتي تؤدي إلى الحياة السماوية. بينما نجد أن أصحاحاً واحداً وهو (لوقا 1) نقرأه على مدار شهر كامل هو شهر (كيهك) الذي نـقـرأه على مـدار أربعـة آحـاد.
في السنة القبطية نأخـذ مقاطع من الكتاب تتناسب مع السنة الزراعية التي نعيشها وبالأخصّ في مصـر، فعلى سبيل المثال في شهر هاتور وفيه صوم الميلاد ويُقَال عنه: “هاتور أبو الذهب المنثور”. حيث تبدأ فيه زراعة القمـح ويكون لونه في الشمس كأنه قطرات من الذهب، وفي نفس الشهر تنزل المياه، فرتَّبت الكنيسة القراءات في الأحد الأول والثاني من شهر هاتور لتتكلَّم عن مَثَلِ الزارع، ولا تتكرر عبر السنة كلها.
أمَّا شهر كيهك يكون فيه اليوم قصيراً، فيُقال: “كيهك صباحك مساك”. حيث يكون فيه النهار 10 ساعات، والليل يطول، فتُحَوّله الكنيسة إلى ليالي صلاة وتسبيح وإبداعات أخرى كثيرة.
لذلك نرى أن الكتاب المقدَّس بالنسبة للكنيسة هو خبزة من الخبزات التي تُعرِّفنا على شخص السيد المسيح، الذي هو مصدر لكل شيء.
العشية كلها آيات مأخوذة من الكتاب المقدَّس، كذلك القداسات وصلوات المناسبات، وغيرها …
مثل “الهوس الأول” الذي هو من سفر الخروج (15) وهو تسبحة مريم أخت موسى وهارون. أيضاً “الهوس الثاني” عبارة عن (مز 135 أو 136) وهو مزمور الشكر، وهكذا الثيؤطوكيات، والذكصولوجيات والمدائح التي تُقدَّم لنا، مصدرها هو الكتاب المقدَّس.
المهم أن تعيش وتفهم، ولا تُؤدي فقط، بل تُؤدي وأنت تعيش وتفهم ما تؤديه، مثلما نقول في تسبحة كيهك: “قلبي ولِساني يُسبِّحان…“ أي داخلي وخارجي، وأحياناً في التسبحة تشعر أنك شبعان، فعندما تعيش التسبحة، تعيش الكتاب المقدَّس.
الأجبية ـ كتاب السَّبع صلوات ـ يُنَظّمها الكتاب المقدّس، لذا لا بد أن
نُصلِّي بها كل يوم؛ لأنها عبارة عن الكتاب المقدّس الذي يَخُصّ كل يوم، وكأن في كل مرة تقف تُصلّي أو تُسبِّح لا بد أن تزداد عُمقاً في معرفة السيد المسيح، وبصفة شخصية، لأن هذه المعرفة ليست معرفة بالأُذن، ولكنها معرفة بعين القلب، كما يقول أيوب الصديق: “بــِسَمَع الأُذُن سَمِعْتُ عنك” (أي 42 : 5). ولكن هذا لا يبني العلاقة الروحية، فلا بد أن تعرف اللَّـه شخصياً وليس بالسمع فقط، مثلما يقول مُعلّمنا بولس الرسول: “لأعـرِفَـهُ، وقوَّة قيامَـتِـهِ” (في 3 : 10). وهذا هو التأكيد على المعرفة. فهل بينك وبين الكتاب المقدَّس حياة العِشـرة والأُلفة والصداقة الروحية؟
يقول القديس يوحنا ذهَبي الفم: “إن عدم معرفتنا بالكتب المقدَّسة هو عِلَّة جميع الشـرور (الخطايا)”. أي أن أية خطية تُتعبك تجد أن في يدك الحل وهو كتابك المُقدّس (الخبزة الأولى).
يُعتَبر القديس يوحنا ذهَبي الفم من القديسين الذين أحبوا الكتاب المقدَّس جداً، وكان لا يبرح من أمامه أبداً.
يبقى سؤال: ماذا تفعل لكي تعيش وتتمتَّع بهذه الخبزة؟
الكتاب المقدّس يحتاج مـنـك ثلاثـة أمور رئيسية، هيَ:
أي أن أقرأ وأعيش وأتأمل في كتابي المقدَّس كل يوم بنظام، وهذا النظام يبدأ بأسفار مُعَيَّنة وأُتابع فيها بنظام حسب إرشاد أب الاعتراف. وهذا النظام يحتاج بجانب القراءة في الكتاب المقدَّس إلى قراءة بعض الكتب، وسماع بعض العظات التي تَشـرَحه. فأهم شـيء هو النظام، فلا بد من وجود النظام في الدراسة؛ لأن كلمة اللَّـه لا تحب العشوائية، فاللَّـه إله نظام وليس إله تشويش، فيُمكن أن تقرأ الإنجيل في فترة المساء أو الصباح الـمُبكِّر، ولكن بنظام. وهذا هو النظام اليومي الذي يحتاج لتخصيص الوقت.
وهو أن يكون دون انقطاع، والالتزام فيه شكل من أشكال التغصُّب والاجتهاد.
عندما تدرس شيئاً حاول أن تحفظه، وإن كانت الذاكرة ضعيفة فيمكن أن تستخدم الورقة والقلم، واجعل لك كتاباً مقدَّساً خاصاً بك أنت، ويقول أحد الآباء: “كتابك الذي يشـرب عرقك ودموعك”. فعندما تجد آية لا تعرف معناها تُصلِّي وتَبكي أمام اللَّـه لكي يُنيـر بصيـرتـك وتفهمها، وعلى قدر أمانتك يُعطيك اللَّـه رؤية أن تفهم ما تقرأه.
هذا الالتزام لا بد أن يكون يومياً بلا انقطاع، حتى تتكون بينك وبين كتابك المقدَّس عِشـرَة، وتعتاد عيناك على حروفه، وأماكن الآيات فيه، ومع الوقت سوف تزداد بصيرتك الروحية، ويَنفَتح قلبك أكثـر وأكثـر، وسوف ترى مسيحك من خلال ما تقرأه.
هو الأمر الأكثـر أهمية، فنحن لدينا وقت لكل شيء إلاَّ الكتاب المقدَّس! وأتحدَّث هنا عن الكتاب المقدس الورقي، كما يُعلِّمنا الكتاب المقدس في سفر الرؤيا “طوبى للذي يَقرَأُ” (رؤ 1 : 3) فإنجيلك يصنع معك نوع من التفاعل، فالكلمة التي تقرأها بعينَـيْك تصنع معك شيئاً من الرابطة، وهذا الوقت المُخصَّص للكتاب المقدَّس يمكن أن تزيده في أيام العطلات أو الأجازات.
قال أحد الأُدباء: “ما أمتع السفر على صفحات كتاب”. فإن كان هذا الكتاب هو الكتاب المقدَّس فما أمتع هذه الرحلة!
أظن أن الجميع يحفظ الآية: “ليس بالخُبز وحْدَهُ يَحْيا الإنسان، بل
بكُـلِّ كلمَــةٍ تخــرُج من فَــم اللَّــه” (مت 4 : 4)، فحياتك الأرضية والسماوية وأبديتك ومعرفتك لشخصه، وارتباطك القوي بمسيحك القدوس، وأنت على هذه الأرض، تبدأ بالخبزة الأولى، وهيَ: “الكتاب المقدَّس” الذي هو “رسالة حب”.
عزيزي …
لا تجعل يوماً يمر دون أن تأكل مِنْ هذه الخبزة … تفتح إنجيلك، فتشعر بقرب اللَّـه منك من خلال كلمته المُقدَّسة التي يتحدَّث بها لك شخصياً، وتنصت إليه بأذنَيك وقلبك، فتتعرّف على مسيحك ومقاصده في حياتك.
كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلى جَدَاوِلِ الـمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسـِي إِلَيْكَ يا اللَّـه. عَطِشَتْ نَفْسـِي إِلى اللَّـه، إِلى الإِلهِ الحَيِّ. مَتَى أجِيءُ وأتَرَاءَى قُدَّامَ اللَّـه؟ صَارَتْ لي دُمُوعي خُبْزًا نهارًا وليْلاً إِذْ قِيلَ لي كُلَّ يَوْمٍ: «أينَ إِلهُكَ؟». هذه أذْكُرُهَا فأسْكُبُ نَفْسِي علَيَّ: لأنـِّي كُنْتُ أمُرُّ مَعَ الـجُمَّاعِ، أتَدَرَّجُ معهُم إِلى بَيْتِ اللَّـه بِصَوْتِ تَرَنُّمٍ وحَمْدٍ، جُمْهُورٌ مُعَيِّدٌ. لماذا أنتِ مُنْحَنِيَةٌ يا نَفْسِي؟ ولمَاذَا تَئِنِّينَ فـيَّ؟ ارتَجِي اللَّـه، لأنـِّي بَعْدُ أحْمَدُهُ، لأجْلِ خَلاَصِ وجهِهِ.
يا إِلهي، نَفْسِي مُنْحَنِيَةٌ فـيَّ، لذلكَ أذْكُرُك من أرضِ الأُرْدُن وجِبَالِ حَرْمُونَ، مِنْ جَبَلِ مِصْعَرَ. غَمْرٌ يُنَادي غَمْرًا عند صَوْتِ مَيَازِيبِكَ. كُلُّ تَيَّارَاتِكَ ولُجَجِكَ طَمَتْ عليَّ. بِالنَّهَارِ يُوصي الرَّبُّ رحْمَتَهُ، وبِاللَّيْلِ تَسْبِيحُهُ عنْدِي صَلاَةٌ لإِله حَيَاتِي. أقُولُ ِللَّـهِ صَخْرَتِي: «لِمَاذَا نَسِيتَنِي؟ لِمَاذَا أذْهَبُ حَزِينًا من مُضَايَقَةِ العَدُوِّ؟». بِسَحْقٍ في عِظَامِي عَيَّرَنِي مُضَايِقيَّ، بِقَوْلِهِمْ لي كُلَّ يَوْمٍ: «أيْنَ إِلهُكَ؟». لِمَاذَا أنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِـي؟ وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ ترجّي اللَّـه، لأنــــِّي بَعْدُ أحْمَدُهُ، خَلاَصَ وجْهِي وإِلهي. هلِّلويا
الصلاة هيَ لقاء حب، أو لقاء محبة، والمزمور يتكلَّم عن النفس المشتاقة للوجود مع اللَّـه، والقصيدة الموجودة في هذا المزمور هيَ من أشهر القصائد الروحية الموجودة في سفر المزامير، وتكشف عن النفس التي تعيش شكل من أشكال المرارة لأي سبب، ولكنها تترجَّى وجه اللَّـه، وهذا المزمور مليء بروح الرجاء، وهيَ الروح الرئيسية في حياة الصلاة.
الصلاة في مفهومها الروحي مثلما علّمنا الآباء أنها في الأساس لقاء حب بين اللَّـه والإنسان، وهذا اللقاء هو لقاء طوعي واختياري، ليس فرضاً، وليس واجباً، وليس من المُحتم أن تَصنَعه، ولكنه لقاء حب.
عندما تدخل إلى الحضـرة الإلهية ينبغي أن تنفصل عن أي شـيء، وهذا التحرُّر ليس بالبسيط، فهو عملية بها جَهد. ويوصـي الآباء قبل الدخول إلى الصلاة بالاستعداد سواء بترنيمة أو لحن، لأن ذلك يساعد على الانسحاب بمشاعرنا من الخارج إلى جو الصلاة، وهذه هيَ الحرية أو التحرُّر.
وهذه المواجهة الصغيرة في الصلاة يستعد بها الإنسان لكي يقف بها في المواجهة الكبيرة يوم الدينونة.
وكأننا في كل مرة نقف نتحرَّر من كل انشغال ونقف نتواجه أمام اللَّـه، وبالتدريج نستعد بهذه المواجهة للوقوف أمام اللَّـه في يوم الدينونة، لذلك يُسَمّون الصلاة بأنها “المقابلة الحية”؛ فمهما كان تعبير أو شكل الصلاة، فاللَّـه يَسمَع. يقول مار إسحق: “جاهِد أن تَدخُل حُجرتَك الداخلية، وسوف تَرى حُجرَة السَّماء”.
الحب: في الصلاة أُعبـِّر عن مقدار محبتي للَّـه الذي سبق وأحبني، فالقلب الذي يتجدَّد بنعمة الصلاة على الدوام، يمتلئ بالمحبة تجاه اللَّـه، ويصل الإنسان إلى العِشق الروحي. والحب الذي نُمارِسه في الصلاة أو نُعَبِّر عنه، أحياناً يأخذ صورة الحوار، أو نُعبِّر عنه بالكلام أو المناجاة أو التسبيح أو صورة الصمت، لكن المهم أنك في الصلاة تُقدِّم عنوان حُبّك لشخص المسيح، ولعمله وفدائه.
قصة …
يُحكى عن فلاح كان في قرية بجوارها دير، وكان هذا الفلاح يذهب إلى الدير صباح كل يوم، يَدخُل ويَجلِس في أول مكان ـ وكنيسة الدير فارغة ـ ثم يذهب، مما أدهش الرهبان ورئيس الدير، فراقبه رئيس الدير فَوجَد أن هذا الشخص عندما يَجلِس في الكنيسة أن أيقونة السيد المسيح في حامل الأيقونات تبتَسِم، فَعرف أن هناك سـراً، وسأل هذا الفلاح لكي يَعلَم السـر، فأجابه الفلاح وقال: “أنا أدخل إلى الكنيسة وأجلس أتطلّع إليه وهو يتطلّع إليَّ، وكِلانا سعداء معاً”، حقاً أن مجرّد الوجود في الحضـرة الإلهية يجعلنا سُعداء.
إن الصلاة تذكار دائم: فلا يَغيب عن الإنسان وعن قلبه ذِكْر اسم اللَّـه. وجوده في الحضـرة الإلهية يجعله مُنشغِلاً باللَّـه، وهذه حالة من حالات الدَّهَش، فيها يصير الإنسان وكأنه مَسبيٌّ …
تَطابُق المشيئة: هيَ أن كل ما أشتهيه وما أُفكِّر فيه وما أنشغل به، بل ك إرادتي ورغبتي أضعها في يد اللَّـه، وأقول له: “من فضلك افرز كل ما فيَّ، واِنزَع مني ما لا يتطابق مع مشيئتك”؛ لذا يُقال أن الحياة والصلاة مُتداخلتان.
اطلُب دائماً من اللَّـه أن تَسمَع صوتهُ وتَعرِف مشيئتهُ، كما نُصلّي جميعاً في الصلاة الربانية ونقول: “لتكُن مشيئتك”. قد تكون كلمة عابرة، لكننا نقولها بمشاعرنا، فهذا بُعْد من أبعاد الصلاة.
يُقال عن الإنسان الروحي أنه “إنسان الصلاة”، فلا يمكن أن تعرف مسيحك إلاّ من خلال صلواتك، وأحياناً الشبع من الصلاة يأخذ مَلمَحاً جَسَدياً، أي أن الإنسان من فرحه الروحي يشعر بالشبع الجسدي، فيُقال: “دوام النعمة من دوام الصلاة”.
أهم شيء هو حالة الصَّمت التي يعيشها الإنسان، مثل الصَّمت للصوت المحيط، أو الصَّمت للكلام مع الناس، أو الصَّمت بعدم الاستعجال. لذلك لا بد أن تُفرِّغ عقلك قبل أن تبدأ صلاتك.
الصلاة تستدعي الخشوع والورع، فأنت في الصلاة موجود في الحضـرة الإلهية، وفي نفس الوقت تحتاج إلى الثقة والإيمان بأن مسيحك القدوس يسمعك، وأنه لا يسمع صوتك فقط بل يسمع مشاعرك ويراها، حتى نبضات قلبك، مثلما نقول: “تَلذَّذ بالرب فيُعطيك سؤل قلبك”. فاللَّـه يَسمَع ويَستجيب
ولا تضيع صـلاة أبـداً. الصلاة مهما كانت قصيرة، ومهما كانت صامتة، ومهما كان شكلها، فهيَ لا تَضْيع أبداً.
كل هذا يحتاج في الأصل إلى حياة التوبة؛ لأن الإنسان لا بد أن يُنقّي قلبه قبل الوقوف أمام اللَّـه، فربما دقائق قليلة بحرارة روحية أمام اللَّـه أثمن بكثير من وقفات طويلة جداً بدون حرارة. قال القديس غريغوريوس: “اللَّـه لا ينظر إلى القليل الذي نقدّمه، بل ينظر إلى المشاعر التي تُحرِّكنا”.
اللَّـه يُظهِر للإنسان ضعفاته بدوام الوجود حضـرته، وهذه العيوب نراها بروح الرجاء، مثلما يقول المزمور: “ترجّي اللَّـه” (مز 43 : 5)، وعلى الإنسان عندما يكتشف هذه العيوب أن يتَّجه إلى التوبة، ليُحَنِّن قلب اللَّـه، ويردد الصلاة القصيـرة: “يا ربـي يسوع المسيح اِرحمني أنا الخاطئ”.
أحياناً تمرّ علينا خطايا دون أن نَشعُر بها مِثل: قِلّة المحبة. قال الرب
لملاك كنيسة أفسس: “عِندي عليكَ: أنـَّك تركْتَ محبَّتَكَ الأولى” (رؤ 2: 4).
ففي الصلاة يرى الإنسان ضعفاته. وكلما شعر الإنسان بهذا الضعف في داخله، كلما اتضع، فلا يتكبّر بأية صورة من الصور على إنسان آخَر. لذا يقول
مار إسحق: “أعطِ نفسك للصلاة، انسكب بكُليَّتك في الصلاة، وأنت تحصل على لذّة الصلاة، فإنْ عِشت الصلاة الحقيقية حتماً سوف تشعر بالشبع”.
يحدث عند الإنسان في وقفته أمام اللَّـه نوع من الاستبدال، فيطرح الإنسانُ حزنه أمام اللَّـه ويأخذ منه الفرح، أو يطرح الضعف ويأخذ القوة،
أو يترك الكبرياء ويأخذ الاتِّضاع. وتحدث هذه العملية التبادلية الجميلة فيخرج الإنسان بلا حزن أو يأس أو ضعف بعد الصلاة، ويمتلئ فرحـاً وشكـراً.
عملية الاستبدال التي نتكلَّم عنها هيَ بمثابة عمليات تغيير العُملة،
كقول المزمور: إني أجئ إليك يارب وأطرح نفسـي المنحنية، فيقول: “بالنـّهار
يُوصي الربُّ رحمَـتَـهُ، وبالليل تسبيحُهُ عِندي صـلاةٌ لإلهِ حياتي” (مز 42 : 8)، فَلَك أن تتصور نهار الإنسان المُصَلّي وليله، فالنهار مُمتلئ من رحمة اللَّـه،
وليله مُمتلئ من الصلاة والتسبيح. فما أجمل هذا الارتباط الذي يجعل
النفس شبعانة على الدوام.
في كل مرة في الصلاة استعد لمجيء ربنا يسوع المسيح، وكأنه تدريب على يوم الدينونة.
في مَثَل العذارى الحكيمات والجاهلات ـ في صلاة نصف الليل ـ نتذكّر دائماً أن الخمس الحكيمات كُنَّ في حالة استعداد، أمَّا الجاهلات فقد أضعنَ أعمارهن وأزمانهنَّ وفقدنَ روح الاستعداد. ويقول عنهُنَّ الكتاب أنَّهُنَّ “جاهلات”. وكأن الإنسان المصلِّي بصلاته يصير مثل “الحكيمات”، والذي يهمل الصلاة يصير في صفوف الجاهلات.
لذا، لا بد أن يقف الإنسان أمام اللَّـه ويقول له: “يارب أُريد أن أكون من الحكيمات”. ويستمر في الصلوات التي يقدِّمها للَّـه، حتى وإن كانت في القلب ولم تخرج بعد على فمه.
من المهم أن تجعل هذه الخبزة الثانية (الصلاة) مثل لقاء حُبّ تُقدِّمه للرب يسوع، لكي يقودك في حياتك، ويدبِّر كل حياتك: صغيرها وكبيرها، وتحسّ إحساس الطفل الصغير الذي يلهو وهو في يد أبيه، ويشعر الإنسان أن اللَّـه يبادله هذه المشاعر.
ربما تتذكّر وأنت تصلّي في يوم من الأيام ما قاله أيوب الصدّيق في نهاية اختباره: “بــِسَمْع الأُذُن قد سَمعْتُ عنكَ، والآن رأتْكَ عيناي” (أي 42 : 5)،
فلا بد أنك بعيني قلبك ترى وجه مسيحك وتشبع بالحقيقة، لذلك عندما تقرأ في سِيـَر القديسين أنهم كانوا يصومون أياماً كثيرة، تعرف أن هذا بسبب الصلاة في حياتهم، التي لها فعل الشَّبَع.
اجتهد أن تتناول هذه الخبزة باستمرار وأن تعيشها، يقول المزمور: “عَطِشَتْ نفْسِي إِلى اللَّـه، إِلى الإِلهِ الحَيِّ. مَتَى أجِيءُ وأتَرَاءَى قُدَّامَ اللَّـه؟” (مز 42 : 2)، فالإنسان طوال اليوم في ممارسات حياته، ينتظر بفارغ الصبر وقوفه أمام اللَّـه للصلاة.
إن كنت قد أهملت في صلاتك أو جزء من صلواتك، أو ليس لك تدبير في حياتك الروحية، فلا بد أن تبدأ بداية جديدة، وحاول أن تتقدَّم فيها.
السَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللَّـه،والْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. يَوْمٌ إِلى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَمًا،وَلَيْلٌ إِلى لَيْل يُبْدِي عِلْمًا. لا قَوْلَ ولا كلام.
لا يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ. في كُلِّ الأرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وإِلى أقْصى الـمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ. جعلَ للشَّمْسِ مَسْكنًا فيها، وهيَ مِثْلُ العَرُوسِ الْخَارِجِ مِنْ حَجَلَتِهِ. يَبْتَهِجُ مِثْلَ الجَبَّارِ للسِّبَاقِ في الطَّرِيقِ. منْ أقصى السَّمَاوَاتِ خُرُوجُهَا، ومَدَارُهَا إِلى أقَاصِيهَا، ولا شيْءَ يَخْتَفِي من حَرِّها. نامُوسُ الرَّبِّ كامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ. شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الجَاهِلَ حَكِيمًا. وصَايَا الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ تُفرِّحُ الْقَلْبَ. أمْـرُ الرَّبِّ طَاهِـرٌ يُنِيرُ الْعَيْنَيْنِ. خَوْفُ الرَّبِّ نَـقيٌّ ثَابـِتٌ إِلى الأبد. أحْكَامُ الرَّبِّ حَقٌّ عَادلَةٌ كُلُّهَا. أشْهَى من الذَّهبِ والإِبْرِيزِ الْكَثِيرِ، وأحلَى من العَسَلِ وقَطْرِ الشِّهاد. أيضًا عَبْدُكَ يُحَذَّرُ بِها، وفي حِفْظِهَا ثَوَابٌ عَظِيمٌ. السَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا؟ مِنَ الْخَطَايَا الْمُسْتَتِرَةِ أبْرِئْنِي. أيضًا منَ الْمُتَكَبِّرِينَ احفَظ عَبْدَكَ فَـلاَ يَتَسَلَّطُوا عليَّ. حِينَئِذٍ أكُونُ كامـلاً وأتَـبَـرَّأ منْ ذَنبٍ عَظِيمٍ. لتَكُن أقوَال فَمي وفِكْرُ قَلْبي مَـرْضِيـَّةً أمَـامَـكَ ياربُّ،
خطية الإنسان أقامت جداراً فاصلاً بينه وبين اللَّـه. خطية الإنسان هيَ الكارثة الكبرى في حياة البشـرية، فمهما تعدّدت الكوارث في حياة الإنسان إلاَّ أن الخطية هيَ الكارثة الأولى في حياة الإنسان؛ لأنها تحرمه من النصيب السماوي. ولذا صارت الخطية هيَ سبب سقوط الإنسان، وبالتالي
لا يقف أمامها إلاَّ بالتوبة الصادقة، كل يوم وفي كل ساعة، أي هيَ عمل الإنسان في كل حياته.
نلاحظ أن الخطية جَعلَت الإنسان يفقد صورته الإلهية بعد أن كان يتمتّع بهذه الصورة التي خلقه اللَّـه عليها، وكَرَّمه وجَعله تاج الخليقة. فبعدما أَوجَد “المملكة” أي “الخليقة” خَلَق اللَّـه “الملك” الذي هو الإنسان، ولكن هذا الإنسان سقط من رتبته بالخطية وفَقَد صورته الإلهية، فلم تعُد له صورة البهاء وصورة البراءة.
أيضاً الخطيةُ جَعلَت الإنسان يموت موتاً روحياً، فهو يعيش الحياة
ولكنه ميت روحياً، مثل إنسان لديه شَلَل في ذراعه، فهذا الذراع لا يعمل،
رغم أنه موجود بحجمه وشكله، لكنه فاقد الحركة والحيوية. هكذا الموت الروحي للإنسان، فهو حي من الناحية البيولوچية، لكنه ميت من الناحية الروحية.
الخطيةُ تَجعَل الإنسان في مواجهة مع اللَّـه، وتجعل الإنسان يقف في
يوم الدينونة، ويقول للجبال: “اسقُطي عَلينا! وللآكَام غطِّينا” (لو 23 : 30)،
فكيف يقف الإنسان ويواجه الغضب الإلهي؟ سوف يقول اللَّـه للأشـرار: “اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبديَّة المُعدَّة لإبليس وملائكته” (مت 25 : 41).
إذاً الخطية هيَ التي تحرمك من مسيحك ومن الشبع به، فتظل في حالة من القلق والجوع، فجميعنا جرَّب إحساس الجوع في الجسد، والإنسان الذي يعيش في الخطية يصير من جوع إلى جوع، ومن تعب إلى تعب.
إحساس الجوع الجسدي هو أقرب تشبيه لإحساس الجوع الروحي الذي يعيشه الإنسان الخاطئ، وكأن الإنسان صار يَسبَح في بحر من الخطايا، وصار الألم يلازمه ليلاً ونهاراً، فهل في الجنة كان يوجد قلق؟ بالطبع لا، فعندما وُجِدَت الخطية وُجِدَ القلق.
هناك تساؤل هام وضـروري، وهو: ما رأيك في رسم دائرة بدون مركز؟
بالطبع لن تكون هناك دائرة، وبالمِثْل لن تكون هناك حياة مركزية للإنسان لو لم يكن مركزها المسيح، وهذا ما نُسمِّيه “مركزية التوبة”.
عندما يستبدل الإنسان مركزية المسيح بمركز آخَر وهو ذات الإنسان أي شخصه ونفسه، سيعيش في خطايا كثيرة من الشهوة والسُّلطة والمال ومطالب الأرض ومُغريات الحياة، حتى أن ذات الإنسان تصير له هيَ كل شيء، فيرى الوجود من خلاله هو ومن خلال نفسه، فتكون النتيجة أن الذات تجعل الإنسان يغرق، ثم يبعد ويعيش في دوامة لا يعرف أن يخرج منها إلاّ إذا جاء المسيح واحتل هذا المركز، فيجعل حياته منتظمة، فوجود المركز يجعل الدائرة سليمة، ولكن غياب المركز يجعل حياة الإنسان غير سليمة.
إن “الذات” يمكن أن تحارب أيضاً الذين تركوا كل شـيء، مثل الآباء الرهبان الذين تركوا العالم بمحض اختيارهم وذهبوا إلى البرية، لكي
يعيشوا في فقر اختياري وفي حياة الطاعة والبتولية المقدَّسة، فأحياناً تُسقِطهم ذواتهم.
من المستحيل للإنسان أن يرى خطاياه إلاّ إذا جاء في نور المسيح … طالما الإنسان بعيد في حياته عن مركزية المسيح ونور المسيح، فلن يرى خطيته، وإن ظل بعيداً سيزداد مرضه ويتَّسع.
يقول القديس أُغسطينوس في كتاب الاعترافات: “آه ما أحسن الاعتراف بين يدَيْك، لأني عندما أُقرُّ لك بخطاياي، تُرسِل إليَّ رأفتك شعاعَ نورٍ، فأرتدُّ خجلاً من نفسـي، وأراني مذنباً، وأراك كل الحب، وفيك يجب أن أضع أفكاري وعواطفي وملذّاتي”. وفي موضع آخَر يقول: “فتّشتُ عنك كثيراً أيُّها الجَمال غير المُدرَك، وأخيراً وجدتك في قلبي”.
هذه هيَ التوبة: أن يأتي الإنسان بإرادته إلى شخص ربنا يسوع المسيح راكعاً، باكياً، ومُقِرّاً بخطاياه. كما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: “أن تُخطئ فهذا ضعف بشـري، أمّا أن تستمر في الخطية فلا يكون الأمر بشـرياً بل شيطانياً”. فأنت بهذا تكون قد سلّمت ذاتك للشيطان. وحروب الشيطان ليست قليلة وهيَ تصيب الإنسان: كبيراً كان أو صغيراً، وتُسقِطه عندما يُسلِّم ذاته في يد عدو الخير.
اسمع صـرخة التوبة الجميلة التي قالها داود النبي: “أُحِبُّكَ ياربُّ،
يا قُوَّتي” (مز 18 : 1)، فليس في ذاتي قوة بل ضعف، وأنت الوحيد ومن خلال حبك وليس من خلال استحقاقي، سأقوم وآتي إليك وأترك خطيتي.
ربما طول زمن الخطية يُتعِب الإنسان، ويبدأ يدخل من القلق إلى حالة الشَّك في محبة اللَّـه. فالخاطئ لا يعرف أن ينام في راحة؛ لأن الخطية تخطف النوم من عينيه وتخطف راحته، أمّا الإنسان التائب حتى وإن نام ساعات قليلة فهذه الساعات تكون راحة له.
هناك ثلاث صلوات يسمُّونها ملابسَ الصلاة، اللازمة للدخول لجو الصلاة وهيَ:
1ـ ثوب الصلاة: وهيَ الصلاة الربانية التي تشمل حياة الإنسان.
2ـ مِنْطَقة الصــلاة: وهى صلاة الشكر التي تحيط بالإنسان حتى يتشدَّد.
3ـ حذاء الصلاة: وهو مزمور التوبة الذي يرتديه الإنسان في قدمَيْه المُجرَّحة بأشواك الخطية.
كأن الإنسان بهذه الأجزاء يقف يُصلِّي، ويقدّم مشاعر توبة صافية حقيقية من خلال مزمور التوبة.
بالطبع لا أظن أن داود النبي بعد أن أخطأ وقف وقال المزمور الخمسين، مثلما نقرأه اليوم … أتخيل أن هذا المزمور قاله بدموع، واستغرق وقتاً طويلاً، وفي ظني كان يقول كلمة “ارحمني” ويصمت وتتساقط دموعه، ثم يبكي ثانية وثالثة … وصار المزمور وكأنه ممزوج بدموع التوبة، وصار المزمور عنواناً للتوبة مع مزامير أخرى.
والكتاب المقدّس كله يتكلَّم عن التوبة كموضوع حياة الإنسان.
+ مثال للتوبة من العهد الجديد:
في العهد الجديد يوجد (لوقا 15) نسمّيه “أصحاح التوبة”، ويتكلّم عن الدرهم المفقود، الخروف الضال، ثم الابن الضال. ويتحدّث عن الابن الضال بإسهابٍ، كما نصلّي بمثل الابن الضال في الأحد الثالث من الصوم الكبير.
أهم ما في هذا الموضوع أن الابن الضال الذي لا نعرف اسمه ـ لأنه ينطبق على أي واحد فينا ـ هذا الابن الضّال فقد كل شيء في حياته (بيته، صحته، أسرته، أمانه، ماله، شعبه)، إلاَّ شيئاً واحداً وهو الرجاء. وهو يمثل الإنسان الخاطئ الذي فقد بالخطية كل شيء، ولكنه لم يفقد شيئاً واحداً وهو الرجاء.
عندما أحسّ الابن الضّال بالجوع الجسدي، وكان يشتهي طعام الخنازير بدأ يقلق ويعقِد مقارنة بين معيشته الحالية ومعيشته في بيت أبيه، لذا نراه يقف ويُكلِّم نفسه، ويرفع صلاته وينفِّذ الأمر ويقول: “كَم من أجِير لأبي
يَفـضُـلُ عنـه الخُبـْزُ وأنـا أهْـلِـكَ جوعـاً” (لو 15 : 17)، واكتشف أن حاله بَشِع، فأخذ قراره: “أقومُ وأذهَـبُ إلى أبي” (لو 15 : 18)، وهذه عبارة صلاة وعهد أمام اللَّـه.
التوبة هيَ أن يرجع الإنسان إلى نفسه، يُقِرُّ بأتعابه وخطاياه، أمَّا إنْ
أحسّ الإنسان أن حاله سليم، وأنه أفضل من آخَرين، فسيظل في خطيته.
مراحل التوبة:
يمر الإنسان التائب بثلاث مراحل، مثلما مرَّ بها الابن الضال:
الأولى: رجع إلى نفسه وشعر بالخطية وأحسّ بالندم.
الثانية: أنه رفع صلاة من أعماقه، فيها مشاعر الانسحاق الصادقة.
الثالثة: وقفة مع النفس، ووقفة أمام اللَّـه، ووقفة مع أب الاعتراف.
الوقفة مع النفس هيَ الشعور بالخطيئة والشعور بمرارتها.
أمّا الوقفة أمام اللَّـه فيها يتعهّد بعدم الرجوع.
ثم الوقفة أمام أب الاعتراف وفي بيت أبيه السماوي أي الكنيسة،
ويُقرُّ فيها بخطيته بمشاعر التوبة، وحالة التوبة التي يطلبها ويريد
أن يعيشها، ثم ينال بركات التوبة.
مسمِّيات التوبة:
1ـ بعض القديسين يُسمُّون التوبة أنها الميناء الثاني بعد الغرق.
2- بعضهم يقول التوبة هيَ الاعتراف، ويسميها القديس أُغسطينوس “المصالحة”، لكن المهم أن ينسحق قلب الإنسان بالحقيقة. التوبة ليست بالكلام إنما هيَ مشاعر وانسحاق القلب حسب مزمور التوبة، والإيمان القوي بشخص المسيح، والتعهُّد أمام اللَّـه بعدم العودة.
لذلك إذا أردت التوبة، اعرف أن نفسك غالية جداً أمام اللَّـه، واللَّـه يمنحك عمرك لكي تقتني التوبة، واعلم أن مسيحك يمد يده على عود الصليب، وينتظر أن يُقيمَك، فهو “المُسكِن العَاقِـر في بيت، أُمَّ أولادٍ فرْحَانَةً”
(مز 113 : 9)، أي تصير ثمار للإنسان التائب، فالذي يأتي إلى المسيح لكي ما يشبع بتوبته، لا ييأس أبداً، فهو عنده رجاء.
لذلك يا إخوتي نجد أن المسيح عندما مات على الصليب مات وذراعاه مفتوحتان، كأنه يدعو كل إنسان وما زال يدعو إلى التوبة.
باب التوبة دائماً مفتوح لا يُغلِقه إلاّ موت الإنسان … باب التوبة مفتوح، واللَّـه ينتظر توبتك: “اليوم، إنْ سَمِعْـتُـم صَوتَه فلا تُقَسُّوا قلوبَكُم” (عب 3 : 15).
محبة اللَّـه المتدفقة:
من أوائل الكلمات التي كَرَز بها السيد المسيح “قد كَمَلَ الـزَّمـان واقتَرَب ملكُوت اللَّـه، فَتُوبُوا وآمِنـُوا بالإنجيل” (مر 1 : 15)، ولاحظ أنها صيغة جماعية
أي أنها لنا جميعاً، فالبيت الواحد كل أفراده يساعدون بعضهم البعض على هذه التوبة وهكذا الأصدقاء، وفي الخدمة.
يا من تريد أن تتوب: اعرف أن قلب اللَّـه مُتَّسِع جداً، هو ينتظر توبتك، فاللَّـه أُبوّته مُتدفِّقة نحو الإنسان. وهذا التدفُّق للمحبة نراه في صورة جميلة في مَثَل “الابن الضال”، وما زالت محبته مُتدفِّقة …
أنت يا مَن تريد أن تتوب، اعلم أن اللَّـه يستطيع أن يمحو خطاياك السابقة كلهـا.
عندما كان مُعلّمنا بولس الرسول “شاول الطرسوسي” إنساناً يضطهد
كنيسة اللَّـه بإفراطٍ، وكان قاسي القلب، وانتظر اللَّـه عليه طويلاً، نجد في الوقت المُحدَّد يظهر له في طريق دمشق، ويقف بولس الرسول على أول
طريق التوبة عندما يصـرخ إلى اللَّـه: “يـاربُّ، مـاذا تُـريد أن أفْـعَـل؟” (أع 9 : 6).
أرأيت كيف أن التوبة هيَ خطوة حب وخطوة إلى الأمام، فتقضـي حياتك في خطوات إلى أن تصل إلى الميناء بسلام، فمحبة اللَّـه وتدفُّق هذه المحبة والمغفرة الشاملة تتدفق نحو الإنسان في كل يوم، ولكن تبدأ توبته الحقيقية عندما يصـرخ أمام اللَّـه: “ياربُّ، ماذا تُـريـدُ أن أفْـعَـل؟” (أع 9 : 6) فيتخلّى
الإنسان عن ذاته وشخصه، وعن فكرهُ الذاتي، ويُسلِّم إرادته في يد المسيح.
من صـور المحبة المتدفِّقة نحو الإنسان التائب أن اللَّـه يمنح الإنسانَ
فرصـة ثانيـة.
بطرس الرسول أخطأ وأنكر وكان تلميذاً، أمَّا مسيح الحب في حياتنا يظهر في معجزة صيد 153 سمكة (يو 21)، ويظهر لبطرس مع التلاميذ ثم يدعوه “أتحبُّني” ويكررها ثلاث مرات، ويطلب منه أن يرعى خرافه، وكأن هذه المرات الثلاث كطرقات حب رقيقة. وقد نال إكليل الشهادة في نهاية حياته. فاللَّـه يعطي أكثر من فرصة للإنسان، وطوبى لمن يمسك بهذه الفُرص.
ربما على نفس المنوال المرأة التي سقطت في الخطية، فعندما أمسكوها وأوقفوها أمام المسيح، وقدّموها له لكي ما تُرجَم، انظر كيف أعطاها اللَّـه فرصة ثانية وحياة ثانية. فالتوبة هيَ فرصة إمّا أن تنالها وإمّا أن تَضيع منك، وأحياناً يعطي اللَّـه هذه الفرصة حتى في آخِر أيام حياة الإنسان، وأحياناً في الساعات الأخيـرة من حياته، مثل اللّصّ اليمين الذي قَبِله المسيحُ، ونقول عليه في التعبير الكنسـي اللطيف: “سارِق الملكوت”؛ لأنه انتهز الفُرص ولم يُضيِّعها منه.
الفُرص التي يمنحها اللَّـه للإنسان لا حصـر لها، ولكن المجتهد هو الذي يمسك هذه الفرص ويُقدِّم من خلالها التوبة.
اللَّـه دائماً يعطي الإنسان هذه النِّعم من أجل توبته، فاللَّـه يريد
“أن جميـع النـاس يَخلُصـون وإلى معرفـة الحـق يُقبـِلـون” (1تي 2 : 4)، نأخذ شخصية زكا كمثال ونتأمل كيف اصطادته محبة المسيح … كذلك الإنسان الذي كان له 38 سنة مطروحاً على البِرْكة، أتى المسيح إليه وسأله أتُريد أن تبرأ؟ … ما زال نداء المسيح لكل إنسان: “أتريد أن تبـرأ؟”.
اجتهد أن تَشبَع بهذه الخطوة إنْ كنت في فتورٍ أو بُعدٍ أو نسيان أو غفلة أو كانت الخطية تسـرقك أو تُنسيك وقتك وعمرك وحياتك.
ما رأيك أن يكون هذا اليوم هو بداية توبتك، ويكون فرصة تتعهّد فيه أمام اللَّـه لبدء حياة جديدة … إذا أردت، فاللَّـه سيزيل منك كل قلق، ويمنحك سلاماً ونِعَماً كثيرة، وتعيش حياة النُّصـرة.
ليعطِنا اللَّـه أن نفرح ونعيش بهذه التوبة في حياتنا على الدوام.
الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إلـى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُل البِرِّ مِنْ أجْل اسْمِهِ. أيْضًا إذَا سرْتُ في وادي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنـَّكَ أنتَ مَعي. عَصَاكَ وعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي. تُرَتِّبُ قُدَّامي مَائِدَةً تُجَاهَ مُضَايِقِيَّ. مَسَحْتَ بِالدُّهْنِ رَأسِي. كَأسي ريَّا. إِنَّمَا خَيْرٌ ورحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أيَّامِ حَيَاتِي، وَأسْكُنُ فـي بَيْــتِ الرَّبِّ إلـى مَــــــــــــدَى الأيــــــــَّــــــام. هلِّلويــا
في (مز 23) يتكلم عن “المراعي الخُضْـر” وهو يقصد كلمة اللَّـه، وعندما يقول “ماء الراحة” فهو يتكلّم عن نعمة المعمودية، وعندما يقول: “مسحت بالدهن رأسي” أي سـر الميرون والتثبيت، و”هيأت مائدة قدامي” فهيَ مائدة الرب إي مائدة سـر التناول أو الإفخارستيا، وعندما يقول “كأسي ريّا” فهو يقصد كأس عصير الكرمة، الذي يتحوَّل بفعل الروح القدس بصلوات الكاهن الشـرعي إلى دم ربنا يسوع المسيح … هذا المزمور يحكي حياتنا المسيحية، وينتهي بالآية التي تقول: “إِنَّمَا خَيْرٌ ورَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أيَّـامِ حيَاتي، وأسْكُنُ في بَيْتِ الرَّبِّ (الكنيسة)” (مز 23 : 6).
هو أحد أسـرار الكنيسة السبعة، فيه نتناول من جسد الرب ودمه الأقدسَيْن تحت أعراض الخبز والخمر. وأسَّسه الرب يسوع في ليلة آلامه. وبه ننال:
+ غفران الخطايا: “خذوا كُلوا. هذا هو جسدي. وأخذ الكأس وشكرَ، وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كُلُّكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفَكُ من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا” (مت 26 : 26 ــ 28).
+ الثبات في المسيح: “مَنْ يأكُل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه ” (يو 6 : 56)
+ الحياة الأبدية: “أنا هو الخُبز الحي الذي نزل من السماء. إنْ أكل أحدٌ من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أنا أُعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم” (يو 6 : 51).
الذبيحة المقدسة في سـر الإفخارستيا (التناول) ما هيَ سوى امتداد لذبيحة المسيح، لذلك لا يمكن أن نخلُص من خطايانا بدونها.
ما هيَ الإفخارستيا؟
اللَّـه أعطانا كل شـيء، ونحن لسنا أصحاب فضل في أي شـيء. فإن كنت أُريد أن أشكر اللَّـه فآخُذ مما أعطاه لي وأقدّمه له. ومن هنا كانت ذبيحة الخُبز والخمر التي تتقدّس بالصلوات هيَ تعبير عن الشكر، لذلك نجد في سـر التناول أن الذبيحة هيَ ذبيحة المسيح، وفي سـر التناول السيد المسيح هو الكاهن وهو الذبيحة في آنٍ واحد.
يقول القديس أمبروسيوس: “كما أن النور أعظم من الظل، وكما أن الحقيقة أعظم من الرمز، هكذا جسد المسيح أعظم من المَنّ النازل من السماء”.
في العهد القديم كانت تُقدَّم ذبائح دموية، ولكن أهم شيء في هذه الذبائح أنها كانت متكررة، تُقدَّم باستمرار، أي أن مفعولها قصير، ولكن عندما جاء السيد المسيح وقدَّم نفسه صارت هذه الذبيحة ممتدة في الزمن، ففي كل مرة تحضر القداس كأنك في وقت الصليب تماماً، والمسيح المصلوب حاضر.
في سـر التناول تخرج خارج الزمن، لقد قال السيد المسيح بفمه القدوس: “هذا هو جسدي”، هذه الكلمات بنفسها ونُطْقها يقولها الأب الكاهن، فهيَ
لها قوة كلمة المسيح وفِعْل الروح القدس. “خُذوا كُلوا. هذا هو جسدي … اشـرَبوا منهـا كلُّكـم، لأن هـذا هـو دمـي” (مت 26 : 26 ــ 28).
يقول بولس الرسول: “لأنني تَسلَّمتُ من الـرَّب ما سَلَّمتُكُم أيـضاً: إنَّ الربَّ يسـوع في اللّيلـة التي أُسـلِمَ فيهـا، أخـذ خبـزاً وشـكر فكـسَّـر” (1كو 11 : 23 ــ 24).
لذا نجد أن القديس بولس الرسول وهو الإناء المختار، ولكي ما تكون خدمته فيها صفة الكمال والشمول، تولّى الرب شخصياً أن يُسَلِّمه هذا السـر، وبعدها ابتدأ بولس الرسول يجول ويؤسس كنائس كثيرة، ويُسَلّمهم نفس السـر، ولهذا السبب يقول الآباء: “المسيحيون يُقيمون سـر الإفخارستيا، وسـر الإفخارستيا يُقيم المسيحيين”، فنحن نُصَلّي سـر التناول في أي مكان. قديماً في عصور الاضطهاد كانوا يُصَلُّونه في المقابر، وفي المزارع، وفي المغاير، وفي شقوق الأرض … المهم أن سـر الإفخارستيا كان يتم، فصارت حياة الإنسان المسيحي مُستَمدَّة من هذا السـر.
اللَّـه يقدِّم لنا كلمته في القداس الإلهي في صورتين: الأولى: في القراءات المكتوبة. والثانية: في التناول من جسد الرب ودمه الأقدسَيْن. ولهذا السبب يقول القديس بولس الرسول: ” فِـصحَـنـا أيضاً المسيح ذُبــِـحَ لأجلـنـا” (1كو 5 : 7).
فالمسيح هو فِصحَنا وفداؤنا وخلاصنا الذي ذُبِـحَ لأجلنا، فصار مسيحنا هو غذاؤنا وحياتنا، الذي به نجتاز هذا العالم عابرين إلى السماء.
لذلك سـر التناول المقدّس أو القداس هو رحلة من الأرض إلى السماء.
كيف أستطيع أن أعيش وأتمتع بسر التناول؟
في البداية لا بد أن ألفت نظرك أننا في سـر التناول نرتدي الثياب البيض، الأسقف و الكاهن و الشماس، حتى في الماضي كان الحضور أنفسهم يرتدون الملابس البيضاء سواء رجالاً كانوا أو نساء؛ لأن الثياب البيض تُمثِّل أدم قبل السقوط، أي في حالة البراءة، وأيضاً ظهر السيد المسيح على جبل التجلّي بثيابٍ بيضاء كالثلج، فهيَ ثياب سماوية، وإن جاز التعبير هيَ التي نرتديها عندما ننال نعمة المعمودية.
وثياب الكهنة في العهد القديم كانت من الكتان الأبيض. وعندما نقرأ عن الكائنات السماوية في سفر الرؤيا كانت بثياب بيِضٍ. والثياب البيِض تُشير
إلى النور وإلى مجد القديسين، وهيَ رمز للقيامة.
من المهم أن تضع أمامك أن شـركة سـر التناول هيَ رحلة، وأنت تريد أن تتمتع بهذه الشـركة أو الرحلة باستمرار.
أولاً: اِفهَم السـر.
لكي ما تتقدّس بسـر الإفخارستيا لا بد أن تَفهم وأن تعي جذوره، وأن تستحضـر في ذهنك ما حدث وقت الصليب، فعندما تذهب لتَحضـر القداس ضع بداخلك هذا الاستعداد والحضور: “أنا ذاهب لكي ما أقابل ملك الملوك”، وأنت ذاهب إلى الكنيسة، وفي الطريق تقول: “فرِحْتُ بالقائلين لي: إلى
بَيـت الـرَّب نذهَـب” (مز 122 : 1). وعندما تضع قدمك على أول عتبة في الكنيسة
تقول: “ما أرهَب هذا المكان! ما هذا إلاَّ بيت اللَّـه، وهذا باب السماء”
(تك 28 : 17).
ثانياً: كُن مستعداً بنفسك.
فلكي تَحضـر سـر التناول وتعيش في أعماقه، وتأخذ مفعول السـر في حياتك، لا بد أن تستعد … ففي ليلة القداس لا بد أن تَفتَح الكتاب المقدس وتقرأ القراءات الخاصة بالقداس، ويُفضَّل أنه في يوم القداس ألاّ تسهر كثيراً، وأن تأخذ كفايتك من النوم، وألا تسهر أمام شيء مُزعج …
ثالثاً: شارك جسدياً في القداس.
لا بد أن تُشارِك حواسك في القداس، سواء في المردات أو الألحان.
اجعل عينَيْك دائماً مرتبطة بأيقونات الكنيسة أو الصليب الذي فوق حامل
الأيقونات، وإن كنت من النوع الذي يتشتّت فمن الأفضل أن تمسك
“خولاجي” في يـدك.
رابعاً: عِش الصلوات.
في صلاة الصلح، يقول الشماس: “قبِّلوا بعضكم بعضاً”، فلا بد ألاّ تحمل ضغينة في قلبك لأحدٍ.
عِش موت ربنا يسوع المسيح على الصليب … عِش أيضاً قيامة ربنا يسوع القائم من بين الأموات وصعوده إلى السموات … عِش انتظار مجيء السيد المسيح في “أيها الجلوس قفوا … وإلى الشـرق انظروا” … عِش الطلبات التي نرفعها من أجل الكنيسة والأساقفة والكهنة، فلا بد أن تعيش هذه الصلوات بالحقيقة وليس بمجرّد اللسان، فنحن نُصلّي من أجل الأديرة والرهبان، ونصلّي من أجل الزرع ومياه الأنهار والينابيع، ومن أجل ثمار الأرض …
وبعدها نَذكُر المجمع وهو يشمل قائمة من القديسين الذين حاموا عن الإيمان؛ لأنه أثمن شـيء في حياتنا. ونأخذ أمنا العذراء مريم في مقدمة القديسين سواء مصـريين أو غير مصـريين، وتظل القائمة مفتوحة للقديسين الذين تَـمَّموا حياتهم في المسيح يسوع.
يَكتَمل القداس في النهاية بصلوات القسمة والاعتراف، وفي النهاية نُصَلّي المزمور “سبِّحوا اللَّـه في جميع قديسيه” (مز 150).
أُريد أن أقف معكم في شركة المسيح عند ثلاث نقاط أخيرة نقولها في نهاية الاعتراف، يقول الكاهن: “يُعطَى عنا خلاصاً وغفراناً للخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه”، وهذه هيَ خُلاصَة سـر التناول:
1ـ يُعطَى عنَّا خلاصاً:
أي أنه لا خلاص خارج الكنيسة، فلا يمكن أن ينال الإنسان الخلاص خارج الكنيسة، والخلاص في هذا السـر … فهل تأخذ نصيبك في خلاص المسيح؟ وهل تتمتع بفداء المسيح الذي منحه للعالم كله؟
2ـ يُعطَى غُفراناً للخطايا:
حياتنا لا تخلو من الخطية، وفي كل يوم نُجاهد ضد الخطية، وكل يوم نُريد أن نعيش التوبة، فلا تظن أيها الحبيب أن خطاياك أكبر من ذبيحة المسيح على الصليب، فلا تُقَيِّم نفسك وتقول: “إني لا أستحق أن أتناول”، فالتناول مثلما يقول البُسطاء: “نار ونور”، فهو نار تحرق الخطية، ونور لطريق حياتك … وهو أيضاً: “دواء وغِذاء”، وأنت تحتاج الاثنين: دواء لعلاج الخطية، وغذاء للنمو في الحياة الروحية.
3ـ حياة أبدية لمن يَتَناول منه:
فمن خلال هذا السـر وممارسته بوعي، والشـركة فيه، سواء شركة حبي للمسيح أو شركة حب المسيح لي، والاستمرار في هذه الشـركة، فيكون لي مكان في الأبدية ويجعلني مؤهلاً للحياة الأبدية.
“يُعطَى عنَّا خلاصاً، وغفراناً للخطايا، وحياة أبدية لمن يتناول منه”:
هذه نُسمِّيها “النعمة الثلاثية” التي هيَ لُبّ سِـرّ التناول.
طُوبَى لِلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْمَسْكِينِ. فِي يَوْمِ الشَّرِّ يُنَجِّيهِ الرَّبُّ. الرَّبُّ يَحْفَظُهُ وَيُحْيِيهِ. يَغْتَبِطُ فِي الأرْضِ، وَلاَ يُسَلِّمُهُ إِلَى مَرَام أعْدَائِهِ. الرَّبُّ يَعْضُدُهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الضُّعْفِ. مَهَّدْتَ مَضْجَعَهُ كُلَّهُ فـي مَرَضِهِ. أنا قُلْتُ: «يَا رَبُّ ارْحَمْنِي. اشْفِ نَفْسِي لأنـِّي قَدْ أخْطَأْتُ إِلَيْكَ». أعْدَائِي يَتَقَاوَلُونَ عَلَيَّ بِشَرّ: «مَتَى يَمُوتُ وَيَبِيدُ اسْمُهُ؟ » وَإِنْ دَخَلَ لِيَرَانِي يَتَكَلَّمُ بِالكَذِبِ. قَلْبُهُ يَجْمَعُ لِنَفْسِهِ إِثْمًا. يَخْرُجُ. فِي الْخَارِجِ يَتَكَلَّمُ. كُلُّ مُبْغِضِيَّ يَتَنَاجَوْنَ مَعًا عليَّ. عَلَيَّ تَفَكَّرُوا بِأَذِيَّتِي. يَقُولُونَ: «أمْرٌ رَدِيءٌ قَدِ انْسَكَبَ عَلَيْهِ. حَيْثُ اضْطَجَعَ لاَ يَعُودُ يَقُومُ». أيْضًا رَجُلُ سَلاَمَتـي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!
أمَّا أنتَ يَارَبُّ فَارْحَمْنِي وأقِمْنِي، فَأُجَازِيَهُمْ. بِهذَا عَلِمْتُ أنكَ سُرِرْتَ بِي، أنهُ لَمْ يَهْتِفْ عَلَيَّ عَدُوِّي. أمَّا أنا فَبِكَمَالِي دَعَمْتَنِي، وَأقَمْتَنِي قُدَّامَكَ إِلَى الأبَدِ. مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ، مِنَ الأزَلِ وَإِلَى الأبَدِ. آمِينَ فَآمِينَ. هلِّلويا
الصوم رفيق الصلاة، ونحن نعتبر الصوم فتـرة حُـب، ففتـرات الأصـوام هيَ فتـرات اختبار محبتنا للَّـه، ونحن نصوم في كنيستنا فترات كثيرة، فكنيستنا كنيسة ناسكة وزاهدة، وهكذا تُعلِّمنا المسيحية.
نصوم أربعة أصوام طويلة أي أكثر من ثلاثة أيام: صوم الميلاد (43 يوماً)، الصوم الكبير (55 يوماً)، صوم الرسل (فترة تتراوح من 15 إلى 49 يوماً، المتوسط شهر تقريباً)، وصوم السيدة العذراء (أسبوعان).
نصوم أيضاً أربعة أصوام قصيرة (أي ثلاثة أيام فأقل): صوم يونان،
يومي الأربعاء والجمعة من كل أسبوع (ما عدا فترة الخمسين المقدَّسة)،
صوم برَمون عيد الميلاد (يسبق العيد) وهو يدخل في صوم الميلاد، وصوم برَمون عيد الغطاس (يسبق العيد).
نحن نَصوم في السنة حوالي 196 يوماً، وأيام الإفطار حوالي 169 يوم تقريباً، وهذا يرينا مقدار أهمية الصوم في كنيستنا، وفي التربية، وفي البيت الذي يحافظ على هذه الخبزة.
أيضاً توجد أصوام خاصة في كنيستنا، فالكاهن عقب رسامته يصوم 40 يوماً على مثال الأربعين يوماً التي صامها موسى النبي، وصامها السيد المسيح، ويَصوم الأسقف سنة كاملة.
هناك أيضاً أصوام يَصومها البعض في أوقات الضيقات والمناسبات، قد تكون أصوام شخصية أو عامة، قد يكون هذا مثلاً في فترة اختيار البطريرك الجديد أو فترة القرعة الهيكلية، وهذا نوع من المشاركة الكبيرة جداً لكل الشعب في مناسبة اختيار بطريرك جديد للكنيسة.
الصوم وصية قديمة أم جديدة؟
الصوم وصية قديمة جداً تَعْود إلى وقت خِلْقة آدم وحواء عندما كانا في الجنة، وأعطاهما اللَّـه تدريب صوم، وكان اللَّـه يُريد أن يُعلِّم الإنسان في بداياته دروساً كثيرة، وهنا كان الإنسان أمام الامتحان الأول (الصوم، ضبط النفس، الطاعة، وإثبات محبة الإنسان للَّـه)، ولكن للأسف سَقَط الإنسان الأول في هذا الامتحان البسيط جداً، وكَسـَر الوصية وكَسـَر قلب اللَّـه.
لهذا هناك آية نقرأها مرتَـيْن في العهد القديم والعهد الجديد، وهذه الآية قالها السيد المسيح في التجربة على الجبل: “ليس بالخُبز وحْدَه يَحيا الإنسان،
بـل بكُـلّ كلِمَـة تخـرُج مـن فَــم اللَّــه” (تث 8 : 3) ، (مت 4 : 4).
وصارت هذه الوصية هيَ قاعدة الصوم، وصارت فترات الأصوام فترات يَختبِر فيها الإنسان قدرته على ضبط نفسه؛ وتزداد فيها محبته للَّـه.
الصوم ليس حرماناً أو كبْتاً للجسد، وليس رياضة بدنية، إنما هو أساساً “تعبير” حب، ولذلك يقف الإنسان المسيحي ويُعلِن أمام اللَّـه: “إني أُحبك”.
والصوم ليس تعبيراً عن القوة، فالسيد المسيح في العظة على الجبل
وفي (مت 6) تحدّث عن أركان الحياة المسيحية، وفي (مت 6) تحدّث عن أن الصوم يسبقه خطوتان:
الخطوة الأولى هيَ الصَّدقة، والثانية هيَ الصلاة، ثم الخطوة الثالثة هيَ الصوم أو اختبار الصوم. ومن العجيب أن الصوم الذي هو خبرة حب، يضعه مسيحنا في الترتيب الثالث!
الصدقة التي أخذت المرتبة الأولى هيَ تعبير عن علاقتي بالآخَر، وإحساسي ومشاعري تجاه الآخَر في أي احتياج، وهذا الإنسان الآخَر لا أنظر إليه بمفهوم ديني أو عنصـري أو عرقي، بل هو أي إنسان، لذلك نتألم لألم أي إنسان في
أي مكان بالعالم، ونُصلِّي لأجْل كل إنسان حتى لو كان بعيداً عنّا، ولا نعرف اسمه.
ثم تأتي الصلاة كتعبير عن علاقتنا باللَّـه، ثم يأتي الصوم في المرتبة الثالثة، فالصوم وسيلة قوية جداً تجعل الإنسان يدخل في هذه الخبرة: “خبرة الحب”.
والصوم المسيحي يَعتَمد أساساً على فترة انقطاع، ثم تناول طعام نباتي. فترات الانقطاع تمتد إلى ساعات طويلة قد تصل إلى الثالثة ظهراً (حسب تدبير أب الاعتراف)، وفترة الصوم النباتي تأخذ باقي اليوم.
فترة الانقطاع هيَ تدريب لإرادة الإنسان حين يمتَنِع الإنسان بإرادته عن الطعام. الصوم لا يكون عن الطعام فقط، وإنما الامتناع عن الطعام هو العنصـر الأول، ثم يدرّب الإنسان إرادته على الامتناع، وهيَ الإرادة التي يقف بها أمام أية خطية.
ثم تأتي فترة تناول الطعام النباتي التي تُذكِّرنا بآدم وحواء اللّذَيْن كانا في الجنة قبل السقوط، وكانا يأكلان من طعام الأرض. والطعام النباتي دائماً يُعطي طاقة هائلة وناعمة للإنسان، ليست طاقة تثير شهواته أو غرائزه.
ولكن في بعض الأصوام (صوم الميلاد، صوم الرسل، صوم العذراء) يُسمَح فيها بتناول السمك، فالسمك له طبيعة مختلفة عن الأطعمة الحيوانية، والطاقة التي فيه هيَ طاقة هادئة، وتوالده ليس بطريقة الشهوة أو التناسل.
1ـ الاستغناء عن بعض الأشياء التي تَشْغلني في اليوم حُبّاً في اللَّـه، كما قال القديس بولس الرسول: “من أجْلِكَ نُمَات كلّ النهار” (رو 8 : 36)، وعبارة “لأجل اللَّـه” هيَ أحد أساسيات الحياة المسيحية، مثل الشهداء والنُّسَّاك.
وعن فترات الأصوام والتسابيح نجد أن كل هذا لأجل اللَّـه، ومحبة للَّـه.
إنَّ الصوم ليس امتناعاً عن الطعام والشـراب فقط، وإنما أيضاً امتناعاً عن كل شـر وشبه كل شـر.
2ـ نُخضِع أجسادنا لعمل الروح، فكل الكائنات لها أجسام، ولكننا نريد أن الروح هيَ التي تقود الجسد وليس العكس، ولكي تقود الروح الجسد فلا بد أن نُعطيها فرصة، وهنا يأتي الإنسان في فترات الصوم ليَعيش ليس حسب الجسد وإنما حسب الروح، فتكون حياته روحانية وأقرب إلى السماء أكثر مما إلى الأرض. فتُعطَى روحه فرصة أن تقترب إلى السماء لذلك نُسمِّيها “فترة الحب”.
3ـ التحرُّر من الأنا: الصوم فرصة قوية لكي يتحرّر فيها الإنسان من ذاته ومن الأنا، ويَشعر الإنسان بضَعفِه، وهذا التَحَرُّر هو تَحَرُّر مطلوب عبْر حياة الإنسان، لأننا كثيراً ما تُحارِبنا ذواتنا، وتوقِعنا في أي وقت وفي أي سن.
الصوم رفيق للصلاة والصدقة والخدمة، والحياة المسيحية بصفة عامة. إذاً محبة اللَّـه تَدفَعنا للصوم، وطَلبنا لعمل الروح القدس أن يقود حياتنا يَدفَعنا للصوم، وطَلبنا واحتياجنا لكي ما نتحرّر من الأنا يَدفَعنا للصوم، وأيضاً محبتنا لكل أحد يَدفَعنا للصوم.
4ـ تدريب للتوبة والتذلُّل، الصوم في أَساسه هو تدريب توبة وتَذلُّل، وهذا ما صَنَعه أهل نينوى. هو تدريب توبة، ولكن في نفس الوقت يُعطي خبرة فرح، فيشعر الإنسان أنه خفيف ويَقترِب من السماويات، وأنه ارتفع عن الأرضيات.
الصوم كما يُعطي إحساساً بالآخَر، يُعطي أيضاً إحساساً للإنسان بضعفه، وهذا الضَّعْف يَستَغِله الإنسان في التغلُّب على روح الغضب وروح الأنانية.
الصوم يُوسِّع قلب الإنسان فيَقتني فضيلة اتساع القلب بالحب للكُل، بل أن الصوم يُساِعد الإنسان أن يَقتني فضائل أخرى كثيرة، ويَتَحكَّم في غضبه وكلامه، ويقتني إلى حدٍّ ما فضيلة الصمت، و فضيلة الشفقة على الآخَر. كل هذه الفضائل يجنيها الإنسان من وراء الصوم.
5ـ الصوم نُمارِسه في الخفاء وبتدرُّج: نحن الأقباط على سبيل المثال في صوم العذراء نتبارى في هذا الصوم، فالبعض يُزيد مدته والبعض الآخر يَطلُب أن يكون الصوم فيه شيء من النُّسْك مثل ما يكون بالماء والملح، وكل هذا في الخفاء، محبةً في الصوم.
ولذلك يُعَوِّد الآباء أولادهم على فترات الصوم، وهذا هو التعليم المتدرّج خطوة ثم خطوة، لكن أيضاً نُعلِّمهم أن الصوم ليس فقط الامتناع عن الطعام بل يَشمَل حياة وخبرة حب.
أب الاعتراف يستطيع أن يساعدك في ذلك سواء في فترات الأصوام الكنسية أو بالتداريب الروحية التي يمكن أن يُقدِّمها لك، لكي يُنمِّي حياتك الروحية، فالقديس أثناسيوس الرسولي له عِبارَة جميلة تقول: “متى حُفِظ الصوم مُقدَّساً لا يؤدي إلى التوبة فحَسب، بل يُعِدّ قديسين، ويَسْمو بهم إلى فوق الأرضيات، إلى السـمائيات”.
أُحِبُّكَ يَارَبُّ، يَا قُوَّتِي. الرَّبُّ صَخْرَتِي وَحِصْنِي وَمُنْقِذِي. إِلهِي صَخْرَتِي بِهِ أحْتَمِي. تُرْسِي وقرْنُ خَلاَصِي ومَلْجَإِي. أدْعُو الرَّبَّ الـحَمِيدَ، فَأَتَخَلَّصُ مِنْ أَعْدَائِي. اِكْتَنَفَتْنِي حِبَالُ الْمَوْتِ، وَسُيُولُ الْهَلاَكِ أفْزَعَتْنِي. حِبَالُ الْهَاوِيَةِ حَاقَتْ بِي. أشْرَاكُ الْمَوْتِ انْتَشَبَتْ بِي. فِي ضِيقِي دَعَوْتُ الرَّبَّ، وإلـى إلهي صَرَخْتُ، فَسَمِعَ مِنْ هَيْكَلِهِ صَوْتِي، وَصُرَاخِي قُدَّامَهُ دَخَلَ أُذُنَيْهِ … لِذلِكَ أحْمَدُكَ
يَارَبُّ فـي الأُمَم، وأُرَنـِّمُ لاسْمِكَ. بُرْجُ خَلاصٍ لِمَلِكِهِ، والصَّانِعُ رَحْمَةً لـمَسِيحِهِ، لِدَاوُدَ ونَسْلِهِ إِلـى الأبد. هلِّلويا
كثيرٌ منّا يَعرِف أن شكل السمكة هو أحد الرموز المسيحية المُبَكِّرة جداً، وفي القِدَم كانوا يستخدمونه كعلامة من علامات التعارف بين المسيحيين الذين يعيشون في وسط وثني، فلكى يتعرّف الإنسان المسيحي على الآخَر عليه أن يرسم على الأرض قوساً وكأنه يَلعَب، فإن كان الذي أمامه مسيحياً فيُكمِل القوس ليَكوِّن ســـمكة، وهيَ تُمثِّل التعبير المُختصَـر عن الإيمان المسيحي.
كلمة سمكة باليونانية تُنطَق “إخثيس”، وهيَ من خمسة حروف، هم الحروف الأولى من جملة: “إيسوس خريستوس ثيـؤ إيوس سوتير”، ومعناها: “يسوع المسيح ابن اللَّـه المُخلِّص”.
وعندما نُشير إلى السمكة أنها هيَ قانون الإيمان لا نتجاوز الحقيقة كثيراً، فقانون الإيمان الذي نُرَدده في صلواتنا نلاحظ أننا نُصليه ونحن واقفون، والشـيء الذي نفعله ونحن قيامٌ هو تعبير عن الصلاة، فهو قبل أن يكون قانوناً هو صلاة.
وقانون الإيمان نَتلوه في مناسبات كثيرة، تقريباً في كل صلواتنا وطقوسنا وفي مناسبات الفرح والحزن والأسـرار والليتورچيات.
الإيمان في المفهوم المسيحي ليس مُجرّد اعتناق مجموعة من العقائد، وإنما هو في مفهومه المسيحي عبارة عن حياة يعيشها الإنسان، وإن شئت الدّقة فهو عقيدة تقود إلى حياة، فبموجب هذا الإيمان نعيش ونتصـرّف ونتعامل ونُمارِس أمور حياتنا التي أعطاها اللَّـه لنا.
لذا الإيمان ليس مجرّد أفكار أو مجرد مبادئ، أو أن شخصاً يَعتَقد في بعض المفاهيم عن اللَّـه أو يعرف شيئاً عن اللَّـه، وإنما الإيمان ارتباط من الصميم ومن القلب ومن الأعماق، وهذا الارتباط العميق جداً هو بشخص ربنا يسوع، وهذا يُعتبر إحساساً وجدانياً وكيانياً بالإنسان، وهذا الإنسان يَشعُر بأن اللَّـه هو قائد حياته وهو مُسيِّر الحياة كلها.
الإيمان المسيحي هو إدراك حي وكياني لوجود اللَّـه في حياتي، لذا يقول الكتاب المقدس: “الإيمان هو الثقة (الشخصية) بمـا يُـرْجى، والإيـقـَان (الداخلي) بأمور لا تـُرَى” (عب 11 : 1)، أي أن عين الإيمان ترى أبعد من العين الجسدية. وفي الكتاب المقدّس قصص كثيرة جداً في هذا الأمر، والمتنيح “أبونا بيشوى كامل” له أقوال كثيرة جداً عن الإيمان، فيقول: “حجْم الإنسان المسيحي ليس هو حجْم جسده بل هو حجْم اللَّـه الساكن فيه”.
الإنسان المسيحي يَسكُن اللَّـه في داخله، ولذلك يستطيع أن يَنقِل جبل، مثلما حدث في معجزة نقل جبل المقطم في القرن العاشـر الميلادي، وهذه المعجزة سُجِّلَت في تاريخ الكنيسة وفي تاريخ مصـر، وهذه المعجزة اشتَرك فيها الكل بدءاً من أبينا البطريرك في ذلك الزمان وهو “الأنبا ابرآم بن زرعه” وكل الشعب وصولاً إلى إنسان بسيط ليس له ذِكْر في المجتمع وهو القديس “سمعان الخراز” الذي تَمَّت المعجزة على يدية وبصلاة كل الشعب.
ولذلك الإنسان المسيحي يقول: “أستَطيع كُلّ شيء في المسيح الذي يُقَوِّيني” (في 4 : 13) أي بالمسيح، وكأن الإنسان يختفي في شخص المسيح، والمسيح هو الذي يَعْمل كل شيء، لذا فالإنسان المؤمن المسيحي ليس من هو يُنادي بفكرة اللَّـه، وإنما المؤمن المسيحي هو الذي يَقبل اللَّـه إلهاً له وموجِّهاً لكل حياته، كقول داود النبي: “جَعَلتُ الرب أمامي … لأنه عن يميني فلا أتزَعْزَع” (مز 16 : 8)، فهو الذي أمام عيني دائماً.
أصبَحَت مفاعيل الإيمان المسيحي ليست هيَ سلوكنا الخارجي، وإنما هيَ أفكارنا، فيمكن أن أجلس مع أب اعترافي وأقول له: “يا أبي أنا في عقلي فكرة غير مناسبة”، فحتى الأفكار والمشاعر والسلوكيات نحترس منها لأن اللَّـه يملأ كيان الإنسان.
ومن هُنا يا إخوتي جاء تعبير الأرثوذكسية أي العقيدة المستقيمة والطريقة المستقيمة لتمجيد اللَّـه.
لماذا وُضِعَ الإيمان في صورة قانون؟
القانون دائماً له صياغات جامعة مانعة، أي أنها شاملة ومانعة لأي التباس أو تغيير أو فهم خاطئ، وعلى هذا الأساس كل إنسان مسيحي في العالم يَتلو قانون الإيمان يتميّز عن غيره. فعلى سبيل المثال شهود يهوه لا يَتلون قانون الإيمان، وبالتالي هم غير مسيحيين، فقانون الإيمان يَتْلوه كل إنسان مسيحي شرقاً وغرباً، وهو العلامة المميزة للإنسان المسيحي.
وقانون الإيمان فيه 178 كلمة، وكل هذه الكلمات من الإنجيل، فهو صياغة كتابية، والأهم من هذا أن كل الـ 178 كلمة تم تحديدهم واكتمالهم في 106 سنة ابتداءً من مجمع نيقيه سنة 325م، ومجمع القسطنطينية سنة 381م، ومجمع أفسس سنة 431م، والفرق من 431 إلى 325 يكون عبارة عن 106 سنة، ولذا نجد قانون الإيمان وكل كلمة فيه مختارة بمعيار الذهب، بالإضافة لذلك نجد أن هذا القانون اشترك في وضعِه 668 بطريرك وأسقف في المجامع الثلاثة (نيقيه ـ القسطنطينية ـ أفسس) فهو إعلان حب الإنسان لربنا يسوع المسيح وفدائه على الصليب، ويَحكي القصة بأكملها من الميلاد حتى الفداء والخلاص بترتيب تاريخي واضح جداً.
في زمن الرسل كان المسيحيون يُدعَونَ “أتباع الطريق” (الذين يتَّبِعونَ طريقة حياة الرب يسوع وتعاليمه)، وكان الإيمان واحداً في كل كنائس العالم حتى ظهر أريوس الهرطوقي في الإسكندرية، الذي نادى بأن المسيح ليس هو اللَّـه، وهو مخلوق، وليس أزلياً مع الآب، وغير مساوٍ للآب في الجوهر.
لذا اجتمع مجمعاً في مدينة نيقيه عام 325م، بأمر الملك قسطنطين، ويُعتَبَر هذا هو أول مجمع مسكوني في تاريخ المسيحية، حيث اجتمع فيه قادة من الكنيسة المسيحية شـرقاً وغرباً (318 من القادة)، وناقَشوا أريوس، وأفهموه ضلاله، ولَمَّا لم يرجع عن رأيه، حرموه هو ومَن يشارِكه رأيه واعتقاده. ثم وضعوا دستور الإيمان المسيحي، وهو: “بالحقيقة نؤمن بإله واحد …”.
بعد حوالي خمسين سنة أو أكثر قليلاً ظهرت بدعة أخرى، وهيَ بدعة “مَقدونيوس”، وكان يُعلِّم بأن الروح القدس ليس هو اللَّـه. فاجتمع آباء من الكنائس المسيحية شرقاً وغرباً (150من الآباء) في القسطنطينية (عام 381م) وهذا هو المجمع المسكوني الثاني، وأكملوا وضع قانون الإيمان. فالجزء الأول الذي وُضِعَ في نيقيه كان قد انتهى عند عبارة: “الذي ليس لِمُلكِه انقضاء”. فأكملوا في القسطنطينية قانون الإيمان: “نعم نؤمن بالروح القدس، الرب المُحيي … وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي. آمين”.
أمّا المجمع المسكوني الثالث فعُقِدَ في أفسس سنة 431م ، لمَّا ظهر هرطوقي يُدعَى “نسطور”، الذي نادى بأن العذراء مريم لم تَلِد إلهاً مُتجسِّداً ، بل ولَدتْ إنساناً فقط، ورفض تسميتها بِاسم “الثيؤطوكوس” أي والدة الإله، ونادى بعدم وجود اتحاد بين اللاهوت والناسوت، وبأن العلاقة بينهما كانت مجرّد اتصال أو مصاحبة. وقد تصدَّى له البابا كيرلس عمود الدين، وتم مناقشة الموضوع بحضور 200 أسقف، وأظهروا ضلال تعاليم نسطور وحرَموه، ووضعوا ما نُسمِّيه “مقدمة قانون الإيمان” “نُعظّمك يا أم النور الحقيقي …”.
اكتمل قانون الإيمان ومُقَدِّمته، وصار القانون ومُقَدِّمته “إعلان حب”.
لذا أريد أن تَعرِف أن قانون الإيمان هو بالحقيقة السمكة الأولى في هذه الخبزات الخمس والسمكتين، فقانون الإيمان نَعتَبره الخُلاصة السـريعة عن الإيمان المسيحي، فهو يتكلَّم عن لاهوت اللَّـه: الآب، والابن، والروح القدس. ويشـرَح كل أقنوم باختصار.
كل كلمة في القانون ذات أهمية شديدة.
عن لاهوت اللَّـه الآب يقول: “اللَّـه الآب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يُرى وما لا يُرى”.
وعن لاهوت الابن يقول: “نؤمن بربٍّ واحدٍ، يسوع المسيح ابن اللَّـه الوحيد، المولود من الآب قَبْل كل الدُّهور، نورٌ من نورٍ، إلهٌ حق من إلهٍ حقٍّ، مولود غير مخلوقٍ، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء …”.
وعن لاهوت الروح القدس يقول: “نعم نؤمن بالروح القدس، الرب المُحيي (يعطي الحياة) المُنبَثِق من الآب. نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء”.
ثم يتكلّم عن سِمات الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية.
ويتكلّم عن المعمودية ومغفرة الخطايا.
لقد اعتبر آباء الكنيسة الأولى أن السيد المسيح هو “السمكة الكبرى”، وأمّا المؤمنون فَهُمْ السمك الذي يعيش مع السيد المسيح وفيه. فيقول العلاَّمة ترتليان: “نحن السمك الصغير بحسب سَمَكتنا الكبيرة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح قد ولِدنا في الماء”.
ثم في قانون الإيمان يتحدَّث عن عقيدة قيامة الأموات، وفي النهاية يتحدَّث عن عقيدة الحياة الأخرى والدهر الآتـي.
وأيضاً في قانون الإيمان نتذكّر الآباء الذين تعبوا في مواجهة هذه الهرطقات، فمثلاً في مجمع نيقيه ظَهَر فيه وبَرَع نجم “الشماس أثناسيوس” الذي رُسِم كاهناً وصار فيما بعد بطريرك الكنيسة رقم (20)، والقديس أثناسيوس الرسولي دافع عن الإيمان المستقيم، وَوَضع كتباً كثيرة منها كتاب: “تجسُّد الكلمة”، وكتاب “ضد الوثنيين”، ومقالات ورسائل أخرى كثيرة.
هذا القديس عاش عمراً طويلاً في النفي، فنُفِيَ 5 مرات وتحمَّل أتعاباً كثيرة، وكل هذا من أجل إيمانه، وكلنا نَعرف أنه صاحب العبارة الشهيرة: “أنا ضد العالم”. وهذا لأن المسيح يَسكُن في قلبه فاستطاع أن يقول هذا، فأنت تتذكّر الآباء الذين تحمَّلوا الكثير لكي يَحفَظوا لنا هذا الإيمان القويم، وهذا القانون له ثمن غالٍ، لذا لُقِّب القديس أثناسيوس البطريرك العظيم بِاسم “حامي الإيمان القويم”.
إذاً عندما تتلو قانون الإيمان ينبغي أن تَعرف أنه: صلاة، وشكر لنقاوة الإيمان. وعندما تقرأ نصوص من الكتاب المقدس تَجعَل كلمة اللَّـه الحلوة والشهية في فمك، وكلمة اللَّـه دائماً مصدر غذاء وعزاء للإنسان، وعندما نقف لنقول قانون الإيمان نقوله هكذا: “بالحقيقة نؤمن بإلهٍ واحد …” وهذا حتى
لا يُفكِّر أحـد في أي شـيء آخَـر.
فالمسيحية تؤمِن بإلهٍ واحد، والآيات في الكتاب المقدّس كثيرة جداً:
في العهد القديم نجد في (تث 6 : 4) “اسْمَع يا إسرائيل: الرب إلهنا رَبٌّ واحِدٌ” وفي نفس السفر يقول: “أنـا أنـا هو وليـس إلـهٌ معي” (تث 32 : 39)، وفي سفر إشعياء يقول: “أنـا الأوَّل وأنـا الآخِـر، ولا إلـه غيري” (إش 44 : 6)، وهذا تفسير عبارة: “بالحقيقة نؤمن بإلـه واحـد”.
وفي العهد الجديد يقول:
“ليس أحَدٌ صالحاً إلاّ واحدٌ وهو اللَّـه” (لو 18 : 19)،
ويقول في (رو 3 : 30): “اللَّـه واحِـدٌ”، وهو تعبير واضح.
وفي (1 كو 12 : 6): “ولكن اللَّـه واحِدٌ، الذي يَعْمَل الكُلَّ في الكُلِّ”،
أي اللَّـه واحد.
وعندما نتحدَّث عن اللَّـه الواحد نجد امتياز وانفراد المسيحية؛ بأن هذا اللَّـه الواحد اقترب إلينا في ملء الزمان، واقتراب اللَّـه للإنسان في سـر التجسد أو في تجسده. هذا الاقتراب هو اقتراب الحب “هكذا أحَبَّ اللَّـه الـعـالَم”
(يو 3 : 16).
اللَّـه الذي خَلَق الإنسان يَعرِف أن مفتاح الإنسان هو الحب، فأي إنسان في الوجود مفتاح قلبه هو أن تُحبّه، وبالتالي اللَّـه الذي خلقنا يَعرِف مفتاح كل إنسان الذي هو الحب، فالإنسان أحَبَّه اللَّـه وفداه وخلَّصه ورَفَع عنه ضعفه ووقف بجانبه.
الحب لا يَعرِف المُراسلة ولا يَصلُح فيه البُعد، فلو هناك أُمّ تحب ابنها الطفل الصغيـر، ولكن الابن من النوع المشاغب بعض الشـيء، فإذا قالت له: “ابقَ بعيداً، وأنا سوف أحبّك من بعيد وآتي إليك بالأكل والشُّـرب والمَلبَس”، ستكون إجابة الطفل: “إن هذا ليس حُبّاً”… ولكن الحُب هو أن تَقترب أُمه منه وتَلعب معه، أي أن الحُب في الاقتراب.
هذا ما نُسمّيه سعادة التواجد، ففي المسيحية يتواجد اللَّـه في قلبنا، ونتواجد في قلبه. وهذه هيَ السعادة وهيَ فرحة المسيحية، وهذا هو الإنجيل لأن معنى كلمة “إنجيل” هو: “البشارة المفرحة”.
وهذا ما قاله الملاك في يوم ميلاد المسيح: “هـا أنـا أُبشـِّـرَكم بـفـرح عـظيـم يَكون لجَميع الشـعـب” (لو 2 : 10).
هذا هو خُلاصة الإيمان، وهذه هيَ النقطة الأساسية في الإيمان، فنحن نؤمن باللَّـه الواحد، ولكننا عندما ندخل إلى أعماق اللَّـه نجد أنه اقترب إلينا وتَجسَّد لأجلنا. حينئذٍ نَفهَم أن:
“الآب” بمعنى “الأصل”.
“الابن” أي الرب يسوع المسيح ابن اللَّـه الوحيد، فهو الوحيد الذي هو ابن اللّـه من نفس طبيعته وجوهره ولاهوته، هيَ بنوة طبيعية، كما يولَد الشعاع من الشمس، وكما يولَد النور من النور، وإنها لا ترتبط بزمنٍ، بل كما نقول في قانون الإيمان: “المولود من الآب قبل كل الدهور”. وهو “ابن اللَّـه” بمعنى أنه “اللوغوس” أي عقل اللَّـه الناطِق، وعقل اللَّـه هو موجود في اللَّـه بطبيعة اللَّـه منذ الأزل. وبولادة العقل الإلهي من الذات الإلهية سُمِّيَ الآب آباً، وهذه البنوة كانت قبل كل الدهور، وهيَ كلمة خالية من أي تَناسُل أو جنس (الولادة الجسدية).
“الروح القدس”: هو روح اللَّـه، روح الآب، وروح الابن. ولأنه روح اللَّـه، لذلك سُمِّيَ “الروح القدس”.
لذلك نقول أن: “اللَّـه كائنٌ بذاته، ناطقٌ بكلمته، وحَيٌّ بروحه”.
هناك الكثير الذي يَشْـرح هذه الأشياء:
إن بداية قانون الإيمان هيَ: “بالحقيقة نؤمن بإلهٍ واحدٍ”، ووحدانية اللَّـه هيَ حجر الأساس في إيماننا المسيحي.
ونقول: “بِاسم الآب والابن والروح القدس”، نهتف بهذه العبارة: “الإله الواحد أو اللَّـه الواحد. آمين”. ومن المهم جـداً أن نكون فاهمين لهذا.
بالرغم من كل تفاصيل قانون الإيمان التي يَطُول شـرحها إلا أنني أريدك أن تَعرِف أن قانون الإيمان هو إعلان حب من اللَّـه للإنسان، ومن الإنسان للَّـه.
إن إيماننا وعقيدتنا الأرثوذكسية تقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية، وهذا ما نراه واضحاً في قانون الإيمان، فكل عقيدة في كنيستنا هيَ:
1ـ كتابية:
أي من الكتاب المقدَّس، وليس لدينا أي عقيدة من خارج الكتاب. فكل العقائد مُتأصِّلة في الأسفار ومشـروحة بطرق كثيرة، لكن العقيدة الكتابية نُحذِّر فيها من خطورة الآية الواحدة التي يُخرِجها الإنسان خارج الإنجيل، ويبدأ في أن يبني عليها عقيدة فلا تكون مسنودة. ولذلك نَجد للعقيدة جذور في الكتاب ويَخدِمها أكثـر من مصدر، وأكثـر من سِفر، وأكثـر من نَصٍّ، فالعقيدة هيَ عقيدة أصيلة، وهذه العقيدة الأصيلة مبنية على أسفار الكتاب المقدّس، ولذلك إيماننا الأرثوذكسـي إيمان كتابـي.
2ـ آبائية:
أي أنها مشـروحة بواسطة الآباء مثلما تَكلَّمنا عن العظيم في البطاركة القديس أثناسيوس الرسولي، أو القديس كيرلس عمود الدين، أو القديس ديسقوروس بطل الأُرثوذكسية، أو الآباء الأوائل الذين كانوا يَشـرَحون العقيدة من خلال المجامع المسكونية أو المكانية.
شـرَحَ الآباء العقيدة لكي نكون على دراية بها. فالإيمان ليس طلاسم أو مجرّد علامات استفهام … هو شيء لا بد أن نفهمه ونعيشه … هو شيء لا بد أن يَعيه العقل بعمل وبنعمة الروح.
3ـ ليتورچية:
أي أننا نعيش العقيدة في صلواتنا التي نستخدمها، فالعقيدة مُعاشَة في العبادات الكنسيّة.
مجرّد أن تَرشِم الصليب، هذه هيَ عقيدة الثالوث والإيمان باللَّـه الواحد.
العقائد على اختلاف أنواعها مشـروحة ومعاشة داخل الكنيسة، ولذلك الحياة في الكنيسة والارتباط بها يُعطي حياةً نُطلِق عليها: “الحياة الكنسية”، أي أن الإنسان يعيشها ويُمارسها خلال حياته، وليس مجرّد معرفة في ذهنه فقط.
إذاً العقيدة الأرثوذكسية التي نعيشها مبنية على أساس الكتاب المقدَّس ومأخوذة منه ومشـروحة بالآباء ومُعاشة في الكنيسة.
قانون الإيمان يَشـرح كل المراحل، ويَشـرح تاريخ مسيحيتنا، وتاريخ إيماننا، ولذلك يقول: “وصُلِبَ عنَّا على عهد بيلاطس البُنطي”، وهذه إشارة تاريخية؛ فإيماننا هو إيمان مُحدّد في التاريخ، يَشـرح كيف ظهر، ومتى بدأ، فليس الإيمان مجرّد تعبيـر بلا حدود لكن الإيمان مُحدَّد.
أُريد أن أَختَصِـر لك قانون الإيمان في ثلاث عبارات: “اللَّـه خَلَق ـ اللَّـه خَلَّص ـ اللَّـه خَلَّد”. ونلاحظ أن هذه العبارات الثلاث متشابهة بجوار بعضها البعض، لكن لو أَخذت الحرف الأخيـر في كل كلمة تَظهَر أمامك كلمة “قصد” أي “قصد اللَّـه”.
اللَّـه من حُبّه للإنسان جاء لكي يُخلِّصَه ولم يَتركه في الأرض، وصعد إلى السماء لكي ما يُعِدّ له مكاناً، ولكي ما يكون له خلود ونصيب في السماء.
قانون الإيمان قطعة صلاة تَدعوك أن تَعيشَها وتَفهَمها وتتمتّع بها وتَصير بمثابة سمكة من سمكتين تتأمل فيها.
من الممكن أن تأخذ قانون الإيمان لكي تتأمل فيه خلال فترة صوم كامل، وتَعيش في كل كلمة، وتَدرِس لماذا وُضِعت هذه الكلمة في مكانها، وما هيَ الآية الخاصة بها، وتَعيش في قراءاته، وتَفهَم أقوال الآباء الذين تَعِبوا في إيجاد هذه الحقائق القانونية.
وهو مزمور التسبيح، الذي نُسَبِّح به في نهاية خدمة الليتورچية في نهاية القداس:
هَلِّلُويَا. سَبِّحُوا اللَّـه فِي قُدْسِهِ.
سَبِّحُوهُ فـي فَلَكِ قُوَّتِـــــهِ.
سَبِّحُوهُ عَلَى قُوَّاتِـــهِ.
سَبِّحُوهُ حَسَبَ كَثْرَةِ عَظَمَتِهِ.
سَبِّحُوهُ بِصَوْتِ الصُّورِ.
سَبِّحُوهُ بِرَبَابٍ وَعُودٍ.
سَبِّحُوهُ بِدُفّ وَرَقْصٍ.
سَبِّحُوهُ بِأوْتَارٍ وَمِزْمَارٍ.
سَبِّحُوهُ بِصُنُوجِ التَّصْوِيتِ.
سَبِّحُوهُ بِصُنُوجِ الْهُتَافِ.
كُلُّ نَسَمَةٍ فَلْتُسَبِّحِ الرَّبَّ. هَلِّلُويَا
إن الاهتمام بِسِيَر القديسِين أحد الاهتمامات القوية في كنيستنا القبطية الأرثوذكسية.
قراءة سِيَر القديسين هيَ أحد التداريب الروحية التي نأخذها في حياتنا. ففي كل خدمة نَذكر هؤلاء الذين عاشوا في القداسة، وذلك في:
التسبحة وبها المَجمَع، والذكصولوجيات وهيَ تماجيد للقديسِين، وأيضاً في الدفنار وهو مثل السنكسار حيث يحكي سيرة قديس اليوم ولكن بطريقة مُلحَّنة. كذلك تحليل الخُدَّام نَذكُر فيه عدداً من القديسين، وفي مجمع القداس نذكُر قائمة من هؤلاء ونبدأها بأُمنا العذراء، وفي وسط القداس نقول الهيتينيات ونطلب شفاعات وطِلْبات القديسين، فصارت سِيَر القديسين إحدى العلامات المُميزة لحياتنا ولكنيستنا.
قيمة القديسِين في حياتنا:
هناك ثلاثة معانٍ مهمة أضعها أمامك، وبعدها نتكلّم عن عالم هؤلاء القديسين:
أولاً: القديسون هم شهود للحياة الأرثوذكسية:
كل قديس بمثابة عمود نور يُنير لك الطريق، فَهُم شهود للحياة الأرثوذكسية، وشهود للإيمان الحي.
في تاريخ المسيحية عبر حوالي عشـرين قرناً من الزمان نرى كيف ظهر مئات الملايين الذين عاشوا في هذه القداسة، لذلك نحن عندما نبني كنيسة مثلاً على اسم القديس أثناسيوس الرسولي، يكون هذا بالتأكيد تكريماً لقداسته. ولكننا أيضاً نبني إيمان القديس أثناسيوس الرسولي في قلب كل أحدٍ يأتي إلى هذه الكنيسة، فَهُم شهود للحياة.
إن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية تَعْود إلى هذه القرون الكثيرة، لذلك نحن نَحمِل تاريخاً طويلاً … والقديس بولس الرسول يُعبـِّر التعبير اللطيف الخاص به فيقول: “شُكراً للَّـه الذي يَقودُنا في مَوكِب نُصرَتِهِ في المسيح
كل حين” (2كو 2 : 14)، فهو مَوكِب كبير يجب أن تَتخيَّله كأنه مَوكِب يَعبـُر السنين والقرون، ويقف فيه كل إنسان عاش في القداسة. لذا أُحَذِّرك من أن يَفوتَك هذا المَوكِب، فهذا المَوكِب مُتَّجه إلى السماء. ونحن عندما نرى مَوكِب
في الكنيسة في احتفالاتها الطقسية، نتذكّر على الفور المَوكِب الذي يؤدي
إلى السموات.
ثانياً: القديسون هم أقوى مُشجِّع للنفوس:
القديسون هم أقوى مُشجِّع للنفوس التي تَسير في درب الربِّ، ولذلك نجد في طقس الكنيسة، ومن الإبداعات الموجودة في حياتنا الإيمانية أننا لا نعتبر الصف الأول في الكنيسة هو الصف الموجود في المقدِّمة المُتـَّجه إلى الشـرق، بل هو كل قديس في حامل الأَيقونات، لذلك هم لا يَنظُرون إلى الشـرق، ولكنهم يَنظُرون إلى كل واحدٍ فينا، كنوع من التشجيع، وكنوع من التقوية ورفقة الطريق. لذا نقول في آخِر كل قداس عبارة مهمة هيَ: “اهدِنا إلى مَلَكوتك”، وهذه العبارة لا بد أن تَكون من القلب. فالقديسون الذين نحتفل بِهم عَبْر السَّنَة هم أقوى مُشَجِّع، ولذلك من حِرْص كنيستنا أننا نُسَمِّي أولادنا بأسماء القديسين؛ ولأننا أقباط فنُسَمّيهم بأسماء قبطية، وهيَ كثيرة جداً بمعانيها، مثل اسم “بيشوى” الذي معناه “سامي”.
ثالثاً: القديسون هم نماذج للفضيلة:
إن الفضيلة تتجسّد فيهم، أي عندما يُذكَر اسم القديس “الأنبا ابرآم” أُسقُف الفيوم، نتعرّف على فضيلة العطاء، وغيره كثيرين، فَهُم نماذج للفضيلة، لذلك ليس المقصود أسماؤهم، بل الذين عاشوا حياتهم.
يقول مار إسحق: “شهية جداً أخبار القديسين في مسامع الوُدَعاء، وهيَ كالماء للغروس الجُدُد”.
لذلك كتاب السنكسار وهو الجامع لسِيـَر القديسين هو كتاب مهم جداً لكل بيت، ومهم أن تَفتَحه كل يوم، وتَقرأ سيرة قديس أو قديسة اليوم،
أو تاريخ الحدث الكنسي الموجود فيه، وتعيش في هذا الجو.
وهذا ما أقصده من السمكة الثانية: “إننا نَشبَع بسِيَر القديسين”.
عالَم القَداسَـة:
المجموعة الأولى: شخصيات الكتاب المقدس.
أول مجموعة من الذين عاشوا حياة القداسة هم قِديسو الكتاب المقدَّس في العهد القديم والعهد الجديد. وهم ما نُسَمِّيهم الشخصيات الكتابية. ومن الجميل أن نُسمّي أولادنا وبناتنا بالأسماء الكتابية، وفي الكتاب المقدس أسماء كثيرة جميلة، وهناك أصحاحات مليئة بالأسماء مثل (رومية 16) وبه أكثـر من عشـرين اسماً.
الشخصيات الكتابية ثلاث نوعيات:
النوع الأول: شخصيات جاءت أسماؤهم مرة واحدة في الكتاب المقدس مثل “موسى النبي”، فهو الوحيد الذي سُمِّيَ “موسى” في الكتاب المقدس، وتكرّر أكثر من 700 مرة في الكتاب المقدَّس، وقد ذَكرْتُ أن لكل إنسان نصيب من اسمه، فموسى معناه “المُنتَشَل من الماء”، وفعلاً حياته ابتدأت بهذه الحادثة.
النوع الثاني: شخصيات لها أسماء مُتَكررة:
ومن أكثرها اسم “يوسف” أي “يَزيد في النعمة”. ونقرأ عن يوسف الصدّيق في العهد القديم وحفظه للعفّة … وعن “يوسف النجار” الذي كان خادماً لسـر تجسد ربنا يسوع المسيح، عندما وُلِد من أمنا العذراء … ونقرأ عن “يوسف الرامي” الشخصية الوديعة الهادئة التي شاركت في دَفْن السيد المسيح، مثلما نُعَبـِّر عنه في الألحان في يوم الجمعة العظيمة. وهناك أسماء نَعرِف عنها الكثير من الكتاب المقدس.
النوع الثالث: توجد طائفة من الأسماء لشخصيات الكتاب المقدس يمكن أن نقول عنها أنها عاشت في الظِّل ولم تكن واضحة، وإن كان لها تأثيرها القوي جداً:
مثل “برنابا” أحد الرُّسل السبعين ورفيق بولس الرسول، فظُهوره كان محدوداً جداً في آيتـَيـْن أو ثـلاثـة، ولكن عمله كان كبيراً جداً؛ لأنه هو الذي قَـدَّم شاول الطرسوسي (بولس الرسول) إلى جماعة الرُّسل.
أيضاً من الأسماء غير المُعلَنة “مردَخاي” نجده في قصة “أستير الملكة”، وهو كان بمثابة حارس، لكن كان تأثيره كبيراً جداً، مثلما نقرأ عنه في سفر أستير.
هذا هو القسم الأول من الشخصيات الكتابية، وبالطبع أُمّنا العذراء يوجد مثلها مريمات أُخريات، منهن: مريم أخت موسى النبي، وهيَ التي قَدَّمت تسبحة العبور، وقادت الترنيم والتسبيح … وهكذا يتكرّر الاسم كثيراً.
المجموعة الثانية: شخصيات التاريخ الكَنَسي القديم:
أيضاً من الشخصيات التي عاشت في القداسة، شخصيات من التاريخ الكنسـي القديم في القرون الماضية، وهم دائماً يكونون على أربع نوعيات:
الإكليروس، المُعَلِّمون، الشُهَداء، وقديسـو التاريخ الكَنَسـي القديم. ويَقِف بالنسبة لنا كمصـريين على رأسـهم القديس مارمرقس الرسول الطاهر والشهـيد، والذي تَحمِل الكاتدرائية الكبرى بالقاهرة اسمه، ومزاره موجود فيها، وله مزار آخَر في الإسكندرية، وله كاتدرائية كبيرة جداً في ڤينسيا بإيطاليا، والقديس مارمرقس رسول وإنجيلي حيث كَتَب إنجيل مرقس. واستشهد على أرض الإسكندرية ونحمل جميعنا اسمه ونُسَمِّيه “كاروز الديار المصـرية”.
ومن بين قديسِي التاريخ الكنسي القديم “الإكليروس” وهم يُمَثلون أمانة الخدمة، و”المعلمون” يُمَثلون استقامة الإيمان، و”الشهداء” يُمَثلون نقاوة الحياة الذين قدّموا دماءهم، و”النُّساك” يُمَثلون سماوية الحياة.
1ـ الإكليروس: من “الإكليروس” في تاريخنا الكنسـي القديس أثناسيوس الرسولي، وهو تاريخُه عظيم وكِتاباتُه عظيمة، وهو الوحيد الذي حَمَل لَقَب “الرسولي” في بطاركة كُرسـي الإسكندرية، وهو الذي نُسَمِّيه “حامي الإيمان القويم”، وأيضاً له مزار في الكاتدرائية المُرقسية الكبرى بالعباسية، ونحن نَفتَخر أننا ننتمي إليه ونَفتَخر أنه قاد الكنيسة أكثر من نصف قرن، ونقول عليه أنه عاش أمانة الخدمة، فعندما نزور دير الشهيد مارمينا ومنطقة الآثار “أبو مينا” التي كانت ذات يوم ذا شأن عظيم، فالذي دَشَّن الكنيسة التي فوق القبر هو القديس أثناسيوس الرسولي وهذا عمل من أعماله، وأول من رَسَم أُسقُفاً للحبشة هو القديس أثناسيوس الرسولي، فأعماله كثيرة لذلك نضَعهُ في أمانة الخدمة.
وقبْلَه بقليل كان يوجَد القديس الأنبا ديمتريوس الكَرَّام، وجميعنا نعرف سيرته ونُحِبها، فقد عاش بتولاً مع زوجته ثم حدثت قصة عنقود العنب الذي وُجِدَ في غير أوانه ودخل يُقَدِّمه للبطريرك السابق له، واُختير ليكون البطريرك رقم (12) ورغم تعليمه المحدود إلاّ أن اللَّـه أعطاه نعمة كبيرة في حساب الأبقطي وهو حساب قبطي، فكلمة “أبقطي” معناها باقي (أي الباقي من العمليات الحسابية)، وأيضاً وَضَع حساب السنة الكَنَسية أو السنة الحسابية، وكان مُتقدِّماً في قداسته وفي ما قدَّمه، وأيضاً في أمانة الخدمة … وهناك أسماء كثيرة لا أقدر أن أحصُـرها لكن هؤلاء هم “الإكليروس”.
2ـ المعلمون أو الفلاسفة: إن الفلسفة في بداية المسيحية كانت هيَ الحاكمة في كل العالم، ولذلك الآباء المعلمون الأوائل عندما كانوا يُقَدِّمون المسيحية كانوا يُقدِّمونها من مفهوم فلسفي، فأحياناً نقول عن القديس بولس الرسول: “الفيلسوف واللاهوتي”، وكذلك القديس أثناسيوس الرسولي، وظهرت طائفة كبيرة جداً من المعلمين في تاريخ الكنيسة منهم: “أثيناغوراس”، والعلاّمة “ترتليان”، والعلاّمة “اكليمندس”، والعلاّمة “بانتينوس”، والعلاّمة “أُوريجانوس” وإن كانت بعض كتاباته غير مقبولة أو فيها بعض الملاحظات، لكن من كثرة عِلْم هؤلاء نُسَمِّيهم مُعَلمين وفلاسفة. والحقيقة أننا عندما نقرأ بعض الكتب التي كَتَبوها وقَدَّموها نجد فكرها متطوِّر جداً جداً.
“اكليمندس” مثلاً كَتَب كتاباً أسماه “المُرَبِّـي” وكأنه يعيش معنا اليوم ويضع أساسيات ومبادئ للتربية وكأنها موضوعة اليوم بالرغم من عدم تطور العلم في الماضي مِثل اليوم، فهؤلاء يُمثِّلون استقامة الإيمان.
كان في التقليد الكنسـي القديم أن يُؤخذ بابا الإسكندرية من مُديري مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، فمن يَصل لمنصب مدير المدرسة اللاهوتية، يؤخذ كبابا للإسكندرية، فالمُهِم هو العِلم، وهذا ما نُسَمّيه استقامة الإيمان ولذلك الإيمان غالي علينا جداً وإلى نهاية الأجيال.
3ـ الشهداء: هم يُمَثلون نقاوة الحياة، وكنيستنا هيَ كنيسة شهادة وقَدَّمت شهداء وتُقدِّم في كل زمن، وهذا ليس بأمر غريب على الكنيسة، ونحن اليوم عندما نَعيش بدايات القرن الحادي والعشـرين لا بد أن نَعرف أن إيماننا الذي نَعيشه ونحياه ونَفرَح به لم يصل إلينا بسهولة ابتداءً من القديس مارمرقس.
والشهداء المصـريون كثيرون منهم: “مارمينا وهو أشهر شهيد مصـري، والقديسة دميانه، والقديسة رفقه وأولادها الخمسة، والأم دولاجي وأولادها، والقديس موريس، والكتيبة الطيبية والتي يُقدَّر عددها بأكثر من ستة آلاف جندي، والقديسة ڤيرينا وكانت خادمة معهم تعمل في التمريض، والقديسة كاترين شهيدة الإسكندرية ويوجد دير على اسمها في سيناء …
في كل زمان هناك تاريخ طويل. والسنكسار يُقدِّم عينات رائعة، وسِيَر القديسين تُقدِّم لك عينات رائعة لتختار وتعيش.
4- النُّسّاك أو المتعبّدون: هم الذين عاشوا حياة سماوية مثلما نَقول على الآباء النُسَّاك والعُبَّاد والذين سَكَنوا الجبال والبَراري وشقوق الأرض من أجل عِظَم محبتهم في الملك المسيح، فلا يُوجَد سبب سوى حُبّهم الفياض في المسيح.
في البداية كان القديس الأنبا بولا وهو أول السُّواح وقِصتُه معروفة للجميع، ثم القديس الأنبا أنطونيوس الذي وَضَع شكل الحياة الرهبانية، والقديس الأنبا مكاريوس ثم القديس الأنبا باخوميوس وهو الذي وَضَع قوانين حياة الشَـرِكة والتي انتقلت من مصـر إلى العالم كله، أيضاً القديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين الذي كانت أديرته في سوهاج مَكاناً يَجمَع الشعب كله حتى في أيام المجاعات.
هؤلاء كانوا نُسَّاكاً ومُتعَبدين لكن لم يَنفصلوا عن جسم الكنيسة، وكل هذا في التاريخ الكَنَسي القديم.
المجموعة الثالثة: قديسو التاريخ الكنسي المعاصر .
كلمة مُعاصِـر أي خلال المائة سنة الأخيرة، فبعضنا عاصرهم فمن الإكليروس نتَذَكّر البابا كيرلس السادس، وقد اعْتَرف المَجْمَع المقدس في كنيستنا بقداسته في (20 يونيه 2013م) وهو كان بطريركاً، وفي نَفْس التوقيت اعْتَرف المَجْمَع المُقدَّس بالأرشيدياكون (رئيس الشماسـة) حبيب جرجس، ونَتَذكر قَبلَهم القديس الأنبا ابرآم وكان أُسقُفاً. وأرجو ألاّ نَرْبط بين مَوقِعه أو مَنصِبه وبين حياة القداسة، فلا يوجد رَبط بينهم فهو نموذج ظَهَر أمامنا، ولكن القداسة يمكن أن يَعِيش فيها أصغر إنسان، فعلى سبيل المثال: القديس سمعان الخراز ولم نكُن نَعرِفه أصلاً.
من المُعلِّمين الذين عاشوا التعليم ظَهَر مجموعة من الوعاظ في بدايات القَرْن العشـرين، وكانوا بمثابة أنوار وعاشوا القداسة، نَتَذكر مِنهُم الواعِظ الأستاذ عياد عياد، ومن المُعلِّمين الذين عاشوا حياتنا زمناً طويلاً المُتَنيح قداسة البابا شنوده الثالث الذي كان يُعلِّم في الكنيسة، وكان في بداية خِدمَته أسقفاً للتعليم، وقد تلامسنا وما زلنا نَعيش في هذا التعليم الذي قَدَّمَه.
ومن الشهداء نتذكّر القديس “سيدهم بشاي” شهيد دمياط، ونتذكّر الشُهداء الذين نُسمِّيهم بأسماء الأماكن الذين استشهَدوا فيها كالشهداء المعاصِـرين وهم شُهداء كل يوم.
ومن النُّسّاك أيضاً نجد أن أديُرتنا فيها أعداد من النُسَّاك والعُبَّاد، فنتذكّر القديس “يُسطُس الأنطوني” الذي عاش في دير الأنبا أنطونيوس، فهو أيضاً إنسان عاش في القداسة وعاش في الوحدة وفي النُّسك.
وفي خارج مصـر وفي الكنائس الأُخرى أيضاً ظَهَر قديسون. فمَثلاً في القديم جداً نتذكّر الشهيد مارجرجس الروماني، والقديس يوحنا ذهبي الفم، ولم يكن مِصـرياً بالطبع، والقديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصـرية الكبادوك وأُسـرَته كانت أُسـرة قديسين.
ونتذكّر في الأزمنة الحديثة “الأُم تريزا” والتي تُسَمَّى صَدْيقة الفُقراء والتي خَدَمَت في الهند كثيراً بكل محبة وبذل وتقوى.
وبالطبع لو تَحدَّثنا عن أكبر جزء فيه أسماء لقديسين هو مَجْمَع القداس الإلهي وهذا المَجْمَع يُقدِّم لنا مجموعة من الذين عاشوا في القداسة، فإن كنا نَحتَفِل بشُهداء في عصورنا الحديثة نَتذكر مثلاً: الأنبا صموئيل الأُسقُف الذي استُشهِد في حادث المَنَصة مع الرئيس أنور السادات في السادس من أكتوبر عام 1981م، وشهداء كنيسة القديسَيْن بالإسكندرية في ليلة رأس السنة 2011م، و”القس مينا عبود” الكاهن بإيبارشية سيناء الشمالية الذي استشهِد صباح يوم السبت الموافق 6 يوليو عام 2013م بمنطقة المساعيد، وغيرهم كثيرين …
يوجَد في مَجمَع القُدَّاس تشكيلة جميلة من القديسين تُقدِّمها الكنيسة لتتمتع بها وأنت تَسمَعها في صلوات القُدَّاس، فيَتَكلم عن جِنس المرأة كله ويَذكُر أُمَنا العذراء وكأن كل امرأة مُجَمَّعة في شخصية أُمنا العذراء مريم، بالرغم من أنه يوجد نساء كثيرات في كل زمان.
ومثلاً في مَجمَع القُدَّاس تَسمَع عن الثُنائيات مثل: مكسيموس ودوماديوس الأخوَيْن، والأنبا أنطونيوس والأنبا بولا، والقديس الأنبا بيشوى والأنبا بولا الطموهي وهو بمثابة رَفْيق أو تلميذ له.
ونَسمَع أيضاً عن مجموعات من القديسين مثل: 318 المُجتَمِعين في مَجمَع نيقيه والــ 150 بالقسطنطينية والــ 200 بأفَسُس والـ 49 شهيداً شيوخ برية شيهيت، ولُبَّاس الصليب.
وأيضاً في مَجمَع القُدَّاس يُذكَر التائبون مثل: القديس موسى الأَسْوَد فهو مِثال قوي في التوبة.
ويَتَكلم أيضاً عن المُتَزوجين مثل: القديس ديمتريوس الكَرَّام.
ويَتكلَّم عن المصـريين مثل: القديس كيرلس عَمود الدين والقديس ثاؤفيلوس والقديس ديسقورس.
كما يتَكلَّم عن غير المصـريين مِثل: القديس ساويرُس الأنطاكي فهو سُـرياني الجِنس، والقديس يوحنا ذهبي الفم (أنطاكي).
ويتَكلَّم عن مجموعات الأسماء مثل الثلاثة مقارات القديسين، ويتكلّم عن الثلاثة الذين يُسَمُّون: غريغوريوس الأرمني، والناطق بالإلهيات، والصانع العجائب.
ويَتكلَّم عن أَول الشُهداء القديس استفانوس، وخَاتَم الشُهداء القديس البابا بطرس البطريرك رقم 17.
الخُلاصة يا إخوتي، هؤلاء كلهم نماذج حُب، فإن أردت أن تَعِيش هذه المحبة الفيّاضة وتَعرِف بها المسيح، اقرأ سِيـَر هؤلاء وعِشَها وتَمتَّع بها، واعرف كم أن الكنيسة غَنية والتاريخ غَني. واملأ حياتك بفضائل القديسين، فلا بد أن يكون هذا في كل بيت؛ لأن هؤلاء بالفعل سبقونا إلى السماء، لكن ما زال ذِكراهم وأعمالهم وكتاباتهم وأقوالهم تَحيا معنا، حتى ولو كانت عِبارَة واحدة، فالقديس الأنبا بولا أول السواح مع عُمره الطويل لا يَذكُر له التاريخ سوى عِبارَة واحدة: “مَنْ يهرب من الضيقة، يهرَب من اللَّـه”، عبارة واحدة لكنها عاشت بيننا حتى اليوم.
بهذه الصورة نكون قد أتممنا الخمس خبزات والسمكتين، لكي تعيشَهم كتداريب روحية:
(1) الكتاب المقدس .. رسالة حب.
(2) الصـلاة .. لقاء حب.
(3) التوبـة .. خَـطـوة حب.
(4) الإفخارستيا .. شـركة حب.
(5) الصوم .. فتـرة حب.
(6) قانون الإيمان .. إعـلان حب.
(7) سِيـَر القديسين .. نـماذج حـب.
هذا برنامج روحي لك لكي تستطيع أن تَتمتع بكل عُنصـر فيه، وتعيش مع المسيح وتقول مع بولس الرسول: “لأعرِفَه، وقوَّة قيَامَتِهِ، وشَـرِكَـةَ آلامُه،
مُتشَبهاً بموتِهِ” (في 3 : 10).
لإلهنا كل مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد. آمين.