• الرئيسية
  • الكنيسة القبطية
    • الكتاب المقدس
      • العهد القديم
      • العهد الجديد
      • قصص للأطفال
      • تاريخ يسوع
    • تاريخ الكنيسة
    • العائلة المقدسة
    • تاريخ البابوات
    • المقر البابوي
    • مجلة الكرازة
    • ملتقيات لوجوس للشباب
    • برنامج لوجوس للقيادة
    • جولات قبطية °360
    • اللغة القبطية
    • كرازة الكنيسة
    • كتب كنسية
    • قصص القديسين
    • المتحف القبطي
    • جاليري قبطي
  • المجمع المقدس
    • البابا تواضروس الثانى
    • أعضاء المجمع المقدس
    • الهيكل التنظيمى للجان
      • اللجنة الدائمة
      • لجنة السكرتارية
      • لجنة الرعاية والخدمة
      • لجنة الطقوس
      • لجنة الإيمان والتعليم
      • لجنة الأسرة
      • لجنة الإعلام والمعلومات
      • لجنة العلاقات العامة
      • لجنة العلاقات المسكونية
      • لجنة الرهبنة والأديرة
      • لجنة شؤون المهجر
      • لجنة شؤون الإيبارشيات
    • لوائح المجمع المقدس
    • قرارات المجمع المقدس
    • قرارات بابوية
    • سيمينارات المجمع المقدس
    • العلاقات المسكونية
      • المجامع المسكونية
      • العائلات الكنسية
      • العلاقة مع الكنائس الأرثوذكسية الشرقية
      • العلاقة مع الكنائس الأرثوذكسية البيزنطية
      • العلاقة مع الكنيسة الكاثوليكية
        • 50 عامًا من المحبة الأخوية (1973-2023)
      • العلاقة مع الكنائس الإنجيلية
      • العلاقة مع الكنيسة الإنجليكانية
      • العلاقة مع الكنيسة الأشورية
      • مجالس الكنائس
      • العمل المسكوني لبطاركة الكنيسة
    • الآباء المتنيحين
  • البابا تواضروس الثاني
    • السيرة الذاتية
    • رسائل بابوية
    • تكريمات وأوسمة
    • رسائل يوم الصداقة
    • كتب قداسة البابا
    • مقالات قداسة البابا
      • مقالات إفتتاحية الكرازة
      • مقالات جريدة الأهرام
      • مقالات مجلة مرقس
    • زيارات داخلية
    • زيارات خارجية
    • دراسات كتابية
    • عظات الأربعاء
    • حوارات صحفية
    • كلمات وتصريحات
    • فيديو قداسة البابا
    • سؤال وجواب
  • الأديرة والإيبارشيات
    • الأديرة الآثرية
    • الأديرة الحديثة
    • أديرة المهجر
    • إيبارشيات مصر
    • إيبارشيات المهجر
    • مركز لوجوس البابوي
    • مراكز روحية
      • ماريوحنا بطمس
      • بيت الأنافورا
  • الهيئات القبطية
    • أسقفيات عامة
      • أسقفية الخدمات العامة والإجتماعية والمسكونية
      • أسقفية الشباب
    • هيئات تعليمية
      • المكتبة البابوية المركزية
      • معهد الدراسات القبطية
      • الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس
      • المعهد القبطي للتدبير الكنسي والتنمية
      • معهد الرعاية والتربية
      • المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي
      • مؤسسة سان مارك لتوثيق التراث
      • جامعة هولي صوفيا
      • معهد بولس الرسول للدراسات الخدمية والكرازية
      • أسرة القديس بنتينوس لأساتذة الجامعات
    • هيئات اجتماعية
      • هيئة أوقاف الأقباط الأرثوذكس
      • المجلس الملي العام
      • الديوان البابوى العام
      • مسرح الأنبا رويس
    • هيئات تنموية
      • أسقفية الخدمات العامة والإجتماعية والمسكونية
      • لجنة الرعاية الاجتماعية
      • المكتب البابوى للمشروعات
      • مكتب الخدمة HIGH Office
    • هيئات اعلامية
      • مجلة الكرازة
        • أعداد مجلة الكرازة
      • المركز الإعلامي
      • الموقع الرسمي
      • COC
      • Aghapy TV
      • CTV
      • ME Sat
      • CYC
      • Koogi TV
    • هيئات صحية
      • مركز الرجاء
  • الأخبار
    • مقابلات رسمية
    • لقاءات رعوية
    • مناسبات كنسية
    • رسائل بابوية
    • تكريمات وأوسمة
    • رسائل يوم الصداقة
    • عظات الأربعاء
    • حوارات صحفية
    • كلمات وتصريحات
    • مقالات إفتتاحية الكرازة
    • برقيات واتصالات
  • العربية
  • الرئيسية
  • الكنيسة القبطية
    • الكتاب المقدس
      • العهد القديم
      • العهد الجديد
      • قصص للأطفال
      • تاريخ يسوع
    • تاريخ الكنيسة
    • العائلة المقدسة
    • تاريخ البابوات
    • المقر البابوي
    • مجلة الكرازة
    • ملتقيات لوجوس للشباب
    • برنامج لوجوس للقيادة
    • جولات قبطية °360
    • اللغة القبطية
    • كرازة الكنيسة
    • كتب كنسية
    • قصص القديسين
    • المتحف القبطي
    • جاليري قبطي
  • المجمع المقدس
    • البابا تواضروس الثانى
    • أعضاء المجمع المقدس
    • الهيكل التنظيمى للجان
      • اللجنة الدائمة
      • لجنة السكرتارية
      • لجنة الرعاية والخدمة
      • لجنة الطقوس
      • لجنة الإيمان والتعليم
      • لجنة الأسرة
      • لجنة الإعلام والمعلومات
      • لجنة العلاقات العامة
      • لجنة العلاقات المسكونية
      • لجنة الرهبنة والأديرة
      • لجنة شؤون المهجر
      • لجنة شؤون الإيبارشيات
    • لوائح المجمع المقدس
    • قرارات المجمع المقدس
    • قرارات بابوية
    • سيمينارات المجمع المقدس
    • العلاقات المسكونية
      • المجامع المسكونية
      • العائلات الكنسية
      • العلاقة مع الكنائس الأرثوذكسية الشرقية
      • العلاقة مع الكنائس الأرثوذكسية البيزنطية
      • العلاقة مع الكنيسة الكاثوليكية
        • 50 عامًا من المحبة الأخوية (1973-2023)
      • العلاقة مع الكنائس الإنجيلية
      • العلاقة مع الكنيسة الإنجليكانية
      • العلاقة مع الكنيسة الأشورية
      • مجالس الكنائس
      • العمل المسكوني لبطاركة الكنيسة
    • الآباء المتنيحين
  • البابا تواضروس الثاني
    • السيرة الذاتية
    • رسائل بابوية
    • تكريمات وأوسمة
    • رسائل يوم الصداقة
    • كتب قداسة البابا
    • مقالات قداسة البابا
      • مقالات إفتتاحية الكرازة
      • مقالات جريدة الأهرام
      • مقالات مجلة مرقس
    • زيارات داخلية
    • زيارات خارجية
    • دراسات كتابية
    • عظات الأربعاء
    • حوارات صحفية
    • كلمات وتصريحات
    • فيديو قداسة البابا
    • سؤال وجواب
  • الأديرة والإيبارشيات
    • الأديرة الآثرية
    • الأديرة الحديثة
    • أديرة المهجر
    • إيبارشيات مصر
    • إيبارشيات المهجر
    • مركز لوجوس البابوي
    • مراكز روحية
      • ماريوحنا بطمس
      • بيت الأنافورا
  • الهيئات القبطية
    • أسقفيات عامة
      • أسقفية الخدمات العامة والإجتماعية والمسكونية
      • أسقفية الشباب
    • هيئات تعليمية
      • المكتبة البابوية المركزية
      • معهد الدراسات القبطية
      • الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس
      • المعهد القبطي للتدبير الكنسي والتنمية
      • معهد الرعاية والتربية
      • المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي
      • مؤسسة سان مارك لتوثيق التراث
      • جامعة هولي صوفيا
      • معهد بولس الرسول للدراسات الخدمية والكرازية
      • أسرة القديس بنتينوس لأساتذة الجامعات
    • هيئات اجتماعية
      • هيئة أوقاف الأقباط الأرثوذكس
      • المجلس الملي العام
      • الديوان البابوى العام
      • مسرح الأنبا رويس
    • هيئات تنموية
      • أسقفية الخدمات العامة والإجتماعية والمسكونية
      • لجنة الرعاية الاجتماعية
      • المكتب البابوى للمشروعات
      • مكتب الخدمة HIGH Office
    • هيئات اعلامية
      • مجلة الكرازة
        • أعداد مجلة الكرازة
      • المركز الإعلامي
      • الموقع الرسمي
      • COC
      • Aghapy TV
      • CTV
      • ME Sat
      • CYC
      • Koogi TV
    • هيئات صحية
      • مركز الرجاء
  • الأخبار
    • مقابلات رسمية
    • لقاءات رعوية
    • مناسبات كنسية
    • رسائل بابوية
    • تكريمات وأوسمة
    • رسائل يوم الصداقة
    • عظات الأربعاء
    • حوارات صحفية
    • كلمات وتصريحات
    • مقالات إفتتاحية الكرازة
    • برقيات واتصالات
  • العربية
Facebook-f Instagram Youtube X-twitter Threads Soundcloud Bullseye

هذا إيماني

هذا إيماني

هذه نوعيات من الأسئلة تدور حول إيماننا الأقدس، وتتردَّد عادةً في لقاءات الشــباب.

نُقدِّمها من خلال قانون الإيمان الذي نتلــوه بــروح الصــلاة فـي كــل مناســبة.

نُقدِّمها بشكل عملي ومناسب لتكون مرجعاً شــاملاً ومختصــراً فـي آنٍ واحــد.

إنها مُفيدة للشباب ولأبنائنا في كل أسرة مسيحية، وأيضاً لكل مَنْ يسأل عن سبب
الرجــاء الــذي فيـنـا.

Open as PDF

 مـا هـى النظـرة السـليمـة لتعـريف الإيمـان المسـيحي ؟

 

ليس الإيمان هو مجرَّد اعتناق مجموعة من العقائد نتلوها في ” قانون الإيمان”. إنما هو حياة نحياها أو عقيدة تقود إلى الحياة. وليس الإيمان أيضاً مجرَّد تصديق أفكار أو مبادئ عن اللَّه، إنما هو ارتباط صميمي بشخص حي هو اللَّه، والانتماء إليه كمصدر حياتنا ومرجعه.

 

الإيمـان المسـيحي:

هو إدراك حي كياني لوجود اللَّه في حياتي ولذا يُعرِّفه الكتاب المقدس قائلاً:

” الإيمـان هـو الثقـة ( الشـخصية ) بمـا يُرجـى،

والإيقــان ( الداخلـي ) بأمـور لا تـُـرى“ ( عـب 11 : 1 ).

 

ويقـول المتنيـح القمـص بيشـوى كامـل:

إن حجم الإنسان المسيحي ليس هو حجم جسده البشري ولكن هو حجم اللَّه بروحه الساكن فيه، لذلك فأنا بذاتي لا أقدر أن أنقل جبلاً … ولكن اللَّه الساكن فيَّ يستطيع بي أن ينقل جبلاً… كذلك لو أن لي إيمان مسيحي مثل حبّة خردل ”أستطيع كــل شــيء فــي المسـيح الـذي يقوِّيـني“ ( فيلبي 4 : 13 ).

 إذاً مـَـنْ هــو المؤمــن المســيحي ؟

هو ليس ذلك الذي يُنادي بفكرة اللَّه، وإنما هو الذي يقبَل اللَّه إلهاً له، أي محوراً لكيانه كله وموجِّهاً ومُسيِّراً لحياته كلها.

معنى ذلك أن جوهر الإيمان هو أن يصبح اللَّه “إلهي”. أي المرجع المُطلَق لكل أموري، وأن أطيعه ليس فقط في تصرُّفاتي الخارجية بل وفي أفكاري ورغباتي وكل مشاعري، وأن يملك على قلبي.

هذا ما تعنيه كلمة: “أرثوذكسية = العقيدة السليمة أو المستقيمة”.

أي أن الأرثوذكسي هو المؤمن المسيحي الذي يحيا في اعتقاد مستقيم مع اللَّه.

 

ومـا السـبيل لكـي أحـيـا حيـاة الإيمـان هـذه ؟

 

إذا كان اللَّه ـ موضع الإيمان ـ يفوق كل عقل وفكر وتصوُّر وشعور ورغبة، فهذا يعني أنه لا يمكنني أن أكتشفه من تلقاء ذاتي.

ولكن لأن اللَّه يحبني ـ أنا مخلوقه وصنعة يديه ـ لذا أراد أن يكشف ذاته لي، ذلك لأن المحبة تدفع المُحِب أن يكشف ذاته للمحبوب حسب قول الرب يسوع: ”أنا أُحبَّه وأُظهِر له ذاتي“
( يوحنا 14 : 21 ).

وهذا هو امتياز المسيحية … إذ أن الأديان الأخرى تحاول أن تسعى بالإنسان نحو اللَّه. أمَّا في المسيحية فإن اللَّه هو الذي يسعى نحو الإنسان .. لأنه يُحبّه لكي يشفيه ويُعافيه ويُنقذه من كل أوجاعه.

إلاَّ أن الملحوظة الهامة هنا هى: إن اللَّه الذي يَسعى دوماً إليَّ؛ لأنه يُحبّني، لا يقتحم حياتي دون إرادتي لسبب بسيط أنه: يحترم حُرِّيتي التي منحها لي.

اللَّه لا يُعلِن ذاته إلاَّ لذوي القلوب النقيَّة ( متى 5 : 8 ) فقط. إذاً فالإنسان المُستعدّ في قلبه للقاء اللَّه هو فقط الذي يكشف له اللَّه ذاته من خلال المحبة.

 

ولكن أليس ذلك المفهوم عن الإيمان يجعل اهتمام المسيحية الأول  هـو بالسـماء  وليـس بـالأرض التـي نحيـا عليهـا ؟

 

   هذا حق وهدف أصيل …

ولكن … مع أن المسيحية حياة سماوية إلاَّ أنها تُمارس على الأرض، فلا ننسى أن اللَّه لم يعاملنا وهو منعزل في السماء، بل نزل إلينا واتحد بطبيعتنا البشرية، وأكل من ثمار أرضنا وشرب من مياهها. لقد أعطانا الأبدية من خلال واقع الزمن. لقد أخذ الذي لنا ( أي طبيعتنا الأرضية وخطايانا ) وأعطانا الذي له ( الحياة السماوية والأبدية ). كما يقول القديس أثناسيوس الرسولي …

إذاً نحن نعيش بالمسيحية في السماويات ولا نتجاهل الأرض، نهيم في حب اللَّه بلا حدود دون أن نترك النظام أو نحتقر الزمن أو ننسى أننا هنا على الأرض.

 

ولمـاذا وُضِـعَ الإيمـان المسـيحي فـي صـورة قانـون ؟

 

   قانون الإيمان: هو دستور عقيدتنا المسيحية الذي يحوي بنود إيماننا الأقدس كاملاً في صورة صياغات قانونية محددة واضحة غير قابلة للجدل أو الالتباس … وكل المسيحيين شرقاً وغرباً يعرفون هذا القانون ويُردِّدونه في صلواتهم.

وقد وُضِعَ هذا القانون أولاً لأهداف دفاعية وتعليمية. ولكن في صيغة لاهوتية مُبسَّطة تُعلِن إيمان الكنيسة المستقيم، يعترف بها المسيحيون ويُصلُّون بها.

وقد صار قانون الإيمان مُلخِّصاً للإيمان المسيحي القويم، أكثر منه اعترافاً يردده طالِبو العماد.

وقد سُمِّيَ قانون الإيمان كذلك وباليونانية “SYMVOLON” أي علامة تعارف. والكلمة مأخوذة من علامات التعارف التي يتبادلها الجنود ليميِّزوا بين الصاحب والعدو.

وثمة ملاحظة هامة: إن كل عبارات قانون الإيمان مأخوذة بالكامل عن الكتاب المقدس بعهديه.

 ومـا مصـدر قـانـون الإيمــان ؟

مصدره هو الكتاب المقدس بعهديه الذي هو إعلان اللَّه عن ذاته للبشر. أولاً لليهود بواسطة ما يعرف بِاسم العهد القديم، ثم إعلاناً أوضح وأتمّ للبشر جميعاً في شخص الرب يسوع المسيح في ما يعرف بِاسم العهد الجديد.

وهذا الإعلان الإلهي دوَّنه في أسفار مقدسة، أُناس قديسون مسوقين من الرُّوح القُدُس … ( بطرس الثانية 1 : 21 ).

والكتاب المُقدَّس ليس كتاباً واحداً، بل هو مجموعة كتب مُتفرِّقة ضُمَّت في كتابٍ واحدٍ، يُسمَّى كل منها سفراً ( من الكلمة العبرية: سفر = كتاب ).

وهذه الأسفار كتبها أشخاص مختلفو الصفات والبيئات والثقافات، وعاشوا في أماكن وأزمنة مختلفة وتحت ظروف اجتماعية متباينة.

وقد استغرقت كتابته أكثر من ألف عام ويرجع زمانه إلى أكثر من  3500 سنة … ومع تباين مَن سجَّلوه واختلاف ظروفهم عبر الأجيال .. لكنه يبدو في النهاية كتاباً واحداً مُقسَّماً، ممّا يدل على أن كاتبه واحد هو اللَّه. وهدفه واحد هو خلاص البشر جميعاً من كل أمة وجنس ولغة. وهو يبدأ بسفر التكوين الذي يتحدث عن خلقه العالم .. وينتهي بسفر الرؤيا الذي يتناول موضوع نهاية العالم والحياة في العالم الآخر.

 ومتـى وُضِـعَ قانـون الإيمـان تاريخيـاً ؟

وُضِعَ قانون الإيمان أساساً على مرحلتين حسب ظهور الهرطقات ثم اضطرار الكنيسة المسيحية للدفاع عن إيمانها:

 

الأولـى:

عام 325 م حيث انعقد المجمع المسكونى الأول بمدينة نيقية بتركيا لمناقشة بدعة الهرطوقي “أريوس” الذي حاول زعزعة الإيمان المستقر في الكنيسة بقوله أن المسيح ليس أزلياً، وبالتالي فهو ليس إله بل مجرد وسيط بين اللَّه والناس.

وردّاً على هذه البدعة وضع هذا المجمع الجزء الأول من قانون الإيمان ( من أوله… وحتى ”نعم نؤمن بالرُّوح القُدُس“ ).

 

الثانيــة:

عام 381 م حيث انعقد المجمع المسكونى الثاني بمدينة القسطنطينية ( اسطنبول بتركيا حالياً ) لمناقشة بدعة الهرطوقي
“مقدونيوس” الذي علَّم بأن الروح القدس ليس إلهاً.

وردّاً على هذا البدعة أكمل هذه المجمع الجزء الثاني من قانون الإيمان شارحاً ومُفصِّلاً إيماننا في الروح القدس ولاهوته (… الرَّبّ المُحيي المُنبَثِق من الآب … وحياة الدهر الآتي، آمين.).

 مـا معـنـى كلمـتــي:

   ”مجمــع مسـكونـي“    و    ”هـرطوقـي“ ؟

 

”مجمــع مسـكونـي“:

معناه اجتماع رعاة ومُعلِّمي الكنيسة من جميع جهات المسكونة “العالم” لمناقشة أمر يخُصّ الإيمان المسيحي. بهدف حفظ النظام وسلامة العقيدة بين المسيحيين في شتى أنحاء العالم.

ويقترب هذا المُصطلح من تعبير “مؤتمر دولي”. ولكنه لا يخص الدول بل الكنائس المسيحية في البلدان المختلفة.

 

”هـرطـوقـي“:

هو الإنسان المُبتَدع الذي يُنادى بتعليم يخالف ما كُتِب في الكتاب المُقدَّس، كما أنه لا يخضع لتعاليم الكنيسة على لسان آبائها عبر القرون، ونُسمِّيه: “صاحب بدعة”. ويحاكمه مجمع كنسي مسكوني أو محلِّي. ويتدرج عقابه في عدة درجات أهمها: “عقاب الحرم” أو “الحرمان” أي عدم قبوله بين المسيحيين لأنه يُعكِّر سلام الكنيسة ( يوحنا الثانية 1 : 10 ).

 ومــا المقصــود بـ ” مقـدمــة قانـون الإيمـان ” ؟

المقصود بمقدمة قانون الإيمان هو القطعة التي نرددها قبل تلاوة قانون الإيمان ومطلعها “نُعظِّمك يا أُمّ النور الحقيقي ..”.

وهذه القطعة وضعها آباء المجمع المسكوني الثالث الذي انعقد بمدينة أفسس بآسيا الصُّغرى عام 431 م، ردّاً على بدعة الهرطوقي “نسطور” الذي قال أن … السيدة العذراء مريم هى والدة جسد المسيح فقط وليس والدة الإله كما ندعوها نحن “ثيؤطوكس” أي: “والدة الإله”.

 

هل يمكن أن نقول أن… قانون الإيمان هو خلاصة المسيحية ؟

نعم؛ لأنه كما ذكرنا قبلاً يحوي باختصار بنود إيماننا الأقدس ممثلة في النقاط التالية:

أ ـ لاهوت اللَّه الآب: ضابط الكل ـ خالق كل شيء.

ب ـ لاهوت اللَّه الابن: الوحيد ـ المولود من الآب ـ به كل شيء..

جـ ـ لاهوت الرُّوح القُدُس: المُحيي ـ المُنبَثِق من الآب …

د ـ سِمَات الكنيسة: واحدة ـ مُقدَّسة ـ جامعة ـ رسولية.

هـ ـ سر المعمودية المقدس للولادة الجديدة.

و ـ عقيدة قيامة الأموات.

ز ـ عقيدة الحياة الأخرى والدهر الآتي.

ولماذا رتبت الكنيسة أن يُتلى قانون الإيمان في صلواتنا ؟

يُتلى قانون الإيمان في كل صلوات الأجبية وفي بدء خدمة القداس الإلهي وفي باقي الأسرار المُقدَّسة واجتماعات الكنيسة، ونحن نتلوه بصوت مرتفع ونحن واقفين وذلك للأسباب التالية:

أ ـ للاعتراف أمام اللَّه والناس بتمسكنا بالإيمان المستقيم وبثباتنا في كلمة اللَّه.

ب ـ لنتذكّر ما تحمَّله آباء الكنيسة من اضطهادات وأتعاب في سبيل الحفاظ على نقاوة الإيمان وسلامته.

جـ ـ لأن هذه التلاوة هى تلاوة لآيات الكتاب المقدس التي هى مصدر كل عباراته كما سبق وذكرنا.

 

 مـا الـذي نفهمـه مـن العبـارة الأولـى في قانـون الإيمـان؟

عندما نقول: ”بالحقيقة نؤمن بإله واحد“ فإننا نُعلِن أن إيماننا إيمان حقيقي، ليس مجرد تلقين أو تعليم ولكنه إيمان فعلى من الأعماق. إيمان سليم لا شك فيه على الإطلاق.

ثم نعترف بحقيقتين تمثلان أساس الحقائق الإيمانية كلها وهما:

# أننا نؤمن بأن اللَّه موجود ( وجود اللَّه ).

# أننا نؤمن بأن اللَّه واحد ( وحدانية اللَّه ).

 كيـف نتأكـد مــن حـقيقـة وجــود اللَّــه ؟

يقول العامة:

”اللَّه لم يره أحد ولكن الناس عرفوه بالعقل“.

وهذا يعنى أنه ليس بمقدور الإنسان بإمكانياته الحاضرة أن يشاهد لاهوت اللَّه كما هو في حقيقته، ولكن يمكنه أن يحكم بعقله أن اللَّه كائن، وهو الذي أوجد العالم وخلقه من العدم. وأن اللَّه روح ولا يقع تحت نطاق الحواس المادية.

ونحن لا نقدر الآن أن نرى اللَّه ولكننا سنستمتع بالوجود الدائم معه عندما نترك هذا الجسد بحواسه الجسدية المادية المحدودة. فإن كنا لا نستطيع أن نرى الأشياء البعيدة جداً، ولا نستطيع أن نسمع الأصوات من مسافات بعيدة لأن عيوننا وآذاننا ليس في مقدورها ذلك، فبالأحرى لا نستطيع أن نرى اللَّه بعيوننا.

 

على ذلك إن أردنا أن نرى اللَّه هنا في هذا العالم فيمكننا أن نراه في مصنوعاته وخلائقه، نراه في:

 

1 ـ وجــود الحيــاة:

وجود الحياة يثبت وجود اللَّه. فمن الثابت علمياً أنه مرَّ وقت لم تكن فيه حياة على الأرض سواء من البشر أو الحيوان
أو النبات وكانت الأرض ملتهبة كقطعة نار عندما انفصلت عن المجموعة الشمسية، وهذا لا يسمح بوجود حياة إنسان
أو حيوان. فكيف وُجِدَت الحياة ؟

يظل السؤال بلا إجابة لأنه حتى الآن لا يزال سر الحياة لغزاً غامضاً. ولا نجد سوى جواباً بأن قوة تفوق مستوى العقل أوجَدت هذا. هذه القوة نسميها: ”اللَّه“.

 

2 ـ وجــود المــادة:

كيف وُجِدَت المادة ومَنْ خلقها؟ لا شك أنه اللَّه.(أي 12: 7 ـ 10 ).

 

3 ـ وجــود النظــام:

الصدفة لا تُكوِّن نظاماً، والذي يدرس نظام الفَلك العجيب وقوانينه التي لا تختل، يُدرِك أن وراء هذا الفلك مُنظِّم، والذي يدرس علم الطب يجد كل جهاز يعمل بنظام عجيب، يُدرِك أن هناك مُنظِّم. فحينما وُجِدَ النظام وُجِدَ المُنظِّم وهو اللَّه.

 

 وهــل تؤمــن المســيحية بإلــه واحــد ؟

نعم، تؤمن المسيحية بوحدانيَّة اللَّه، وليس إله غيره، وهى في ذلك ترفض مبدأ الشِّرك (كالوثنيين القائلين بتعدد الآلهة). ونصوص الكتاب المقدس بعهديه تؤيد ذلك بوفرة منها:

العهــد القديــم:

# ”اسـمع يـا إسـرائيل الـرَّبّ إلهنـا ربٌ واحـدٌ“ ( تثنيـة 6 : 4 ).

# يقول الرب: ”أنـا أنـا هـو ولا إلـه معـي“ ( تثنيـة 32 : 39 ).

# ويقول أيضاً: ”أنـــا الأول وأنـــا الآخِـــر، ولا إلـــه غـيـــري“
( إشـعياء 44 : 6 ).

 

العهــد الجديــد:

# ”ليـس أحـدٌ صالحـاً إلاَّ واحـدٌ وهـو اللَّـه“.

( متـى 19 : 17 ، مرقـس 10 : 18 )

# ”لأن اللَّــه واحــدٌ“ ( رومـيـة 3 : 30 ).

# ”لـنـا إلــهٌ واحــدٌ“ ( كورنثـوس الأولـى 8 : 6 ).

# ”اللَّهَ واحدٌ الذي يعمل الكل في الكل“ ( 1 كو 12 : 6 ).
ونحن نؤكِّد على هذه الحقيقة في كل مرة نرشم ذواتنا بعلامة الصليب إذ نختم ونقول: “… الإله الواحد. آمين”.

ولقد استخدم الآباء عبارة: “إله واحد” ليقضوا على خطأ تعدُّد الآلهة وبالتالي ضرورة التمسك والتأكيد بأن اللَّه واحد منفرد بالطبيعة وبالحق وهكذا … أعلنوا إيمانهم بإله واحد.

لاحظ أن خطية تعدد الآلهة لا تقع فيها الشياطين لأنه مكتوب: ”أنت تؤمن أن اللَّه واحد حسناً تفعل. والشياطين أيضاً  يؤمنون ويقشعرون“ ( يعقوب 2 : 19 ). ولكن الشياطين تُقدِّم للبشر خطية تعدُّد الآلهة.

 

 إذا كان الأمر كذلك فلماذا نقول أن هناك ثلاثة أقانيم ؟

نحن نعبد إلهاً واحداً: ”الــذيــن يشــهدون في الســماء هُــم
ثلاثةٌ: الآبُ، والكلمةُ، والرُّوح القُدُس. وهؤلاء الثلاثةُ هُم
واحــدٌ“ ( يوحنـا الأولـى 5 : 7 ).

ومن هنا عندنا: ذات اللَّه ( الآب )، وعقل اللَّه ( الابن )، وروح اللَّه ( الروح القدس ). والثلاثة هم في واحد.

فإن كان الإنسان خُلِقَ على صورة اللَّه ومثاله، فهو أيضاً خُلِقَ على صورة: ذات إنسانية، وعقل، وروح، والثلاثة واحد.

إننا عندما نتحدث عن طبيعتك نقول أن لك: عقلاً أو ذاتاً، ولك كلمة معقولة ( عاقلة ) ولك روح، والحديث عن طبيعتك
لا ينفي أبداً أنك واحد وليس ثلاثة.

 ومـاذا تعنـي كلمـة: “أقـنـوم” ؟

أقنوم ( HYPOSTASIS ) اصطلاح سرياني سامي دخل إلى اللغة العربية، وأُستخدم في استعمال خاص بالنسبة للَّه فقط.

وهو مشتق من كلمتيْن:   هيبو = تحت ،  ستاسس = قائم

فيكون المعنى الحرفي هو: “القائم تحت”. أي ما يقوم تحت كأساس. بمعنى آخر، الأقنوم: خاصية ذاتية بدونها لا يقوم الجوهر الإلهي. فمثلاً:

أ ـ خاصيـة الوجـود:

فليس من المعقول أن يكون اللَّه بدون هذه الخاصية أنه واجب الوجود.

ب ـ خاصيـة العقـل:

فليس من المعقول أن يكون اللَّه بدون هذه الخاصية أنه العقل والحكمة.

جـ ـ خاصيـة الحيـاة:

فليس من المعقول أن يكون اللَّه بدون هذه الخاصية أنه الحي ومُعطي الحياة.

إذاً، يتّضح ممّا سبق أن الأقانيم الثلاثة: مُتمايزة في العمل، ولكنها غير مُنفصلة؛ لأنها في الجوهر الإلهي الواحد.

 

 ومـا معنـى عبـارة الجوهـر الإلهـي ؟

 

كلمة ”جوهر“ تعني الطبيعة التي يتميز بها هذا الكائن،  فالجوهر الإلهي هو طبيعة اللاَّهوت ( اللَّه ) بكل ما فيها، وإلهنا واحد في الجوهر، بمعنى أنه مُنفرد في نوعه لا شبيه له، مُتعالٍ فوق كل الكائنات لأنه خالِقها ومُحييها وحافظها.

واعتقادنا بثلاثة أقانيم لا يعني ثلاثة جواهر، بل جوهر واحد.

 

ولماذا تبدو حقيقة الثلاثة أقانيم عسيرة الفهم أمام البعض ؟

 

الصعوبة ليست في “موضوع” الأقانيم وإنما في “تسمية” الأقانيم. فنحن نسمي الذات الإلهية = الآب. بمعنى: “الأصل أو المصدر“. وهيَ بالطبع ليست أبوة جسدية تناسلية، بل روحية متساوية .. كما نقول عن مصر أنها أُمّنا.

كذلك نُسمِّي الحكمة الإلهية = الابن. بمعنى: “العقل“. وهى بالطبع بنوّة روحيّة لا تناسليّة.

أو كما نقول:

عقل “فلان” حل المسألة = فلان حل المسألة

إذاً عقل فلان = فلان نفسه

وعقل اللَّه = اللَّه نفسه

 

أيضاً نُسمي الحياة الإلهية = الرُّوح القُدُس. بمعنى “الحياة“ حيث أن الرُّوح هو نَسمة الحياة، وحين تخرج الرُّوح من إنسان ينتهي الإنسان.

إذاً … هذه التسميات هى مُجرَّد ألفاظ لغويَّة تشرح لنا المعاني الجوهريَّة في أن:

 ”اللَّه الواحد. كائن بذاته، ناطق بكلمته، حي بروحه“.

 

أرجـو مزيـداً مـن التوضيـح حـول هـذه  النقطـة …

اللَّه الذي نؤمن به ونعبده هو: ذات واحدة إلهية وثلاثة أقانيم.

ولشرح ذلك نسأل:

&  هــل اللَّــه الــذي أعبــده موجــود أم لا ؟

والإجابة بالطبع أنه موجود … يملأ كل الوجود وإلاَّ صار عدماً. وحاشا للَّه أن يكون كذلك.

ونسأل أيضاً:

&  هــل اللَّــه الموجــود هــذا: حــي أم ميــت ؟

والإجابة بالطبع أنه حي … وإلاَّ إذا كان موجود وغير حي صار مُجرَّد وثن أو صنم وحاشا للَّه أيضاً أن يكون كذلك.

وأخيراً نسأل:

&  هــل اللَّــه الحــي الموجــود: ناطــق عاقــل أم لا ؟

والإجابة بالطبع أنه ناطق يتعامل مع عبيده ومخلوقاته، وإلاَّ إذا كان موجود، وحي، وغير ناطق، صار مُجرَّد كائن حي غير ناطق. مثل الطيور والنباتات والحيوانات وحاشا للَّه أن نصفه بذلك.

يتَّضح من جملة هذه الأسئلة وإجابتها أن اللَّه الذي نعبده ونؤمن به في المسيحية هو:

إله له ثلاثة أقانيم (في ذاته الإلهية) متمايزة.

(أي غير مندمجة أو مختلطة ببعضها أو ذائبة الواحدة في الأخرى)

وهى أنه:   موجود ـ ناطق ـ حي

 إذن ما معنى أن الأقانيم الثلاثة في الذات الإلهية الواحدة  ؟

 

معنى ذلك أن الأقانيم الثلاثة تعبر عن الذات الإلهية كما يلي:

الآب: موجود بذاته، ناطق بالابن، حي بروحه.

الابن: موجود بالآب، ناطق بذاته، حي بروحه.

الرُّوح القُدُس: موجود بالآب، ناطق بالابن، حي بذاته.

   إن اللَّه الواحد موجود بذاته ( الآب ) ناطق بكلمته (الابن ) حي بروحه ( الروح القدس ).

بصورة أخرى نقول:

أن: “الآب” هو “وجود” الأقانيم الثلاثة.

و “الابن” هو “النطق” للأقانيم الثلاثة.

و “الروح القدس” هو “حياة” الأقانيم الثلاثة.

وهـل يشـهد الكتـاب المقـدس لعقيـدة التـثـليـث ؟

بالطبع؛ لأن التثليث تعليم سماوي أعلنه اللَّه نفسه لنا في كتابه المقدس. وقد أشار إليه أولاً في العهد القديم، ثم تحدث عنه صراحة في العهد الجديد … وهذه أمثلة:

”اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم بــِاسـم الآب والابن
والــرُّوح القُــدُس“ ( متى 28 : 19 ).

فالآب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم في اللَّه الواحد، ولذلك لم يقل: ”بأسماء“ بل قال: ”بِاسم“ نظراً لأن اللَّه واحد.

والقديس يوحنا الحبيب يقول: ” فــإن الــذيــن يشــهدون في الســماء هُــم ثلاثةٌ: الآبُ، والكلمةُ، والرُّوح القُدُس. وهؤلاء
الثلاثــةُ هُــم واحــدٌ“ ( يوحنـا الأولـى 5 : 7 ).

وفي حادثة العماد نرى اللَّه الواحد وقد ظهر بأقانيمه الثلاثة:

فصوت الآب من السماء، والابن المُتجسِّد غاطس في نهر الأردن، والروح القدس على هيئة جسمية مثل حمامة مستقراً على رأس الكلمة المتجسد ( متى 3 : 13 ـ 17 ).

 

 وهـل الأقانيـم الإلهيـة أجزاء تتكـوَّن منها ذات اللَّـه ؟

 

الأقانيم الإلهية ـ الآب والابن والرُّوح القُدُس ـ ليست أقساماً
أو أجزاءً في الذات الإلهية. حاشا للَّه؛ لأن الذات الإلهية واحدة لا تنقسم ولا تتجزأ. فالآب ليس جزءً من اللَّه، وإنما اللَّه ذاته هو الآب؛ وهى كلمة شرقية تفيد ”الأصل“. ”اللَّه هو أصل الوجود“. ولذا ندعوه: ”الآب“ ( ممدودة ).

والرُّوح القُدُس ليس جزءً من اللَّه. حاشا، وإنما اللَّه هو الروح الأعظم وهو القدوس أي منشئ الحياة وباعثها ومُبدئها.

ولمَّا كان اللَّه هو ”العقل الأعظم“، وهو الخالق للوجود، والعقل الأعظم قد تجسَّد في المسيح. فالمسيح إذاً هو الكلمة،
أو هو نطق اللَّه العاقل، أو عقل اللَّه الناطق. إنه ابن اللَّه بمعنى إنه: ”التَّجلِّي الأعظم للَّه“ أي اللَّه ظهر في المسيح.

الأقانيم الإلهية إذاً هى طبيعة اللَّه التي تقوم عليها الذات الإلهية ومن دونها لا يكون للذات الإلهية وجود أو كيان.

فاللَّه لا يمكن أن يكون موجود بدون ذاته ( الآب ) وعاقل بدون عقله ( الابن ) ولا حي بدون روحه ( الرُّوح القُدُس ). اللَّه لا يتجزأ وصفاته لا تتجزأ. فاللَّه عادل ورحيم مثلاً، ومن الصعب أن تتحدث عن عدل اللَّه وحده أو رحمة اللَّه وحدها. إنما أقول أن اللَّه عادل في رحمته، أو رحمته عادلة، ورحيم في عدله، أو عدله رحيم، أو رحمة اللَّه مملوءة عدلاً، وعدل اللَّه مملوء رحمة.

 

 لكن ألا يوجد تعارض أو تناقض بين القول بالوحدانية والقول بالتـثليث ؟

 

كان من الممكن أن يكون هناك تناقض لو قلنا بثلاثة آلهة، لكنه ثلاثة أقانيم في الإله الواحد.

فالوحدانية من جهة، وأما التثليث من جهة أخرى. اللَّه واحد لأن اللاَّهوت واحد، والجوهر الإلهي واحد، والذات الإلهية واحدة.

إنه تثليث أقانيم وليس تثليث ذوات أو جواهر. ونحن عندما نرشم الصليب نذكر الأقانيم الثلاثة: الآب والابن والروح القدس. لكننا نختم بترديد عبارة: ”الإله الواحد“ كتعبير عن الوحدانية.

فالتثليث المسيحي يمتاز بأنه تثليث وتوحيد يتلخص في عبارة أن الثلاثة هم في واحد. وهذا لا يمكن أن يتوفر في أي نوع من التثليث ولا نقصد أن الثلاثة واحد أي أن الآب هو الابن هو الروح القدس، وإلاَّ زال التثليث في الأقانيم. ولكن نقصد أن الآب والابن والرُّوح القُدُس واحد في اللاهوت. في الطبيعة. في الجوهر. مثل النار التي هى: اللَّهب والنور والحرارة. لا نستطيع أن نقول أن اللَّهب هو النور وأن النور هو الحرارة ولكن الثلاثة واحد والنار بلهيبها وبنورها وحرارتها شيء واحد.

 

 وهل صحيح أن فكرة الثالوث المسيحي مستمدة من الثالــوث المصـري القديـم ؟

 

ليس هناك أدنى علاقة؛ لأن الثالوث المصري القديم يتحدث عن ثلاثة آلهة: إله أب اسمه: ”أوزوريس“ تزوَّج من إلهة أم اسمها: ”إيزيس“ وأنجبا إله ابن اسمه: ”حورس“. كما كان هناك أبناء آخرون وكان بينهم حروب وخصومات.

إذاً ليس هو ثالوث بل عائلة، وهذا كله تم بولادة جسدانية نتيجة زواج وتناسل.

إن المسيحية تحارب هذا الثالوث الوثني لأنه يختلف عن الثالوث المسيحي لأن فيه أُنوثة وولادة جسدانية وزواج والابن أقل من الوالد في العمر وتالي له. ومرّت فترة لم يكن موجود فيها كما أن ولادة الابن فيه انفصال عن الوالدين وهذا كله غير موجود في الثالوث المسيحي.

أمَّا الثالوث المسيحي والذي نقول فيه: ”إله واحد مثلث الأقانيم“ فهو بعيد كل البعد عن الجسد والزواج والولادة والتناسل.

 

 وهل ظهرت في التاريخ مفاهيم خاطئة أخرى
عــن عقيــدة التـثـلـيـث ؟

 

هناك أكثر من ثالوث عُرِفَ في الديانات الوثنية كثالوث المصريين وثالوث الهنود وثالوث براهمة … كما ظهر في القرن السابع الميلادي مفهوم خاطئ حيث نُسِبَ للمسيحيين القول أن المسيح ثالث ثلاثة آلهة، وأن اللَّه الآب اتصل بمريم حتى استولدها المسيح … وقد عُرِفت هذه البدعة بهرطقة المريميين.

ولكن هذا المفهوم الخاطئ ليس له أي علاقة على الإطلاق بما نقوله نحن عن الثالوث الأقدس ونحن ندحضه من قبل القرن السابع الميلادي ومن بعده.

وهل إيماني بعقيدة الثالوث يعني أنني أُشرِك باللَّه ؟

بالطبع لا؛ لأن إيماني بالثالوث الأقدس يعنى إيماني بالإله الواحد، وجدير بالذكر أن هناك فرقاً شاسعاً بين المُشرِكين من ناحية، وبين المسيحيين من ناحية أخرى. كما نقرأ عن ذلك في كُتب التاريخ العام للأديان.

 ما أقرب تشبيهات الحياة اليومية التي توضح هذه العقيدة؟

هناك أمثلة من حياتنا اليومية تُقرِّب عقيدة التثليث والتوحيد إلى الأذهان ولكنها لا تتطابق مع عمق هذه العقيدة. مثلاً:

الإنسان له: وجود ونطق وحياة. وهو إنسان واحد بذاته البشرية الواحدة.

والنار تتكوَّن من لهب ويتولَّد منها نور وتنبعث منها حرارة.

والشمس لها قرص يتولد منه نور وتنبثق منها حرارة، القرص غير النور غير الحرارة لكن الثلاثة لا ينفصلون فالشمس واحدة موجودة بالقرص ومضيئة بالأشعة وحارقة بالحرارة.

ومن لا يؤمن بالتثليث مُكتفياً بأن اللَّه واحد نقول له:

ما قيمة الشمس كقرص بدون أشعة وحرارة ؟ لا وجود لها بدون ضوئها وحرارتها.

   وهناك تشبيهات خاطئة أو ناقصة منها:

ـ الشجرة: تتكون من جذور وساق وأغصان.

ووجه الخطأ أن كل منها مستقل عن الآخر.

ـ المادة: تتكوَّن من ثلاث حالات: صلب ـ سائل ـ غاز. ووجه الخطأ أن ذلك يحدث تحت ظروف خاصة.

ـ الإصبع: يتكوَّن من ثلاث عُقل، ووجه الخطأ أنها غير متساوية ولم تتكوّن في وقت واحد.

ـ المثلث: يتكوَّن من ثلاث أضلاع ولكنها منفصلة.

 هل من الضرورة أن يكون إيماني باللَّه الواحد مثلث الأقانيم؟

ليس عند المسيحيين تعليم إلاَّ وله علاقة بحياة البشر، بمعنى أن حياتي تكون مختلفة كُليّةً إذا كان هناك ثالوث أو لم يكن.

ثم يجب ألاَّ يغيب عنا أنه إذا تحدثنا عن اللَّه فإن الكلمات يكون لها معانٍ غير المعاني المألوفة لدينا. فاللَّه لا يوجد شيء مثله وليس مخلوق مثله.

فمثلاً إذا قلنا أن هذا الإنسان ”جميل“ فليس بهذا المعنى نقول أن اللَّه جميل .. وهكذا لا يمكننا بمعنى من المعاني أن نتكلم عن اللَّه مثلما نتكلم عن الإنسان إذ أن اللغة البشرية قاصرة عن أن تتحدث عن اللَّه.  لا يستطيع الإنسان إلاَّ أن يعد المحسوسات. اللَّه لا يُعدّ؛ لأن من عدّه فقد حدَّه.

والخلاصة أن القضية ليست إحصاء ولكن تبقى المشكلة أن عقل الإنسان ”حسابي“. أي أنه لكي يفهم فهماً صحيحاً يجب أن يُعدَّ.

إنه لكي نفهم بقلوبنا قبل عقولنا يجب أن نعي أن المسيحية تصف اللَّه بأنه محبّة ”اللَّه محبة“، بمعنى أن هناك عملية حُبّ داخل اللَّه، أنه غير منغلق على نفسه لأنه فاتح نفسه بالحديث نحو البشر الذي يحبهم، هذا الحديث حديث حُب … فالآب مُحبّ والابن محبوب والرُّوح القُدُس روح الحُبّ أو لغة الحُبّ المتبادلة. الآب يُحبّ الابن المحبوب بروح الحُبّ … وهكذا تكتمل دورة المحبة التي بها نقول عن اللَّه أنه ”محبة“.

 

 مـاذا نعنـي عندمـا نَصِـف اللَّـه بأنـه: ” ضابـط الكـل ”  ؟

اللَّه ضابط الكل بمعنى أنه هو الذي يحكم الكون ولا يقع شيء من دون علمه. فهو القدير القادر على كل شيء المهتم ومعتنى بالكل أي يرى كل أحد ويراقب كل أحد، ويهتم بكل أحد، ويعتني بكل أحد ولا يخرج أحد عن رِقابة اللَّه.

الكل في ضباطته حتى الشيطان يحدد له حدود لعمله مثل
”تجربة أيوب“؛ لأنه لو ترك الشيطان حراً لأهلك العالم، وأيضاً استأذنته الشياطين لتخرج وتدخل في الخنازير.

فمادام اللَّه ضابط الكل فالإنسان الذي يخاف من أي شيء ينسى أن اللَّه ضابط الكل. الذي يختبئ من وجه اللَّه مثل آدم ويونان ينسى أن اللَّه ضابط الكل، ومن يظلم آخر ينسى أن اللَّه ضابط الكل وأنه يسمع صراخ المظلومين دون أن يطلبوا. آنّاتهم تصعد إليه مثل أنّات المُستعبدين من فرعون.

إن الكتاب المُقدَّس حافل بالأمثلة التي تُبيِّن يد اللَّه التي تتدخل لتُعين العالم. إن عناية اللَّه تمتد إلى كل مخلوقاته وعلى رأسها الإنسان.

وجدير بالذكر أنه في الكنيسة يوجد بالهيكل تجويف في الحائط الشرقي يُسمَّى: ”حضن الآب“ تُرسم فيه صورة:

”البانطوكراطور = ضابط الكل“

حيث يُصوَّر السيد المسيح مُمسكاً بالكرة الأرضية في يده.

 ومن الذي قام بخلقة العالم: الآب فقط أم
الأقانيــم الثـلاثـة معـاً ؟

 

اللَّه واحد في جوهره وأقانيمه الثلاثة متمايزة في العمل. فإذا كان الآب قد أراد خلق العالم. فإن الابن هو الذي قام بعملية الخلق، والرُّوح القُدُس هو الذي بثَّ الحياة في المادة.

واللَّه هو الذي خَلَقَ الأرض وما عليها من كائنات تُرى ولا تُرى وكذلك خَلَقَ الملائكة التي لا تُرى.

   اللَّه هو الخالق ولا يصل أحد إلى قدرته.

( أيوب 12 : 7 ـ 9 ، نحميا 9 : 6 ).

وآيات الكتاب المقدس تثبت اشتراك الأقانيم في الخلق:

فاللَّه الآب خالق:

”فـي البـدء خلـق اللَّـه السـموات والأرض“

( تكوين 1 : 1 )

واللَّه الابن خالق:

”كـل شـيء بـه كـان وبغيــره لــم يكـن شـيء ممَّـا كـان“

( يوحنا 1 : 3 )

والرُّوح القُدُس خالق:

“… تـُـرسِــل روحــك فتخلــق“.

نقرأ في الكتاب المقدس بعض آيات تقول اللَّه
الآب أو اللَّه الابن أو اللَّه الروح القدس فهل
اللَّه الواحد أحياناً يسمى الآب وأحياناً الابن وأحياناً
الـروح القـدس؟ أم مـاذا ؟ ومـا هـو مدلـول ذلـك ؟

 

حقاً مثل هذه الآيات توجد. فمثلاً:

”الديـانـة الطـاهـرة النقيّـة عنـد اللَّـه الآب هـى هـذه …“

( يعقوب 1 : 27 )

”وبالإجمـاع عظيـم هـو سـرّ التقـوى اللَّـه ظهـر فـي الجسـد“

( تيموثاوس الأولى 3 : 16 )

”فقـال بطـرس يـا حنانيـا لمـاذا مـلأ الشيـطان قلبـك لتكـذب علـى
الـرُّوح القُـدُس“

( أعمـال الرسـل 5 : 3 )

 

هنا يتّضح أن هذه الآيات ليس المقصود بها أنهم ثلاثة آلهة لأنه قد قيل بفم السيد المسيح:

“… والمـجـد الـذي مـن الإلـه الواحـد لسـتم تطلبـونـه“

( يوحنا 5 : 44 )

ولكن المقصود من القول: اللَّه الآب، اللَّه الابن، اللَّه الروح القدس. أن الآب والابن والرُّوح ذات إلهية واحدة، لاهوت واحد.. مجد متساوٍ وجلال أبدي. كما يقول أثناسيوس الرسولي.

مثلما يرى شخص قرص الشمس في الصباح الباكر جداً وقت الشروق قبل أن تظهر الأشعة والحرارة. فيقول عن القرص وحده أن: ”الشمس طلعت“.

وحينما يرى الأشعة قد دخلت حجرة في منزله يقول أن الشمس دخلت المنزل … أو يجلس فترة طويلة فتؤذيه حرارة الشمس فيقال أنه أخذ ضربة شمس.

وحينما يقول عن القرص أنه الشمس أو الأشعة أو الحرارة لا يقصد أنها 3 شموس بل هى شمس واحدة والقرص والأشعة والحرارة من نفس الجوهر الواحد الذي للشمس.

لذا يقول القديس أوغسطينوس: ”الآب والابن والروح القدس جوهر واحد ولكن ليس كل أقنوم منهم هو عين الآخر“.

 

 وماذا كان قصد بولس الرسول حين قال: ” اللَّه خالق الجميـع بيسـوع المسـيح ” ( أفسـس 3 : 9 ) ؟

 

اللَّه خلق الجميع بيسوع المسيح مثلما تقول: ”أنني حللت المسالة بعقلي“. فليس العقل شيئاً منفصلاً عن شخصك بل هو طابع شخصيتك وبه وحده تتميَّز عن الحيوان وبدونه لا يَصدُق عليك أن تكون إنساناً.

هكذا الأقنوم الثاني هو عقل اللَّه أو هو فكره وبصيرته التي بها رأى الوجود.

 

 أرجو تقديم فكرة عن موضوع خلق الإنسان كما
تفهمــه المسـيحيـة ؟

يقول الكتاب المقدس: ”فـي البـدء خَلَـقَ اللَّـه السـماء والأرض“.

( تكوين 1 : 1 )

تلك هى عقيدة الخلق والتي بموجبها نُقِرّ أن كل الموجودات قائمة في الوجود بإرادة اللَّه، وبإرادته فقط، وهى تستمد منه وجودها.

واللَّه لم يخلق وحسب، بل أنه مُستمر بلا انقطاع في الخلق وطالما الكون دائم فهو محمول بكلمة قدرته، وهذا ما دعا الرب يسوع أن يقول: ”أبـى يعمـل حـتى الآن“ ( يوحنا 5 : 17 ).

إن اللَّه ليس مهندساً متقاعداً بل هو: ”ذلك الذي به نحيا ونتحـرّك ونوجـد“ ( أعمال الرسل 17 : 28 ).

أمَّا الإنسان فهو: ”قمة مخلوقات اللَّه“. خلقه بعد أن هيأ الأرض له بمخلوقاته الأخرى ثم خصَّه بميزات لم يُنعِم بها على غيره، وهى العقل والإرادة والحرية والإبداع والحب والروح الخالدة، وكلها صفات شبيهة بالموجودة في اللَّه ذاته ( تكوين 1 : 16 ). ولذا يقول الكتاب أن اللَّه خلق الإنسان على صورته ومثاله.

ثم جاءت خِلقة حواء كمُعين نظير لآدم الإنسان الأول. وفي ذلك صورة لاتِّحاد الرجل بالمرأة ( تكوين 2 : 23، 24 )، حيث الجنسان متعادلان ومكمِّلان أحدهما للآخر، كما نرى أن الزواج هو وسيلة اتحادهما بصورة عميقة وارتباط نهائي. (تكوين 24)، (متى 19 : 6).

 

 ومــا هــى غايــة خلــق الإنســان ؟

 

محبة اللَّه هى التي خلقت الإنسان ليتمتع بعلاقة الحُبّ معه ويشترك معه في حياة الفرح الدائم الذي لا حد له.

معنى ذلك أن مصدر السعادة هو اتحاد الإنسان مع اللَّه، وهذا يتجلَّى في الغايات التالية:

1 ـ التمتع بتمام القوى النفسية: أي العقل المُنير ـ الإرادة القوية ـ المحبة الخيِّرة ـ النيَّة الطاهرة … الخ

   2 ـ السيادة على الطبيعة: فلا تثور على الإنسان أو تضره أو تسبب مشقات أو نكبات له ولا تفترسه.

   3 ـ الصلة بين اللَّه والكون: فالإنسان يدير الخليقة بِاسم اللَّه، ويرفع تسبيح الطبيعة إلى اللَّه.

   4 ـ الخلود: هو ارتباط سُكنَى الإنسان في اللَّه.

 

إذاً نقول: إنه بسبب جُود اللَّه وكرمه خَلَقَ الإنسان ليجعله مُتمتِّعاً بالوجود معه والحياة فيه … وإن أحسن السلوك فيها ينعم بالأبدية. لقد أحبّنا قبل أن نوجد ولأجل هذا أوجدنا …

 

 مــا معنــى كلمتـي: يسـوع  ــ  المسـيح ؟

يســوع:

اسم عبراني معناه مُخلِّص أو فادي، وهو يُنطق في اللغة العبرانية: ”يشوع“ وفي اللغة اليونانية: ”إيسوس“، ومنها جاءت كلمة عيسى.

المســيح:

صفة تعني الممسوح ـ المُفرَز ـ المُخصَّص ـ المُكرَّس. وهى الصفة التي حملها فيما بعد المؤمنين بِاسم المسيح إذ صاروا مسيحيين.

يسـوع المسـيح:

هذا الاسم يعني: ”المُخلِّص الممسوح من اللَّه الآب ليقوم بعمله كفادٍ ومُخلِّص لجميع خطايا البشر في جميع الأزمان“. لذا جاء السيّد المسيح مُعلِّماً وكارزاً وهادياً، ولكن قبل ذاك كله، كان فادياً ومُخلِّصاً للبشر من الخطية والموت.

 

 قلنا سابقاً عن اللَّه أنه ”إله“ والآن نقول عن
اللَّــه الابــن أنــه ”رب“. فمــا الفــرق ؟

 

كلمة: ”رب Lord“: تفيد الألوهية تماماً مثل كلمة: ”إله God“. واللفظتان مترادفتان غير مختلفتان بدليل أنهما أُطلِقا على السيد المسيح دون تفريق فمثلاً:

# نقول في قانون الإيمان: ”… ‎نؤمن برب واحد … إله حق من إله حق …“.

# وتوما الرسول قال للمسيح: ”ربى وإلهي“ ( يوحنا 20 : 28 )

# وذُكِرَ في العهد القديم: ”الرَّبّ إلهنا ربٌ واحدٌ“ ( تثنيـة 6 : 4 ).

 وكيـف يحـق لنـا أن نقـول أن المسـيح ابـن اللَّـه ؟

أولاً: هذا الموضوع يختلف جذرياً وبكل المقاييس عن معناه عند الإنسان والحيوان.

وثانياً: نحن نعلم أن كل مولود هو ”ابن“ فالمولود من العذراء مريم هو ابن، الابن يكون له: ”أب“.. فمَنْ هو أبوه ؟ لا يوجد أب إلاَّ اللَّه، لذا يلزم أن ننسب بنوية اللَّه إلى نفسه فنطلق عليه ”ابن اللَّه“.

ثالثاً: إن بنوة السيد المسيح تحكمها الظواهر التالية:

   1 ـ بنوّة روحية عقلية: كولادة النور من النور والفكر من العقل.

   2 ـ بنوّة حقيقية: وليست انتسابية، فالمسيح من طبيعة اللَّه الآب ومن جوهره.

   3 ـ بنوّة أزلية: فالمسيح كائن مع الآب بغير افتراق منذ الأزل.

   4 ـ بنوّة متصلة غير منفصلة، فلاهوت المسيح هو عينه لاهوت الآب.

   5 ـ بنوّة بالطبع لا بالوضع، فالمسيح من طبيعة اللَّه وليس شبيه به.

   6 ـ بنوّة فريدة لا نظير لها، لا في عالم الإنسان ولا عالم المادة.

 وهــل يختـلـف أحــد حــول هــذا المفهــوم ؟

نعم لأننا نؤمن أن السيد المسيح له المجد هو اللَّه وقد تجسد ولذلك فهو اللَّه وهو ابن اللَّه في نفس الوقت .. هذه عقيدتنا ونحن سعداء بها.

إنه لم يحدث في تاريخ البشرية منذ آدم أن فتاة تحمل وتلد وهى عذراء.

هل حدث ذلك يوماً ؟! ثم إذا كان لكل إنسان أب، والمسيح كإنسان وُلِدَ من أم بغير زرع رَجُل، فمَنْ يكون أباه ؟

يرد البعض على هذا السؤال بأنها ”طلاقة القدرة“. وهى بالطبع إجابة غير مقنعة وغير مريحة وناقصة لأن اللَّه كُلِّي القدرة يسوس العالم والخليقة بقوانين حتمية لا تتخلف. وقانون التوالد لم يحدث فيه غير هذه المرة الواحدة أن وليداً وُلِدَ من غير أب .. هو المسيح له المجد.

وإذا لم يكن له أب من الناس فيكون اللَّه ”الآب = أصل الوجود“ هو أباه بمعنى أن المسيح يسوع ليس له أب من بين الناس، فيكون اللَّه الآب أباه، ويكون هو ابن اللَّه بهذا المعنى.

ونضيف إلى ما سبق:

إن هذا الأمر بعيد كلية عن المفهوم المادي والحسي والجنسي في موضوع البنوّة.

 

 ألا يوجد تعبير أفضل من تعبير ” ابن اللَّه “
نُطلقــه علــى المســيح لــه المجــد؟

 

للأسف لا يوجد .. وإلاَّ فدلني عليه.

إن اللغة البشريّة مادية بطبيعتها وفي أصولها، فضلاً عن كونها ضيقة، ولذا فتعبير الابن هو أوفق تعبير يفهمه الناس بلغتهم لبيان الصِّلة بين اللَّه الآب غير المنظور وبين اللَّه الابن وقد صار منظوراً في المسيح ”اللَّه ظهر في الجسد“.

بمعنى آخر أن هذا التعبير ”تعبير اصطلاحي“ لمفهوم: ”البنوة الإلهية“. إذ أنه الأنسب في لغات البشر لبيان الصِّلة الطبيعية بين اللَّه الآب واللَّه الابن.

 

 نقول عن اللَّه الآب أنه: ” الأقنوم الأول “.  وعن اللَّه الابن أنه: ” الأقنوم الثاني ” .. أليس في ذلك دليل
علــى  اختــلافهـمـا زمنيــاً ؟

 

هذا الترتيب: ”الأول .. الثاني .. الثالث“ يرتبط بمعرفة البشر للَّه وهم يعرفون اللَّه بصفة ”الآب“ قبل أن يعرفوه بصفة الابن. وذلك لأن التجسُّد جاء متأخراً في الزمان.

وما نقوله عن السيِّد المسيح الأقنوم الثاني نقوله عن الرُّوح القُدُس الأقنوم الثالث.

وإذا كنا نؤمن بأن المسيح هو: “ابن اللَّه”. فلماذا
نقــول عنــه  أنــه الوحيــد؟

 

السيد المسيح ابن اللَّه بطبيعته أي إنه بحد ذاته في وحدة كاملة مع الآب. هو وحده ابن اللَّه بالمعنى الكامل للعبارة.

لقد أوضحنا فيما سبق أن بنوّة المسيح ”جوهرية“وليست جسدانية أو تناسلية، وهى بذلك فريدة في نوعها ليس لها نظير في الكون، ولذا نطلق عليه ـ له المجد ـ أنه: ”ابن اللَّه الوحيد“.

 

 

 المســيح ابــن اللَّــه، ونحــن أبنــاء اللَّــه … مـا الفـرق ؟

 

قلنا إن المسيح يسوع هو ابن اللَّه لأننا رأينا فيه اللَّه الغير منظور، وهو ابن اللَّه لأنه في لاهوته من طبيعة اللَّه وجوهره، وليس في لغة البشر غير تعبير ”الابن“ للدلالة على المطابقة التامة بين ”اللَّه الآب“ و ”الرَّبّ يسوع المسيح“.

ولهذا السبب قال المسيح له المجد لفيلبس تلميذه: ”مَنْ رآني فقــد رأى الآب …“ ( يوحنا 14 : 9 ).

أمَّا نحن فننتسب للَّه كأبناء كنوع من التكريم منه لنا وفيض من محبّته لنا.

بعبارة أخرى نقول أن البشر يُدعون أبناء اللَّه، فقط من أجل محبة اللَّه لهم وعنايته بهم، وهذه المحبة تجتاز الهوة بين الخالق والمخلوق ولكنها لا تزيلها. والخلاصة أن:

بنوة المسيح ”بنوّة جوهرية“. أمَّا نحن فبنوّتنا ”تكريمية“.

بنوة المسيح”أزلية“. أمَّا بنوتنا فهى زمنية.

 

 ولماذا نقول عن المسيح أنه: “المولود من الآب قبل
كــل الدهــور” ؟

 

كما ذكرنا أن المسيح له المجد هو ابن اللَّه، وهذا يعني إنه مولود من اللَّه الآب …

ولأن هذه الولادة ”أزلية“ فنحن نُعبِّر عن ذلك بقولنا قبل كل الدهور، أي قبل الزمن. فاللَّه الابن كائن في اللَّه الآب منذ الأزل وقبل التجسد ولذا قال السيد المسيح: ”…  الحــق الحــق أقــول
لكــم قبــل أن يكــون إبراهـيـم أنـا كـائـن …“ ( يوحنا 8 : 58 ).

وللتبسيط نقول:

الابن هو عقل اللَّه ولا يمكن أن يكون اللَّه في وقت من غير عقل ثم خلق لنفسه عقلاً وبأي عقل خلق لنفسه عقلاً. إذاً عقل اللَّه موجود في اللَّه منذ الأزل، ليست له بداية.

 وما المقصود بعبارة: “نور من نور، إله حق من
إلــه حــق”؟

لم يوجد زمن لم يكن موجوداً فيه ابن اللَّه.

فالنور صادر عن الشمس ولكن لا شمس بدون نور.

هكذا كان الابن مولود من الآب لكن لا آب بدون ابن. ووجود الابن إذاً ملازم لوجود الآب. كما أن وجود النور ملازم لوجود الشمس، ووجود الفكر ملازم لوجود العقل.

والمقصود من هذه التعابير كلها أن الصفات الإلهية التي للآب كالأزلية والقدرة على كل شيء والمعرفة التامة والقداسة الكاملة… الخ

هذه كلها هى للابن أيضاً لأن الآب والابن واحد.

 

 

نقول عن المسيح له المجد إنه: “نور من نور” هل معناها أن النور خرج من نور آخر، وهل المقصود بأحد النورين هو النور الذي كان في البدء الوارد في أول سفر التكوين …؟

طبعاً لا …

لكن المقصود نور من نور لأن اللَّه نور … طبيعته نور ويسكن في النور. لأن اللَّه ليس مادة وليس جسد، كله نور خالص.

”نور من نور“ تعبير للدلالة على إنه نور خالص، وكما قال المسيح أنه من الآب يعني من طبيعة الآب ومن جوهره. وهذا هو معنى نور من نور.

 وكيـف نقـول عنـه أنـه: ” مولـود غـير مخلـوق ” ؟

إن الآباء عندما وضعوا قانون الإيمان استخدموا بكل حرص الكلمات التي تؤكد طبيعة السيد المسيح الذاتية ومجدها، فأكدوا أنه: ”مولود غير مخلوق“ مُعترفين بأنه لم يُخلَق إذ أنه أعلى من مستوى المخلوقات. وأنه موجود بطريقة غير مُدرَكة وغير زمنية من ذات جوهر الآب. لأن: ”الكلمة كان في البدء“ ( يوحنا 1 : 1 ). أنه ـ له المجد ـ ”مولود“ من الآب، أنه موجود في الآب وله طبيعة الآب عينها. فكما أن أي ابنٌ يأخذ عن أبيه الإنسان طبيعته الإنسانية، هكذا ابن اللَّه يستمد من الآب طبيعته الإلهية وإنما بشكل سرِّي لا يمكن إدراكه.

إلا إنه هناك ميلاد آخر للسيد المسيح غير ميلاده الأزلي من الآب، ونقصد بذلك ميلاده بالجسد في ملء الزمان من العذراء مريم.

إن المخلوق يخرج من العدم إلى الوجود بإرادة اللَّه. أما ابن اللَّه فموجود في اللَّه الآب نفسه، ولذا فهو غير مخلوق لأنه ”الخالق“ الأزلي الذي ارتضى أن يكون له ميلاد جسدي من العذراء ( غلاطية 4 : 4 ـ 5 ).

والخلاصة أن: اللَّه الآب واللَّه الابن هما واحد في الطبيعة الإلهية ولا اختلاف زمني بينهما ”أنا والآب واحد“ ( يوحنا 10 : 30 ) هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فإن اللَّه الابن وُلِدَ في ملء الزمان من العذراء مريم في صورة السيد المسيح دون أن يُخلَق لأنه هو الخالق نفسه.

ويقول القديس أغسطينوس: ” إن كنا لم نفهم ميلاده الجسدي فكيف نفهم ميلاده الأزلي“.

لقد حيَّرنا ميلاده الجسدي. في ميلاده الجسدي وُلِدَ من أم بغير أب وفي ميلاده الأزلي ولد من آب بغير أم وكلاهما ميلاد غير مدرك يفوق العقل.

 

 

سمعت من البعض أن ولادة المسيح هى لتقسيم
موضوع الخلق بمعنى أن آدم وُلِدَ بلا أب ولا أم.
وحواء ولدت من أب بلا أم. والمسيح ولد من أم بلا أب؟
هذا القول مغالطة كبيرة وخالي من كل صواب؛ لأن:

+ آدم: ليس له علاقة على الإطلاق بالولادة. لقد خُلِق من طين الأرض، من أديم الأرض ولذلك سُمِّي:”آدم“. آدم مخلوق من التراب.

+ حواء: لم تولد من آدم ( وإلاَّ صارت ابنته وليست زوجته). بل خلقها اللَّه من أحد أضلاع آدم للدلالة على مدى العلاقة التي ينبغي أن تكون بينهما.

أمَّا السيد المسيح فقد وُلِدَ بطريقة معجزية فريدة لم يولد بها أحدٌ من قبله ولا بعده.

ولا نستطيع أن نقارن بين آدم الإنسان المخلوق وبين السيد المسيح غير المخلوق. والذي به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء ممَّا كان ( يوحنا 1 : 3 ).

كما أنه لم يُذكر عن آدم أنه كلمة اللَّه وروح منه … ثم أن آدم كان ينبغي أن يوجد من غير أب لأنه كان الأب الأول للبشر، أما المسيح فعند ولادته كانت الأرض قد عُمِّرَت من الآباء الوالدين والأبناء المولودين.

إننا نعبر في قانون الإيمان عن المسيح ـ له المجد ـ ونقول:

”مولود غير مخلوق“

هو”غير مخلوق“ لأنه الخالق … وهو مولود من الآب السماوي قبل كل الدهور ( ميلاد أزلي ).

وفي ملء الزمان وُلِدَ من السيدة العذراء مريم (ميلاد زمني) بطريقة معجزية فريدة … وهذه الولادة لا شبيه لها ولا مثال، وهى في حد ذاتها تُثبِت أن صاحبها خارج دائرة البشر.

 

 نقـول:   ” مسـاوٍ للآب في الجوهـر “

مـا أهميـة هـذه العبـارة فـي قانـون الإيمـان ؟

 

إنه ردّ على الأريوسية التي لم تفهم معنى قول الرب: ”أبي أعظم مني“ ( يو 14 : 28 ). فالآب ليس أعظم من الابن في الجوهر؛ لأن الابن له نفس طبيعة الآب ونفس جوهره، ونفس لاهوته: فهو مساوٍ له كل شيء.

ولكن عبارة: ”أبي أعظم مني“ قيلت في حالة إخلاء الذات في التجسد. كما قيل إنه: ”إذ كان في صورة اللَّه، لم يَحْسِبْ
خُلسَة أن يكون مُعادِلاً للَّه. لكنه أخلى نفسه، آخِذاً صورة
عبدٍ، صائراً في شبه الناس. وإذ وُجِدَ في الهيئة كإنسانٍ، وَضَعَ
نفســه وأطــاع حـتى المـوت مـوت الصليـب“ ( في 2 : 6 ـ 8 ).

   حالة الإخلاء هذه، هيَ التي قيل عنها ”أبي أعظم مني“، أي من صورة العبد التي أخذتها، مع بقاء جوهر اللاهوت كما هو.  

أعظم من صورة الآلام والصليب. في كل ما تحمله الابن في تجسده من إهانات. أما جوهر اللاهوت المتحد بهذا الناسوت فهو كما هو، لم يُنقِصه تواضع الناسوت شيئاً.

   وهكذا استطاع في ناسوته أن يقول ويعمل ما يُناسب لاهوته الذي يتساوى فيه مع الآب.  

فقد قال: ”أنا والآب واحد“ ( يو 10 : 30 )، ”الذي رآني فقد رأى الآب” ( يو 14 : 9 )، ”أنا في الآب والآب فيَّ“ ( يو 14 : 10 ). وقال: ”لكي يُكرِم الجميع الابن كما يكرمون الآب“ ( يو 5 : 23 ). كما أنه في تجسده قال للمفلوج: ”مغفورة لك خطاياك“ ( مر 2 : 5 ). وقال نفس العبارة للمرأة الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها (لو 7 : 48).

وفي تجسُّده مشى على الماء ( مت 14 : 25 )، وانتهر الريح والأمواج فسكنت وهدأت ( مر 4 : 39 ). وفي تجسده خلق مادة جديدة في معجزة الخمس خبزات والسمكتين (مت14 : 17ـ21)، وفي تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل ( يو2 ). وفي منح البصر للمولود أعمى ( يو 9 ). وعمل أعمالاً كثيرة تدل على لاهوته … كذلك قيامته والقبر مُغلق، ودخوله العلِّية والأبواب مُغلَّقة ( يو 20 : 19 ). وصعوده إلى السماء.

 

 نردد في قانون الإيمان عن المسيح أنه : ” من أجلنا نحن البشـر ومـن أجـل خلاصنـا نـزل.. ”  خلاصـنا مـن مـاذا ؟

من خطية آدم الإنسان الأول … لأن آدم خُلِق ليكون في صحبة اللَّه كل حين، ولكنه رفض هذه الصُّحبة، فكان هذا الرفض هو ما تسمِّيه الكنيسة ”سقوط آدم“ أو”الخطية الجدِّية“ الذي ورثتها البشرية جمعاء من جدها آدم.

معنى ذلك أن سقطة آدم بصورة رئيسية تكمُن في عصيان إرادة اللَّه. وهذا الوضع غير الطبيعي امتد إلى جميع ذرية آدم.

نقرأ في رسالة بولس الرسول إلى رومية: ”بإنسان
واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا
اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع“ ( رومية 5 : 12 ). راجع أيضاً: ( رومية 5 : 18، 19 ).

وهذا يعني أن علّة كون جميع الناس خطاة هو آدم أبو البشر.

فآدم الذي وُلِد منه البشر كان قد فقد بعصيانه حياة الاستقامة. وقصاصاً له طُرِدَ من فردوس النعيم إلى أرضٍ لُعِنت له بسبب خطيته. وعلى الأرض أنجب نسلاً صار بالطبيعة مطروداً فاقداً ميراثه بالفردوس ( مزمور 51 : 5 )، ( رومية 3 : 1 ـ 12 ).

بالإضافة لفساد الطبيعة البشرية الذي جعل الإنسان عاجزاً حتى على حفظ الشريعة الأدبية من تلقاء نفسه.

وثمة ملاحظة: إن خطية آدم تعتبر بالنسبة لنا خطيئة وراثية وليست خطيئة فعلية، فنحن لم نفعلها ولكننا ورثنا حكم الموت عنها.

 مـا هـى الخطـيئـة فـي المفهـوم المسـيحي ؟

أُشتقَ معنى الخطيئة من الخطأ أي خطأ الإنسان بعدم التوجُّه إلى اللَّه غايته ومصدر حياته وكيانه.

ويُعرِّف الكتاب المقدس الخطيئة على أنها ”التعدي“ ( يوحنا الأولى 3 : 4 ) أي الاعتداء على قداسة اللَّه والتمرد على ناموسه. وهى بهذا المعنى تنطوي على شك وارتياب في اللَّه ورغبة في مخادعته وخيانته سواء بالقول أو بالفكر أو بالفعل أو بجميع الحواس. والنتيجة الحتمية للخطية هى الابتعاد والانفصال عن اللَّه … ولذا قيل أن: ”أجرة الخطيئة هى موت“، بمعنى أن الموت هو ثمرة طبيعية للخطية التي هى انفصال عن مصدر الحياة وأصل الإنسان ووجوده ( يعقوب 1 : 15 ).

 

أرجو مزيداً من الشرح حول سقوط آدم … وكيف
امتــدت خطيتــه إلى كــل البشــر ؟

 

سبق أن رأينا أن هدف خلقة الإنسان أن يعيش حياة متواصلة في محبة اللَّه حتى تتأصل فيه صورة اللَّه، فيشع منه دفء المحبة على الخليقة كلها.

وقد زوَّد اللَّه آدم بحريّة المصير أي القدرة على الاختيار بين الخير والشر، وبالتالي فقد ألقى على عاتقه إمَّا قبول وصية اللَّه أو رفضها وبالتالي رفض اللَّه.

لكن الإنسان أراد أن يكون هو نفسه ”إلهاً“ يعرف الخير والشر، ولذا فضَّل الاستغناء عن محبة اللَّه واحتضانه له ناسياً أن من اللَّه وحده يستمد الإنسان كل موهبة وقوة وحياة. فكانت الكارثة أن استمع لصوت الشيطان عن طريق الحيَّة، وخالف وصية اللَّه وعصاها وكسر طاعته … وهذا أمر خطير للغاية لأنه ضد اللَّه ذاته؛ ولأنه أيضاً من آدم الإنسان الأول رأس وقدوة كل البشر، ومن أجل هذا كان لابد أن يكون العقاب غير عادى أيضاً.

وهكذا وضعت خطية الإنسان الأول الإنسانية كلها في حلقة مفرغة، إذ بغياب اللَّه عن حياتنا أصبحنا نرث الخطية، وننشأ فيها فصرنا خطاة وليس بار واحد … فخارج اللَّه ليس سوى العدم والفراغ والموت.

 

ولماذا أعطى اللَّه المحب وصية لآدم ونهاه عن الشجرة … وهــو يعلــم مقـدمـاً بســابق علمــه أنــه سـيعصاهـا ؟

 

كانت الشجرة دليلاً وحدوداً أدبية وضعها اللَّه تحت سلطان آدم ليمتحنه بها.

وكان اللَّه قد أعطى آدم مُقدَّماً القدرات والإمكانات التي تجعله يُنفِّذ الوصية ولا يعصاها. ولكن آدم بإرادته الحرة عصى الوصية. لهذا كان تنفيذ الوصية مقياساً يكشف عن مقدار حُبّ الإنسان للَّه.

ونضيف أن معرفة اللَّه السابقة بسقوط الإنسان لا تمنعه من أن يقدم للإنسان ما يفيده إذا أطاعه، أمَّا إذا رفض بحريته وصية اللَّه فقد اختار لنفسه العصيان والانفصال عن اللَّه.

ولا ننسى أنه عندما حدث الشر بسبب مخالفة الوصية، خلَّص اللَّه البشر من سلطان الشر وردَّهم ثانيةً بالفداء إلى حالتهم الأولى وجعل الإنسان يتعامل مع اللَّه في رابطة حب أقوى، حتى أن القديس أغسطينوس مدح سقطة آدم التي جعلتنا نحصل على كل نِعم الفداء.

لقد كانت وصية اللَّه لآدم فرصة له للتدريب … ولإعداده لمسئوليات أعظم، كما كانت تأكيداً من اللَّه لحريّة إرادة الإنسان التي هى أعظم منحة من اللَّه له …

لقد سمح اللَّه للإنسان أن يخالفه ويعصاه باستخدام حريّته التي هى نعمة من اللَّه.

 

 

 وما هو العقاب غير العادي الذي استحقه آدم وذريته ؟

 

لقد خالف آدم وصية اللَّه … وهذه خطية غير محدودة … لأنها ضد اللَّه غير المحدود … وبالتالي عقابها غير محدود وفي هذا تحقيق لمبدأ تناسب العقاب مع الخطأ، أما هذا العقاب فيتمثّل في الآتي:

1 ـ الموت الروحي والأبدي: ( تكوين 2 : 17 ).

بمعنى انقطاع اتصال الروح باللَّه، ولكن موت الروح لا يعنى تلاشي الروح، وإنما يعني فقد حساسيتها تجاه اللَّه. وبعبارة أخرى: أن كل إنسان لا يزال يمتلك روحاً إلا أن هذه الروح
ـ بسبب الخطية الجديّة ـ أصبحت مظلمة وغير قادرة على الاتصال باللَّه… هى موجودة ولكنها عاجزة.

   2 ـ الطرد من حضرة اللَّه ( الفردوس): (تكوين 3: 23، 24).

فاللَّه الكامل القدوس لا يمكن أن يساكن الخطاة الأشرار، بل أنقياء القلب وحدهم هم الذين يُعاينون اللَّه؛ لأنه لا شركة للنور مع الظلمة.

لقد أضحت الطبيعة البشرية التي كانت نقية ملوثة بالخطية وغير مناسبة لدخول الفردوس أو الإقامة في حضرة اللَّه، وهكذا عرف الشر طريقه إلى الإنسانية كلها. وعن آدم ورث جميع أبنائه من البشر طريقته الخاطئة.

”بالإثــم حُبــِـلَ بـي وبالخطـيـة ولـدتنـي أمـي“ (مزمور 51 ).

وهكذا عُد جميع البشر خطاة ( رومية 3 : 10 ـ 12 ).

إذن العقاب هو الموت بكل صوره:

   الموت الجسدي = انفصال الروح عن الجسد الذي يتحلل إلى تراب.

   الموت الأدبي = عار الخطية وخزيها المشين.

   الموت الروحي = الانفصال عن اللَّه الخالق.

   الموت الأبدي = الهلاك في جهنم النار إلى الأبد.

 

 وهـل هـذا يعنـي أن الشـر أمـر دخيـل علـى البشرية … ؟

تماماً؛ لأنه منذ مخالفة آدم والشر بدأ يعرف طريقه إلى البشرية كلها، وظلَّ يتفاقم ويستشري جيلاً بعد جيل حتى تشوهت صورة الإنسان البارة ( أفسس 4 : 24 )، وسيطر على الإنسان مرض اسمه ”الشر“  … وقامت جهود إنسانية من شرطة، قضاء، سجون، مستشفيات، لعلاج ذلك المرض، لكن النتيجة المحزنة والمؤلمة أن الشر تزايد بقدر ما تزايدت جهود المصلحين بسبب أن الشر كامن داخل الإنسان وليس مجرد مظهر خارجي، ولذا لا يمكن انتزاعه بالقوة المادية.

 

 إذاً … هل هناك نتائج ترتبت على هذا السقوط…؟

 

نعم … ثلاث نتائج خطيرة نتجت من سقطة آدم، ولذا يُسمِّي البعض خطية آدم ”مأساة التفكُّك الثلاثي“:

   أ ـ تفكُّك في وحدة الإنسان مع ذاته:

حيث ثارت عليه الغرائز والشهوات والأهواء وصار يُؤلِّه
ـ وهو الكائن العاقل بين المخلوقات جميعاً ـ المال والقوة والجاه والنفوذ والجنس والعلم … الخ

لقد كان آدم قبل السقوط مصوناً من الشهوة والجهل والموت.

   ب ـ تفكُّك في وحدة الإنسان مع غيره:

لأن اللَّه وحده هو الذي يوحِّد بين البشر، فالخطية بإبعادها الإنسان عن اللَّه تبعده عن قريبه ( تكوين 3 : 12 ). لذا نقرأ أن السقوط تلاه قتل قايين لأخيه هابيل. ثم انفجرت الأحقاد بين البشر … وقبل السقوط كان مصوناً من الحقد والتناقص والصراع والنزاع …

   جـ ـ تفكُّك في وحدة الإنسان مع الطبيعة:

صار هناك عدم انسجام بين الإنسان والطبيعة ( تكوين 3 : 17، 18) وصار الإنسان ضحية لنواميس الكون التي أصبحت مصدر متاعب وكوارِث ونكبات للإنسان، وأخذت الحيوانات تؤذيه والجراثيم تفتك به … أمَّا قبل السقوط فقد كان مصوناً من المرض والألم … الخ

 

 

 وهل تغيرت صورة الإنسان بعد الخطية عن
الصــورة التــي كـان قبلهـا ؟

 

يمكن أن نصيغ السؤال صياغة أخرى فنقول:

كيف يعرف الإنسان أن الحالة التي هو عليها الآن ليست هى وضعه الأصيل ؟

أو …

كيف يقدر أن يدرك مدى سقوطه بدون معرفة ما كان عليه قبل السقوط ؟

   وللإجابة نقول:

وإننا لم نعرف معنى الخطية إلاَّ بعد ما تعرفنا على ربنا يسوع المسيح ( الذي يُسمِّيه بولس الرسول أخينا الكبير ( رو 8: 29 ) ) الذي شابهنا في كل شيء ماعدا الخطية وحدها … عندما أتى إلينا مُتجسِّداً على الأرض.

إذاً … في لقاءنا مع الرب يسوع تتحقق صورة اللَّه الكاملة فينا والتي أرادها أولاً، وهذا هو ”سر التجسد“ الذي تم فيه لنا لقاء أفضل من الذي كان يوم الخلق.

 

 معنى ذلك .. أن البشر كانوا  في حاجة لمن ينقذهم …

 

بالفعل كانوا ليس فقط في حاجة لمَنْ يُنقذهم بل أيضاً لمن يُجدِّد طبيعتهم ويُعيد قدرتهم …

أي أنهم كانوا بحاجة لآخر لثلاثة أسباب على الأقل:

   1 ـ مُنقذ:

ينقذهم ويفديهم ويخلِّصهم من الخطية، فبعد سقوط آدم وطرده من الفردوس محكوماً عليه بالموت. بدأ يظهر الندم والاعتراف والصلوات والذبائح. وكان تقديم الذبيحة يعنى أنه أحسَّ بحاجته إلى”فادي“، ولكن كان مستحيلاً أن يكون الحيوان وسيطاً بين الإنسان واللَّه. إلاَّ أن تقديم الذبائح باستمرار هو للتذكرة الدائمة المتكررة بأن الإنسان بحاجة لا إلى وسيط بل إلى الوسيط الذي كانت تُشير إليه تلك الذبائح الدمويّة ( عبرانيين 9 : 26 ). إذاً معنى الفداء هو أن هناك ضرورة لوسيط ينقذ … ( رومية 5 : 6 ـ 8 ).

   2 ـ مُجدِّد:

يجدد طبيعة الإنسان بعد أن أفسدتها الخطية تماماً وسرى فيها الشر، ولا يستطيع أن يقوم بهذا العمل إلاَّ اللَّه فقط لسبب بسيط أنه هو خالق الإنسان.

وطبعاً لم يكن بامكان الإنسان أن يرتفع إلى اللَّه بسبب الشر الذي طوَّقه بسلاسل تمنعه من كل حركة لأعلى، لذا كان في حاجة إلى أن يأتيه اللَّه مُتجسِّداً ليقيمه من سقطته ويرتفع به وينقذه ويجدد خلقته.

   3 ـ مثال:

لقد كان البشر بحاجة لمن يقدم لهم مثال الكمال الإنساني. ولذا نرى السيد المسيح ـ له المجد ـ يُعلِّم الفضيلة بشخصه وليس بكلامه. كما فعل كل المُعلِّمين الذين سبقوه … ونراه يتحدى عصره وكل عصر ”من منكم يبكتني على خطية“ ( يوحنا 8 : 46 ). وهكذا كان مجيئه بيننا كمثال لكي نتبع خطواته (1 بط 2: 21 ).

وهكذا، في شخص المسيح المُبارَك تحقَّقت هذه الحاجات الثلاث:

“مُنقِذ ــ مُجدِّد ــ مثال“

 

 ولكن … ألم يكن ممكناً للأعمال الصالحة التي يمارسها الإنسان … كالصلاة والصوم والصدقات
أن تغفر خطايا الإنسان ؟

 

لا قيمة على الإطلاق للأعمال الصالحة مهما كانت بدون أساس الإيمان بالمسيح وعمل الفداء الذي قدَّمه لنا.

وحسبما يقول الكتاب:

”لأنـه إن كـان بالنامـوس ( الأعمـال الصالحـة ) بـر ( غفـران )

فالمسـيح إذاً مـات بـلا سـبب“ ( غلاطية 2 : 21 ).

 

إنهم يُشبِّهون أعمال الإنسان بالأصفار مهما كثر عددها، فإن قيمتها العددية صفر، والإيمان بربنا يسوع يُشبِّهونه بالواحد الصحيح، إذا وضع أمام الأصفار أصبحت عدداً، وكلما كثرت الأصفار أمام الواحد الصحيح كلّما كثرت القيمة العددية، هكذا الإيمان ولزومه بالنسبة للأعمال.

وبالمثل، فإن التوبة والندم على الخطية لا قيمة لها في مغفرة الخطية بدون الإيمان بالمسيح؛ لأن توبة الخاطئ لا ترد للَّه كرامته ومجده.

فهل إذا اختلس إنسان مبلغاً من المال، فهل إحساسه بالخطأ وحزنه وندمه وحتى أعماله الصالحة بعد ذلك تعفيه من عقوبة الاختلاس، كلا بالطبع.

 وهل يمكن تحديد صفات من يقوم بالعمل
المطلـوب أمـام سـقطة آدم ؟

 

يمكن تحديد أربع صفات لمن يقوم بعمل الفداء كحل شامل ووحيد أمام سقطة آدم:

   أ ـ أن يكون إنساناً …

لأنه نائب ( مُمثِّل ) عن الإنسان العاصي (البشرية الساقطة).

 

   ب ـ أن يكون قابلاً للموت …

لأن أجرة الخطية (خطية آدم) هى موت.

 

   جـ ـ أن يكون بلا خطية …

لأن فاقد الشيء لا يُعطيه.

 

   د ـ أن يكون غير محدود …

لأن خطية آدم غير محدودة.

 

ونلاحظ أن … الصفتان: أ، ب يمكن أن توجدا في أي إنسان. والصفتان: ج، د، لا يمكن أن توجدا في أي إنسان ونجدهما فقط في اللَّه.

 

ما دام الأمر كذلك … فما السبيل لاجتماع هذه المواصفــات الأربعــة في شـخص واحـد؟

 

السبيل الوحيد هو أن اللَّه يرتضي ويأخذ شكل إنسان فيصير هناك اتحاد بين اللَّه والإنسان في ”واحد“ تجتمع فيه هذه الصفات، وفي شخص السيد المسيح فقط يتحقق ذلك لأنه:

بناسوته هو إنسان وقابل للموت ( المواصفات: أ، ب ).

وبلاهوته هو بلا خطية وغير محدود ( المواصفات: ج، د ).

 

طبعاً الملائكة لا تصلح لأن الملاك ليس إنسان والملاك محدود.

كما أن الإنسان لا يصلح لأنه لا يوجد إنسان بلا خطية ليفدي غيره والإنسان أيضاً محدود.

 

إذن اللَّه ظهر في الجسد في الإنسان يسوع المسيح ليرفع حُكم الموت الذي صار بسبب خطية آدم الأول، وقد جاء في الجسد ليُغيِّر فساد الإنسان إلى عدم فساد.

هو وحده المُخلِّص ولأنه إنسان أخذ صفة عدم المحدودية نتيجة اتحاد اللاهوت بالناسوت وبذلك تتحقَّق فيه صفات المُخلِّص الفادي.

ولمـاذا نعـتـبر هـذا هـو الحـل الوحيـد ؟

 

إن الإنسان عندما سقط تُنازعه مطلبان:

العدل يطلب تنفيذ الحكم كاملاً ولا تساهل فيه ولا تفريط. والرحمة تطلب من جانبها الصفح عنه صفحاً تاماً لا حساب فيه ولا عتاب، وكلا المطلبين يُغاير الآخر بل يُناقضه، ونشأت عن هذا الموقف مشكلة لم يحلها سوى حل ”التجسد“؛ لأن في هذا الحل نجد:

   كل الرَّحمة فليس حب أعظم من أن يقبل اللَّه بذاته القدوس أن يتخذ جسد ترابي لأجلنا.

   وكل العدل؛ لأن اللَّه قبِل على نفسه تنفيذ الحكم الذي أصدره هو بنفسه على الإنسان.

 

ومن هنا كانت ضرورة التجسد حيث يحتجب اللَّه في جسد إنسان ليقبل فيه نفس الحكم الصادر على الإنسان. وبذلك يتحقق الفداء الذي ليس له طريق آخر.

 

 

تقول المسيحية بنزول اللَّه لخلاص الإنسان.
ألم تكن هناك بدائل أخرى لهذا الخلاص يقدمها
اللَّــه القــادر علــى كــل شــيء ؟

نعم، كان هناك بديلين آخرين، ولكنهما مرفوضين من أساسهما لأسباب سوف تتضح حالاً:

& البديل الأول المرفوض ( المسامحة )

هو أن يسامح اللَّه آدم وحواء لأنه إله كله محبة، وبالتالي ينتهي الأمر تماماً. ولكن إذا سامح اللَّه آدم بسبب محبته اللانهائية. فأين عدله اللانهائي الذي حكم بالموت ؟ ولا بد من تنفيذ هذا الحكم العادل، إن اللَّه لا انفصال في صفاته، فكما أنه رحيم فهو عادل بمعنى أن رحمة اللَّه مملوءة عدلاً. وعدل اللَّه مملوء رحمة.

وحتى إذا افترضنا جدلاً إمكانية ذلك فإن الغفران شيء ولكن تطهير وتجديد الطبيعة البشرية التي فسدت شيء آخر وأهم.

إنه من السهل أن تدفع عن السارق المبلغ الذي سرقه ولكن الأهم أن تتغير طبيعته فلا يعود للسرقة.

& البديل الثاني المرفوض ( الإفناء ):

وهو أن يُفني اللَّه آدم وحواء ويخلق آدم جديد وحواء جديدة وتنتهي المشكلة … !

لأن موت الإنسان ضد رحمة اللَّه، لأنه خير له لو لم يخلقه … وضد ذكاء اللَّه لأنه لم يستطع أن يحل المشكلة … وضد قوة اللَّه لأنه لم يستطع حماية الإنسان … وضد حكمة اللَّه لأنه لماذا خلقه … وضد كرامة اللَّه لأنه خُلِقَ على صورة اللَّه ومثاله …

إنها نظرة شيطانية لا تليق بقدرة اللَّه غير المحدودة ولا بمجده ولا بكرامته كخالق.

ثم يجب ألاَّ ننسى أن فرصة سقوط آدم الجديد وحواء الجديدة ممكنة وقائمة ومستمرة لأن الظروف هى هى، والأمر قابل للتكرار … لذلك كان الحل الوحيد هو التجسُّد والفداء ليتحقَّق الغفران وتتجدَّد الطبيعة البشرية.

 

 

معنى ذلك أن: ” التجسد ” حدث بقصد تحقيق : ” الفداء “؟

تماماً، لأننا كما رأيناه هو الحل الوحيد لفداء الإنسان وإنقاذه من تبعات سقطة ”آدم“أبوه الأول. يأخذ اللَّه صورة الإنسان حتى تتحقَّق فيه مواصفات الفادي التي تحدَّثنا عنها تواً.

فالتجسد حدث لإتمام الفداء وللإعلان عن اللَّه: ”اللَّه لم يره أحدٌ قطّ. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو
خــبّر“ ( يوحنا 1 : 18 ) ولكي يعطينا حياة أفضل.

بعبارة أخرى:

كان التجسد هو وسيلة اللَّه ليتحد بالإنسان ”الساقط“ حتى تسري في الإنسان حياة اللَّه وتتجدَّد طبيعته التي سقطت.

 

 

أرجـو… تعريـف: ” التجسُّـد الإلهـي ” بالتحديـد؟

إنه مبادرة مجانية من اللَّه نحو الإنسان الذي ابتعد عنه ورفضه باختياره.

فالإنسان لا يستطيع من تلقاء نفسه أن يعرف اللَّه. واللَّه لكماله لا يريد أن يبقى مجهولاً من الإنسان صنعة يديه. وبما أنه لا يعرف اللَّه سوى اللَّه، إذن لا يمكن أن يعرف الإنسان اللَّه إلاَّ بواسطة اللَّه.

لذلك كان من البديهي أن يتنازل اللَّه ويتخذ شكل إنسان لكي يسهل أمام الإنسان سبيل الالتقاء به ومعرفته.

فجاء اللَّه في صورة السيِّد المسيح الذي أخذ جسداً من العذراء واتحد فيه كل ما للَّه (اللاهوت) بكل ما للإنسان (الناسوت) وصار هذا الاتحاد أكبر وأقوى تعبير عن محبة اللَّه للإنسان.

 

ولذا يقول القديس أثناسيوس:

”يتوق المُحبّ أن يتشبّه بالمحبوب. أن يكون واحداً مع المحبوب.

لقـد أحـبّ اللَّـه الإنسـان فـي هوانـه. أحـبّ أن يكـون واحـداً معـه.

وهـذا هـو التجسُّـد“.

 

 

وكيــف حــدث التجسُّــد؟

في ملء الزمان حلَّ الكلمة الذاتي في بطن السيدة العذراء مريم. وبالروح القدس الذي حل عليها كوَّن منها جسد المُخلِّص… فكان طاهراً من الخطية الجدّية لأنه بدون زرع بشر. وبالتالي خالياً من الفساد الوراثي. وفي اللحظة التي هيأ فيها مبدأ الناسوت اتحد اللاهوت به. فلم تكن هناك لحظة من الزمان كان فيها ناسوت المسيح خلواً من لاهوته. ولذلك لا يجوز أن نفصل ناسوت السيد المسيح عن لاهوته لأنه مُتحد به منذ ابتداء التجسُّد… وبالمثل لا يجوز أن نفصل المسيح إلى طبيعتيْن، طبيعة ناسوتية وطبيعة لاهوتية.

ومن هنا جاء التعبير الإيماني الأرثوذكسي عن المسيح:

”طبيعة واحدة لابن اللَّه الكلمة المتجسد‎“.

 

كيف كان السيد المسيح في السماء وعلى الأرض في آنٍ واحد ؟ هل خلا كرسي عظمته في السماء أثناء
تجســده علــى الأرض؟

إن السيد المسيح كائن بلاهوته منذ الأزل. بمعنى انه يملأ بوجوده السماوات والأرض قبل أن يتجسد، بل ويفيض عليه. وعندما تجسد كان ولم يزل يملأ السماوات والأرض من وجوده. يدير حركة الكون ويدبر شئون الأحياء في كل الوجود.

وعن هذه الحقيقة الإلهية يقول الرَّبّ يسوع نفسه:

”وليـس أحـدٌ صعـد إلـى السـماء إلاَّ الـذي نـزل مـن السـماء

ابـن الإنسـان الـذي هـو فـي السـماء“ ( يوحنا 3 : 13 ).

ومثل المسيح في كيانه المحسوس على الأرض، مثل المصباح المتوهج بالنور … فعلى الرغم من أن له جسماً، لكن النور ينفذ منه من خلال الجسم الزجاجي وينتشر في المحيط الخارجي في جميع الجهات.

وقصة العليقة التي رآها موسى النبي تشتعل بالنار وصوت اللَّه يُكلِّمه منها هى مثال لذلك، فإنَّ ظهور اللَّه وتجليه بصورة محسوسة منظورة في مكان ما لا يُبطِل وجوده في السماء في نفس الوقت.

هكذا كان المسيح له المجد بتجسده كائناً على الأرض، وهو بلاهوته كائن في السماء في الوقت الذي كان على الأرض وفي كل مكان.

 

 وهـل طـرأ علـى اللَّـه تغـيـير بالتجسُّــد ؟

اللَّه من صفاته أنه لا يعتريه تغيير. هو كامل مُطلَق لذا يصفه الكتاب المُقدَّس: ”ليس عنده تغيير ولا ظل دوران“ ( يع 1 : 17 ).

إذاً من الخطأ أن نقول أنه بالتجسد طرأ تغيير على اللاهوت، لأن التجسد ليس إلاَّ أحد أعمال اللَّه العظيمة التي أتمها ويتمها على مدى الأزمان. فإنه إذا رأى اللَّه فساد الإنسان لم يشأ هلاكه بل صار كلمة اللَّه جسداً بغير خطية يقبل الموت لكي يُخلِّص الإنسان الفاسد.

فالكلمة المُتجسِّد مات وقام. واللاهوت لا يموت. وهكذا تم عمل الفداء، واللاهوت لم يتغير.

 

 

 وكيف يسكن اللَّه “غير المحدود” في الإنسان
“المحــدود”؟

 

يجب أن ندرك أن اللاهوت لم يُحدّ بالناسوت. فهو لا يحده مكان وإن كان هو يحوي كل الأشياء وحاضراً في كل الخليقة، لكنه متميز عنها في الجوهر.

مثل زجاج المصباح لا يُحدّ نوره، بل نجد إشعاعات النور تنبعث من خلال المصباح في كل ناحية دون عائق. كذلك لم يَحد الناسوت النور الإلهي.

ولمزيد من الإجابة نسوق الأمثلة التالية تقريباً للأذهان:

# إن الهواء يغلف الكرة الأرضية ولكنه موجود هو نفسه في رئات كل البشر.

# إن اتحاد اللَّه بالإنسان يشبه اتحاد الحرارة بالماء في الماء الساخن.

# كما يشبه اتحاد الكهرباء بالسلك في السلك المكهرب.

 

 وكيف يتحد اللَّه ” القدوس ” بطبيعة الإنسان
الـتي هــى أحـطّ ؟

إن التجسُّد لا يعني أن اللَّه تحوَّل إلى إنسان، بل أن اللَّه تنازل واتحد بكل مكونات الإنسان. وفي نفس الوقت يظل هو الإله القادر على كل شيء. تماماً كما تبقى الشمس كما هى بنورها وطاقتها برغم أن أشعتها تسطع على أماكن القاذورات وما بها من عفونة وجراثيم.

اللَّه ضابط الكل هو يؤثر في الأشياء ولا يتأثر بشيء منها
ولا يمكن أن يتدنس بل هو يُقدِّس النَّجس.

وكيف يستطيع البشر أن يروا اللَّه الذي لا يُرَى ؟

رؤية اللاهوت مجرداً أمرٌ مستحيل. ولذا قال اللَّه لموسى: ”لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش“ ( خر 33 : 20 ).  لذا كان تمهيد الأنبياء للبشرية للإعلان الأكبر عن حلول اللَّه بيننا (عمانوئيل = اللَّه معنا ).

إن بعض الآباء يُشبِّه العهد القديم بالخطوبة، والتجسُّد بالزواج، لأن اللَّه ختم إعلانه عن نفسه بالتجسد.

لذا كان بالحري أن يستخدم اللَّه الجسد حتى نراه، ويقول القديس يوحنا الرسول: ”وكلُّ روحٍ لا يعترفُ بيسوعَ المسيحِ أنهُ قد جاءَ في الجسد، فليسَ منَ اللَّه. وهذا هو روحُ ضدِّ المسيح الذي ســمعتُم أنــه يأتـي، والآن هـو فـي العالــم“ ( 1 يو 4 : 3 ).

 قرأت في بشارة يوحنا آية تقول: ” اللَّه لم يره أحد قط “
(يو 1: 18 ). وفي نفس البشارة قرأت آية أخرى يقول
فيها السيد المسيح: “الذي رآني فقد رأى الآب”
( يوحنا 14 : 9 ). هـل هـناك تناقـض بـين الآيتـين؟

 

لا يوجد أي تناقض؛ لأن اللَّه روح، ولا يستطيع أحد أن يراه. ولكن بما أن السيد المسيح حُبِلَ به من الرُّوح القُدُس
( روح اللَّه )، وأنه من نفس جوهر وطبيعة الآب. فالذي يرى المسيح ( أقنوم الابن ) يكون قد رأى الآب: ”اللَّه لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر“ (يوحنا 1 : 18 ).

إن اللَّه ظهر في الجسد. لذا نقول عنه: ”كلمة اللَّه المُتجسِّد“.

كما يؤكِّد ذلك يوحنا الرسول في صدر بشارته:

”في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند اللَّه، وكان الكلمة
اللَّه … والكلمة صار جسداً وحَلَّ بيننا، ورأينا مجده، مجداً كما لوحيد مـن الآب مملـوءاً نعمـةً وحقـاً … “ ( يوحنا 1 : 1 ـ 5، 14 ـ 18 ).

 

حقاً: ”بالإجماع عظيم هو سر التقوى اللَّه ظهر في الجسد“.
                                                                                ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 )

 

 

 إذن هل كان إرسال الأنبياء قبل مجيء السيد
المســيح بمثـابـة تمهيـد ؟

 

نعم. فقد أرسلهم اللَّه ليُعدُّوا البشرية لمجيء المُخلِّص الحقيقي. والنبي كما يدل اسمه كانت مهمته أن يُنبئ بإرادة اللَّه. أي أن يعلنها بقوة داعياً البشر إلى تقويم ما أُعوِج من سيرتهم والرجوع إلى اللَّه.

والملاحظ أن تكرار ظهور الأنبياء في حد ذاته كان يعني أن البشرية تحتاج إلى”شيء أقوى“ من مُجرَّد رسالات هؤلاء الأنبياء الشفوية والمكتوبة … كانت تحتاج إلى الخالق ذاته.

 

 

 وهل مفهوم: “مجيء اللَّه إلى الإنسان” امتياز
تختـص بـه المسـيحية فقـط ؟

 

تنفرد المسيحية بذلك. فالبعض يُعلِّم أن قهر الخطية هو في طاعة اللَّه وحفظ أحكامه وشرائعه، والتَّدين السليم عندهم هو في سعي الإنسان نحو اللَّه. أمَّا المسيحية فترى أن الخطية والشر هما مرض الروح، وأن الإنسان بدون اللَّه مريض، لذا أتى السيد المسيح إلى البشرية كالطبيب الحقيقي الوحيد.

لقد سعى اللَّه نحو الإنسان ليشفيه ويُعافيه وينقذه من كل وجعه. وهذا هو امتياز المسيحية الفريد عن الآخرين.

 

 

 ولماذا قام الأقنوم الثاني، أقنوم الكلمة
( اللوغـوس ) بالـذات بعمليـة التجسُّـد؟

 

لمَّا كان الأقنوم الثاني هو الخالق: ”كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان“ ( يوحنا 1 : 3 ). كان لابد أن نفس الأقنوم هو الذي يُجدِّد خلقتنا على نفس الصورة التي خلقنا عليها أولاً وفسدت، لكي نُولَد ثانية من فوق. ( يوحنا 3 : 3 ).

وإذ هلك الإنسان من عدم المعرفة ( هوشع 4 : 6 ) فكان لابد ـ حسب قصد اللَّه ـ أن يأتي أقنوم المعرفة والحكمة والفَهْم
ـ أي اللوغوس ـ حتى يعرف الإنسان اللَّه فيحيا في سعادته
( متى 11 : 27 ).

لقد هلك العالم من الجهل، فكان لا بد من الحكمة ( أقنوم اللوغوس ) لتنقذه وتُخلِّصه.

ثم أن الأقنوم الثاني هو الخاص بالإعلان عن الذات الإلهية. كقول القديس يوحنا الرسول: ”اللَّه لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر. ( أي أعلن عنه )“.

 

 

 كيف يمكن أن يختص بالتجسد أحد الأقانيم دون الآب والروح القدس. مع أننا قلنا سابقاً أنه لا يتجزأ ؟

إنه لا يتجزأ. وهذا واضح من الأشياء المخلوقة … كالشمس لها قرص وحرارة وضياء؛ فإنك أن سترت الشمس بشيء وقت الظهيرة فإنك تجد حرارتها قد اتحدت بالأرض وتبقى كامنة فيها حتى دخول برودة الليل.

فإن كانت الشمس تغيب وتستتر لكونها مخلوقة، وأمَّا الإله فلا يخلو منه مكان ولا يقدر شيء أن يحجزه. إنه يملأ الكل ويحوي الأشياء بأسرها ببساطة لاهوته، ولا شيء يحويه، ولهذا اختص التجسد بالكلمة الأزلية ولم يفترق من الآب والروح القدس كما يليق به.

 

 

 إذاً … مَــنْ هــو المســيح عنــد المسـيحـيـين ؟

 

المسيح ـ له المجد ـ عند المسيحيين على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، وبالإجماع ـ شرقاً وغرباً ـ سواء الأرثوذكس منهم أو الكاثوليك أو البروتستانت هو ( اللَّه الكلمة المتجسد )
( يوحنا 1 : 14 ).

”اللَّــه ظهــر فــي الجســد“ ( تيموثاوس الأولى 3 : 16 ).

اللَّه وقد تجلَّى في كيان منظور هو المسيح. وهذا هو معنى أنه: ”ابن اللَّه“. لا بمعنى أن اللَّه يلد كما يلد الإنسان أو الحيوان، معاذ اللَّه من ذلك، لكنه هو ابن اللَّه بمعنى أنه: ”صورة اللَّه غير المنظور“ أي أن اللَّه وهو غير المنظور بطبيعته ( يوحنا 1 :  18 ) قد اتحد بإنسانيتنا ليصير منظوراً للناس. فالمسيح هو اللَّه الغير منظور وقد صار منظوراً. ولماذا صار منظوراً؟

لينجز مهمة الفداء والخلاص التي ما كان يمكن لغير اللَّه أن يقوم بها كما سبق وقلنا في السؤال 59  و 60.

فاللَّه قد تجسد في المسيح من أجل الفداء والخلاص:

فالفداء كان هو الغاية … والتجسد كان هو الوسيلة …

 

 

 ولكـن هـل للعـذراء مريـم دور فـي موضـوع الخـلاص؟

قلنا قبلاً أن اللَّه بعمق محبته نزل إلى الإنسان ليُخلِّصه، ولكن هذا الأمر احتاج تهيئة الإنسانية تدريجياً على مدى تاريخ العهد القديم، حتى تحقق في شخص مريم العذراء ذروة الإيمان والتواضع والطاعة للَّه فاستحقت أن تكون هى معمل الاتِّحاد بين اللَّه والإنسان ولذا ندعوها: ”والدة الإله = الثيؤطوكس“ ( لوقا 1: 41 ـ 43 ).

وهى بذلك تتقدم الملائكة لأنها أُهِّلت في ذاتها أن تحمل ابن اللَّه المتجسد، فتصير هيكلاً حياً للإله الذي اتخذ جسداً منها لأجل خلاصنا.

“لقد صار إنساناً ولم يحل في إنسان” على حسب تعبير القديس أثناسيوس الرسولي.

ومع هذا كله فإنها تحتاج إلى الخلاص مثل أي إنسان آخر، وهذا واضح جداً في تسبحتها المذكورة في (لوقا 1 : 46 ـ 55 ).

 

 

 ما الفرق بين قولنا: ” تجسَّد  “وقولنا: ” تأنس “؟

                تجسَّــد… أي أخذ جسداً.

                                تأنــس… أي صار إنساناً.

ومعنى ذلك: أنَّ الرَّبّ يسوع المسيح هو “الإله المُتأنِّس”. إله تام وإنسان تام. إله حقيقي وإنسان حقيقي. لاهوت وناسوت متحدين في شخص واحد بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ـ شخص ابن اللَّه المتجسد.

ولذا يدعوا الأرثوذكسيين بأنهم أصحاب الطبيعة الواحدة،
أو حسب تعبير القديس كيرلس السكندري ـ البطريرك الـ 24:

“طبيعة واحدة للَّه الكلمة المُتجسِّد“.

والتعبير الكيرلسي الأصلي يُشير إلى طبيعة متآلفة ( مُتّحدة ) وليس “واحدة” عدديّاً.

 

 وهل هناك بركات أخرى من وراء التجسد
غــير أنــه كــان وســيلة لفــداء الإنســان؟

بعقيدة التجسد صار اللَّه يحيا في وسط البشر وليس بعيداً عنهم، وما صاحب ذلك من شعور بالأمان والسعادة والاطمئنان والشبع بالتعاليم الإلهية.

كما أن التجسُّد وحلول اللَّه بين البشر كان دافعاً قوياً في الكرازة بِاسم المسيح عبر العالم كله ( 1 يو 1 : 1 )، ثم أنه وضع مثالاً للفضيلة لكي نتبع أثر خطواته ( 1 بط 2 : 21 ).

لقد صار اللَّه بالتجسد حاضراً في العالم دائماً في شخص المسيح له المجد، وصرنا نحن المؤمنين به نمثل حضور المسيح في العالم لأننا جسده من لحمه ومن عظامه ( أفسس 5 : 30 ). ولذلك سُمِّيَ عمانوئيل ( اللَّه معنا ).

استطاع المسيح في فترة تجسده أن يُقدِّم صورة مثالية للإنسان الكامل كما ينبغي أن يكون، وأعطى الناس فكرة عن السلوك الروحي بمثال عملي قدَّمه لهم.

ناب عن البشرية في إتمام كل بر وقدَّم طاعة كاملة للَّه الآب، وناب عن البشرية في الصوم وفي التوبة عندما تعمَّد من يوحنا.

وضع الشريعة المثالية وصحح مفاهيم الناس في الشريعة مثل شريعة السبت التي وُضِعت لأجل الإنسان وليس الإنسان من أجل السبت. أكمل الرموز والنبوات. وقرَّب إليهم صورة اللَّه. وأعطاهم فكرة عن اللَّه المحب الحنون الطيب الذي يعيش داخل قلوبهم. فكان المسيح صورة ( وسيلة ) إيضاح مُبسَّطة عن اللَّه.

والخلاصة:

إنَّ في التجسُّد بركات عديدة على رأسها تحقيق الفداء.

 

 

 وهــل حقــاً صُـلِــبَ الســيِّد المســيح ؟

بكل تأكيد، فهذه حقيقة واقعية لا يمكن أن يشك فيها أحد إلاَّ إذا تجاهل عن عمد كل الأدلة الكتابية وغير الكتابية التي وصلت إلينا.

فكما تشهد الأسفار المقدسة لحقيقة الصلب، فإن التاريخ العام بما فيه من أقوال مؤرخي وفلاسفة القرن الأول الميلادي سواء اليهود أو الوثنيين يشهد لها أيضاً.

ثم الأدلة المادية العديدة بدءاً من ظهور خشبة الصليب المقدسة التي صُلِب عليها السيد المسيح على يد القديسة هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين سنة 326م، إلى آخِر دليل حديث وهو الكفن المقدس المعروف علمياً بِاسم ( كفن تورينو ) وهو المحفوظ بكاتدرائية ماريوحنا المعمدان بمدينة تورينو الإيطالية، وقد استغرقت دراسته علمياً خمس سنوات ( 1973ـ 1978 م).

ثم نضيف ملحوظة غاية في الأهمية وهى أن ذِكر الكتاب المقدس لحوادث الصلب والدفن والقيامة يُعتبر بمثابة دليل ساطع وبرهان قاطع على صحته وسلامته من التحريف بالحذف والزيادة، لأنه أي شرف للمسيحيين في تمسكهم وانتسابهم إلى مصلوب مُهان هو رمز الذُّل والعار … إلاَّ إذا كان هذا الأمر هو كل شرفهم وفخرهم كما عبَّر عن ذلك مُعلِّمنا بولس الرسول بقوله: ”أمَّا من جهتي، فحاشا لي أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به قد صُلِبَ العالم لي وأنا للعالم“ ( غلاطية 6 : 14 ).

ولماذا اختار السيد المسيح له المجد طريقة
الصلــب بالتحـديـد للمـوت ؟

 

قبل كل شيء السيد المسيح لم يختر لنفسه طريقة تنفيذ حُكم الموت فيه. بل اليهود هم الذين اختاروا الصليب، عندما صرخوا في وجه بيلاطس: “اصلبه !” ( مرقس 15: 12 ـ 15 ).

   أمَّا لماذا تم الفداء عن طريق الصليب ؟

فالقديس أثناسيوس يُفنِّد الأسباب في النقاط التالية:

1 ـ ليكون الموت علانية أمام الشهود تأكيداً للقيامة التي ستأتي فيما بعد.

2 ـ ليحفظ الجسد سليماً غير مُقسَّم حسب النبوات.

3 ـ ليموت باسطاً ذراعيه جامعاً الأمم واليهود في شخصه المُحب.

4 ـ ليرتفع عن الأرض ويجذبنا نحو. ( يوحنا 12 : 32 ).

5 ـ ليُطهر الجو من الأرواح الشريرة وينصرنا عليها ( أفسس 2 : 2 ).

6 ـ ليتمِّم النبوات التي أكَّدت ضرورة الصلب:

( مزمور 22 : 16 )، ( إشعياء 53 )

7 ـ ليحمل اللَّعنة الموضوعة علينا لأنه مكتوب ملعون كل من عُلِقَ على خشبة ( تثنية 21 : 23 ).

 

 

 وهــل مــن أهميــة للصلـيـب للبشـريـة جمعـاء ؟

تأتي أهمية الصليب وقيمته من “الخلاص” الذي صنعه السيد المسيح وأكمله عليه حينما ذاق الموت بإرادته.

ونقصد “بالخلاص”: الخلاص من الخطية وسلطانها وكل آثارها، ليس بالنسبة للماضي فقط بل للحاضر والمستقبل أيضاً في حياة كل البشر. وهذا الأمر يتصل بالقضية الكبرى التي تخص جميع البشر وهى قضية الغفران.

ومن هذا المنطق صار الصليب فخر وفخار كل مسيحي
( غلاطية 6 : 14 ). مع ما فيه من ذُلٍّ ومهانة وخزي وعار.

إنه امتياز المسيحية الفريد الذي لا نجده في أي ديانة أخرى.

 وهــل لـذلـك نقــول عبــارة: ” صُـلِــبَ عنــا ” ؟

نعم؛ لأن هذه الكلمة تعنى أنه ـ السيد المسيح ـ لم يكن مُستحقّاً الصلب، ولكنه أتى إلى الصلب بمحض إرادته ليُخلِّصنا.

إن كل فعل وكل عمل من أعمال المسيح كانت عظيمة حقاً ورائعة، ولكن أنبلها هو صليبه المقدس لأنه بالصليب قد تم تصحيح كل شيء. وحُطِّمت الخطية. وأنكر الموت وأنعم على من يؤمن به بالقيامة. إنَّ حادثة صلب المسيح هيَ مقياس محبة اللَّه الفائقة نحو الجنس البشرى ولذا نردد أنه: “صُلِبَ عنَّا” أي نيابة عنَّا نحن الخطاة.

 

 

 ومــاذا فعــل الســيد المســيح علـى الصليــب ؟

نردِّد في ثيؤطوكية ( تسبحة ) يوم الجمعة هذه العبارة الجامعة عمَّا فعله السيد المسيح:

“هو أخذ الذي لنا، وأعطانا الـذي لـه، نـُسبِّـحه ونـُمجِّـده،
ونزيـده علـوّاً”.

وهذا يشمل:

أ ـ أنه أخذ اللَّعنة التي نالها آدم من جراء سقطته (تك 3: 7) وحملها نيابة عنّا، وأعطانا أن نصير نحن برّ اللَّه (أبرياء) (2كو5: 21 ).

ب ـ أنه أخذ الموت الذي استحقّه آدم يوم مخالفته ( تكوين 2: 17 )، وأعطانا القيامة بعد أن هزم هذا الموت (1كو 15: 26 ).

جـ ـ أنه أخذ حياتنا بكل ما فيها من ضعف وميل للخطية ووهبنا روحه القدوس، وإمكانية النصرة على كل ضعف وخطية. ( أفسس 2 : 6 ).

 

 

 أعرف أن السيِّد المسيح صُلِبَ على “جبل الجلجثة”، هل
هو نفس المكان الذي خَلَقَ عليه اللَّه الإنسان الأول آدم ؟
هناك تقليد يقول أن آدم دُفِنَ على جبل الجلجثة أو جبل الجمجمة، وهو نفس المكان الذي صُلِبَ عليه السيد المسيح، ولكن هذا مجرد تقليد لا يسنده الكتاب المقدس، الذي يشرح لنا في سفر التكوين أن اللَّه خلق آدم في جنة عدن، وليس على جبل الجلجثة الواقع في أورشليم. وقد أخذ بعض الرسامين لمنظر الصلب بأن يضعوا عند قاعدة الصليب صورة جمجمة إشارة إلى جمجمة الإنسان الأول آدم. ويشير هذا الرسم التقليدي بكامله إلى أن المكان الذي مات فيه الإنسان الأول آدم الذي دخلت الخطية بواسطته إلى العالم، هو نفس المكان الذي مات فيه آدم الثاني، أي ربنا يسوع المسيح، ليمحو إثم الخطاة بموته على خشبة الصليب.

وثمة ملاحظة أخرى أن المكان الذي أراد إبراهيم أبو الآباء أن يُقدِّم عليه ابنه إسحق كذبيحة للَّه يُعرَف بجبل “المريا” ( تك22: 2) هو نفس المكان الذي كان قائماً عليه هيكل سليمان قديماً في مدينة أورشليم أي “القُدس”. وبالتالي فمكان صلب المسيح ومكان تقديم إسحق ذبيحة مكانين في مدينة القدس التي كانت تُعرَف بِاسم “أورشليم”.

 

 

 سمعت في الكنيسة أن عبارة إشعياء النبي:
“تأديب سلامنا عليه وبِحُبُرِهِ شُفينا” (إشعياء 53 : 5) تتعلَّـق بعمـل السـيد المسـيح … كيـف هـذا ؟

 

( الأصحاح 53 ) كله من سفر إشعياء، وليس هذه الآية فقط، هو نبوة رائعة عن السيد المسيح وموته على الصليب وسفك دمه فداءً عن الخطاة، سجَّلها إشعياء النبي قبل حدوثها بمئات الأعوام.

وهى في مجملها تشير إلى المسيح حمل اللَّه الرافع خطايا العالم، الذي حَمَلَ عنَّا أحزاننا وأوجاعنا، ليس عنا فقط، بل أحزان وأوجاع الجنس البشري كله.

أمَّا عبارة: ”تأديب سلامنا“ فهيَ تعني أن التأديب الذي كان مفروضاً أن يؤدِّبنا به اللَّه نتيجة خطايانا قد تحمَّله المسيح عنَّا.

وعبارة: ”بِحُبُرِهِ شُفينا“ تعني بأننا نحن الخطاة تبررنا بواسطة آلام المسيح نيابة عنا، وبذلك نلنا الشفاء من الخطية وفزنا بالحياة الأبدية. هذه النبوة هامة جداً في الحياة المسيحية، فقد شرحها الرسول بولس في أكثر من موضع في رسائله.

( راجع رومية 5 : 6 ـ 11 )، ( كورنثوس الأولى 15 : 13)

 

 

 ومَــنْ هــو بيـلاطــس البنطــي ؟

هو الوالي الروماني المُمثِّل الشخصي لقيصر لولاية اليهودية بفلسطين. ويُعتبر بيلاطس ( وهذا اسمه ) البُنطي ( وهذا مسقط رأسه في بلاد بنطس باليونان بآسيا الصغرى ) هو الوالي الخامس … وقد بقى في منصبه من سنة 26 م إلى سنة 36م وخلالها كان مسئولاً مباشرة أمام الإمبراطور ( قيصر ) عن إدارته للولاية.

ولا نعرف شيئاً عن نشأته أو نهاية حياته إلاَّ أنه قيل عنه أنه انتحر بعد سنة 36م في منفاه في فيينا من بلاد الغال حيث لا يزال هناك نصب ارتفاعه 52 قدم قائماً ليدل على قبره.

وترجع شهرته إلى أنه الوالي الذي في عهده تم صلب المسيح بعد أن استسلم للادعاءات اليهودية وانزلق إلى الاهتمام بالذات والخوف على منصبه ( مرقس 15 : 15 ).

وقد قال يوسيفوس المؤرِّخ اليهودي عن بيلاطس:

”بالرغم من أن بيلاطس ساير القادة في اتهامه

وعاقبه بالموت على الصليب، فإن هؤلاء الذين كانوا

قد أحبوا المسيح منذ البداية لم يكفوا عن حبهم له“.

 

 

 يقول البعض … أن الذي عُلِّقَ على الصليب
هو شخص آخر غير المسيح … فهل هذا صحيح ؟

إن الذي عُلِّقَ على الصليب هو يسوع المسيح ابن اللَّه وليس آخر سواه. لأنه لم يكن لليهود أي فائدة من صلب بديل آخر. فهدف الكتبة والكهنة والفريسيون كان هو التَّخلُّص من المسيح ذاته، وليس من غيره، حتى يحتفظوا بسلطانهم ومراكزهم وهيمنتهم على الشعب والأرض (يو 11 : 50 ـ 52 و 18: 14).

كذلك فإن الذي صُلِبَ هو الذي قام وحدَّث التلاميذ بعد قيامته. ( متى 28 : 16 ـ 20 )، ( مرقس 16 : 14 ـ 18 )، ( لوقا 24 : 36 ـ 49 )، ( يوحنا 20 : 20 ـ 29 ). ثم إذا كان الذي مات هو إنسان عادي فماذا نستفيد من موته، حيث أن الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد اللَّه ( رومية 3 : 23 ).

وإذا كان المسيح إنساناً عادياً وليس إلهاً فلِمَا يُنفَى عنه الموت والصلب؟ والإنسان بطبيعته قابل للموت والصلب.

وبذلك فإمَّا أنه: إله يُنزَّه عن الصلب والآلام، وإمَّا أنه: حمل خطايانا وصار خطية لأجلنا ( 2 كو 5 : 21 ).

 

 

 قرأت عن رأى يزعم أن يهوذا الأسخريوطى مات
بدلاً عن المسيح بعد أن أختلط الأمر على الجند فصلبــوه بـدلاً مـن المسـيح. فهـل حـدث هـذا ؟

هذا الرأي خالٍ من كل صحّة، وهو محض افتراء ومردود عليه:

     أولاً: إن صلب المسيح لم يحدث فجأة، ولم يتم سريعاً بل وقع بعد خمس محاكمات من التاسعة مساء الخميس الكبير إلى التاسعة صباح الجمعة العظيمة، أمام شهود وولاة ورؤساء الكهنة والشعب. فهل يمكن بعد ذلك أن يكون هناك شكَّاً في شخصية المصلوب وهو المعروف تماماً في مجتمعه اليهودي ؟!

   ثانياً: شهادة الأنبياء عن صلب المسيح قبل صلبه بمئات السنين وهذه بعض الشواهد: (مزمور 22 ، 69)، (إشعياء 53)، (مراثي 3 : 14 ، 15 ، 30).

   ثالثاً: حديث المسيح نفسه لتلاميذه عن الصلب قبل حدوثه:

(متى 20 : 17 ـ 19) ، (متى 26 : 2، 21)

( مرقس 8 : 31 ) ، ( مرقس 14 : 18 )

   رابعاً: لقد بقى المسيح مُعلَّقاً على الصليب من الساعة 12 ظهر يوم الجمعة العظيمة إلى الساعة الثالثة بعد الظهر قبل تسليم الروح، ثم الساعة الخامسة أُنزِل من على الصليب وحتى السادسة انتهى التكفين والدفن. فلو كان هناك أدنى شكّ في شخص المصلوب لاحتج بعضاً من عائلة أو أصدقاء الشخص الذي صُلِبَ خطأ كما يزعمون.

إنه من الاستحالة أن تكون شخصية المسيح قد شُبِّهت بآخر خاصة وهو شخصية معروفة لجميع الشعب على كل مستوياته.

   خامساً : المستندات التاريخية غير المسيحية مثل:

# كتاب العاديات ليوسيفوس المؤرِّخ اليهودي.

# الوصف التفصيلي لمحاكمات المسيح وهى كتابات اعتمد عليها عباس العقاد في كتابه: “عبقرية المسيح”.

   سادساً: وجود بقايا الصليب والمسامير والأكفان في أحد متاحف تورينو بإيطاليا.

 

 

 ولماذا يرشــم المســيحيـون عـلامـة الصـليـب دائمـاً؟

علامة الصليب ما هى إلاَّ خلاصة سريعة للمسيحية في عقائدها وروحانياتها.

فإذا رشمنا الصليب استعدنا في لحظة المعاني المرتبطة بالصليب من إيمان باللَّه ووحدة طبيعته وتثليث أقانيمه ولاهوت المسيح وتجسده وصلبه وفدائه وقيامته وما ارتبط بكل هذه الأحداث من بركات خلاصية سريعة.

ونضيف لذلك أننا نرشم الصليب للآتي:

1 ـ لكي نبرهن على تبعيّتنا للمسيح المصلوب؛ لأن الصليب علامة مُخلِّصنا.

2 ـ لأنه إعلان لإيماننا المسيحي وافتخار بصليب ربنا يسوع المسيح.

3 ـ كاعتراف بفضله في كل بركات العهد الجديد الروحية.

4 ـ لفوائد أخرى منها:

# طرد قوات الشر المحيطة؛ لأنه علامة مُفزعة للشيطان.

# تشجيع المؤمنين في مواجهة الصعاب والتجارب، ضد إيمانهم.

# علاج ضد بعض الخطايا: كالغضب والشهوة الدَّنسة‎.

# كقوة تُبطِل مفعول الطبيعة المعادية لنا: كالسم أو المرض أو عضة الحيوانات.

 ومــاذا نقصــد بطريقــة رشــم الصليــب ؟

 

وضع الإصبع على الجبهة: إعلان عن اللَّه الآب في السماء وإنه فوق الكل.

وتحريك اليد إلى آخِر الصدر وأول البطن: إشارة إلى التجسُّد وإلى نزول ابن اللَّه إلى الأرض لفدائنا.

ونقل اليد إلى ناحية الكتف الأيسر ثم تحريكها إلى الأيمن إشارة إلى فاعلية الروح القدس الذي نقلنا من اليسار إلى اليمين. ثم نقول: ”الإله الواحد. آمين“ إقراراً منا بوحدانية الذات الإلهية.

 

ونستخدم في رشم الصليب إمَّا:

# إصبع واحد يمثِّل اللَّه الواحد.

# ثلاثة أصابع متجمعة في قمّتها ثالوث في واحد.

# خمسة أصابع تمثل جراحات المسيح الخمسة على الصليب.

 

 

 إذا كان المسيح هو اللَّه، فكيف نقول عنه:
” تألــم “؟ هــل اللَّــه يتألــم؟

 

سبق أن قلنا أن المسيح هو: “الإله المتأنس” بمعنى اتحاد الطبيعة اللاهوتية ( اللاهوت ) بالطبيعة البشرية ( الناسوت ) في شخص واحد هو السيد المسيح:

# اللاهوت ( الطبيعة الإلهية ).

# الناسوت ( جسد بشري وروح بشري ) = المسيح.

 

فالذي تألم هو الجسد البشرى؛ لأن اللاهوت لا يتألم. فإذا طرقنا بمطرقة على حديد مُحمَّى بالنار فإن الطَّرق يسري على الحديد فقط دون أن تتأثر النار المُتحدة به … والتشبيه مع الفارق.

كانت آلام المسيح آلاماً جسدية حقيقية تجرَّع خلالها آلاماً نفسية أيضا كالاستهزاء بالإضافة للجَلد وإكليل الشوك والخل وحمل الصليب والمسامير وغيرها …

 

 

 نقول أيضاً: ” وقبر ” كيف يموت وهو اللَّه؟
ومَــنْ كــان يُديـر الكــون وهــو فـي القــبر؟

 

اللَّه لا يموت لأن اللاهوت لا يموت.

ولكن السيد المسيح ليس لاهوتاً فقط، إنما هو متحد بالناسوت المُكوَّن من جسد بشري وروح بشرية مثل طبيعتنا البشرية القابلة للموت.

وعندما مات على الصليب إنما مات بالجسد ( بالناسوت ). لذا نقول في صلاة الساعة التاسعة :

” يا من ذاق الموت بالجسد في وقت الساعة التاسعة …“

ولم يكن موته ضد لاهوته لأن اللاهوت حي بطبيعته لا يموت، كما أنه شاء لناسوته أن يموت كمُحرَقة سرور وأيضاً لفداء العالم.

أمَّا مَن كان يدير الكون أثناء موته فالإجابة:

إن لاهوته هو الذي كان يدير الكون؛ لأنه لا يموت ولم يتأثر إطلاقاً بموت الجسد، اللاهوت موجود في كل مكان وهو أيضاً في السماء ( يوحنا 3 : 13 ).

 

 

 آخِر عبارة قيلت عن المسيح ـ له الجد ـ وهو على
الصلـيـب أنـه: ” أسـلـم الـروح ” أي روح هـذه ؟

 

المسيح وهو الإله اتخذ إنسانية كاملة أي روح وجسد؛ لأنه إن كان اللَّه قد اتخذ جسد إنسان ولم يأخذ روحاً يبقى المسيح بهذا فادياً عن الحيوان. وإنما اتخذ روح وجسد إنسان لفداء الإنسان.

وهذه الإنسانية الكاملة ( روح وجسد إنسان ) نسميها الناسوت، وطبعاً الروح الناسوتية غير اللاهوت.

وهذه الروح الإنسانية هى التي أسلمها على الصليب لأنه حدث انفصال بين الروح الإنسانية والجسد، أمَّا اللاهوت فمازال متحداً بكل من الروح والجسد متباعدين.

 

 

 ألسنا نقول: “أن لاهوت المسيح لم يُفارق ناسوته لحظةً واحدةً ولا طرفة عين “… فكيف إذن قد مات؟

موت المسيح معناه انفصال روحه البشرية عن جسده. وليس معناه انفصال لاهوته عن ناسوته.

اللاهوت لا يموت، والموت خاص بالناسوت إنه انفصال بين شقّي الناسوت، أي الروح والجسد دون أن ينفصل اللاهوت عن الناسوت بشقَّيْه.

لقد انفصلت نفسه عن جسده، ولاهوته لم ينفصل قط عن نفسه ولا عن جسده.

# قبل الموت كان اللاهوت متحد بروح المسيح وجسده
( الناسوت ) دون انفصال بينهما ( بين الروح والجسد ).

# أثناء الموت كان اللاهوت متحد بروح المسيح وجسده وهما منفصلان عن بعضهما ( انفصال الروح والجسد ) بعد الموت كان اللاهوت متحداً بروح المسيح وجسده اللذان رجعا إلى بعضهما ( الروح ارتبط بالجسد ثانية).

ولم يحدث قط أن اللاهوت فارق الناسوت لا قبل الموت ولا أثناءه ولا بعده.

 

 

 مــا معنــى إنكــار صَلْــب المســيح ؟

إنكار صلب المسيح له المجد هو إنكار للتاريخ والآثار والأعياد، كما أنه وصف للَّه بالخداع والغش والظلم لأن كل نبوات العهد القديم تشير إلى موت الرب وقيامته ( عبرانيين 10 : 4  ـ 12 ).

وإنْ كان المسيح لم يُصلب فلماذا استشهد التلاميذ تمسكاً بقضيتهم مع إنهم كانوا بسطاء وفقراء، من أين الحكمة والقوة التي كانت فيهم ؟!

وإنْ كان المسيح لم يُصلب. فكيف انتشرت المسيحية في كل مكان، بل وغيَّرت قلوب البشر نحو السمو والرُّقي؟

وإنْ كان المسيح لم يُصلَب فبماذا نُعلِّل القبر الفارغ القائم والذي سيظل قائماً على مر الزمان ؟

وإن كان المسيح لم يمت، فكيف دخلت العبادة كنائسنا وحياتنا والألحان القديمة طقسنا وصلواتنا ؟

فهو بالحقيقة قد صُلِب … وبالحقيقة قد قام …

 

 

 هل لنا أن نعرف ماذا يعني الصليب اليوم
بالنســبة للمســيحيـين ؟

 

لقد كان الصليب معروفاً في القديم بأنه آلة للتعذيب والموت. ورمز للذُل والهوان. ولكن موت المسيح ربنا حوَّل هذا الصليب إلى رمز للمحبة والفداء:

”فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأمَّا عندنا نحن المُخلَّصـين فهـى قـوة اللَّـه“ ( كورنثـوس الأولـى 1 : 18 ).

فَصلب المسيح وموته لم يكن عبثاً لأنه مات فداءً عن الخطاة. وقام من الموت لمنحنا الحياة. وكل مَن يؤمن بالمسيح يحصل على الحياة الجديدة أي حياة الغلبة والانتصار على الشر والخطية:  ”لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع“  ( كورنثـوس الأولـى 15 : 22 ) .

وكأن كل إنسان مسيحي يفتخر مع بولس الرسول قائلاً:

” لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم، إلاَّ يسوع المسيح وإياه مصلوباً “

( كورنثـوس الأولـى2 : 2 )

 

 

 قام المسيح من الأموات … هل يختلف ذلك عن المعجــزات التــي أقــام هــو فيهــا أمـواتـاً ؟

 

نعم، تختلف جداً؛ لأنها تتميز بأربع صفات فريدة هى:

1 ـ إنها قيامة مُمَجَّدة فقد قام السيد بجسد مُمَجَّد ( مُنتصر ) بخلاف الذين أقامهم قبلاً فقد قاموا بنفس الجسد البشري.

2 ـ إنها قيامة دائمة ليس بعدها موت ( رو 6 : 9 ـ 10 ).
أمَّا الذين أقامهم قبلاً فقد ماتوا بعد حين.

3 ـ إنها قيامة ذاتية أي قام بسلطان نفسه ولم يُقيمه أحدٌ … لقد قام وليس “أُُقيم”.

4 ـ إنها قيامة عجيبة ليس لها نظير لا قبلاً ولا بعداً؛ لأنها انتصار على الخطية والموت.

 

 

 كيف نحسب الأيام الثلاثة التي قضاها السيد
المســيح فـي القـبر ؟

لكي نحسب هذه الأيام يلزمنا أن نُقرِّر الحقائق التالية:

   أولاً: في حساب الأيام فإن بعض اليوم أو جزء منه هو كاليوم الكامل تماماً قياساً على قاعدة أن الجزء يُعبِّر عن الكل، والكل يُطلق على البعض، وهو ما يسمونه في اللغة بـ “المجاز المُرسل”.

   ثانياً: جسد الرب قد وُضِعَ في القبر يوم الجمعة قبل غروب الشمس وقام في صباح الأحد باكراً. فتكون المدة التي قضاها السيد المسيح في القبر على النحو التالي:

جزء من يوم الجمعة يُحتسب يوماً.

يوم السبت كاملاً يُحتسب يوماً.

جزء من يوم الأحد يُحتسب يوماً.

فتعتبر هذه المدة ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وذلك حسب كتاب التلمود، الذي يُعتبر أقدس كتاب عند اليهود بعد كتاب اللَّه، الذي يقول:

” إن إضافة ساعة إلى يوم تُحتسب يوماً آخر،

وإضافة يوم إلى سنة يُحتسب سنة أخرى “.

وهكذا جاز هذا الاصطلاح إلى يومنا هذا. وعلى ذلك فإنه يصح القول بأن السيد المسيح قد مكث في القبر ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ.

 وهل من قيامة السيد المسيح استمد “يوم الأحد” أهميتــه ووضعــه لــدى المسـيحـيـين ؟

نعم، فقد كان يوم السبت هو يوم العبادة والراحة في العهد القديم، أي قبل مجيء السيد المسيح، وكلمة: ”سبت“ بحد ذاتها كلمة عبرية معناها: ”راحة“ ( خروج 20 : 8 ـ 11 )، ولذا كان حفظ يوم السبت بالنسبة لليهود هو جزء من الناموس الموسَوي، ومن حفظ السبت مُلزم بحفظ الناموس كله.

ولكن بعد مجيء السيد المسيح لم يتقيد المسيحيون بحفظ يوم السبت لأن الخلاص هو بالمسيح وليس بحفظ الناموس وصار يوم الأحد هو يوم الرب لأسباب عدة:

أ ـ لأن قيامة المسيح المجيدة كانت يوم الأحد.

( كورنثوس الأولى 15 : 4 )

ب ـ لأن حلول الرُّوح القُدُس على التلاميذ كان يوم الأحد ( أع 2 : 4 ).

جـ ـ لأن يوم الأحد كان يوم سر العشاء الرباني منذ بداية الكنيسة ( أعمال الرسل 20 : 7 ).

د ـ لأن يوم الأحد كان يوم جمع عطايا الكنيسة منذ نشأتها.

( كورنثوس الأولى 16 : 2 )

هـ ـ لأن يوم الأحد يُشار له في الكتاب المقدس بيوم الرب.

( رؤيا 1 : 10 )

و ـ لأن الكنيسة الأولى وآبائها حفظوا هذا التقليد بكل وضوح.

أيَّـة كـتب نقصـدهـا في قولنـا: ” كمـا فـي الكـتب ” ؟

 

الكُتب هى الأسفار المُقدَّسة لأن كلمة: ”سفر Sepher“ العبرانية تعني: ”كتاب“ والمقصود أن أسفار الكتاب المُقدَّس بما تشمله من نبوّات وإشارات إنما تشير إلى حقيقة القيامة وتشهد عنها.

وهذه بعض أمثلة:

# أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت ( مزمور 3 : 5 ).

# في اليوم الثالث يقوم ( هوشع 6 : 2 ).

# بقى في جوف الحوت ثلاثة أيام ( يونان النبي ).

# في اليوم الثالث يقوم ( متى 16 : 21 ).

# مَن هو الذي يسلمه لليهود ( لوقا 22 : 3، 4 ).

# أين شوكتك يا موت، أين غلبتك يا هاوية.

( كورنثوس الأولى 15 : 55 )

 

 

 

 وهل ما يُسمى ” بإنجيل برنابا ” من بين هذه الكتب ؟

 

بالطبع لا؛ لأنه لا يوجد إنجيل حقيقي بِاسم إنجيل برنابا بل هو مجرد كتاب كله كذب وافتراء مشحون بالخرافات والأكاذيب. ألَّفه رجل غير مسيحي في القرن السادس عشر، وقد ظهر أول ما ظهر في الأندلس في أسبانيا مكتوباً باللغة الإيطالية، ثم تُرجِم إلى الأسبانية لمحاولة عدائية ضد المسيحية. وقد أقحم على المسيح له المجد أقوالاً ومذاعم لم يقل بها. وبعد ذلك تُرجِم إلى الإنجليزية وغيرها من اللغات.

ويبدو من قرائن كثيرة أن مؤلفه تحول عن ديانته الأصلية وهى اليهودية في أسبانيا، ثم قام بتأليف هذا الكتاب المزعوم من وحي خياله المريض، ومن باب السعي نحو الشهرة أضاف كلمة ”إنجيل“ إليه. ولكن هذا لا يُغطي أخطاءه الفاضحة الكثيرة فيه: فمثلاً قال عن بلدة الناصرة ومدينة أورشليم أنهما ميناءان على البحر الأحمر، والمعروف أنهما في فلسطين.

ومما يشهد بأن هذا الكتاب مزوَّر، حديث العهد، اشتماله على أمور تتعلق بعادات إيطاليا في القرون الوسطى، كما فيه اقتباسات من الكاتب الإيطالي ”دانتي“ ( 1265 ـ 1321م ) في ملحمته الشعرية: ”الكوميديا الإلهية“ كما توجد فيه عبارات تُسيء لكل الديانات وقد قالت عنه: ”الموسوعة العربية الميسرة“ بإشراف الأستاذ محمد شفيق غربال ( صفحة 354 عمود أ ). ”إنه كتاب مزيّف وضعه أوروبي في القرن 15 “. ”وفي وصفه للوسط السياسي والديني في القدس ـ أيام المسيح ـ أخطاء جسيمة“.

 

 

 وما هو الدَّاعي لوجود أربعة أناجيل: ” في
العهد الجديد ” ؟ ألم يكن إنجيلاً واحداً يكفي؟‍‍!

أولاً كلمة إنجيل في حد ذاتها كلمة غير عربية بل يونانية
”إف أنجيليون“ بمعنى الخبر السار أو البشارة المفرحة. وقد تكررت هذه الكلمة 72 مرة في العهد الجديد منها 54 مرة في رسائل بولس الرسول لتعبر عن أخبار الخلاص المُفرِحة التي قدمها لنا اللَّه في ابنه يسوع المسيح ليدخل بنا إلى حضن أبيه بروحه القدوس.

ويبدأ العهد الجديد بأربعة أسفار تسمى البشائر الأربعة أو الأناجيل الأربعة، وهى التي تحمل إلينا الأخبار السارة عن الخلاص بالمسيح يسوع الفادي.

وقد حملت هذه البشائر الأربعة أسماء كاتبيها: متى ـ مرقس ـ لوقا ـ يوحنا. وهم من تلاميذ المسيح ولذا يشار إليها بِاسم إنجيل متى = بشارة متى = أي الأخبار السارة التي نقلها إلينا متى الرسول عن حياة ربنا يسوع، وهكذا فإن هذه البشائر المفرحة كتبها أربعة بشيرين، كلٌّ بلغته الخاصة وبطريقته الخاصة كما أوحيَ إليه بإرشاد الروح القدس. ( 2 بط 1 : 21 )، ( 2 تيمو 3 : 16 ).

وهى في الحقيقة ”بشارة واحدة“ ( بأربع شهادات كتبها أربعة شهود ) تتحدث عن حياة شخص واحد هو ربنا يسوع المسيح، وعمل واحد هو فداء اللَّه للإنسان. وهذا في حد ذاته يؤكد صدقها وحقيقتها ودقتها.

ولكن هذا لا يمنع أن يكون لكل منها خاصته المُميِّزة بحيث تُشكِّل البشائر الأربعة أربعة أضلاع لبرواز واحد داخله موضوع واحد هو حياة السيد المسيح اللَّه الذي ظهر في الجسد، وهى بهذا الشكل تتمم بعضها البعض. فمثلاً:

# كَتبَ متى البشير أساساً إلى اليهود، عن المسيح الملك.

# كَتبَ مرقس البشير أساساً إلى الرومان عن المسيح القوي.

# كَتبَ لوقا البشير أساساً إلى اليونان عن المسيح ابن الإنسان.

# كَتبَ يوحنا البشير أساساً إلى كل العالم، عن المسيح الإله المُتجسِّد.

 

 

هل نَفهم من ذلك أن السيِّد المسيح ليس
هــو كـاتــب الإنجيــل؟

 

إن الإنجيل المُقدَّس لم ينزل مكتوباً كما يعتقد البعض، كما أن المسيح له المجد لم يكتبه. فالإنجيل كُتِبَ بواسطة رجال اللَّه القديسين أي تلاميذ ربنا يسوع المسيح ورسله الأبرار، كما أوحيَ إليهم من اللَّه أن يكتبوا:

# ”كل الكتاب هو موحى به من اللَّه … لكي يكون إنسان اللَّه كامــلاً متأهـبـاً لكــل عمــل صالــح“ ( 2 تيمـو 3 : 16 ـ 17 ).

# ”لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلَّم أُناس اللَّه القديسـون مَسـوقين مـن الـروح القـدس“ ( بطـرس الثانيـة 1 : 21 ).

لقد جاء ربنا يسوع المسيح ليعلمنا أولاً بشخصه المُبارَك ولذا ندعوه: ”ابن الإنسان“، أي صديق الإنسان الذي يبحث عنه لِيَهِبَه عطية الخلاص الثمين.

 

 وهل تلاميذ السيِّد المسيح هم الحواريون ؟
ولمـاذا دعـوا بهـذا الاسـم ؟

 

نعم. الحواريون هم تلاميذ ربنا يسوع المسيح الذين دعاهم واختارهم وتحاوروا معه طيلة أيام كرازته على الأرض، وبعد صعوده جالوا مبشرين بوصية المسيح إليهم: ”اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. مَن آمن واعتمد خلَصَ،
ومَــن لــم يؤمــن يُـدَنْ “ ( مرقس 16 : 15 ـ 16 ).

ولقد سُمُّوا بالحواريين، نظراً لصفاء ونقاء قلوبهم ونقاء سريرتهم. والمعروف أن كلمة ”حواري“ تعني: الناصح ـ المرشد ـ ذو القلب الأبيض. وبما أن تلاميذ المسيح كانوا يتصفون بهذه الصفات فلذلك سُمّوا بالحواريين.

 

 

 إذا كانت عقوبة الخطية هى الموت. وقد مات المسيح بالصليب عنا وخلصنا. فلماذا إذن نموت نحن الآن ؟

لقد خلَّصنا المسيح له المجد من:

   1 ـ الموت الروحي: أي الانفصال عن اللَّه.

”صولحنا مع اللَّه بموت ابنه “ ( روميـة 5 : 10 ).

 

   2 ـ ومن الموت الأدبي: إذ ردَّ إلينا اعتبارنا بأن صرنا أبناء اللَّه ( 1 يو 3 : 1 ). وهياكل لروحه القدوس. ( 1 كو 6 : 19 ).

 

   3 ـ ومن الموت الأبدي: إذا صار لنا الحياة الأبدية بموت المسيح ( يوحنا 3 : 16 )، وهذا من أساس الخلاص.

 

أمَّا الموت الجسدي الذي هو انفصال الروح عن الجسد، فلم يعد موتاً بالحقيقة بل هو انتقال. لقد كان عقوبة حيث يترك الإنسان الأرض إلى الجحيم مهما كانت حياته، أما الآن فلم يعد عقوبة بل مجرد جسر ذهبي نصل به إلى الأبدية السعيدة، وبه نتأهل إلى طبيعة أسمى.

إنه الطريق الطبيعي الذي يوصلنا إلى أمجاد القيامة. وبديهي أن البقاء في الجسد المادي الترابي ليس هو الوضع المثالي للإنسان ؟!!

 

 

 وما هى مكانة: ” قيامة المسيح ” في إيماننا المســيحـي ؟

 

بالقيامة تحقق الخلاص الذي شاء الرَّبّ أن يُتمِّمَه بتجسُّده وصليبه.

أي أن القيامة هى علامة نجاح سعي اللَّه لإنقاذ (خلاص ) الإنسان، ولذلك فهى: ”حجر الأساس“ في إيماننا المسيحي وكرازتنا بالمسيح.

إنها قلب الإيمان المسيحي والحياة الروحية وهى أيضاً محور الترتيب الطقسي. فكل يوم أحد هو عيد للقيامة كما أن كل قداس هو استمرار لها.

إن قيامة الرب أكدت لنا ألوهية المسيح. لقد قام ولم يمت، ولن يمت، بعكس كل الذين قاموا قبْلَه أو بعده إذ كان للموت سلطان عليهم فماتوا ثانية، وهم في انتظار القيامة العامة.

 

أمَّا الرَّبّ فقد قام نهائياً، إذ وهو رب الحياة لم يكن مُمكناً للموت أن يُمسكه.

ونشأ عن هذا المفهوم أن صار المؤمنون يحتقرون الموت؛ لأن المسيح بموته داس الموت، وهو الذي يَهب لكل أحد النُّصرة على الموت بعد أن هزم الشيطان وقيَّده في سلاسل أبديَّة تحت الظلام.

 

 

قبل الحديث عن صعود السيد المسيح:
هل حقاً أنه قضى فترة من حياته بين سني 12 ــ 30 سنة في بلاد الهند، ثم عاد إلى فلسطين ليباشر خدمتـه العامـة التـي نعلمهـا مـن الإنجيـل ؟

لم يحدث هذا على الإطلاق. فليس هناك أي دليل أو مرجع يشير مُطلَقاً إلى أن السيد المسيح ذهب إلى الهند أو غير الهند في بلاد الشرق الأدنى.

والكتاب المُقدَّس لا يذكر أن السيد المسيح سافر إلى أبعد من مصر أثناء طفولته برفقة القديس يوسف النجار والقديسة مريم العذراء، وذلك هرباً من هيرودس الملك‎، الذي أمر بقتل الأطفال من ابن سنتيْن فما دون ( متى 2 ).

كما يذكر الكتاب المقدس أيضاً أنه أثناء خدمته العامة، ذهب المسيح إلى تخوم صور وصيدا في لبنان حيث كرز هناك وعمل المعجزات. ( متى 15 )، ( مرقس 7 ).

أمَّا الفترة الواقعة بين سن 12 ـ 30 من حياة ربنا يسوع بالجسد على الأرض فقد قضاها في مدينة الناصرة في فلسطين حيث عرفه أهل بلدته. إذ عمل بينهم نجاراً وعرفوا مَن هى أمه، وذلك حتى سن الثلاثين وهو سن الكمال بالنسبة للرجل عند اليهود. إذ كان لا يُقبَل أحدٌ لعضوية المجمع اليهودي أو أن يكون مُعلِّماً ( أي ”رَبّي Rabbi“ ) إلاَّ في هذا السن الذي يعتبر سنّ النضوج أو الرجولية.

 

 

 وماذا نقصد بقولنا: ” صعد إلى السموات
وجلس عن يمين أبيه “. هل للـه يمين أو شمال؟

   أولاً: هذا النص مأخوذ عن الكتاب المُقدَّس: ”وبعد أن كلَّمهم الرب يسوع بهذا ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين اللَّه“ (مر 16: 19).

وقد تكرَّر هذا النص خمس عشرة مرة في العهد الجديد ممَّا يدل على أهميته.

راجع بعض الشواهد: ( متى 26 :64 )، ( مرقس 14 :62 )، ( لو 22: 69 ).

   ثانياً: لأن اللَّه غير محدود فبالتالي لا يحده يمين أو شمال كما أنه لا يصعد ولا ينزل لأنه موجود في كل مكان مالئ الكل.

   ثالثاً: إن المسيح له المجد صعد بجسده وجلس بجسده القائم على عرش العظمة الإلهية في السماء، وليس ”اليمين“ في هذا الصدد غير تعبير لغوي يدل في لغة الناس على أسمى مكان وأعلى مكانة في السماء. إنه رمز للقوة والعظمة والبر. أي أن المسيح دخل إلى مجده ( لوقا 24: 26)، واستقر في هذه القوة.

عبارة ”صعد“ أي ترك النزول الأول عندما أخلى ذاته ورجع إلى مجده الحقيقي وعظمته اللائقة به ( يو 3 : 13 ). وثمة ملحوظة هامة هى أن جلوس الابن عن يمين الآب قيل لا في الدينونة بل قيل عنه في صعوده إلى السماء ( راجع متى 25 : 31 ـ 46).

 

 

 هل صعد السيد المسيح إلى السماء بجسده
الــذي قــام بــه مــن بــين الأمــوات؟

 

نعم؛ لأنه عندما قام المسيح له المجد من بين الأموات بسلطان لاهوته، قام بجسد حقيقي، هو بعينه الجسد الذي ذاق فيه الموت من أجل إتمام عمل الفداء لخلاص البشر، والأدلّة على ذلك كثيرة منها:

1 ـ احتفظ في جسده بآثار المسامير وبأثر طعنة الحربة كما شاهد ذلك التلاميذ ثم توما الرسول ( يوحنا 20 : 26 ـ 29). في الناسوت احتفظ بآثار المسامير والطعنة.

 

2 ـ ظهر لسبعة من التلاميذ وتناول طعاماً معهم ( يو 21 : 1 ـ 14 ) وبالناسوت أكل مع تلاميذه.

 

3 ـ ظلَّ 40 يوماً من بعد قيامته يُظهِر نفسه ببراهين حيَّة لتلاميذه قبل صعوده ( لوقا 24 : 5 ـ 52 )، وبالناسوت صعد أمام عيونهم.

 

 

 هل سيظل اللَّه بجسد السيِّد المسيح له المجد
إلـى الأبــد ؟

 

صعد السيد المسيح بجسده وهذا هو السبب في أنه صعد صعوداً جهارياً علانياً أمام الجميع. لقد دخل إلى السماء بذبيحة نفسه كفادٍ، والمسيح جسده مازال مرتبط به. وحينما رآه يوحنا الرائي رآه في الجسد كما يتّضح من الأوصاف المذكورة في
( رؤيا 1 ).

والمعنى المُستقى من وراء ذلك أن المسيح له المجد أخذ طبيعتنا الترابية واتحد بها. وصعد بها إلى المجد. وأجلسنا على العرش .ولذا نقول في القداس الإلهي:

” أصعدت باكورتي إلى السماء “

وهذه قمة عمل المسيح لنا.

ولكن الأمر الهام والواجب معرفته أن هذا الجسد
لا يحصر بهاء اللاهوت على الأرض. كان يحجب لاهوته في ناسوته. وعلى جبل التَّجلي سمح للبهاء أن يظهر بقدرٍ، بالنسبة للبهاء الحقيقي الكامل الذي هو عليه في السماء، وكما رآه يوحنا الرائي.

وهذه الصّور عن البهاء رآها بعض الأنبياء قبل التجسُّد كما عند حزقيال ودانيال ( 9 ).

 

 

 عرفنا من قبل أن التجسد والقيامة كانا
لأجــل خلاصـنــا. أمَّــا الصعــود فـلأجــل مــاذا ؟

 

هو لأجلنا أيضاً لأنه تتويج لعملية الفداء.

وكما قلنا قبلاً أنه لم يكن باستطاعة الإنسان أن يبلغ إلى اللَّه لو لم ينحدر اللَّه إلى الإنسان ليدفعه إليه ( يوحنا 3 :13 )، لذلك فإن طريق السماء، أي الحياة الإلهية، إنّما فُتِح أمامنا عندما صعد المسيح إلى السماء ليُعِدَّ لنا مكاناً. وليكون لنا شفيع دائم أمام الآب.

لقد صَعِدَ ليُصعِد البشريّة معه، كما أن صعوده بالجسد هو اشتراك لبشريّتنا في الحياة الإلهية.

 

أمَّا عن المعنى الروحي:

فإن صعود السيد المسيح هو دعوة لنا للصعود والارتفاع فوق مستوى الأرض والأرضيات وكل الأمور الزمنية. مُتطلِّعين بكل قلوبنا نحو البلوغ إلى ذلك الوطن السعيد حيث نرث ونملك ونتنعم.

 

 ولمــاذا ســيأتي ثانيــة ؟

كما هو واضح من نص قانون الإيمان فإن المسيح له المجد له مجيء ثاني سيأتي فيه لكي يدين البشر عما صنعوه.

على أن هذا المجيء الثاني يختلف جذرياً في هدفه عن المجيء الأول والذي نقول عنه في قانون الإيمان:

”هذا الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء“

المجيء الأول:

كان لأجل خلاصنا ولذا جاء المسيح في صورة الفادي.

أما المجيء الثاني:

فهو للدينونة العامة. ولذا يأتي المسيح فيه في صورة الدَّيان، ويقول الكتاب: ”لأن ابن الإنسان سوف يـأتـي فـي مجـد أبيـه مـع ملائكتـه، وحينئـذ يُجـازي كـل واحـد حسـب عملـه“ (متى 16 : 27 )

ومعنى ذلك أن الدينونة العامة ستعقُب المجيء الثاني:

راجع أيضاً: ( أع 1 : 11 )، ( 2 كو 5 : 10 )، (1 بط 4 : 5 )، ( رؤيا 14 : 10 )، ( رؤيا 22 : 12 ).

لقد تحدّث المسيح مراراً عن حقيقة المجيء الثاني المخوف والمملوء مجداً، واعتبر ذلك موضوع رجاء تعيشه الكنيسة على مر العصور.

إن المجيء الثاني عزاء للذين في الضيق، وفرج للذين في التجارب، ومرساة للذين في بريّة مُوحِشة.

 هل معنى ذلك أنه ليست هناك مُجازاة بعد
المــوت مُباشــرةً ؟

 

لا يثاب الأبرار بالملكوت السماوي الأبدي، ولا يعاقب الأشرار بالعذاب الأبدي إلاَّ بعد يوم الدينونة الذي فيه يقوم جميع الراقدين بأجسادهم، وليس بعد الموت مباشرة.

وقد أوضح الرَّبّ يسوع ذلك في ( يوحنا 5 : 28 ـ 29 ).

كما قال القديس بولس الرسول:

”.. في يــوم الغضــب واســتعلان دينـونــة اللَّــه العادلــة

الــذي ســيجازي كــل واحــد حســب أعمالــه“ ( روميـة 2 : 5  ـ 6 )

وقال أيضاً:

”لأنـه لا بـد أننـا جميعـاً نـُظْهَـرُ أمـام كرسـي المسـيح،

لينـال كـل واحـد مـا كـان بالجسـد بحسـب مـا صـنع،

خيـراً كــان أم شـرّاً“  ( 2 كـو 5 : 10 )

 

إن جسد الإنسان وروحه قد اشتركا في أعمال الفضيلة
أو الرذيلة فكيف يسمح عدل اللَّه بعقاب أو إثابة الروح بدون الجسد الراقد تراباً في القبر بعد الموت مُباشرة ؟!

 

راجع أيضاً: ( 1بط 5 : 4 )، ( رؤيا  6 : 9 ـ 11 ).

 

 

 وعلــى أي أســاس سـتـكـون الدينونـة ؟

قلنا أن السيد المسيح سيكون هو الدَّيان بمعنى أننا أمامه سنُحاكَم. ولكن هذا الحاكم يحبنا ومات من أجلنا (رو5: 6ـ8 ). وكما أنه رحيم ومُحبّ، فهو عادل أيضاً. سوف يعاملنا حسب أعمالنا ونيّاتنا. وبالتالي سيكون حسابنا عسيراً ومرتبط بمواقف المحبة والعطاء، وهما يتجليان في علاقتنا بالمرضى والغرباء والسُّجناء والمُعذَبين في الأرض لأن في هؤلاء يسكن السيد.

ولذلك فالمحك سيكون بمقدار محبتنا وتكريس ذواتنا لخدمته وخدمة الذين خُلِقوا على صورته ومثاله ( 1 يو 3 : 14)؛ لأن اللَّه محبة ( 1 يو4 : 7 ـ 9 )، ومن لا يحب لا شركة له مع اللَّه. وبالتالي مصيره جهنم والعذاب الأبدي ( متى 25 : 41 ـ 46 ).

 

 

 ولمـاذا كـان المسـيح لـه المجـد هـو: ” الدَّيـَّان ” ؟

 

المسيح له المجد هو الدَّيان؛ لأن: ”الآب لا يديـن أحـداً، بـل قـد أعطـى كـل الدينـونـة للابـن“ ( يوحنا 5 : 22 ).

إنه الديان لأنه اشترانا بدمه: ( رؤيا 5 : 9 )، ( 1 بط 1 :
18 ـ 19 )، لمحبّته لنا حتى يفدينا من الفساد. فمَن يُديننا إلاَّ مولانا الذي نحن له؟

وهو الدَّيان لأنه مات من أجلنا بعد أن اتحد بطبيعتنا، ليحررنا من فساد الخطية، ثم قام دافعاً ثمن الفداء، وصعد إلى السماء. وهو الآن يشفع فينا أمام العدالة الإلهية ( رو 8 : 34 ).

والإنسان لا بد أن يدينه إنساناً مثله، بشرط أن يكون بلا عيب وبلا خطية. وذلك حتى لا يحتج الإنسان على اللَّه بالفارق الهائل الذي لا يُحدّ بين اللَّه والإنسان. ومن هنا كان ابن الإنسان
ـ المسيح له المجد ـ هو الدَّيان.

 

 

 وما معنى وصية السيد المسيح لنا: “لا تدينوا
لكــي لا تُـدانـوا ” ( متى 7 : 1 ) ؟

 

قلنا أن الدينونة هى من اختصاص اللَّه وحده، وليس من حقنا أن ننظر إلى أخطاء غيرنا، وننسى أخطاءنا، أو أن نحاول نحن إدانة غيرنا ونُبرِّر أنفسنا عندما نفعل ذات الفعل؛ لأنه تبعاً لوصية المسيح هذه، تُحسب الإدانة هنا خطية نحاسب عليها.

 

أمَّا إذا كان هدفنا هو إصلاح الآخرين، فليكن ذلك بالمحبة التي تستر هفواتهم وأخطاءهم ( 1 بط 4 : 8 ). وبذلك نحب كل الناس كما أحبنا الرب يسوع تاركين الدينونة للَّه وحده،
إذ هو الدَّيان العادل الذي يرى خفايا القلوب، وسَيُدين الجميع حسب مشيئته.

 

 

 هل يمكننا استعراض أحداث المجيء الثاني
بصــورة مُبسَّــطـة ؟

 

تحوي بعض الأصحاحات في العهد الجديد العلامات الأخيرة لمجيء المسيح بتفصيل رائع ويمكن أن نتتبعها على النحو التالي:

أ ـ تظهر علامة ابن الإنسان ”الصليب“ ( متى 24 : 30 ).

ب ـ يأتي المسيح في مجده على السحاب:

( متى 24 : 30 )، ( لوقا 21 : 27 )، ( 1 تس 3 : 13 )

جـ ـ يُبَوِّق رئيس الملائكة بمجدٍ لإعلان الدينونة (متى24: 31)

د ـ يقوم الأموات من القبور ( 1 تس 4 : 16 ).

هـ ـ يتغيّر الأحياء في لحظة ( 1 كو 15 : 52 ).

وجديرٌ بالذِّكر أن هذه الأحداث كلها متزامنة وستقع بصورة فجائية. فعندما يموت الإنسان يرجع الجسد إلى التراب ( تك 3 : 19 ). وتعود الروح إلى اللَّه ( جامعة 12 : 7 ـ 8 ). وتسلَّم إمَّا إلى فردوس النعيم إن كانت صالحة ( لوقا 23 : 43 )، كمكان انتظار للأبرار. وإمَّا أن تسلم إلى الجحيم أو الهاوية إن كانت شريرة ( لوقا 16 : 23 )، كمكان انتظار للأشرار.

وتظل الأرواح في أماكنها والأجساد في التراب إلى يوم الدينونة العامة عندما يُبَوِّق الملائكة بالبوق فتقوم الأجساد، وتدخل فيها الأرواح، وتصير في صورة روحانية ( 1 كو 15 : 42 ـ 44 ).

ثم نُلاقي الرب في الهواء ( 1 تس 4 : 17 )، عندما يأتي في مجده مع ملائكته ( متى 25 : 31 )، ويجلس على كرسي مجده ويدين الناس جميعاً كل واحد حسبما صنع عندما كان على الأرض خيراً كان أم شراً. ويرسل الأبرار للحياة الأبدية في ملكوت السموات ويرسل الأشرار للعذاب الأبدي ( متى 25 : 46 ).

 

 

 هــل تباطــأ الــرب عــن مجـيئــه ؟

 

الزمان كله عند اللَّه هو كيوم واحد. إذ أن معنى كلمة: ”يوم“ أي: ”الحاضر“ فليس عند اللَّه ماضي أو مستقبل. فكلاهما حاضران أمام اللَّه ( 2 بط 3 : 8 ). فألف سنة عند الإنسان، كيومٍ واحد عند اللَّه إذا قيست بالأبدية اللانهائية، ومعنى ذلك أنه إذا كانت قيامة المسيح منذ ألفي سنة فكأنهما يومين فقط.

إذاً المسيح الرب لم يتباطأ عن مجيئه، ولكنه يتمهَّل على البشرية ليمنحها فرصة للتوبة والخلاص.

”احسـبوا أنـاة ربنـا خـلاصـاً“ ( 2 بـط 3 : 15 ).

 

وفي الأصحاح الأخير من سفر الرؤيا يؤكِّد السيِّد المسيح سرعة مجيئه حتى لا ننهزم أمام التجارب والضيقات أو نفْقِد يقين الانتصار والغلبة ( رؤيا 22 : 7، 12، 20 ).

 

 

سمعت مَنْ يقول: ” إن المسيح سيأتي ليحكم ألف ســنة ؟ هــل هــذا صحيــح ؟

 

ليس هذا صحيحاً؛ لأن:

تعبير: ”المُلك الألفي“ حسب إيمان كنيستنا وسائر الكنائس الرسولية الأخرى هو تعبير رمزي وليس حرفي، يُقصَد به أن السيد المسيح ملك على قلوب المؤمنين منذ موته على الصليب إلى مجيئه الثاني للدينونة.

وهذا يعني أننا نعيش الآن في هذا الزمن. ولا يخفى أن رقم الألف هو من أرقام الكمال.

لقد بدأنا المُلك اللألفي منذ: ”ملك الرب على خشبة … وصار بالحقيقة ملك الملوك ورب الأرباب“ ( رؤيا 19 : 16 ) وصرنا نحيا له كملك ونخضع له كرئيس خلاصنا. إنه ملك روحي وليس مادي.

وليس هناك ملكاً آخر كما يتصوَّر البعضُ بالمفهوم المادي الذي يشتهونه؛ لأن هذا استهانة بمُلك المسيح الآن في الكنيسة.

 مــا معنـى: ” ليـس لملكـه انقضـاء ” ؟

 

لكي نفهم حقيقة مُلك المسيح يجب أن نعرف أولاً ما هى القيامة الأولى والثانية … وما هو الموت الأول والثاني ؟

 

الموت الأول هو: موت الخطية ( أفسس 5 : 11 ).

القيامة الأولى هى: حياة التوبة ( يوحنا 5 : 24 ـ 25 ).

   الموت الثاني هو: عذاب جَهنم بعد أن يتمادى الإنسان في خطيته دون توبة ( رؤيا 20 : 12 ـ 14 ).

   القيامة الثانية هى: إمَّا قيامة الحياة أو قيامة الدينونة عند مجيء ابن الإنسان ( يوحنا 5 : 28 ـ 29 ).

 

معنى ذلك أن مُلك المسيح مُلك روحي ليس له انتهاء، فهو قد ابتدأ على الصليب ومستمرّ إلى الأبدية بلا انقضاء أو انتهاء. وهذا ينفي فكرة المُلك المُحدَّد بفترة زمنية لها بداية ولها نهاية كما قلنا توّاً.

 

 

 أليس الحديث عن أمور آخِر الأزمان مُدعاة للخــوف؟

ليس الأمر كذلك فإن يوم نهاية العالم سيكون رهيباً للأشرار
( 2 بط 3 : 7 ـ 12 )، ولكنه للمؤمنين يوم مجد، إذ سيمنح السيد كل شيء جديداً ( رؤيا 21 : 5 ).

إن آخِر الأزمنة ليس مُدعاة للخوف، فهو النهار الذي يلي الظلمة ونحن بالمعمودية دخلنا العالم الجديد الآتي (2 كو5: 17 ).

إن الحديث عن آخر الأزمنة هو مدعاة إلى اليقظة والسهر المستمر والاستعداد بالصلاة انتظاراً لساعة مجيء ابن الإنسان المُفرِحة.

 

123

يقول البعض: “إن مجمع نيقية المسكونى الأول واضع قانون الإيمان لم يتحدث إلاَّ عن ألوهية ا‎لآب والابن ثم رؤي في مجمع لاحق أن يلحــق بهمـا الـروح
القـدس”. هـل هـذا صحيـح ؟

 

مجمع نيقية عام 325 م قال:

” بالحقيقة نؤمن بإله واحد اللَّه الآب …

نؤمن بربٍ واحدٍ يسوع المسيح … نؤمن بالرُّوح القُدُس“.

لقد تحدث عن الأقانيم الثلاثة ولكنه لم يتحدث بالتفصيل عن أقنوم الروح القدس لأن عمل المجمع الأساسي كان للرد على بدعة آريوس الخاصة بأقنوم الابن.

وعندما انعقد مجمع القسطنطينية سنة 381 م، فصَّل الكلام عن الرُّوح القُدُس، وذلك رداً على بدعة رجل اسمه مقدونيوس ظهر بعد آريوس، وبذلك اكتمل قانون الإيمان في منطوقه الحالي.

 

 

 مــا معنــى عبــارة : ” الــرَّبّ المُحــيي ” ؟

 

هى عبارة نعترف فيها بلاهوت الروح القدس رداً على  هرطقة ”مقدونيوس“ الذي زعم أن الروح القدس مخلوق مثل الملائكة، وأنه صدر عن الآب والابن ( أي صدر في زمن ) وبالتالي فهو غير أزلي.

 

ويتّضح معنى هذه العبارة في أمرين:

أولهما: أن الروح القدس سُمِّيَ: ”المُحيي“؛ لأنه مانح الحياة الحقيقية لكل حي. بمعنى أنه هو الذي يمنح نسمة الحياة.

( تكوين 2 : 7 )

 

ثانيهما: أنه هو الذي يمنحنا حياة النعمة. أي أنه الوساطة الوحيدة لتقديس المؤمنين ( رومية 8 : 13 )، ( 2 بط 1 : 21 )، كما في أسرار الكنيسة السبعة.

 مــا المقصــود بتعــبير: ” المُنـبَـثِـق مـن الآب ” ؟

تردد الكنائس الأرثوذكسية نص قانون الإيمان قائلين عن الروح القدس أنه: ” مُنبَثِق من الآب“ والانبثاق فعل أزلي من الآب كما قال السيد المسيح له المجد.

وقد وقع الكاثوليك في خلط بين: ”الانبثاق“ و ”الإرسال“ إذ أضافوا كلمة: ” المنبثق من الآب والابن“، وهذا خطأ لاهوتي عظيم؛ لأن الإرسال فعل زمني تم يوم الخمسين حين أرسل الابن الرُّوح القُدُس إلى العالم:

” ومتى جاء المُعزي الذي سأرسله أنا ( المسيح ) إليكم من
الآب، روح الحق، الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي“
( يوحـنا 15 : 26 ).

 

إذاً الانبثاق من الآب ـ وهو عملية أزليّة ـ غير مرتبط بمكان. أمَّا الإرسال فهو من الابن، وهو عملية زمنية مرتبطة بالمكان. وإذا كان الرُّوح القُدُس مُنبثِق من الآب وحده، إلاَّ أنه في نفس الوقت متحد مع الآب والابن بدون مفارقة أبداً.

 

 

 ولمـاذا نؤكِّـد علـى السـجود والتمجيد للروح القدس؟

السجود اعتراف بلاهوت الروح القدس، لأن السجود للَّه وحده كالوصية القائلة:

”للــرَّبِّ إلهــكَ تســجُدُ وإيـَّـاهُ وحــدَهُ تعبُــدُ“ ( متى 4 : 10 ).

إن السجود مُلازم لصلوات استدعاء الروح القدس في الكنيسة في كل طقوس أسرارها سواء المعمودية أو الميرون أو الافخارستيا أو التوبة والاعتراف أو الزيجة أو الكهنوت أو مسحة المرضى.

وجدير بالذكر أن الكنيسة في يوم عيد حلول الرُّوح القُدُس تُصلي في الساعة التاسعة من النهار ( الثالثة بعد الظهر ) طقس صلاة السجدة، وعلى هذا الرسم تستقبل الكنيسة فعل الروح القدس وهيَ ساجدة وقد سُميت بالسجدة حيث أن مُعظم صلواتها تتم بسجود الشعب.

كل ذلك لنفي كلام مقدونيوس المُهرطِق الذي عَلَّم بأن الرُّوح القُدُس مخلوق ( أي أنه ليس إله )، وبالتالي ليس مساوٍ للآب والابن، وهذا التعليم مُناقض للكتاب المقدس لأنه من المعلوم أن روح اللَّه ليس شيئاً غير حياته: ”اللَّه روحٌ. والذين يسجدون
لــه فبالــرُّوح والحــقِّ ينبغـي أن يسـجـدوا“ ( يوحنـا 4 : 24 ).

كما أن وصية المسيح لتلاميذه: ”اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم بــِاسم الآب والابن والرُّوح القُدُس“ ( متى 28 : 19 )، دلالة على أن الآب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم لإله واحد.

 

 

 وهل يمكن أن نقول أن المسيحيين  يعبدون  الأقانيم  الثــلاثــة معــاً ؟

 

نعم نُوَّجِه العبادة للأقانيم الثلاثة كقولنا مثلاً:

”أيها الثالوث القدوس ارحمنا“

كما قد نُوَّجِه العبادة للأقانيم كُلٍّ على حدة فمثلاً:

# فلنشكر صانع الخيرات الرحوم اللَّه .. الآب ضابط الكل… ( صلاة الشكر ).

# … مزِّق صكَّ خطايانا أيها المسيح إلهنا ونجِّنا …

( صلاة الساعة السادسة )

# … أيُّها الملك السماوي المُعزِّي، روح الحق، الحاضر في كل مكان … ( صلاة الساعة الثالثة )

وهذه كلها المقصود من ورائها إظهار مساواة الآب والابن والروح القدس، ولكي تدل أيضاً على اشتراك الأقانيم الثلاثة في خلاصنا.

 

 

 مـا معنـى عبـارة: ” النـاطـق في الأنبيـاء ”  ؟

 

أي الذي يوحي إلى الأنبياء لينطقوا ويُعلِّموا.

كلمة: ”الوحي“ تحمل معنى: ”الروح“. ويقصد به توصيل الحق الإلهي أي التعاليم الإلهية عن طريق إنسان. حيث يعصم الروح القدس الكاتب ( نبي أو رسول أو تلميذ … ) من الزلل والخطأ ولكنه يترك له حرية التعبير.

الرُّوح القُدُس يعصم الكاتب فيما يكتب، ولكن حياة الكاتب نفسه غير معصومة من الخطأ والزلل، وهذا يعنى أنه ليس هناك سلب لحرية الكاتب في التعبير والكتابة، وعادة نرسم حول رأس القديسين هالة مُستديرة من النور رمز للرُّوح القُدُس الذي يحلّ عليهم.

 

 

 ما هو المقصود بكلمة: ” نبي ” وكم عدد الأنبياء
فـي الكـتـاب المُـقـدَّس ؟

 

كلمة: ”نبي“ مشتقة من الفعل: ”تنبأ “، بمعنى الشخص الذي  يتكلَّم أو يكتب ما يجول في خاطره دون أن يكون ذلك من نفسه أو من أفكاره الشخصية، بل صادر بإرشاد من روح اللَّه القدوس.

وقد ذكر الكتاب المُقدَّس أكثر من 40 نبيّاً منهم 16 كتبوا أسفار نبوية في العهد القديم. هذا بالإضافة لأسماء بعض النبيات مثل مريم أخت موسى النبي ( خروج 15 : 20 )، ودبورة
( قضاة 4 : 4 ) … الخ

الأنبياء بصفة عامة هم رجال اللَّه العلي أرسلهم على مر العصور لكي يُقدِّموا رسائل معينة للناس. سواء بالتوبيخ أو الإنذار أو التعليم وغيرها، وقد قدَّمها بعضهم شفويّاً وبعضهم قدَّمها كتابياً.

 

 

 هل المقصود بوعد المسيح بإرسال الروح القدس
( أعمال الرسل 1 : 4 ــ 8 ) هـو الإشـارة لمجـيء آخـر بعـده ؟

هذا الأمر يُعلِّق عليه البعض أهمية كبيرة إذ يقولون أن السيد المسيح له المجد قد تنبأ بمجيء آخر عندما وعد بإرسال الروح القدس.

وهذا التّصور الخبيث خاطئ ومُضلِّل ومرفوض تماماً لأسباب كثيرة أهمها ما يلي:

# خطأ كياني:

إن ما وعد به السيد المسيح تلاميذه هو ”روح“ وليس شخص أو إنسان، وهذا ما حدث فعلاً يوم الخمسين إذ حل الروح القدس في صورة ألسنة نار على التلاميذ ( أع 2 ).

   # خطأ تاريخي:

إن السيد المسيح وعدَ بإرسال الروح القدس بعد أيام قليلة ( أعمال الرسل 1 : 5 ). وهذا الوعد يتناسب مع ما تحقق تاريخياً إذ حلَّ الروح القدس على التلاميذ بعد عشرة أيام ـ فقط ـ من صعود المسيح له المجد. وفي نفس الوقت لا يتناسب تاريخياً على الإطلاق مع ما حدث بعد ميلاد السيد المسيح بأكثر من خمسة أو ستة قرون.

# خطأ لغوي:

أن السيِّد المسيح حين تكلَّم عن إرسال الرُّوح القُدُس المُعزِّي استخدم الكلمة اليونانية PARAKLETOS = المُعزِّي. وهى كلمة قانونية تشير لمن يقف في ساحة القضاء ليدافع
( يوحنا 16 : 8 ). وقد اختلط الأمر عند بعض الكُتَّاب في كلمة يونانية أخرى هى PERIKLYTOS  = المشهور ـ الممدوح. ومن هذا الخلط اللغوي فهموا خطأ أن السيد المسيح كان يشير لآخر وهذا أمر لم يحدث على الإطلاق.

 

 هل الروح القدس يمكن أن يعمل في غير المؤمنين؟ وهــل لـذلـك سـند مـن الكـتـاب المقـدس ؟

 

نعم الرُّوح القُدُس يعمل في غير المؤمنين لكي يؤمنوا … إذ كيف يمكن أن يؤمنوا إن لم يعمل الروح القدس فيهم ؟!

وهوذا الكتاب المقدس يقول: ”لا يستطيع أحد أن يقول أن المسيح رب إلاَّ بالرُّوح القُدُس“ ( 1 كو 12 : 3 ). وقصة عماد كرنيليوس ( الغير مؤمن ) دليل على ذلك ( أع 10 : 44 ـ 45 ).

 

   ثمة ملحوظة هامة:

إن عمل الروح القدس للإيمان شيءٌ، وسكناه الدائمة في المؤمن شيءٌ آخر … فالروح القدس يمكن أن يعمل في قلب إنسان غير مؤمن ليدعوه إلى الإيمان أو يُجري معه معجزة أو أعجوبة تكون سبباً في إيمانه، ولكن بعد أن يؤمن لا بد أن يعتمد وينال مسحة الميرون المُقدَّس ليعمل الرُّوح القُدُس ويسكن فيه على الدوام.

 

 

 مـاذا نقصـد بكلمـة: ” كنيسـة ” لغويـاً ولفظيـاً ؟

أصل الكلمة عبراني مأخوذ من كلمة كنيسة، ومعناها مجمع أو محفل، والبعض يقول أصلها يوناني: ”اككليسيا“ بمعنى مكان الدعوة.

   لفظ كنيسة له ثلاثة معانٍ:

# المكان:

أي محل اجتماع المؤمنين، الحال بينهم الروح القدس. وهو المبنى المُشيَّد لهذا الغرض ( أع 11 : 26 ).

# الاكليروس:

أي درجات الكهنوت المسئولة عن العمل الكنسي.

( متى 18 : 17 )

# الشعب:

أي جماعة المؤمنين في العالم ( متى 18 : 20 ). التي تحيا حياة مقدسة وتشترك في الأسرار الإلهية التي يمارسها كهنوت مُقدَّس.

   أمَّا عبارة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية:

تعني: (الكنيسة المصرية المستقيمة الرأي)؛ لأن إيمانها وعقيدتها لم يتغيّرا منذ أن بدأت في عصر الرسل أنفسهم. وقد تأسست على يد القديس مارمرقس الرسول في القرن الأول الميلادي.

 مـا هـو دور الكنيســة فـي العالــم ؟

رسالة الكنيسة روحية خالصة بعيدة تماماً عن سياسات العالم. وتتضمن هذه الرسالة الروحية ما يلي:

# الصلاة والتعليم.

# ممارسة الأسرار كوسائط للنعمة.

# سُلْطَة الحلّ والربط ومغفرة الخطايا.

# نشر السلام وخدمة المصالحة.

# الشهادة للمسيح في كل مكان وزمان.

# الرعاية الروحية. وهدفها هو إعداد كل من يؤمن من البشر لملكوت السموات والحياة الأبدية.

 

 

ومـا هـى صفـا ت هـذه الكنيسـة مـن واقـع الإيمـان؟

 

هناك أربع صفات رئيسية عن الكنيسة تَرِد في قانون الإيمان:

     واحــدة:

( رومية 12 : 5 ) لأن مسيحها واحد والمؤمنين جسد واحد يعتقدون بإيمان واحد ويشتركون في أسرار واحدة ويخضعون لرأس واحد هو المسيح له المجد.

مقدســة:

( أفسس 5 : 25 ـ 27 ) لأن المسيح مؤسِّسها هو قدوس القديسين. ولأن أعضاءها مدعوون للقداسة. وهى تعزل من صفوفها الخبيث والمهرطق مثل آريوس ومقدونيوس وغيرهم.

جامعــة:

( متى 13 : 47، 48 ) لأنها تجمع شعوباً كثيرة سواء من العهد القديم أو من العهد الجديد وسواء الكنيسة المتغربة ( على الأرض ) أو الكنيسة المستوطنة ( في السماء).

رسـوليـة:

( أفسس 2 : 20 ) لأن إيمانها مؤسس على صخرة إيمان الرسل وتعاليمهم التي تلقَّنوها عن السيد المسيح نفسه له المجد.

 

 

 سمعت تعبير أن: ” الكنيسة جسد المسيح ” .
فمـــا معنـــاه ؟

 

هذا التعبير مأخوذ عن الكتاب المُقدَّس:

”هكـذا نحـن الكثيرين جسـد واحـد فـي المسـيح“

( رومية 12 : 5 )

وهو يُقال للدلالة على مدى الصلة الوثيقة بين المسيح والكنيسة أو كما يقول القديس إغناطيوس الأنطاكي:

 ”حيثما يكون المسيح تكون الكنيسة الجامعة“

 

فالكنيسة ومؤسِّسها مُتصلان اتصالاً لا تنفصم عُراه. الكنيسة هى المسيح معنا، والمسيح لم يترك الكنيسة حين صعد إلى السماء، لأنه وعد بأن يكون معنا كل الأيام وإلى انقضاء الدهر.

(متى 28 : 20 )، ( متى 18 : 20)

 

وتعبير جسد المسيح يدل على أن الكنيسة المتحدة خلال سر الشكر ( التناول ). إذ أن الأفخارستيا هى التي تُنشئ وحدة الكنيسة.

( كورنثوس الأولى 10 : 17 )، ( كولوسي 1 : 24 )

 

 

 

 وماذا كان يقصد السيد المسيح حين قال لبطرس الرسول: “أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة
أبنـي كنيسـتي ” ( متى 16 : 18 ) ؟

قال السيد المسيح هذه العبارة حين أعلن بطرس الرسول في حضرة التلاميذ اعترافه العظيم قائلاً:

” أنـت هـو المسـيح ابـن اللَّـه الحـي“ ( متى 16 : 16 ).

وكان السيد المسيح يقصد بالصخرة:

الإيمان الذي أعلنه التلاميذ في شخص بطرس الرسول

وليس شخص بطرس نفسه قط.

وفي العهد الجديد أدلة كثيرة ـ كما في العهد القديم ـ على أن المسيح هو الصخرة والحجر الأساسي ـ حجر الزاوية ـ في بناء الكنيسة: (صموئيل الثاني 22 : 2 ) (مزمور 18 : 31 )،

( أفسس 2 : 20 )، ( بطرس الأولى 2 : 4 ، 5 ، 7 ).

ثم جاء التلاميذ كأحجار أو أعمدة في بناء الكنيسة وتأسيسها.

وجدير بالذكر أن الكنيسة الكاثوليكية تفسر هذه الآيات تفسيراً مغالطاً إذ قالت أن بطرس هو الصخرة التي أسس عليها المسيح كنيسته! وانطلاقاً من هذا التفسير نادت بأحقية بابا روما في الرئاسة على جميع الكنائس المسيحية في العالم باعتبار أن بطرس هو أول أساقفة روما.

وهذا التفسير ترفضه كنيستنا الأرثوذكسية؛ لأنه غير مقبول كتابياً أو لغوياً أو تاريخيّاً أو روحيّاً.

 

 

 كيف نقول: ” بكنيسة واحدة ” والكنيسة منقسمة الآن إلى طـوائـف وفئـات مُتعـدِّدة ؟

 

تمتّعت الكنيسة بالوحدانية في القرون الأولى وكان طابعها الآبائي هو:

”القلب الواحد والنفس الواحدة“

( أعمال الرسل 4 : 32 )

ولكن بمرور الزمن دبَّ فيها الانقسام والتفريق بسبب البدع والهرطقات التي ظهرت عبر تاريخها، وأصحاب هذه  الهرطقات والبدع انفصلوا عن الكنيسة، وبالتالي فقدوا عضويتهم فيها، ولكن الكنيسة نفسها لا يمكن أن تفقد وحدتها.

أمَّا الآن فهناك مجهودات مُخلِصة كثيرة، ومن جهات عديدة لجمع وحدة كنيسة المسيح. وكلها تدور تحت عنوان: ”الوحدة المسكونية“ وقد تقدمت هذه الجهود بخطوات إيجابية ستظهر نتائجها في المستقبل القريب.

ولكن الأمر الهام الواجب معرفته هو:

إن وحدة الكنائس ينبغي أن تكون في الإيمان والعقيدة والتعليم قبل أن تكون في الأمور الشكلية فقط. وهذه هى مسرة قلب المسيح له المجد كما أعلنها في صلاته الوداعية ( يوحنا 17 : 11 ). وكما نشتاق لها نحن جميعاً عندما نتلو قانون الإيمان.

 

 

 أرجو تبسيط تاريخ انقسام الكنيسة على مدى القــرون؟

 

ظلَّت الكنيسة واحدة حتى عام 451م، حيث انعقد مجمع خلقيدونية المشئوم، وبسبب الاختلاف على طبيعة السيد المسيح انقسمت الكنيسة الواحدة إلى شرقية وغربية.

 

وفي عام 1054م انفصلت الكنائس البيزنطية (اليونانية) (تضم الروم/ الروس / … ) عن الكنيسة الكاثوليكية الغربية بسبب إضافة كلمة ( … والابن ) إلى منطوق قانون الإيمان.

وفي القرن الخامس عشر ظهرت البروتستانتية كردِّ فعل للتطرُّف الكاثوليكي وقام مارتن لوثر بحركة الإصلاح الشهيرة.

 

 إذا كان هذا الجزء من قانون الإيمان هو الدفاع
عن لاهوت الروح القدس. فلماذا يمتد حديثه
إلى الكنيســة وصفـاتهــا ومعمـوديتهـا … الخ

 

قلنا سابقاً أن الكنيسة هى جسد المسيح. أي هى محضر المسيح ومكان تجلِّيه. والروح القدس هو الذي  يحقق عبارة :

” الكنيسة جسد المسيح “

من خلال عمله في الأسرار المقدسة.

فكما أن كلام اللَّه للإنسان في الجنة: ”أثمروا واكثروا واملأوا الأرض“ ( تكوين 1 : 28 ) أسَّس الزواج، فجعله ممكناً، إلاَّ أن اتصال الرجل بالمرأة هو الذي يُحقِّق كلمة اللَّه.

فإذاً الرُّوح القُدُس هو الذي يحقق حضور المسيح فينا؛ ولأن المعمودية هى الباب الذي من خلاله يُولَد أعضاء المسيح إذ يوحِّدهم الرُّوح القُدُس، لذا نذكرها في قانون الإيمان على اعتبار أنها الخطوة الأولى إلى الحياة المسيحية.

 

 مــا هــى : ” المعمــوديـة ” ؟

هى سرّ مُقدَّس به نولَد من فوق ميلاداً ثانياً من الماء والروح بتغطيسنا في الماء ثلاث مرات على اسم الثالوث القدوس: ”الآبِ والابــن والــرُّوح القُــدُس“ ( متى 28 : 19 ).

   سرّ المعمودية:

أول الأسرار السبعة، وهو بمثابة الباب الذي  يدخل منه المؤمن إلى اللَّه:

”إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدرُ أن يدخل ملكوت اللَّه“

( يوحنا 3 : 5 )

ويلاحظ أنه حالما يتم سرّ المعمودية، يُلازِم الإنسان المُعمَّد ملاك حارس خاص به.

 ومـا معنـى أن المعمـوديـة هـى لمغفـرة الخطايـا ؟

 

يجيب القديس أغسطينوس قائلاً: ” إننا بميلادنا من الماء والروح القدس نتطهَّر من كل خطية سواء كانت من آدم الذي  به أخطأ الجميع أو بفعلنا وقولنا، لأننا نُغسَل منها بالمعمودية. إننا في المعمودية نحصل على غفران كل خطايانا الجدية والحالية، ونصير أعضاء في جسد المسيح أي الكنيسة “.

أمَّا إذا أخطأ الإنسان بعد المعمودية فيلزمه “ التوبة “، وباب التوبة مفتوح … وإذا كان الإنسان يولد مرة، فإنه يتوب مرات كثيرة. لذلك أمرت الكنيسة بسر المعمودية مرة واحدة، أما سر التوبة فهو في كل وقت.

 

142

ولمـاذا نصـف المعمـوديـة بأنهـا :”واحـدة ” ؟

 

نَصِفُ المعمودية بأنها واحدة، تعبيراً على أنها ”لا تُعاد“، فالمعمودية ولادة روحية من فوق، وكما أن الإنسان لا يولد جسدياً إلاَّ مرة واحدة، فهكذا أيضاً الولادة الروحية لا يمكن أن تُعاد. وأيضاً لأنَّ المعمودية هى مثال موت المسيح ودفنه وقيامته. والمسيح مات مرّةً واحدةً ( رومية 6 : 4  ـ 10 )، ولذلك تتم بالتغطيس في الماء لأن هذا هو المفهوم من عملية الدفن؛ ولأن هكذا اعتمد السيد المسيح ( متى 3  : 16 ).

لذلك نقرِّر في قانون الإيمان:

”… ونعـتـرف بمعمـوديـة واحـدة لمغفـرة الخطـايـا “  ( أفسس 4 : 5 ).

 

 

 ومــا هــى: ” قيامــة الأمــوات ” الـتـي ننتظـرهـا ؟

القيامة العامة أو قيامة الأموات تعني: عودة الأرواح إلى الأجساد بأمر اللَّه الخالق وقدرته السامية فتتحد بها، ويقوم كلاً من الروح والجسد إنساناً واحداً، بكل لطافة متهيئاً للمجازاة والمحاكمة.

فنحن نؤمن بأن أرواحنا خالدة لا تموت، وأنها بالموت تنفصل عن الأجساد فيرجع التراب إلى الأرض كما كان، بينما ترجع الروح إلى اللَّه الذي أعطاها ( جامعة 12 : 7 ) وتستقر الروح في الفردوس أو في الجحيم إلى يوم الدينونة العظيم.

 

وفي يوم مجيء الرَّبّ العظيم:

يقوم الموتى في المسيح ( 1 تس 4 : 16 ). وتتغير أجساد الأحياء ( 1 كو 15 : 51 )، (1 تس 4 : 17 ). لتتم الدينونة المخوفة ( متى 25 : 46 ).

 

 مــا هــو المــوت ومَــنْ هُــم الأمــوات ؟

الحياة هبة من اللَّه، والموت ضد طبيعة الإنسان الأصلية؛ لأن اللَّه خَلَقَ الإنسان خالداً وصنعه على صورة ذاته ( حكمة 2: 23). فالموت إذاً نتيجة الخطية ( رومية 5 : 12، 6 : 23 ). دخل العالم بواسطة الإنسان يوم أن لبى دعوة الشيطان
( عبرانيين 2 : 14 ). من أجل الابتعاد عن مصدر الحياة.

 

معنى ذلك أن الموت يحدث من جراء غياب اللَّه، وحيث يوجد اللَّه لا يوجد الموت، لذلك فالنفس العطشى إلى اللَّه والتي تسعى دائماً إلى العيش في حضرته لا تموت؛ لأن توقها إلى اللَّه يحفظها حيَّة.

 

ونضيف أن حياة الإنسان تستمرّ بعد الموت بقدر ما هى مرتبطة باللَّه. أي أن الذي يعيش على هذه الأرض في المسيح يستمر في هذه الحياة بعد موته؛ لأن المسيح هو واهب الحياة
( يوحنا 8 : 51 ).

 

 

 ماذا قصد السيد المسيح عندما خاطب اليهود
بقوله: ” إذا كان أحد يحفظ كلامي  فلن يرى الموت
إلى الأبد ” (يوحنا 8 :51) مع العلم أن الذين يؤمنون بالمسيح يموتون كغيرهم من الناس ؟

 

لم يقصد المسيح على الإطلاق ”الموت الجسدي“؛ لأنه بديهي أن الإنسان يموت ولا يبقى حياً خالداً في هذه الدنيا. لقد كان يقصد ”الموت الروحي“، فالإنسان البار الذي يحفظ كلام مُخلِّصه ربنا يسوع المسيح لن يرى الموت إلى الأبد أي يبقى حياً في الأمجاد السماوية. فجسده يموت ويُدفن في التراب. ولكن روحه تبقى حية في حضرة اللَّه إلى الأبد.

وقد قال السيِّد المسيح في موضع آخر:

”أنـا هـو القيـامـة والحيـاة. مَـن آمـن بـي ولـو مـات فسـيحيا“

( يوحنا 11 : 25 )

أي أن:

مَنْ آمن بالمسيح يسوع ربنا وبتعاليمه، وبأنه جاء ليُخلِّص العالم من الخطية، وليموت فداءً عنه على خشبة الصليب، فسيبقى حيّاً بالروح ولو مات جسدياً. فالموت الجسدي ليس نهاية المطاف؛ لأن المؤمن يرقد على رجاء القيامة بالمسيح الحي القائم من الأموات، وهو فقط مُجرَّد انتقال.

 

 ولمــاذا نعتقــد فـي ضـرورة القيـامة العامـة ؟

القيامة العامة قضية حتمية؛ لأن عناية اللَّه في خلقه الإنسان هى أن يُعافيه دائماً. ثم أن القيامة العامة ضرورة للدينونة على أعمال الجسد والرُّوح شرّاً كانت أم خيراً ( يو 5 : 28 ـ 29 ).

ونضيف لذلك أن الإنسان نفسه يسعى ليكون في حياة سعيدة مع اللَّه في الأبدية. ولن تتحقَّق له هذه الغاية إلاَّ بعودة الروح للجسد والقيامة.

 

 

 مـا المقصـود: ” بالـدهـر الآتـي ” ؟

حياة الدهر الآتي تعني الحياة الأبدية التي ينتظرها المؤمنون لأن الإنسان مخلوق سماوي بطبعه يعيش غريباً على الأرض، ويسعى دائماً للاتصال بالسماء سواء بأشواقه وصلواته، أو حتى بصدقاته وتشفعاته.

حياة الدهر الآتي هى الملكوت، وأجمل ما في الملكوت أننا سنكون مع المسيح كل حين ( يوحنا 14 : 3 )، (1تس 4 : 17 )، وملكوت اللَّه ليس له شبه على الأرض فهو أبهى وأعظم وأمتع من كل مناظر الأرض ومخترعاتها ولذاتها المادية. لأن هناك أعدَّ اللَّه لنا ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان ( 1 كو 2 : 9 )، وسيشعر الجميع بسعادة الحضور الإلهي والفرح المجيد الذي لا يُنطق به (1بط 1 : 8 ).

 

 

 ما معنى كلمة: ” آمين ” التي نختم بها قانون الإيمــان وكــذلـك كــل صلواتـنـا الأخـرى ؟

 

هى كلمة عبريّة الأصل ومعناها:

ثابت راسخ ـ صادق ـ آمين.

وهى شائعة الاستعمال بين شعوب الأرض وأديانها وتنطق بنفس الطريقة تقريباً مع اختلاف بسيط في اللهجة أحياناً.

 

وقد وردت هذه الكلمة في الكتاب المُقدَّس بأربعة معانٍ:

1 ـ بمعنى التأكيد في قسم أو عهد أو لتفيد التحقيق، كما في
( تثنية 27).

2 ـ بمعنى: ”استجب يارب“ أو ”ليتم هذا الأمر يارب“. كما في ( 2 كو 13 : 14 ).

3 ـ بمعنى: ”الحق“ فعندما قال السيد المسيح: ”الحق أقول لكم” ( متى 18 : 3 )، فهى في اللغة الأصلية: ”آمين أقول لكم“.

4 ـ كصفة لاسم المسيح كما في: ”هذا يقوله الآمين ( أي المسيح ) الشاهد الأمين الصادق بداءة خليقة اللَّه“ (رؤ 3 : 14).

 

ومن المتعارف عليه أن كلمة ”آمين“ تستعمل عادة بعد الصلاة لتُعبِّر عن إيماننا باللَّه وثقتنا فيه بأنه القادر أن يستجيب لنا. له كل المجد والإكرام إلى الأبد. آمين.

  • الرئيسية
  • الكنيسة القبطية
  • المجمع المقدس
  • البابا تواضروس الثاني
  • الأديرة والإيبارشيات
  • الهيئات القبطية
  • الأخبار
  • الرئيسية
  • الكنيسة القبطية
  • المجمع المقدس
  • البابا تواضروس الثاني
  • الأديرة والإيبارشيات
  • الهيئات القبطية
  • الأخبار
Facebook-f Instagram Youtube X-twitter Threads Soundcloud Bullseye