من أجمل الكلمات التي يمكن للإنسان أن يُخاطِب بها اللَّـه هيَ “نشكرك”. وحسب تقليد كنيستنا فإن هذه العبارة هيَ المُقدِّمة التعبُّدية التي نفتَتِح بها صلواتنا في كل المناسبات، بعد أن نتلو الصلاة الربانية.
وعندما وضع الآباء فقرات هذه الصلاة، رأوا بنعمة الروح القدس أن يضعوا في مُقدِّمتها النِّعَم السبع الرئيسية التي يشملنا بها اللَّـه في كل يوم. وهذه النِّعَم جديرة بالتأمُّل، والتمعُّن، والإحساس القوي بقيمتها، وفعلها في حياتنا اليومية.
نشكرك يا رب لأنك: سترتنا، أعنتنا، حفظتنا، قبلتنا إليك، أشفقت علينا، عضدتنا، وأتيت بنا إلى هذه الساعة …
عن هذه النِّعَم اليومية يتحدَّث هذا الكتاب، بتأمُّلات روحية هادفة ومُعِينة لكَ عزيزي القارِئ.
يناير 2023م
البابـا تواضـروس الثـاني
“لاَ تَدِينُوا لِكَي لاَ تُدَانُوا، لأنَّكُمْ بالدَّينُونَةِ الَّتِي بهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبالكَيْلِ الَّذِي بهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُم. وَلِمَاذَا تَنظُرُ القَذَى الَّذِي فِي عَينِ أَخِيكَ، وَأمَّا الخَشبَةُ الَّتِي فِي عَينِكَ فَلاَ تَفطَنُ لَهَا ؟ أمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْنِي أُخْرِجِ القَذَى مِنْ عَينِكَ، وَهَا الخَشَبَةُ فِي عَينِكَ؟ يَا مُرَائِي، أخْرِجْ أوَّلاً الخَشَبَةَ مِنْ عَينِكَ، وَحِينئِذٍ تُبصِرُ جَيِّداً أَنْ تُخرِجَ القَذَى مِنْ عَيْنِ أخِيكَ!” (مت 7 : 1 ــ 5).
النعمة الأولى وهيَ “نعمة الستر”، “نشكرك لأنك سترتنا” إن إحدى الصفات التي نَصِفُ بها إلهنا الصالح أنه إلهنا الساتر، وسَتر اللَّـه لا يوجد في مفردات اللغة، فلا توجد كلمات تستطيع وصفه، فاللَّـه يستر على جميع البشـر ولا يستطيع إنسان في الكون أن يقف أمام اللَّـه ويقول له: أنه لا يحتاج إلى الستر.
فحتى الذين يعيشون في الخطية يحتاجون إلى الستر، وأيضاً البعيدون عنه والذين ينكرون وجوده والذين قلوبهم فارغة من أي شيء … اللَّـه يستر
عليهم … وأيضاً الذي يستخدم لسانه في استخدامات شريرة، اللَّـه يستر عليه. حتى اللِّصّ عندما يسرق يقول: ربنا يستر!!
وفي التقليد الشعبي عندما تسأل شخصاً مُختَبِراً للحياة ماذا تُريد من الدنيا؟!! يُجيبك تلقائياً وبدون أدنى تفكير الستر والصحة. وإن سألته ماذا عن المال، والتكنولوجيا، ووسائل الترفيه المختلفة، والسفر، و … ؟!! يُجيبك كل هذا ليس له أية قيمة بدون الستر والصحة.
وإن دققت في الأمر ستجد أن الحياة تُختَصـر في هاتَين الكلمتَين: الستر والصحة. ولا أحد في هذا الكون يستطيع أن يحصـر عدد المرات التي ستر اللَّـه عليه فيها، وداود النبي الذي عاش مُضطَهَداً فترةً من حياته، يقول: “احْفَظنِي مِثلَ حَدَقَةِ العَيْنِ. بظِلِّ جَناحَيكَ استُـرنِي” (مز 17 : 8) ، وأيضاً يقول: “اسْتُرْنِي مِنْ مُـؤامَـرَةِ الأشـرَارِ، مِـنْ جُـمْـهُورِ فَـاعِلِي الإِثـمِ” (مز 64 : 2).
وهناك قصة لطيفة قرأتها:
يقول أحدهم كنت أشتري كل يوم من بائع صُحف صَحيفة الـ “لوموند”، كي أتعلّم منها اللغة الفرنسية لكن هذا البائع علّمني درساً هو أهم من اللغة الفرنسية، وهو درس العمر كله، فيقول عندما كنتُ أسأله كل يوم كيف حالك اليوم؟ كان يجيبني: “في نِعمَةِ الستر” … فأندَهِشُ من إجابته!!
فسألته في يومٍ لماذا الستر تحديداً؟!! فأجابني: “لأنني مَستور من كل
شيءٍ …” فاندهشتُ وسألته: “عن أيّ ستر تتحدث وقميصك مُرقَّع بألوان شتى!!”. فصمتَ قليلاً ثم قال لي: “يا ابني الستر أنواع: فعندما تكون مريضاً ولكنك قادر على السير بقدمَيك فهذا ستر مِن مذلّة المرض …
عندما يكون في جيبك مبلغ بسيط يكفيك لتنام وأنت شبعان حتى لو كان شبعك هذا من الخبز فقط، فهذا ستر من مذلّة الجوع … عندما يكون لديك ملابس، ولو كانت مُرقَّعة، فهذا ستر من مَذَلِّة البرد … عندما تكون قادراً على الضحك وأنت حزين لأيّ سبب، فهذا ستر من مذلّة الانكسار …
عندما تكون قادراً على قراءة الصحيفة التي بين يديك، فهذا ستر مِن مَذَلِّة الجهل … عندما تستطيع أن تتصل في أيّ وقت بأهلك لتطمَئن عليهم وتُطمئنهم عليك، فهذا ستر من مذلّة الوحدة … عندما يكون لديك وظيفة أو مهنة، حتى لو بائع صحف تمنعك عن مد يدك إلى أيّ شخص، فهذا ستر من مذلة السؤال …
عندما يُبارِك لك اللَّـه في ابنك، وفي صحته وتعليمه وبيته، فهذا ستر من مَذَلِّة القهر … عندما يكون لديك زوجة صالحة، تحمل معك هَمّ الدنيا، فهذا ستر من مذلّة انكسار الزوج أمام زوجته …”، ثم قال لي: “الستر يا ابني ليس هو ستر الفلوس، وإنما ستر النفوس. فتذكّر دائماً أنك تملك نِعَماً يتمنَّاها ملايين البشر …”.
لماذا يستر اللَّـه علينا؟
اللَّـه الذي خلقنا وأعطانا نعمة الحياة يستر علينا لأنه: واهب الغفران … ولأنه كُلّي المحبة … ولأنه نبع الأبوة .
أولاً: اللَّـه واهب الغفران :
فهو الذي غفر لنا، فمن كان يستطيع أن يغفر خطية الإنسان إلا اللَّـه الذي خلقه؟!! فيقول الكتاب: “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنا” (يو 1 : 14)، فتجسد اللَّـه ثم الصليب والخلاص والفداء كان من أجل غفران خطية الإنسان، ولا يوجد شيءٌ آخر أو إنسان آخر يستطيع أن يغفر خطيئة الإنسان، لذلك اللَّـه يستر علينا.
ويقول إشعياء النبي: “فَرَحـاً أفْـرَحُ بالـرَّبِّ. تبْتَهِـجُ نفـسِي بإِلَـهِي لأَنهُ قَد ألبَسَنِي ثيَابَ الخَـلاَصِ. كَسَانِي رِدَاءَ البرِّ مِثلَ عَرِيسٍ يَتزَيَّنُ بعِمَـامَةٍ وَمِثلَ عَرُوسٍ تَتَزَيَّنُ بحُلِيِّهَا” (إش 61 : 10)، وكلمة “كساني” هُنا تُعبِّر عن ستر اللَّـه على الإنسان.
وستر اللَّـه على الإنسان يأتي منذ بدء الخليقة … منذ خطيئة آدم وحواء التي بدأت باللسان وشهوة الطعام “فَـرَأتِ الْمَـرأةُ أَنَّ الشَّـجَرَةَ جَيِّـدَةٌ لِلأكْـلِ، وَأنهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأنَّ الشَّجَرةَ شَهِيَّـةٌ لِلنَّـظَرِ. فَأخذَت مِنْ ثمَـرِهَا وَأكَلَت وأعْطَت رَجُلَهَا أيضاً مَعـهَا فَـأكَلَ” (تك 3 : 6)، ودخلت الحية من هذا الباب وانزلق الإنسان وكَسَـرَ الوصية.
وفي سفر حزقيال يُشبِّه النفس البشـرية بالإنسان المُلقى في التراب ويريد من يأتي ويستر عليه فيقول: “فَمَرَرْتُ بكِ وَرَأيتُكِ، وَإِذا زَمَنكِ زَمَنُ الحُبِّ. فَبسَطْتُ ذيْلي عَليْكِ وسَترْتُ عَوْرَتكِ، وَحلَفْتُ لَكِ وَدخَلْتُ مَعكِ فِي عَهدٍ يَقُولُ السَّيـِّـدُ الـرَّبُّ، فَـصـرْتِ لِـي” (حز ١٦ : ٨).
ونُلاحظ هُنا أن العهد القديم يتكلم عن زمن الأنبياء، ولكن بروح النبوة لما هو آتٍ في العهد الجديد، وكأن النفس البشرية في العهد القديم ومنذ أيام آدم، صارت كالإنسان المتروك والمُلقى في الطريق والتراب، وقد فَقَدَ كل شيءٍ
له … حتى صار حاله يُرثى له …
وعبارة “فَمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَيْتُكِ” تُشير أنه ليس أول مَن مَرَّ بها، لأنه قد مَرَّ بهذه النفس أنبياء كثيرون، ثم يقول: “وَإِذَا زَمَنُكِ زَمَنُ الْحُبِّ”. وهذه العبارة تُشير إلى زمن حضور السيد المسيح على أرض البشر ويُكمل “وَسَتَرْتُ عَوْرَتَكِ، وَحَلَفْتُ لَكِ وَدَخَلْتُ مَعَكِ فِي عَهْدٍ” وهذا أشار إلى زمن العهد الجديد.
وعندما نتأمل في سفر القضاة نجد أنه كُلَّما تعرَّض شعب بني إسرائيل لمشكلة، يُقيم لهم اللَّـه قاضياً (مُخلِّصاً) ليحل لهم مشكلاتهم ويتوبوا عن خطاياهم، ثم بعد فترة وجيزة يعودون لخطاياهم مرة أخرى، فيُقيم اللَّـه لهم قاضياً آخر، وهكذا مَرَّ على بني إسرائيل عِدَّة قضاة من الرجال والنِّساء، وكان آخِرهم صموئيل النبي، وهكذا حياة الإنسان … فاللَّـه هو واهب الغفران.
“وَحِينمَا أَقَامَ الرَّبُّ لَهُمْ قُضَاةً كَانَ الرَّبُّ مَعَ الْقَاضِي، وَخَلَّصَهُمْ مِنْ يَدِ
أَعْدَائِهِـمْ كُلَّ أَيَّامِ الْقَاضِي، لأَنَّ الرَّبَّ نَدِمَ مِنْ أَجْلِ أَنِينِـهِمْ بسَبَبِ مُضَايقِيهِمْ وَزَاحِمِيهِمْ. وَعِنْدَ مَوْتِ الْقَاضِي كَانُوا يَرْجِعُونَ وَيَفْسُدُونَ أَكْثرَ مِنْ آبَائِهِمْ”
(قض 2 : 18 ــ 19).
ونقرأ عن خطيئة داود النبي مع امرأة أوريا الحثي: “لِمَاذا احـتَـقَرتَ كَـلاَمَ الـرَّبِّ لِتَعْـمَلَ الشَّرَّ فِي عَينيهِ؟ قَد قَتَـلْتَ أورِيَّا الحِثّيَّ بالسَّـيفِ، وَأَخَذتَ امْـرَأَتـهُ لَكَ امْـرَأَةً، وَإِيَّـاهُ قَتَلْـتَ بسَيْـفِ بَنِي عَـمُّونَ” (2 صم 12 : 9)، وقد تاب داود عن خطيئته كما قال الكتاب: “فَقَـالَ دَاوُدُ لِنَـاثـانَ: “قَد أخطَـأتُ إِلَى الـرَّبِّ”. فَقَـالَ نَاثـانُ لِـدَاوُدَ: ” الرَّبُّ أيضاً قَد نقَلَ عَنكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ” (2 صم 12 : 13).
وقد رنَّم لنا داود النبي مزمور التوبة الذي نُصَلِّي به دائماً في بداية جميع صلواتنا فقال: “استُر وَجهَكَ عَن خَطَايَايَ، وَامحُ كُلَّ آثامِي“ (مز 51 : 9)، هذا هو اللَّـه واهِب الغفران للإنسان.
وأيضاً من الأمثلة المشهورة للَّـه واهِب الغفران، قصة “المرأة الخاطئة في بيت سمعان الفريسي”، وبينما كان سمعان إنساناً مُعجَباً بنفسه، دخلت إلى بيته امرأة يعلم الجميع أنها امرأة خاطئة، ثم انحنت وسكبت دموعها على قدمَي السيد المسيح وقدَّمت توبة!!
وهُنا انزعج سمعان وقال: “لَو كَانَ هَذَا نَبيّاً لَعَلِمَ مَنْ هَذِهِ المَرأَةُ الَّتِي تَلمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئِةٌ” (لو 7 : 39)، ولكن السيد المسيح غفر لها وستر عليها لأنها أحبت كثيراً كما يقول الكتاب: “مِنْ أجْلِ ذَلِكَ أقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيراً. وَالَّـذِي يُغـفَـرُ لَـهُ قَـلِـيـلٌ يُـحِـبُّ قَـلِـيـلاً” (لو 7 : 47).
وقد صارت هذه القصة مثالاً لنا، حتى أن الكنيسة رتَّبت أن نُصلي بهذه القطعة في نصف الليل.
ثانياً: اللَّـه كُلِّي المحبة:
يقول الكتاب: “اللَّـهَ مَحَبَّةٌ” (1يو 4 : 8)، فمحبة اللَّـه محبة دائمة. وفي محبته هذه يستر على نماذج كثيرة من البشـر، وقد تحدث مع أشخاص كثيرين وأعلن هذه المحبة، وتجلَّت هذه المحبة مع أبينا يعقوب … ومع إيليا النبي … وإلخ، فمحبة اللَّـه فيّاضة وليس لها حدود.
ثالثاً: اللَّـه نبع الأبوة:
فنحن نُصلي ونقول: “يا أبانا الذي في السمَوات … “، وعندما نرسم شماساً لكي ما يصير كاهناً ندعوه: “أبونا”. فكلمة الأبوة هيَ المفتاح، واللَّـه هو نبع الأبوة ونحن نستمد هذه الأبوة منه، فالأبوة في معناها الأصلي هيَ الستر والحماية.
وأروع مثال في الكتاب المقدس يشـرح لنا معنى الأبوة، هو مَثَلُ الابن الضال، وهذا المثل رتَّبت لنا الكنيسة أن يُقرأ في الأحد الثالث من الصوم الكبير، لكيما توضح لنا كيف أن هذا الابن الذي أخطأ بكل أشكال الخطايا، عندما عاد وجد أحضان أبيه مفتوحة؟!!
يقول الكتاب: “وَإِذ كَـانَ لَمْ يَزَلْ بَعِـيداً رَآهُ أبُوهُ، فَتَحنَّنَ وركَضَ وَوقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وقبَّـلَهُ” (لو 15 : 20)، فتخيل معي هذا المشهد الرائع الأب يستقبل الابن ويقدم له الهدايا من حذاء وخاتم وحُلَّة ويذبح العجل المُسمَّن، ولكن الأهم من كل هذا أنه قدَّم له الحضن … والقُبلة … ولم يتأفف منه!! وهذا هو الستر والحماية.
ومن ناحية أخرى نرى موقف الأخ الكبير فاقد الأبوة!! الذي تكلم على أخيه بكلمات رديئة فقال: “وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هَـذَا الّـَذِي أَكَـلَ مَـعِـيشَـتَكَ مَـعَ الـزَّوَانِي” (لو 15 : 30). ولعلَّ أخيه لم يكن قد وقع في هذه الخطيئة “أكلَ مَعيشَتَكَ مع الزَّواني” لقد فضح أخيه!! ولم يكتفِ بهذا، بل أهان أبيه أيضاً حينما قال له: “ابنُكَ هذا”، وكأنه يقول له أنك لم تُحِسن تربية ابنك، لكن الأب بالستر أعاد ابنه إلى رتبته الأولى.
مثال آخر للستر هو “المرأة السامرية” (يو4)، وهذه القصة تُقرأ على مسامعنا ثلاث مرات في السنة، هذه الإنسانة عندما ذُكِرَت في الكتاب سُمِّيت بِاسم بلدها، فقد ستر عليها اللَّـه ولم يذكرها بالاسم حتى لا تُفضَح …
وقد كان الحوار معها مليئاً بالستر … والحماية … والرِّقة … والعُذوبة … وهذا ما جعل هذه الإنسانة التي كانت بعيدة جداً أن تُصبِح قريبة جداً … وقديسة … وكارزة!! لقد ستر عليها رغم أنه كان في هذا الزمان من المُفتَرض أنه لا يتقابل معها أو يتحدَّث إليها.
ولكن السيد المسيح دخل إلى أعماقها من خلال الاحتياج “أعْطِينِي لأشْرَبَ” (يو 4 : 7)، ثم بدأ معها حواراً لطيفاً قادها إلى التوبة، حتى صارت إنسانة كارزة فيقول الكتاب: “فَـتَركَـتِ الـمَرْأةُ جَرَّتهَا ومَـضَـتْ إِلَى الـمَدِينَـةِ وقَالَتْ لِلنَّاسِ: “هَـلُمُّوا انظُـرُوا إِنسَاناً قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. ألَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ ؟” (يو 4 : 28 ــ 29).
فاللَّـه يستر على الإنسان لأنه واهب الغفران، وكلي المحبة، ونبع الأبوة.
ستر الإنسان على أخيه الإنسان:
ونأتي لدور الإنسان نحو أخيه الإنسان، فاللَّـه يستر على الإنسان صباحاً ومساءً، ويستر على الخليقة كلها بحلول الليل، فالليل يُمكن أن نُسمِّيه الستر العام من اللَّـه، وفي الأديرة يُصلّي الرهبان “صلاة الستار”، وهذه الصلاة عبارة عن مختارات من مزامير الأجبية عبر اليوم كله.
يقول الكتاب: “وَلِمَاذَا تَنظُرُ القَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أخِيكَ، وَأمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفطَنُ لَهَا ؟” (مت 7 : 3)، فلماذا لا تستطيع أن تستر على أخيك؟!! ولماذا تُريد أن تفضحه؟!! … انتبه أيها الحبيب، لأن لسانك هذا قد يُضيّعك ويُفقِدك الأبدية، ويقول الكتاب: “لاَ تَـدِينـُوا لِكَيْ لاَ تـُـدَانـُوا” (مت 7 : 1)، فهذه
الآية بالرغم من قلة عدد كلماتها إلا أنها يتوقف عليها مصير الإنسان كله.
وهناك قصة وردت في كتب الآباء، على راهب كان يعيش في البرية ولكنه كان غير مُلتزم بقوانينه الروحية، وفي يوم نياحته وحسب عادة الرهبان، اجتمع حوله الآباء لكيما يأخذوا العبرة والمنفعة. وكانت المُفاجأة أنهم قد وجدوه مُبتسماً!! فسألوه كيف تكون مُبتسماً وقد كنتَ مُقصِّـرا في قوانينك الروحية؟!
فأجابهم إني أعلم أني كُنتُ مُقصراً في حياتي الروحية، ولكني قد التزمت بآية واحدة فقط وهيَ “لا تدينوا لكَيْ لا تُدانوا” فعندما أتى الملاك وأراد مُحاسبتي، قلت له كيف يكون هذا وأنا لم أَدِنْ أحداً من يوم رهبنتي؟!! فعندما سمع الملاك هذا الكلام تركه ومضى.
أمثلة لستر الإنسان على أخيه الإنسان:
أولاً: ستر خصوصيات الآخر:
إن كل إنسان له عائلة … وأصدقاء … ومعارف … وأقارب … وأولاد …
و … إلخ، ولكن ليس معنى هذا أن له الحق في كشف خصوصيات الآخر ونقل أخباره، والأغرب من هذا أننا قد نجد شخصاً يتحدث عن نيَّة شخصٍ ما!! أو يتخيل ما يدور في تفكير آخَر بالنسبة لأمرٍ مُعين!!
وهُنا اسأل نفسك أيها الحبيب، هل تعرف كيف تستر على خصوصيات الآخر؟! لذلك دائماً ما ننصح الأزواج حديثي الزواج أن يحافظوا على خصوصياتهم، ولا يتحدثوا عما يدور بينهم إلى الآخرين، حتى ولا إلى والديهم حتى لا تسوء الأمور أو ينهار البيت. وهذا أمر هام جداً في كيان وبناء الأسرة، فليس كل ما تسمعه لك الحق في الحديث عنه، فيقول الكتاب: “لأنَّكَ بكَلاَمِكَ تَتبَرَّرُ وبكَلاَمِكَ تُدَانُ” (مت 12 : 37).
ومن أمثلة ذلك: المرأة التي أُمْسِكَتْ في ذات الفعل (يو8)، وقد تجمَّع الناس من حولها وأرادوا رجمها ونسوا خطاياهم!! أمَّا السيد المسيح فعالج الأمر بمنتهي الستر. فيقول الكتاب: “وأمَّا يَسُوعُ فَانحَنى إِلَى أسْفَلُ وكَانَ
يَكـتُـبُ بإِصْبعِـهِ عَلَى الأرْضِ” (يو 8 : 6).
يقول بعض الآباء، أن السيد المسيح كان قد انحنى، لكيما يكتب بعض خطايا الراجمين، وعندما قرأ كل واحد منهم خطيئته، أنزل الحجارة إلى الأرض ومضـى!! “وأمَّا هُم فَلَمَّا سَمِعُوا وكَانتْ ضَمَائِرُهُم تُبكِّتُهُم، خَرَجُوا وَاحِداً
فَوَاحِداً مُبتَدئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ” (يو 8 : 9)، وهُنا قال يسوع للمرأة:
“يَا امرَأَةُ أينَ هُمْ أُولَئِكَ المُشتَكُونَ عَلَيكِ ؟ أمَا دَانكِ أَحَدٌ ؟” فَقَالَتْ: “لاَ أحَدَ
يَا سَيِّدُ”. فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: “ولاَ أنا أدِينُكِ. اذهَبي وَلاَ تُخطِئِي أَيضاً” (يو 8 : 10 ــ 11).
ثانياً: حفظ خصوصيات سر الاعتراف:
سر الاعتراف هو أحد الأسرار الرئيسية في حياة كنيستنا، وهو يضبط ميزان ومسار الحياة الروحية للإنسان، وهو أيضاً يضبط الطريق الروحي للإنسان، فأب الاعتراف هو بمثابة الكاهن والرفيق والمُرشِد، وهو الذي يوضِّح الطريق للمُعتَرِفِ.
وكل ما يسمعه الكاهن في سر الاعتراف يجب أن يُحفَظ تماماً والكاهن الذي يُفشي أسرار الاعتراف يستوجِب العقاب، ولكن قد يتخيل شخصٌ ما، أن الكاهن قد أفشى سر اعترافه، لأنه قد سمعه يَقُصّ قصة مُقاربة لاعترافه في إحدى عظاته، رغم أن الأب الكاهن يكون قد سرد هذه القصة بدون أية تفاصيل!! فسرية سر الاعتراف وخصوصياته هيَ إحدى صور الستر.
ولذلك مُمارسة سر الاعتراف من أصعب المُمارسات التي يُمارِسها الكاهن، لأنه تتجمع عنده أحوال وخصوصيات آخرين ولا يستطيع أن ينطق بحرف، وأحياناً يكون الكاهن في مأزق خطير جداً عندما يسأله أحد عن شخص يُريد الارتباط به!! وهُنا أنصح الكاهن أن يتحلَّى بالحكمة دون أن يُفشـي أي سـر
لا من بعيد ولا من قريب، فاستر على غيرك ما دُمت محتاجاً إلى الستر.
وهناك قصة لطيفة نحكيها للأطفال:
وهيَ عن أُم دائماً ما كانت تقول لابنها عن إحدى جاراتها إنها “بوشين”!! وفي أحد الأيام حضرت هذه الجارة لزيارة الأم، وهُنا بدأ هذا الابن في الدوران حول كرسي هذه الجارة!! فسألته الجارة ماذا تفعل يا ابني؟!! فأجابها الطفل: إني أبحث عن وجهك الآخر، لأن ماما تقول إنك “بوشين”!!
فهذه الأُم لم تستر على جارتها، فحتى إن كانت هذه الجارة بهذه الصفة كان يجب عليها أن تستر عليها، حتى لا يتعلَّم ابنها منها هذا التعليم الخاطئ، والكتاب يقول: “أعطُوا تُعطَوْا، كَيلاً جَيِّداً مُلَبَّداً مَهْزُوزاً فَائِضاً يُعْطُونَ
فِي أحضَانِكُم. لأنَّهُ بنَفسِ الْكَيلِ الَّذِي بهِ تكِيلُونَ يُكَالُ لَكُم” (لو 6 : 38).
كيف نقتني فضيلة الستر؟
أولاً: تذكَّر ستر اللَّـه لك:
إن اللَّـه يستر علينا في مواقف عديدة … وفي سقطات كثيرة … وفي خطايا مختلفة … وأتذكر أنني أثناء خدمتي قبل البطريركية، طُلِبَ مني أن أذهب إلى شخص كبير في السن ومريض، لكيما يتناول من جسد الرب ودمه، وبالفعل ذهبت إليه، ولكن قبل أن يأخذ التناول طلب مني أن يعترف.
وكانت أول كلماته، أن اللَّـه ستر عليه في خطايا كثيرة، منذ أن كان عمره تسع سنوات!! ثم بدأ يسرد هذه الضعفات والخطايا وبعد يومين من اعترافه انتقل من هذا العالم!! فاللَّـه يستر علينا جميعاً، ومن لا يشعر بِسَتر اللَّـه هو إنسان جاحد .
ثانياً: تعلَّم أن تحب الآخرين:
تعلم أن تحب الآخر مهما كان يحمل من ضعفات، حِب الجانب الحلو الذي في الإنسان، فأي إنسان به جانب حلو وجانب سيء فانظر إلى الجانب الجيد فيه، فالسيد المسيح عندما تحدث مع زكا العشار اهتم بجزء صغير، وهكذا فعل مع السامرية.
وأيضاً مع اللص اليمين اهتم بالكلمة الجيدة التي قالها: “اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ” (لو 23 : 42)، واعتبرها توبة … أو صلاة … أو حياة جديدة …، لقد ركَّز السيد المسيح في هذه العبارة، ولم يُركِّز في باقي الأخطاء السابقة، والقديس بطرس الرسول يقول: “وَلكِـن قَبـلَ كُـلِّ شَـيْءٍ لِتَكُـنْ مَحَـبَّـتُـكـُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تـَستُرُ كَثرَةً مِنَ الْخَطَايَا” (1بط 4 : 8).
والقديس مار أفرام السـرياني يقول: “التَّلَذُّذ بعيوب الآخرين يَدُل على أننا مُمتلئون بُغضة”.
والقديس مكاريوس الكبير يقول: “يا أخي أحكم على نفسك قبل أن يحكموا عليك”.
وهُنا نتذكَّر قصة القديس الأنبا موسى الأسود، عندما طلبوا منه أن
يحضـر محاكمة أحد الرهبان، امتنع في البداية ولكن مع إصرار الآباء على حضوره أطاع وحضر، ولكنه دخل إليهم وهو يحمل على ظهره شوال من الرمل!! فسأله الآباء ما هذا يا أبانا؟!! فأجاب هذه خطاياي تجري وراء ظهري، وقد أتيت اليوم لأحكم على غيري!! وهذا ما يجب أن نتعلّمه كي ما نعيش
به، ونُغيِّر من سلوكنا، ولنعلم جيداً أن الذي يُريد أن يسير في طريق السماء، يجب أن يتحلّى بنعمة الستر على الآخرين، لأنه هو أيضاً يتمتَّع بِسَتر اللَّـه عليه.
ثالثاً: تعلَّم أن لا تدين غيرك:
وهُنا قد يتسأل البعض، إذاً لماذا يوجد مجالس تأديب؟! نُجيب أن هذا نظام في إدارة العمل، ولكن ما نُريد أن نتحدث عنه هُنا هو الإدانة على المستوى الشخصي وفي علاقاتنا الاجتماعية والشخصية.
والأنبا أنطونيوس يقول: “لا تَدِنْ غيرك لئلا تقع في أيدي أعدائك”. بمعنى أن الذي يُدين إنساناً على خطية ما، يأتي اليوم الذي يقع فيه، في نفس الخطية التي أدان عليها …
وأيضاً يقول أحد الآباء: “إذا أدنّا أنفسنا لا يبقي لنا وقت لنُدين فيه الآخرين”.
وكما يقول أحد القديسين: “ليس هناك أفضل من أن يرجع الإنسان بالملامة على نفسه في كل شيء”.
فالعبارات كثيرة جداً في موضوع الستر، لكن خُلاصة الأمر: أنك عندما تُصلي صلاة الشكر في كل مرة، يجب أن تُصلي وتقول أشكرك يا رب لأنك سترت حياتي، في الماضي وفي الحاضر … سترت على أسرتي، الكبير فيها والصغير … سترت على أصدقائي … سترت على خدمتي … سترت على كنيستي … سترت على مجتمعي.
والستر يشتمل أيضاً الحفاظ على خصوصيات الوطن الذي نعيش فيه، لذلك نسمع أحياناً خبراً أن شخصاً ما، تم اتهامه بالخيانة العُظمى!! وهذا يعني أنه أفشى أسرار وطنه!! لذلك يجب على كل إنسان أن يضع حساب لكل كلمة ينطق بها.
فنعمة الستر نعمة غالية جداً، حاول أن تشعر بها، وتذكَّر دائماً عدد المرات التي ستر الرب عليك فيها، وحاول أن تستر على كل مَن تعرفهم، وكل مَن هم حولك، وتعلَّم هذه الفضيلة في حياتك كل يوم.
“اَللهُمَّ، إِلَى تَنجيَتِي. يَا رَبُّ، إِلَى مَعُونتِي أَسْرِع. لِيَخْزَ وَيَخْجَلْ طَالِبُو نفْسِي. لِيَرْتدَّ إِلَى خَلْفٍ وَيَخجَلِ المُشتَهُونَ لِي شَرّاً. لِيَرجِعْ مِنْ أجْلِ خِزْيهِمُ الْقَائِلُونَ: “هَهْ هَهْ!” وَليَبتَهِجْ وَيفْرَحْ بكَ كُلُّ طَالِبيكَ، وَلْيَقُلْ دَائِماً مُحِبُّو خَلاَصِكَ: ” لِيَتعَظَّمِ الرَّبُّ! ” أَمَّا أنا فَمِسْكِينٌ وَفَقِيرٌ. اللـهُمَّ، أسْرِعْ إِلَيَّ. مُعينِي وَمُنقِذِي أنتَ. يَا رَبُّ، لاَ تَبْطُؤ” (مز 70 : 1 ــ 5).
اللَّـه هو صاحب المعونة، وكلمة “المعونة” كلمة مُعزية ولها معانِ وأبعاد كثيرة، فمثلاً قد يشعر الإنسان في بعض الأحيان أنه لا يستطيع القيام بعملٍ
ما !! … أو أنه عاجز على مواجهة بعض المواقف … أو بعض الأشخاص، وهُنا لا يُعزيه إلا هذه الصلاة القصيرة، والتي نُحبها جميعاً “اللَّهم التفت لمعونتي،
يا رب أسرع وأعني”، وهذه الصلاة تُعتَبر من الصلوات السهمية التي من المُمكن أن تُقال في أي وقت وفي أي مكان.
وأيضاً يقول اللَّـه على فم إشعياء النبي هذه العبارة المُعزية:
“لاَ تخَفْ لأَنِّي مَعَكَ. لاَ تتَلَفَّت لأنِّي إِلَهُكَ. قَد أيَّدتكَ وَأعَنتُكَ وَعَضَدتُكَ بيَمِينِ برِّي. إِنَّهُ سَيَخزَى وَيَخجَلُ جَمِيعُ المُغتَاظِينَ عَلَيكَ. يَكُونُ كَلاَ شَيْءٍ مُخَاصِمُوكَ وَيَبيدُونَ. تفَتِّشُ عَلَى مُنازِعِيكَ وَلاَ تجِدُهُمْ. يَكُونُ مُحَارِبُوكَ كَلاَ شَيْءٍ وَكَالعَدَمِ. لأَنِّي أنا الرَّبُّ إِلَهُكَ المُمْسِكُ بيَمينِكَ، الْقَائِلُ لَـكَ: لاَ تــخـَـفْ. أنـَـا أُعِـينـُـكَ” (إش 41 : 10 ــ 13).
ومن أكثر الأمثلة المشهورة عن معونة اللَّـه لأولاده، هو داود النبي فهو شخص كان أصغر إخوته، وله بنية جسدية ضعيفة، وقد اختاره اللَّـه وأرسل له صموئيل النبي لكيما يمسحه ملكاً عِوَضاً عن شاول الملك، ليقود مملكة بني إسرائيل ويُخلِّصها.
“فَأَخَذَ صَمُوئِيلُ قَرْنَ الدُّهْنِ وَمَسَحَهُ فِي وَسَطِ إِخْوَتِهِ. وَحَلَّ رُوحُ الرَّبِّ
عَلَى دَاوُدَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِداً” (1 صم 16 : 13)، ومن المعروف أنه
هُناك ثلاثة ملوك، تم تناوبهم على كرسي إسرائيل وهم شاول وداود وسليمان، وقد أقام كُلٌّ منهم أربعين عاماً على كرسي المملكة، وهذه هيَ المملكة المُتحدة. بمعنى أن هذه هيَ الفترة التي كانت أسباط إسرائيل الاثنا عشـر تحت قيادة ملكٍ واحدٍ، ثم بعد فترة مُلْكِ سليمان، انقسم أسباط بني إسرائيل إلى مملكتَيْن، مملكة يهوذا وكانت تتكون من سبطَيْن، ومملكة إسرائيل وتتكون من عشـرة أسباطٍ.
وداود النبي كما يقول عنه الكتاب: “وكَانَ أشقَرَ مَعَ حَلاَوَةِ العَينيْنِ وحَسَـنَ الْمَنظَـرِ” (1 صم 16 : 12)، فهو مُجرد راعي غنم، ذي حسٍ مُرهَفٍ في كتابة الشعر، وكتب لنا العديد من المزامير، وقد تعرض لتجارب كثيرة، منها القتل من قِبَلِ شاول.
وبالرغم من كل محاولات شاول لقتل داود، إلا أنه في إحدى المرات أُتيحت الفرصة لداود لقتل شاول، ولكنه رفض فعل ذلك، واكتفى بِقَص جزء من جُبة شاول التي كان يرتديها!! “وقَالَ دَاوُد لشَاوُل: “لِماذا تسمَعُ كَلامَ
الناسِ القائلِينَ: هُوَذا دَاوُد يَطلُبُ أذيَّتكَ؟ هُوَذا قَد رَأت عَيناكَ اليَومَ
هَذا كَيفَ دَفعَكَ الرَّبُّ اليومَ ليَدِي فِي الكَهفِ، وقِيلَ لِي أن أقتُلَكَ،
ولكِنَّنِي أشفَقتُ عَلَيكَ وقُلتُ: لاَ أمُدُّ يَدِي إِلَى سَيِّدِي لأَنهُ مَسِيحُ الرَّبِّ
هُـوَ” (1 صم 24 : 9 ــ 10).
وقد وعد اللَّـه داود بالمعونة، كما قال الكتاب: “وَقد أرَحـتُكَ مِنْ جـميعِ أعدائكَ. والرَّبُّ يُخبرُكَ أنَّ الرَّبَّ يَصنَعُ لكَ بَيتاً” (2 صم 7 : 11)، وقد استمرت معونة اللَّـه تسند داود حتى صار ملكاً، وحتى في سقوطه لم تتركه معونة اللَّـه!! ودفعته إلى التوبة، وهذا يَتَّضِح من خلال مزمور التوبة “اِرحَمني يا اللَّـه كعظيمِ رحـمـتِكَ …” (مز 50 قبطي).
وأيضاً معونة اللَّـه كانت مع يوسف الصديق (تك 39 ــ 50)، الذي كان في ضياعٍ كاملٍ … وبِيعَ كَعبدٍ … ولم يكن له ذِكر … ولكنه بهذه المعونة صار الرجل الثاني في تاريخ مصر!! رغم أنك عندما تتأمل في قصته تجد أن جميع الأبواب قد أُغِلقَتْ في وجهه … أبواب الأهل وأبواب الأصدقاء … إلا أن اللَّـه كان يحفظ له نصيباً صالِحاً!!
ومعونة اللَّـه نراها أيضاً مع دانيال النبي، فعندما وُضِعَ في جب الأسود تدخلت المعونة الإلهية وأنقذته وأغلقت أفواه الأُسود، وعندما جاء الملك للسؤال عنه قال له دانيال: “إِلَهِي أرسَلَ مَـلاَكَـهُ وَسَـدَّ أفْوَاهَ الأُسُـودِ فَلَم تـضُرَّنِي، لأنِّي وُجِدتُ بَرِيئاً قُـدَّامَـهُ، وَقُدَّامَـكَ أيضاً أيُّهَا الْمَلِكُ، لَمْ أفـعَلْ ذَنباً” (دا 6 : 22)، وكلمة “إلَهي” تعني إيماني أي يد إلهي التي تقف خلفي حتى إن كنت في جُبِّ الأسود!! وعبارة “أرسَلَ مَلاكَهُ” أي أن إلهي يهتم بي اهتماماً خاصاً جداً حتى أنه أرسل ملاكاً يتميز أنه له قدرة فائقة، تستطيع أن تسد أفواه الأسود، فمن يستطيع أن يسد أفواه أسودٍ جائعةٍ!! فالمعونة الإلهية هيَ التي سدَّت أفواه الأسود.
وإذا تأملنا في حياة إرميا النبي، نجد أن المعونة الإلهية كانت معه في بداية خدمته، فيقول الكتاب: “هَا قَد جَعَلتُ كَلامِي في فمِكَ … هأنَذَا قَد
جَعَلتُكَ اليومَ مدينةً حَصينَةً وعَمُودَ حَديدٍ وأسوارَ نُحاسٍ علَى كُلِّ الأرضِ … فيُحارِبونَـكَ ولا يَقـدِرونَ علَيـكَ، لأنِّي أنا معكَ، يقولُ الرَّبُّ، لأُنقِذَكَ” (إر 1 : 9 ــ 19).
والمعونة الإلهية أيضاً هيَ التي سندت الرسل في الخدمة، فقد كانوا
مُجرد جماعة من الصيادين وبُسطاء الناس. وهيَ أيضاً التي سندت الشهداء
في عذاباتهم، فعندما نقرأ قصص الشهداء نتعجب ونتسأل من يستطيع أن يتحمَّل كل هذه الآلام؟!! إنها نعمة ومعونة خاصة من اللَّـه في توقيت الاحتياج.
ما هيَ أهمية معونة اللَّـه؟!
إن كل إنسان مِنَّا يحتاج إلى معونة اللَّـه؛ لأنه: أولاً: هو القادر على كل شيء. ثانياً: نحتاج لمعونته في الحياة الروحية. ثالثاً: نحتاج للمعونة في وقت الضيقات. رابعاً: نحتاج معونة اللَّـه في الخدمة.
أولاً: اللَّـه هو القادر على كل شيء:
إن الإنسان مهما كبر أو تعاظم، فإن قدراته تظل محدودة أمام قدرة اللَّـه، كما يُعلمنا الكتاب قائلاً: “بدُونِي لاَ تَـقـدِرُونَ أنْ تَفـعَلُوا شَيْئاً” (يو 15 : 5)، فاللَّـه هو الذي يُعطينا الصحة … والقدرة … والفكر … وكل شيء، وهذه هيَ معونة اللَّـه للإنسان.
ثانياً: الاحتياج للمعونة في الحياة الروحية:
نحتاج لمعونة اللَّـه في الحياة الروحية بمفرداتها المختلفة من القراءة في الكتاب المقدس … والصلوات … والأصوام … وممارسة الأسرار الكنسية عامة، وخصوصاً في أيام الصوم الكبير، وكيف يصوم الجميع إلى أوقات مُتأخِّرة من النهار، بالرغم من وجودهم في مدارسهم وكلياتهم وأشغالهم، وذلك لكيما يتقدموا للتناول من جسد الربِّ ودمه، في القداسات المتأخرة!!
وبعد هذا الصيام الطويل الذي يبدأ من منتصف الليل، وحتى وقت مُتأخِّر من النهار، يأكل الإنسان طعاماً نباتياً ذا طاقة قليلة!! وعندما نتسأل كيف يكون هذا؟!! نُجيب هذه هيَ المعونة الإلهية، كما يُعلمنا الكتاب: “لأنَّ الجَسَدَ يَشتَهي ضِدَّ الرّوحِ والرّوحُ ضِدَّ الجَسَدِ، وَهذَانِ يُقاوِمُ أحَدُهُما الآخَرَ،
حتَّى تـفـعَلـونَ مَـا لا تُـريـدونَ” (غل 5 : 17).
فمثلاً القديس موسى الأسود، كانت حياته قبل التوبة حياة شهوانية
جداً … وخاطئة بالجملة … وهُنا نتسأل ما الذي حدث في حياته حتى تحوَّلت من قاع الشر والخطيئة إلى القداسة والبر، حتى أنه أصبح قديساً للتوبة وسيرته موجودة بيننا، ونحن في القرن الـ 21 وإلى النهاية؟!!
إنها المعونة الإلهية، فهذه المعونة هيَ التي وقفت مع موسى الشـرير ودعته إلى التوبة وعندما أعلن توبته، انسكبت نعمة اللَّـه في حياته وصار قديساً قوياً، كما نُسمِّيه القديس موسى القوي.
ثالثاً: المعونة في الضيقات:
ونحتاج أيضاً للمعونة الإلهية في وقت الضيقات، فأي إنسان في هذه الحياة يتعرض لضيقات كثيرة، قد تكون كبيرة أو صغيرة، لكن ما يجب أن نعلمه جيداً أن كل ضيقة هيَ لخير الإنسان، كما يقول الكتاب: “اِحسِبُوهُ كُلَّ فرَحٍ يا إخوَتي حـينَـمـا تـقَـعُـونَ في تَـجـارِبَ مُـتَـنَوِّعَـةٍ” (يع 1 : 2)، ففي كل تجربة تمر على الإنسان، يتمجد اللَّـه ويشعر الإنسان بالمعونة الإلهية عندما يجد يد اللَّـه تعمل.
فمثلاً المعونة الإلهية تُساعد الإنسان في وقت المرض، فأحياناً يقول الأطباء عن حالة ما، أنه يوجد تطور في هذه الحالة، ولكن لا يخضع هذا التطور لكتب الطب!! وهذا ما نُعَبِّر عنه بلغتنا البسيطة: “أنه معجزة”!! وقصص تدخُّل اللَّـه بنعمته ومعونته في حال المرض كثيرة جداً.
رابعاً: المعونة في الخدمة:
ونحتاج المعونة الإلهية أيضاً في الخدمة، فالخادم إمكانياته محدودة جداً، ولا يوجد خادم يستطيع أن يقول المثل المشهور: “يا أرض انهدي ما عليكِ أدّي”!! بمعنى أن الخدمة لن تستمر في حال عدم وجوده!!
لذلك من المهم أن نتعلَّم أهمية عملية التغيير، والطبيعة تُعلّمنا هذا، فمثلاً: الشجرة يتغيَّر حالها في الفصول المختلفة، ففي فصل الخريف تتساقط أوراقها، وفي فصل الشتاء تجف، وفي فصل الربيع تُزهِر مرة أخرى، وفي فصل الصيف تُخِرج أثمارها، وهكذا …
فالمعونة الإلهية تستطيع أن تعمل مع كل إنسان، فمثلاً النعمة الإلهية هيَ التي غيَّرت بولس الرسول وحوَّلته من شاول المُضطَهِد للكنيسة، والذي اسمه كان يُرعِب المسيحيين!! إلى بولس الرسول أعظم كارز.
إن بولس لم يكتفِ بمطاردة المسيحيين في أورشليم فقط، بل تتبعهم بعد هروبهم، كما قال الكتاب: “أمَّا شاوُلُ فَكَانَ لَم يَزَل يَنفُثُ تهَدُّداً وَقَتلاً
عَلَى تلاَمِيذِ الرَّبِّ، فَتقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الكَهَنةِ وَطَلَبَ مِنهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشقَ،
إِلَى الجَمَاعَاتِ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُناساً مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالاً أو نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ
مُوثقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ” (أع 9 : 1 ــ 2). ولكن في أحد الأيام وهو في الطريق اصطادته النعمة الإلهية فقال: “يا رَبُّ، ماذا تـُريدُ أنْ أفعَلَ؟” (أع 9 : 6)،
إن القديس بولس الرسول عرف المسيح في النصف الثاني من حياته ، لكن في النصف الأول من حياته كان يضطَهِد كنيسة اللَّـه بإفراطٍ، كما ذكر في رسائله: “كُـنـتُ أضـطَـهِـدُ كـنـيـسَـةَ اللَّـه بإفـرَاطٍ وأُتـلِـفُـهـا” (غل 1 : 13).
أمَّا في النصف الثاني من حياته، فكان يكرز بِاسم الرب باتساعٍ، لدرجة أنه سُمِّيَ عملاق الكرازة، وقد تعرَّض لأخطار وضيقات كثيرة جداً، وخدم وبذل بما يفوق الوصف، إلى جانب أنه كتب لنا 14 رسالة في الكتاب المقدس، لقد كان القديس بولس أداة للاضطهاد، وبالمعونة والنعمة، صار أداة للكرازة والخدمة.
فبولس الرسول نموذج لباقي الرسل. فمثلاً القديس مارمرقس الرسول عندما أتى إلى مصر لم يكن يمتلك أي شيء!! فلم يكن لديه مال أو أي إمكانيات أو وسائل مواصلات، لكن اعتماداً على المعونة الإلهية جاء إلى مصـر وبشَّـرَ، وانتشر الإيمان بالمسيح في كل مكان.
ويقول الكتاب: “الرُّوحُ أيضاً يُعِينُ ضَعفَـاتِـنَا” (رو 8 : 26)، بمعنى أن المعونة الإلهية تُعين ضعف الإنسان، فتذكَّر دائماً أن يد اللَّـه تعمل. فأحياناً يظن الإنسان أن اللَّـه في السماء، والإنسان هُنا على أرض الشقاء. وأحياناً أخرى يظن آخر أن اللَّـه قد نساه!! وهذا الفكر قد وقع فيه داود النبي حين قال: “إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنسَانِي كُلَّ النِّسيَانِ؟ إِلَى مَتَى تَحجُبُ وَجهَكَ عَنـِّـي؟” (مز 13 : 1).
فتذكَّر دائماً العبارة التي تقول: “ولكِن لنا هذا الكَنزُ في أوانٍ خَزَفيَّةٍ، ليكونَ فَـضـلُ الـقُوَّةِ للَّـه لا مِنّا” (2 كو 4 : 7)، والمقصود بهذا الكنز هو المعونة الإلهية، أمَّا الأواني الخزفية فهيَ أجسادنا، فالإنسان مثل الإناء الزجاجي يتعب من أقل الأشياء.
فالإنسان ضعيف جداً، لكن بداخله (الكنز) يد اللَّـه التي تعمل والمعونة التي تعمل في ضعفه، فيكون فَضْلُ القوة للَّـه لا مِنَّا، وكما أن اللَّـه يُعين الإنسان، فنحن أيضاً نحتاج معونة بعضنا إلى بعض، فاللَّـه يُسـرِع بإعانة الإنسان من خلال الإنسان.
أمثلة لمعونة الإنسان لأخيه الإنسان:
يقول الكتاب: “لِيُعطِ الرَّبُّ رَحمَةً لِبَيْتِ أُنِيسِيفُورُسَ، لأنَّهُ مِرَاراً كَثِيرَةً
أرَاحَنِي وَلَـم يَـخـجَـل بـسِلْسِـلَتِي” (2 تي 1 : 16)، فبولس الرسول كان في هذا الوقت تحت التحفُّظ والسلاسل، وقد أراحه أُنيسيفورُسُ، فهُنا اللَّـه أرسل معونته لبولس الرسول من خلال بيت أُنيسيفورُسَ.
وأيضاً نقرأ عن الشماسة فيبي، التي كتب عنها القديس بولس قائلاً: “أُوصِي إِلَيكُم بأُختِنا فِيبي، الَّتِي هِيَ خَادِمَةُ الكَنِيسَةِ الَّتِي فِي كَنخَرِيَا، كَي
تقبَلُوهَا فِي الرَّبِّ كَمَا يَحِقُّ لِلقِدِّيسِينَ، وَتقُومُوا لَهَا فِي أيِّ شَيْءٍ احتَاجَتهُ مِنكُمْ،
لأنَّهَا صَارَتْ مُسَاعِدَةً لِكَثِيرِينَ وَلِي أنَا أيضاً” (رو 16 : 1 ــ 2)، لقد كانت بمثابة
الابنة الروحية لبولس.
ونقرأ في قصة حياة القديس يوحنا الذهبي الفم، كيف أنه في وقت من الأوقات منع الإمبراطورة من دخول الكنيسة، لأنها اغتصبت حقَّ أرملة فقيرة، ولأنها كانت إمبراطورة شريرة وقفت أمامه بالمرصاد، وأرادت أن تُنهي حياته بطريقة غير مباشرة!! فأمرت بنفيه إلى بلاد بعيدة، وقد أوصَت بعدم إراحته طوال هذه الرحلة الشاقة! ونظراً لصعوبة المواصلات في هذا الوقت، لم يحتمل القديس هذا التعب وتنيَّح في نهاية الرحلة. ولكن اللَّـه أرسل معونته للقديس من خلال الشماسة أولمبياس، التي كانت تقوم بتوصيل رسائله لشعبه، فقد كانت مثالاً للابنة الروحية الساهرة على رعاية أبيها القديس يوحنا الذهبي الفم، وكانت أيضاً تُدبِّر له الغذاء والدواء.
فمعونة البشر للبشر تظهر في أمثال كثيرة، فمثلاً نقول: “الجار قبل الدار”، وأيضاً “الرفيق قبل الطريق”، و”الصَّدِيق عند الضيق”. وأمثلة كثيرة نجدها في حياتنا اليومية، ونرى كيف يُدبِّر اللَّـه معونته للبشـر من خلال بشـر.
وأتذكَّر أنني في إحدى المرات أثناء خدمتي خارج البلاد، قبل مسئوليتي الحالية، فوجئت في المطار إنني لا أستطيع دخول هذه البلد لأن جواز السفر قارب على الانتهاء، وقانون هذه الدولة يمنع دخول أحد إلا إذا كان جواز سفره له صلاحية 6 أشهر على الأقل!! وكانت هذه الدولة تبعد عن مصـر ما يقرب من عشر ساعات!!
فأرسل اللَّـه لي المعونة، من خلال أحد العاملين في المطار الذي نصحني بالتوجه لأخذ رأي المسئول في هذه المشكلة، وانتهت المشكلة بقبول دخولي البلاد، بشرط أن أغادر البلد قبل نهاية جواز السفر بيومٍ واحدٍ!! وهكذا كانت معونة اللَّـه، فحسب قوانين هذه الدولة كان عَليَّ الرجوع إلى مصـر، ولكنها معونة اللَّـه!!
فاللَّـه يُدبِّر في حياة البشـر أموراً كثيرة جداً، والكتاب يُعلّمنا قائلاً: “مُـلقينَ كُـلَّ هَـمِّكُمْ عـلَيهِ، لأنَّـهُ هو يَعـتَني بكُمْ” (1 بط 5 : 7)، فاجعل وعود الكتاب المقدس حاضرة أمامك بِاستمرار.
كيف تستمتع بمعونة اللَّـه؟
لكي تستطيع أن تستمتع بمعونة اللَّـه باستمرار، أمامك ثلاث خطوات، وهيَ:
أولاً: صلواتك: لأنه من خلال الصلاة يسكب اللَّـه معونته، لذلك كنيستنا مليئة بأشكال وأنواع من الصلوات.
ثانياً: كُنْ إنساناً مُتضعاً، فالكتاب يُعلمنا قائلاً: “لأنَّ اللَّـهَ يُقَـاوِمُ المُسْتَكبرِينَ، وأمَّـا الْمُتَواضِعُونَ فَـيُـعطِـيهِـمْ نِعمَـةً” (1 بط 5 : 5)، فالاتضاع هو بمثابة قناة تنسكب فيها معونه اللَّـه للإنسان، ولكن قد نجد أحياناً إنساناً مُتكبراً، يعتقد أنه يستطيع أن يعمل وينجح، بدون معونة اللَّـه له!! أمَّا الإنسان المُتضع، والذي يشعر باحتياجه لنعمة اللَّـه ومعونته، فهو الذي يكون له رصيد عند اللَّـه، يسكبه في وقت الاحتياج.
ثالثاً: كُنْ إنساناً مُجتهداً: في العمل، في الدراسة، في الخدمة، في المسئولية، في كل شيء … فاجتهد أيها الحبيب في حياتك واعلم أن النعمة لا تأتي وأنت مستلقٍ على ظهرِك، كما يُعلمنا الكتاب: “إِنَّ إِلَهَ السَّمَاءِ يُعْطِينا الـنَّجَـاحَ وَنَـحْنُ عَبيـدُهُ نَـقُـومُ وَنَـبْـنِي” (نح 2 : 20)، فالنجاح هو معونة من اللَّـه.
فحاول أن تشعر أيها الحبيب بالنعمة والمعونة، التي يقدمها لك اللَّـه في كل يوم، واجعل تدريبك اليومي هذه الآية المُعزية فاتحة المزمور الــ 70 : “اللَّـهُم التـفت إلى مـعونتي، يا رب أسـرِع وأعنـِّي”، كرّرها باستمرار، وتعزَّ بها كصلاة قصيرة تُقال في كل وقت، ونُصلي دائماً أن يُعطينا إلهنا الصالح النعمة والمعونة في كل وقتٍ.
“أرفَعُ عَينَيَّ إِلَى الجِبَالِ، مِنْ حَيْثُ يَأتِي عَونِي! مَعُونتِي مِنْ عِندِ الرَّبِّ، صَانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ. لاَ يَدَعُ رِجلَكَ تَزِلُّ. لاَ يَنعَسُ حَافِظُكَ. إِنَّهُ لاَ يَنعَسُ وَلاَ يَنَامُ حَافِظُ إِسْرَائِيلَ. الرَّبُّ حَافِظُكَ. الرَّبُّ ظِلٌّ لَكَ عَن يَدِكَ اليُمنَى.
لاَ تَضْرِبُكَ الشَّمْسُ فِي النَّهَارِ، وَلاَ القَمَرُ فِي اللَّيلِ. الرَّبُّ يَحْفَظُكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ. يَحْفَظُ نَفْسَكَ. الرَّبُّ يَحْفَظُ خُرُوجَكَ وَدُخُولَكَ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْر”ِ
(مز 121).
هذا المزمور يتكلّم عن الحفظ بصورة جيدة، ويوضِّح كيف أن اللَّـه يحفظ الإنسان في كل وقت … وكل مكان … وفي كل لحظة من حياته، وسنتكلم هُنا عن مجالات حفظ اللَّـه للإنسان.
أولاً: اللَّـه يحفظ الكون:
فالكون الذي نعيش فيه له نظام بديع ودقيق، فنستيقظ في الصباح لنجد الشمس والحركة، ونجد بلاداً بها ظلام في الوقت الذي يوجد فيه بلاد أخرى بها نهار وهكذا … فاللَّـه يضبط الكون كله، فهو يضبط حركة الكواكب … وحركة المجموعة الشمسية … وحركة النجوم … وحركة الأفلاك …
وإذا غفل اللَّـه ولو جزءاً صغيراً من الثانية (وهذا طبعاً ليس من المنطق)، فإن كل هذا سيتخبَّط معاً!! لذلك فإن اللَّـه يضبط الزمن والوقت واليوم والشهر، فمثلاً يحتفل الإنسان بعيد ميلاده في يوم محدد، وفي مثل هذا اليوم من كل عام يزيد عمر هذا الإنسان عاماً، وهكذا كل إنسان يكون له تمييز وهَويَّة عن الآخرين.
وأيضاً اللَّـه يضبط قانون الجاذبية الأرضية، فهذا القانون هو الذي يحفظ الحياة كلها، فعندما أراد بعض العلماء إرسال أشخاص إلى القمر أو إلى الكواكب الأخرى، كانت أهم المُشكلات التي واجهتهم هيَ الجاذبية الأرضية، وكيف يُمكن أن يمتلك الصاروخ قوة أقوى من الجاذبية الأرضية حتى يستطيع أن ينطلق من مجال الأرض.
وأيضاً كيف يستطيع الإنسان، أن يسير فوق سطح هذه الكواكب بدون جاذبية؟!! إن الأرض تدور حول محورها، ويوجد بها فصول … وشهور …
وأيام … وساعات … ودقائق … وثوانٍ … وكل هذا اللَّـه يحفظه أمام الإنسان في الحياة الإنسانية.
ثانياً: اللَّـه يحفظ نفسك:
من الأسئلة المشهورة في مجال الطب، ما هو أكبر وأهم عضو في جسم الإنسان؟! يقول البعض الكبد، والبعض الآخر يقول الكليتَين وهكذا … لكن أهم عضو في جسم الإنسان هو الجلد!! لأنه هو الذي يحفظ الإنسان ومساحته تقريباً 2 متر مربع!! لذلك يوجد تخصُّص في كليات الطب للأمراض الجلدية.
ويقول الكتاب: “هُو حافِظٌ نُفوسَ أتقِيائهِ. مِنْ يَدِ الأشرَارِ يُنقِذُهُمْ”
(مز 97 : 10)، “كَثيرَةٌ هيَ بَلايا الصِّدِّيقِ، ومِنْ جميعِها يُنَجِّيهِ الرَّبُّ يَحفَظُ
جَميعَ عِظامِهِ. واحِدٌ مِنها لا يَنكَسِـرُ” (مز 34 : 19 ـ 20)، وأيضاً يحفظ اللَّـه
نفس الإنسان من الشيطان، الذي دائماً يحاول الإيقاع به، وجعله في حالة من التوهان.
لذلك نُصلي قائلين: “كل حسدٍ، وكل تجربةٍ، وكل فعل الشيطان، ومؤامرة الناس الأشرار، وقيام الأعداء الخفيين والظاهرين انزِعها عنَا” فاللَّـه يُسيِّج حول الإنسان ويحفظه من كل هذه الشرور، واللَّـه لا يحفظ أولاده فقط، بل يحفظ أيضاً مُبغِضِيه مثل المُلحدين الذين ينكرون وجوده!! لعلَّهم ينتبهون يوماً ويعودون إلى أنفسهم.
وأيضاً يحفظ اللَّـه الإنسان من كل فكرٍ غير جيدٍ … أو شهوة ضارة … أو صداقة غير مناسبة أو … إلخ، وقد يسأل الإنسان نفسه عندما ينتبه، أين كان عقلي وأنا أفعل هذا الأمر؟!! وهُنا يشعر بحفظ اللَّـه له من كل هذه الشرور.
ثالثاً: اللَّـه يحفظ الإنسان من نفسه:
فيحفظ الإنسان من لسانه، لأنه قد يكون أحياناً لساناً غاشاً!! ويُسبب له كثيراً من المتاعب، لذلك يقول مُعلمنا داود النبي: “اجعَلْ يَا رَبُّ حَارِساً لفَمي. احـفَـظْ بـابَ شَـفَتَيَّ” (مز 141 : 3)، لذلك من التدريب الروحية الجميلة، أن يُصلي الإنسان في داخله قبل الحديث أو الرد على أي سؤال، قائلاً: “يا رب ارشدني واجعل في فمي قولاً حكيماً …”.
وهذا ما فعله نحميا النبي حين سأله الملك، لماذا وجهه حزين؟! فقبل أن يُجيب نحميا على الملك، ويذكر له أخبار بلاده، يقول الكتاب أنه رفع قلبه بالصلاة إلى اللَّـه أولاً “فَصَلَّيْـتُ إِلَى إِلَـهِ السَّمَـاءِ” (نح 2 : 4)، وهكذا يجب على كل شخص مِنَّا، أن يرفع قلبه إلى اللَّـه دائماً قبل أن ينطق بأية كلمة، ويقول: “ضَعْ
يا رب حافظاً لفمي وباباً حصيناً لشفَتَيَّ”.
فأحياناً قد ينطق الإنسان بكلمةٍ، يندم عليها باقي عمره!! فالكلمة قد يكون لها تأثير أقوى من أي سلاح! ويُمكن أن تُسبِّب جرحاً عظيماً لا يُنسى وكما يقول الكتاب: “هُدُوءُ اللِّسَانِ شَجَرَةُ حَيَاةٍ، وَاعْوِجَاجُهُ سَحْقٌ فِي الرُّوحِ”
(أم 15 : 4).
وهناك إنسان قد يتكلم بكبرياء مُتعاظماً، مثلما فعل هيرودس الملك، وقد عاقبه الرب وضربه الدود وهو مُرتدي الحُلَّة الملوكية ومات، فيقول عنه الكتاب: “فَفِي يَومٍ مُعَيَّنٍٍ لَبسَ هِيرُودُسُ الحُلَّةَ الْمُلُوكِيَّةَ، وَجَلَسَ عَلَى كُرسِيِّ
المُلكِ وَجَعَلَ يُخَاطِبُهُم. فَصَرَخَ الشَّعْبُ: “هَذا صَوْتُ إِلَهٍ لاَ صَوْتُ إِنسَانٍ!” فَفِي
الحَالِ ضَرَبَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ لأنَّهُ لَم يُعطِ الْمَجدَ لِلَّهِ، فَصَارَ يَأكُلهُ الدُّودُ وَمَاتَ”
(أع 12 : 21 ــ 23).
وللقديس أرسانيوس مُعلِّم أولاد الملوك هذا القول الجميل: “كثيراً
ما تكلمت وندمتُ، أمَّا عن صمتي فلم أندم قط”، ومن حروب عدو الخير على الإنسان أنه دائم الكلام، لهذا يُحذِّرنا مُعلمنا يعقوب الرسول قائلاً: “فَاللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثمِ. هَكَذَا جُعِلَ فِي أَعضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ
الجِسْمَ كُلَّهُ، ويُضرِمُ دائِرَةَ الكَونِ، وَيُضرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ” (يع 3 : 6)، وهُنا كلمة
“نار” تدل على إضرام الحرائق، وعبارة “عالَمُ الإثمِ” تُشير إلى دنيا الخطية، ولذلك كنيستنا نظَّمت أن يكون بها صلوات كثيرة، لكيما يعتاد اللسان على كلام الصلاة ومُخاطبة اللَّـه، وبذلك يكون لساناً طاهراً ونقياً.
وأيضاً يحفظ اللَّـه الإنسان من محبة المال، فمحبة المال إحدى الحروب القوية التي تُحارِب العالم كله، ولذلك يقول الكتاب: “لأنَّ مَحَبَّةَ المَالِ أصلٌ
لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابتَغاهُ قَومٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وطَعَنُوا أنفُسَهُمْ بأوجَاعٍ
كَثِيرَةٍ” (1 تي 6 : 10)، لذلك نجد أن أغلب القضايا، المطروحة أمام المحاكم هيَ عن المال!! سواء كان ذلك بين إخوة أو أزواج أو أبناء أو … إلخ، فاللَّـه يحفظ نفس الإنسان من هذه الشهوات المالية التي تُتـعِبه.
وقد قرأت قصة لطيفة، عن إنسان قام بسؤال بعض الأشخاص عن المال الذي يحتاجونه، لكي ما تكون معيشتهم جيدة؟!! فأجاب أحدهم خمسة آلاف جنيهٍ، وقال آخر عشرة آلاف، وآخر عشرون ألفاً، وهكذا … وهُنا سأله أحدهم كم هو راتبك؟!! أجاب إني أعمل في شركة كبيرة وأتقاضى خمسين ألف جنيهٍ!! فسألوه هل أنت سعيد بهذا الراتب، وهل هو جيد بالنسبة لك؟!! أجاب: لا، إني تعيس جداً!! فإن ابني من ذوي الاحتياجات الخاصة!! ولا يستطيع اللعب مع ابن البواب، الذي هو بكامل صحته!! فالمهم ليس هو المال، لكن المهم هو الشبع الداخلي، فاللَّـه يحفظ نفس الإنسان من شهوة محبة المال.
وأيضاً اللَّـه يحفظ نفس الإنسان من الطموح الزائد، فهناك شخص يكون طموحه أكبر مما هو متاح له.
وهُناك قصة عن شخص قام بفتح محل لبيع الأجهزة الكهربائية، وقد بدأ بعدد صغير من الأجهزة، ثم زادت تجارته بالتدريج … ثم بدأ طموحه يزداد في توسيع تجارته، ولكن بطريقة خاطئة!! فبدأ في اقتراض المال من البعض لشـراء أجهزة أكثر، لكي ما تزيد تجارته!! وفي أحد الأيام حدث سطو على المحل وتمت سرقته!! وهُنا تعرض هذا الإنسان لمشكلة كبيرة، وهيَ كيف سيمكنه سداد ما تم اقتراضه من المال؟!! إن هذا الإنسان لم ينتبه لكي يكون طموحه بحدود وبحساب وبحكمة.
فاللَّـه يحفظ نفس الإنسان من الشـرود … والإهمال … والاستهتار … وقساوة القلب. ويحفظ نفس الإنسان من وقت الراحة، والمقصود بالراحة هُنا هو وقت الاستهتار والكسل والإهمال.
ومثال لذلك خطية داود النبي مع امرأة أوريا الحثي، “وكَانَ فِي وَقتِ المَسَاءِ أنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ المَلِكِ، فَرَأى مِنْ
عَلَى السَّطحِ امرَأةً تستَحِمُّ. وكَانتِ المَرأةُ جَمِيلَةَ المَنظَرِ جِدّاً” (2 صم 11 : 2)، فالراحة والاستهتار وصلت بداود إلى ارتكاب خطية كبيرة.
وأيضاً يحفظ اللَّـه نفس الإنسان من الافتخار والإعجاب بالذات، كما يقول المثل: “يا أرض انهدي ما عليكِ أدِّي”، إن كان ذلك في علم، أو خدمة، أو أسرة، أو … إلخ، فبولس الرسول هذا القديس العظيم قال: أُعطِيتُ شوكةً في الجسد لئلاَّ أرتفع!! “ولِئَلاَّ أرْتَفِعَ بفَرطِ الإِعلاَنَاتِ، أُعطِيتُ شَوكَةً فِي الجَسَدِ،
مَـلاَكَ الـشَّـيطَـانِ، لِـيَـلطِـمَنِي لِـئَلاَّ أرتَـفِـعَ” (2 كو 12 : 7).
فمُعلمنا القديس بولس الرسول اللَّـه أعطاه نِعَماً كثيرة جداً، وتراءى له مرات عديدة، ونال إعلانات إلهية كثيرة، وكل هذا كان من المُمكن أن يقوده إلى الكبرياء، لهذا سمح له اللَّـه بشوكة في الجسد، وقد تكون هذه الشوكة تعب في الظهر … أو ضعف في النظر … أو أحد الأمراض الجلدية … أو … إلخ، لكي ما يحفظه من الوقوع في خطايا الكبرياء.
رابعاً: اللَّـه يحفظ الإنسان في الإيمان:
جميعاً قد تسلّمنا وديعة الإيمان مُنذ نعومة أظافرنا، فكنيستنا القبطية تُعلمنا أن ننال سر المعمودية بعد أيام قليلة من ولادتنا، وأيضاً تُعيِّن إشبيناً للطفل المُعمد، بحيث يكون مسئولاً عن تسليمه الإيمان، وغالباً ما يكون هذا الإشبين هو الأم أو الأب، الذي يكون مسئوليته إيداع الإيمان في قلب الطفل المُعمَّد. لذلك نُصلي ونقول: “احفظنا في إيمانك، وانعم علينا بسلامك”. فالإيمان وديعة غالية جداً، ولكن للأسف كثيرين وقعوا في خطايا الإلحاد!! فأحياناً نتقابل مع شاب عمره لا يزيد عن العشرين عاماً، ونجد أفكاره بعيدة تماماً عن الإيمان!!
وليَنتَبِه كل أبٍ وكل أُمٍّ أن دورهما كإشبين، لا ينتهي بانتهاء مرحلة الطفولة، لكنه دور يستمر مدى الحياة، ومسئولية سيُسأَلوا عنها أمام اللَّـه، ويقول مُعلمنا بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: “اِحفَظِ الوَديعَةَ الصَّالِحَةَ
بالـرُّوحِ الـقُـدُسِ السَّـاكِنِ فـينا” (2 تي 1 : 14).
ويذكر لنا التاريخ أنه في أيام البابا أثناسيوس الرسولي، وذلك في القرنَين الثالث والرابع الميلاديَين، ظهرت بدعة أريوس وانتشـرت انتشاراً واسعاً جداً، ولكن مع هذا، حفظ اللَّـه كثيرين في الإيمان وفي مقدمتهم القديس أثناسيوس الرسولي، حتى أنه قيل له: “العالم كله ضدك يا أثناسيوس”، فأجاب: “وأنا ضد العالم”.
وأيضاً يذكر لنا التاريخ، أنه في القرون الأولى تعرضت الكنيسة لكثير من العذابات والاضطهادات، وبالرغم أن البعض لم يحتمل هذه العذابات وأنكر، إلا أن اللَّـه حفظ وديعة الإيمان مع كثير من الشهداء والمعترفين، لذلك نُصلي قائلين: احفظنا في الإيمان، واحفظ وديعة الإيمان التي سلّمتها لنا.
رحلة في الكتاب المقدس تُبيِّن حِِفْظ اللَّـه للإنسان:
+ حفظ نوح وأسرته:
في بداية الخليقة، العالم كله أصابه الشـر، ولكن اللَّـه حفظ نوحاً وأولاده وزوجته من هذا الشـر العظيم ونجاهم من الطوفان، وقد كان عددهم ثماني
أنفس فقط. “فَمَحَا اللـهُ كُلَّ قَائِمٍ كَانَ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ: النَّاسَ، والبَهَائِمَ، وَالدَّبَّابَاتَ، وَطُيُورَ السَّمَاءِ. فَانمَحَتْ مِنَ الأرْضِ. وَتَبَقَّى نُوحٌ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي
الْفُـلـكِ فَـقَط” (تك 7 : 23).
+ حفظ لوط وبناته:
فأخرجهم من مدينة سدوم بأيدي ملاكين، قبل أن يُهلكها بالنار والكبريت نتيجة غضبه عليها “وَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ كَانَ المَلاكَانِ يُعَجِّلاَنِ لُوطاً قَائِلَينِ:
“قُم خُذِ امرَأتَكَ وَابنتَيْكَ المَوجُودَتَيْنِ لِئَلا تَهلَِكَ بإِثمِ المَدِينةِ”. ولَمَّا تَوَانى،
أمسَكَ الرَّجُلاَنِ بيَدِهِ وَبيَدِ امرَأتِهِ وَبيَدِ ابنَتَيْهِ، لِشَفَقَةِ الرَّبِّ علَيهِ، وَأخرَجَاهُ ووَضعَاهُ
خَـارِجَ المَـدِينـةِ” (تك 19 : 15 ــ 16).
+ حفظ يعقوب:
لقد حفظ اللَّـه أبانا يعقوب من وجه أخيه عيسو، الذي أراد قتله بسبب تحايله على أبيه وأخذ البركة منه (تك 27 : 41). “فَقالَ عيسُو: “لي كَثيرٌ، يا أخِي. ليَكُنْ لكَ الذي لَكَ”. فقالَ يعقوبُ: “لا. إنْ وجَدتُ نِعمَةً في عَينَيكَ تأخُذْ هَديَّتي
مِنْ يَدِي، لأنِّي رَأيتُ وجهَكَ كَمَا يُرَى وجهُ اللَّـه فرَضيتَ علَيَّ” (تك 33 : 9 ــ 10).
+ حفظ يوسف في غربته:
حفظ اللَّـه يوسف الصديق، خلال رحلة العبودية الطويلة، والتي بدأت من بيع إخوته له كعبد … ثم مروره بتجارب وضيقات كثيرة في بيت فوطيفار … وفي السجن و … إلخ، ولكن حِفظ اللَّـه له، هو الذي جعله الرجل الثاني في مصر بعد فرعون “قالَ فِرعَوْنُ ليوسُفَ: “انظُرْ، قد جَعَلتُكَ علَى كُلِّ أرضِ مِصرَ”.
وخَلَـعَ فِـرعَـوْنُ خـاتِمَـهُ مِنْ يَـدِهِ وجَعَـلـهُ في يَـدِ يـوسُفَ” (تك 41 : 41 ــ 42).
+ حفظ موسى النبي:
حفظ اللَّـه موسى الصغير من القتل!! فيذكر لنا الكتاب كيف أن أمه وضعته في سَلَةٍ صغيرةٍ في النيل، ثم انتشلته ابنة فرعون من الماء، وأحبَّته واتخذته لها ابناً!! لقد دبر اللَّـه أن يعيش موسى في بيت فرعون، الذي أمر بقتل أطفال العبرانيين!!
وليس هذا فقط، بل سمح اللَّـه أيضاً أن تكون مُرضِعته هيَ أُمّه!! التي غذته ليس فقط من لبنها ولكن أيضاً من الإيمان!! وقد تهذَّب موسى بكل حكمة المصـريين “فَتهَذَّبَ مُوسَى بكُلِّ حِكْمَةِ المِصْرِيِّينَ وكَانَ مُقتَدِراً فِي الأقْوَالِ وَالأعـمَالِ” (أع 7 : 22).
+ حفظ اللَّـه بني إسرائيل في البرية:
حفظ اللَّـه شعب بني إسرائيل في البرية ما يقرب من أربعين عاماً، وقد نتسأل هل ثيابهم لم تَبْلَ؟!! هل أحذيتهم لم تتقطَّع؟!! هذا حِفظ اللَّـه!! لقد حَفَظهم اللَّـه، ودبرَّ لهم جميع احتياجاتهم، كما قال الكتاب: “فَقَد سِرْتُ
بكُم أربَعِينَ سَنةً فِي البَرِّيَّةِ، لمْ تَبلَ ثِيَابُكُم عَليْكُم، وَنعْلُكَ لمْ تَبلَ عَلى رِجْلِكَ”
(تث 29 : 5).
وليس هذا فقط، بل كان اللَّـه يُرسل لهم أيضاً سحابة في النهار لكيما تُظللهم وتحميهم من أشعة الشمس، وعمود من نور في الليل ليُضـيء لهم الظلام!! “وكانَ الرَّبُّ يَسيرُ أمامَهُمْ نهاراً في عَمُودِ سحابٍ ليَهديَهُمْ في الطَّريقِ، وَليْلاً في عَمُودِ نارٍ ليُضيءَ لهُمْ. لكَيْ يَمشُوا نَهاراً ولَيلاً” (خر 13 : 21).
+ حفظ داود من بطش شاول:
لقد حفظ اللَّـه داود من بطش شاول الملك، الذي أراد مراراً كثيرة قتله، ولكن اللَّـه دائماً كان يحفظه فيقول المرنم: “أصَابُـونِي فِي يَوْمِ بَلِيَّتِي وَكَانَ
الرَّبُّ سَـنـدِي. أَخـرَجَنِي إِلَى الرُّحْـبِ. خَـلَّصَنِي لأنَّـهُ سُـرَّ بي” (مز 18 : 18 ــ 19).
+ حفظ أستير:
كلمة “أستير” تعني “نجمة المشـرق”، لقد كانت أستير مُجرَّد فتاة يتيمة أُخِذَتْ في السبي، وقد وضع اللَّـه في قلب ابن عمها أن يهتم بتربيتها، وحفظها اللَّـه في السبي، وليس هذا فقط بل أيضاً جعلها ملكة “فَأحَبَّ المَلِكُ أسْتِيرَ
أكْثرَ مِنْ جَمِيعِ النّسَاءِ، وَوَجَدَت نِعْمَةً وَإِحسَاناً قُدَّامَهُ أكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ العَذَارَى،
فَوَضَعَ تاجَ المُلكِ عَلَى رَأسِهَا وَمَلَّكَهَا مَكَانَ وَشْتِي” (أس 2 : 17)، وأيضاً استطاعت
أن تنقذ شعبها من الإبادة، وصار لها سفر في الكتاب المقدس!!
+ حِفظ اللَّـه لكثيرين:
حفظ اللَّـه دانيال في جب الأسود فلم تمسه “إِلَهِي أرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ
أفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تضُرَّنِي لأنِّي وُجِدتُ بَرِيئاً قُدَّامَهُ” (دا 6 : 22)، وحفظ الفتية
الثلاثة في أتون النار، فلم يصيبهم أذى “لم تكُنْ للنَّارِ قوَّةٌ علَى أجسامِهِمْ، وشَعرَةٌ
مِنْ رُؤوسِهِمْ لم تحتَرِقْ، وسَراويلُهُمْ لم تتغَيَّرْ، ورائحَةُ النّارِ لم تَأتِ علَيهِمْ” (دا 3 : 27).
وحفظ أيضاً يونان في بطن الحوت “وَأمَّا الرَّبُّ فَأعَدَّ حُوتاً عَظِيماً لِيَبتَلِعَ
يُونانَ. فَكَانَ يُونانُ فِي جَوفِ الْحُوتِ ثلاَثةَ أيَّامٍ وَثلاَثَ لَيَالٍ” (يون 1 : 17)،
وما زال اللَّـه يحفظ الإنسان حتى الآن، ولكن من يعيشون في الأمور المادية لا يصدقون ذلك، ولكن الكتاب المقدس كتاب أمين يُقدِّم لنا قصة الخلاص، وقصة عناية اللَّـه بالإنسان.
وأيضاً حفظ القديس بطرس وهو في السجن “وإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ أقبَلَ ونُورٌ أضَاءَ فِي البَيتِ فَضَرَبَ جَنبَ بُطرسَ وأيقَظَهُ قَائِلاً: “قُم عَاجِلاً”. فَسَقَطَتِ السِّلْسِلَتَانِ مِنْ يَدَيهِ” (أع 12 : 7)، وحفظ بولس الرسول في أتعاب الكرازة الكثيرة “بأسْفَارٍ مِرَاراً كَثِيرَةً. بأخْطَارِ سُيُولٍ. بأخْطَارِ لُصُوصٍ. بأخطَارٍ
مِنْ جِنسِي. بأخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ. بأخْطَارٍ فِي المَدِينَةِ. بأخْطَارٍ فِي البَرِّيةِ.
بأخْطَـارٍ فِي البَحْرِ” (2 كو 11 : 26).
وحفظ اللَّـه أيضاً الرهبنة في مصر، من القرن الثالث الميلادي وحتى الآن، بالرغم من كل ما مرت به من أتعاب وضيقات وشدائد.
وحفظ الشهداء مثل القديس مارجرجس أمير الشهداء، وقصته التي نعلمها جميعاً، وكيف حفظه اللَّـه من السّم القاتل.
وحفظ القديس يوليوس الأقفهصي كاتب سير الشهداء، وقد سجل لنا أكثر من 300 قصة استشهاد، وقد نتسأل كيف تركوه كل هذه الفترة بدون استشهاد؟!! هذه هيَ عناية اللَّـه وحِفْظه، وإن كان في النهاية صار شهيداً أيضاً، ولكن بعد أن ترك لنا باقة عطرة من سِيَرِ الشهداء.
لقد حفظ اللَّـه الكنيسة كل هذه القرون، ونحن الآن نفتخر بكنيستنا التي عمرها الآن ألفين سنة من الزمان!! ولذلك نقول: “أبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ
تَقوَى عَلَيْهَا” (مت 16 : 18)، وهذه الأبواب ليست باباً أو اثنين ولكنها أبواب
كثيرة جداً، كانت عبر القرون وعبر التاريخ … أكثر من أية كنيسة في العالم كله.
فاللَّـه يحفظ الإنسان … ويحفظ الكون … ويحفظ نفسك … ويحفظك من نفسك … ويحفظك من ضعفات كثيرة. والكتاب المقدس يستطيع أن يُرشِد الإنسان، ويوضِّح له مراحلاً كثيرة من حفظ اللَّـه له.
فأحياناً إذا شخص طُرِفَت عيناه، يقولون له: “العين عليها حارس”. وبالطبع هذا الحارس قد تم تعيينه من قِبَل اللَّـه، فاللَّـه يحفظ الإنسان، لكن الإنسان أحياناً يعتدي على ما أعطاه اللَّـه، مثل اعتدائه على نهر النيل وتلويثه بمواد كيماوية ضارة، قد تُصيب الإنسان بأضـرار بالغة.
وهناك قصة لطيفة، عن قرية صغيرة تقع على شاطئ البحر في أفريقيا، وقد منح اللَّـه هذه القرية رمالاً بها بعض الكيماويات التي تُساعد على شفاء الإنسان من بعض الأمراض، لذلك كان يتوافد على هذه القرية كثير من السائحين لنوال نعمة الشفاء. وكانت بيوت هذه القرية تتكون من طابق واحد فقط، وكان أساس معيشة هذه القرية على دخل السياحة، وفي أحد الأيام جاء شخص إلى هذه القرية، واقترح على أهلها أن يقوموا ببناء عمارات كبيرة للسكن فيها، بدلاً من هذه البيوت الصغيرة، على أن يستخدموا في البناء الرمال الموجودة بكثرة في القرية!! وبالفعل قام السكان بذلك ولكن كانت النتيجة إنه لم يَعُدْ هناك رمال للسواح الذين يحضـرون للقرية للشفاء!! وبالتالي انقطع الدخل الذي كانوا يعيشون عليه، وكان هذا بسبب اعتدائهم على الطبيعة التي منحها اللَّـه لهم.
فاللَّـه يحفظ الإنسان ويقف بجانبه في كل ضيقة، كما يقول الكتاب: “في كُلِّ ضيقِـهِمْ تَضايَقَ، ومَلاكُ حَضـرَتهَ خَلَّصَهُمْ” (إش 63 : 9)، فاللَّـه يحفظك …
يحفظ حياتك بداية من الكون، حتى جلدك الذي يحفظك من ملايين الميكروبات والملوثات، ويحفظ إيمانك … وسلامك … وهدوءك … ويُعطيك نعمة الحفظ الدائم.
وهناك تدريب لطيف:
وهو أن تقرأ الكتاب المُقدس تحت عنوان “عناية اللَّـه بالإنسان”، بمعنى أنه أثناء قراءتك تقوم بتجميع الآيات التي توضِّح عناية اللَّـه بالإنسان، وستجد في نهاية قراءة الكتاب أن لديك كنزاً من الآيات، تُساعدك وتسندك خلال مسيرة حياتك بكل ما فيها من تجارب وضيقات، وتُعطيك الطمأنينة أن اللَّـه سيعتني بك.
“فِي البَدْءِ كَانَ الكَلِمَةُ، وَالكَلِمَةُ كَانَ عِندَ اللَّهِ، وكَانَ الكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي البَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ. كُلُّ شَيْءٍ بهِ كَانَ، وبغَيرِهِ لَم يكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الحَياةُ، وَالحَياةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ، وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلمَةِ، وَالظُّلمَةُ لَم تُدرِكْهُ. كَانَ إِنسَانٌ مُرسَلٌ مِنَ اللَّهِ اسمُهُ يُوحَنَّا. هَذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ ليَشهَدَ لِلنُّورِ، لِكَي يُؤمِنَ الكُلُّ بوَاسِطَتِهِ. لَم يَكُنْ هُوَ النُّورَ، بَل لِيَشهَدَ لِلنُّورِ. كَانَ النُّورُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنسَانٍ آتِياً إِلَى العَالَمِ. كَانَ فِي العَالَمِ، وكُوِّنَ العَالَمُ بهِ، ولَم يَعْرِفهُ العَالَمُ. إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وخَاصَّتُهُ لَمْ تقبَلْهُ. وَأمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبلُوهُ فَأعطَاهُمْ سُلْطَاناً أنْ يَصِيــرُوا أوْلاَدَ اللَّــهِ، أَيِ المُؤمِنُـونَ باسْمِــهِ” (يو 1 : 1 ـــ 12).
إن كل إنسان في هذه الحياة، يسعى دائماً أن يكون مقبولاً عند الآخرين، فمثلاً الراهب يسعى أن يكون مقبولاً عند رئيس الدير وإخوته الرهبان، وآخر يسعى أن يكون مقبولاً في عمله، وآخر يسعى أن يكون مقبولاً في الخدمة … أو في محيط الأسرة أو … وهكذا.
فنعمة القبول نعمة عظيمة جداً، عندما يجدها الإنسان في حياته، وهذه النعمة نجدها متكررة كثيرة جداً، في مشاهد من الكتاب المقدس، سواء كان ذلك في العهد القديم أو العهد الجديد، فيقول الكتاب: “إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تقبَلْهُ. وأمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبلُوهُ فَأعطَاهُمْ سُلطَاناً أنْ يَصِيرُوا أوْلاَدَ اللَّهِ،
أيِ المُـؤمِنـونَ باسْمِـهِ” (يو 1 : 11 ــ 12).
مشاهد من نعمة القبول في العهد القديم:
إن نعمة قبول اللَّـه للإنسان، كانت تظهر قديماً من خلال تقديم الذبائح، فكان الإنسان مُنذ بدء الخليقة يُقدم الذبائح للَّـه، وكان قبولها علامة لرضا اللَّـه عنه، أما رفضها فكان دليل غضب اللَّـه على الإنسان أو على شعبه، إن كانت تُقدَّم عن الشعب.
+ فمثلاً قايين قدَّم ذبيحته من أثمار الأرض، أمَّا هابيل فقدم من أبكار غنمه، فنظر اللَّـه إلى هابيل وقربانه، ولم ينظر إلى قايين وقربانه، كما يقول الكتاب: “أنَّ قَايينَ قَدَّمَ مِنْ أثمَارِ الأرضِ قُرباناً للرَّبِّ، وقَدَّمَ هَابيلُ أيضًا مِنْ
أبْكَار غَنَمِهِ ومِنْ سِمانِها. فنَظَرَ الرَّبُّ إلَى هابيلَ وقُربانِهِ، ولكن إلَى قايينَ
وقُربانِهِ لم يَنظُرْ” (تك 4 : 3 ــ 5). وقد قَبَلَ الرب ذبيحة هابيل، لأنها كانت ذبيحة حيوانية دموية كما يُعلمنا الكتاب: “وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيباً يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بالـدَّمِ، وَبـدُونِ سَـفْـكِ دَمٍ لاَ تَـحْصُلُ مَـغـفِرَةٌ!” (عب 9 : 22).
+ وهكذا نوح قدَّم ذبيحة للرب بعد خروجه من الفُلكِ، فيقول الكتاب: “وَبَنَى نُوحٌ مَذبَحاً لِلرَّبِّ. وأخَذَ مِنْ كُلِّ البَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ
وَأَصْعَدَ مُحرَقَاتٍ عَلَى المَذبَحِ، فَتَنسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا” (تك 8 : 20 ــ 21 )،
وعبارة “فتَنَسَّمَ الرَّبُّ رائحَةَ الرِّضا” تُشير إلى رضا الرب عن نوح الصدِّيق.
+ وفي عهد موسى النبي، كانت تُقدَّم ذبائح عن خطايا الشعب، ويطلب رضا اللَّـه، فيقول الكتاب عن هذه الذبائح: إنها كانت “رائِحَةُ سرُورٍ، وقُودٌ هُوَ للرَّبِّ” (خر 29 : 18) وكلمة “سرور” تعني فرح ورضا وقبول، فكانت الذبيحة مبعث شعور عند الإنسان أنه مقبول لدى الرب.
وإذا تأملنا في العهد القديم قليلاً، نجد أن اللَّـه أحياناً كثيرة كان يغضب على شعبه بسبب خطاياهم الكثيرة، لذلك كان يرفض ذبائحهم التي تُقدَّم له! كما يقول الكتاب: “مُـحْرَقَــاتُكُمْ غَـيْرُ مَـقْبُولَـةٍ، وَذَبَــائِـحُكُمْ لاَ تَـلُـذُّ لِي” (إر 6 : 20).
إن شعب بني إسرائيل قديماً، عندما كان يعيش في رضا اللَّـه وطاعته، كان اللَّـه يتقبل ذبائحهم كرائحة سرور. كما يقول الكتاب في سفر إشعياء: “وَتكُونُ مُحرَقَاتُهُمْ وَذبَائِحُهُمْ مَقبُولَةً عَلَى مَذبَحِي، لأنَّ بَيتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُـدعَى لِكُلِّ الشُّـعُـوبِ” (إش 56 : 7). إن عملية القبول عملية خطيرة جداً في حياة الإنسان، وفي مسيرة حياته الروحية، فكل إنسان مِنَّا قد يقوم بأعمالٍ كثيرة خلال يومه، وهُنا اسأل نفسك أيها الحبيب، هل تتنسم رائحة رضا اللَّـه وسروره عن كل ما تقوم به من أعمال؟!! هل تشعر أنك مقبول لدى اللَّـه؟ … هل تستطيع أن تُصلي كل يوم وتقول، أشكرك يا رب لأنك قبلتني إليك؟
+ وإرميا النبي وقف في إحدى المرات، يُعاتِب اللَّـه في سفر المراثي، على تركه له قائلاً: “لِمَاذَا تَنسَانَا إِلَى الأبَدِ وتَترُكُنا طُولَ الأيَّامِ؟ اُرْدُدنَا يَا رَبُّ
إِلَيكَ فَنرتَدَّ جَدِّد أيَّامَنَا كَالْقَدِيمِ. هَلْ كُلَّ الرَّفْضِ رَفَضتَنا؟ هَلْ غَضِبْتَ عَلَينا
جِدًّا؟” (مرا 5 : 20 ــ 22).
وهذا حال كل إنسان يقف يناجي اللَّـه ويسأله: هل أنا مقبول أمامك؟ … هل حياتي وسلوكي مقبول أمامك يا رب؟ إن اللَّـه عندما كان يرضى عن شعبه ويقبله إليه، يُرنِّم الشعب فرحاً قائلاً: “غَنُّوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً تَسْبيحَـتَهُ
فِي جَمَـاعَـةِ الأتـقِيَـاءِ. لِيَـفْـرَحْ إِسْــرَائِيـلُ بـخَالِـقِـهِ” (مز 149 : 1 ــ 2).
+ ونقف قليلاً عند شاول الملك، الذي رفضه الرب وفارقه روح الرب،
لأنه تعدَّى على الكهنوت، وقدَّم ذبيحة للرب “هُوذَا الاستِماعُ أفضَلُ مِنَ الذَّبيحَةِ، والإصغاءُ أفضَلُ مِنْ شَحمِ الكِباشِ” (1 صم 15 : 22)، وهُنا نسمع تحذير اللَّـه له على لسان صموئيل النبي قائلاً: “لأنَّكَ رَفَضتَ كـلامَ الرَّبِّ رَفَضَـكَ مِنَ المُلكِ” (1 صم 15 : 23).
مشاهد من نعمة القبول في العهد الجديد:
كما نعلم جميعاً أنه في العهد الجديد، لا توجد ذبائح دموية، وإنما أصبح سر التوبة والاعتراف، هو الذبيحة التي يُقدمها كل إنسان باعتبار أن السيد المسيح ذُبِحَ لأجلنا ولأجل خلاصنا، فعندما يشعر الإنسان أنه مقبول عند اللَّـه، يشعر داخله بالفرح والسلام مهما هاجت الأمواج.
وأيضاً يشعر بالبركة في حياته، وبظهورات قديسين له … فتظهر له أطياف من القديسين تزوره وتفرح به ويتعزَّى بها … فالسماء تفرح بخاطئ واحد يتوب كما يقول الكتاب: “إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ
أكْـثَرَ مِنْ تِسعَـةٍ وتِسْعِيـنَ بَـارّاً لاَ يَـحتَاجُونَ إِلَى تَـوْبَةٍ” (لو 15 : 7)، وسنذكر الآن بعض الأمثلة التي تبيِّن قبول اللَّـه للإنسان:
أولاً: دعانا أولاده:
وهذه دعوة خاصة، تُشعِر الإنسان بالقرب إلى اللَّـه، فعندما نقف للصلاة نقول: “أبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ … ” وهيَ صلاة علَّمها لنا رب المجد بنفسه، كما قال الكتاب: “فَقَالَ لَهُم: “مَتَى صَلَّيتُمْ فَقُولُوا: أبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ” (لو 11 : 2).
وفي العظة على الجبل، كرر السيد المسيح مرات كثيرة عبارة “أبوكم السماوي”.
مثال لذلك “اُنظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تزرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ
إِلَى مَخَازِنَ وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. ألَسْتُمْ أنتُمْ بالْحَرِيِّ أفْضَلَ مِنهَا ؟”
(مت 6 : 26).
وأيضاً (مت 6 : 14، 15، 7 : 11)، وأيضاً في (مر 11 : 25، 26).
ثانياً: اللَّـه يقبل الخطاة:
وهذا أمر مُفرِح للإنسان، فالإنسان الذي يقع في الخطية، أو يعيش في خطايا مُعينة، أو يبتعِد عن اللَّـه يشعر في داخله بعدم السلام، وكأنه مرفوض ومكروه ولا أحد يبالي به. والقديس بولس الرسول يقول: “الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّـاسِ يَخْـلُصُـونَ، وَإِلَى مَـعْـرِفَـةِ الْـحَقِّ يُـقْبلُـونَ” (1 تي 2 : 4 ).
وهذا ما حدث مع المرأة الخاطئة، فقد غَفَرَ لها السيد المسيح خطيئتها، كما ذكر الكتاب: “فَقـالَ للمَرأةِ: “إيمـانُكِ قـد خَلَّصَكِ، اِذهَبي بـسَلامٍ” (لو 7 : 50).
وأيضاً قَبِلَ زكا العشار!! الذي بسببه حدثَ تذمُّر من الكتبة والفريسيين على السيد المسيح، وقالوا كيف يدخل بيت إنسان خاطئ؟!! وهُنا أجابهم المسيح قائلاً: “اليَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهَذَا البَيْتِ، إِذْ هُوَ أيْضاً ابنُ إِبْرَاهِيمَ،
لأَنَّ ابْنَ الإِنسَـانِ قَـدْ جَــاءَ لِكَيْ يَـطْلُبَ وَيُـخَلِّــصَ مَـا قَــدْ هَــلَكَ” (لو 19 : 9 ــ 10).
ثالثاً: اللَّـه يقبل الأطفال:
وليس الأطفال فقط، بل أيضاً من يعيش بروح الأطفال، كما قال الكتاب: “دَعُوا الأولاَدَ يَأتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمنَعُوهُمْ لأنَّ لِمِثْلِ هَؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاواتِ”
(مت 19 : 14)، ولعلَّنا جميعاً نتذكر صورة جميلة، كنا نأخذها في مدارس الأحد للسيد المسيح وهو فاتح ذراعيه للأطفال.
فالمسيح يحب ويقبل كل مَن يعيش بقامة الأطفال، كما علَّمنا
الكتاب قائلاً: “إِنْ لَمْ ترجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثلَ الأَولاَدِ فَلَن تدْخُلُوا مَلَكُوتَ
السَّمَـاواتِ” (مت 18 : 3)، وهذه القامة تتميز بالبساطة … والنقاوة … والبراءة … وبالحياة البعيدة عن أية خطية.
رابعاً: اللَّـه يقبل الضعفاء:
يقول مُعلمنا بولس الرسول: “بَلِ اخْتَارَ اللـهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ
الْحُكَمَاءَ. وَاختَارَ اللـهُ ضُعَفَاءَ العَالَمِ لِيُخزِيَ الأَقوِيَاءَ. وَاختَارَ اللـهُ أَدنِيَاءَ
الْعَالَمِ وَالمُزْدَرَى وغَيْرَ المَوْجُودِ لِيُبطِلَ المَوْجُودَ” (1 كو 1 : 27 ـ 28)، فاللَّـه
يستخدم الضعفاء والصغار لكيما يتمجَّد فيهم ويَقبلهم.
ففي زمن السيد المسيح، كان العالم ينقسم إلى فئتَين: أمم ويهود، وكان اليهود يُطِلقون على الأمم لفظاً صعباً وهو أنهم كالكلاب!! ونرى هذا بوضوح في قصة المرأة الكنعانية، التي طلبت من السيد المسيح شفاء ابنتها، فقال لها المسيح: “لَيْسَ حَسَناً أنْ يُؤخَذَ خُبزُ البَنِينَ ويُطرَحَ لِلكِلاَبِ” (مت 15 : 26). ولكن هذه الأم بإيمانها القوي بشخص المسيح، أجابته قائلة: “نعَمْ، يَا سَيِّدُ!
وَالكِلاَبُ أيضاً تَأكُلُ مِنَ الفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!” (مت 15 : 27)،
وقد استجاب لها الرب وشفى ابنتها، وهذا يُبيِّن كيف قَبِلَ السيد المسيح الأمم!!
لذلك عندما نتأمل في قصة ميلاد السيد المسيح، نجد أنه قد أتى لزيارته مجموعتان: مجموعة الرعاة وهم يمثلون اليهود، ومجموعة المجوس وهم يمثلون الأُمم، لكن للأسف رفض اليهود أن يعيشوا في المسار الصحيح، كما قال الكتاب: “إلَى خاصَّتِهِ جاءَ، وخاصَّتُهُ لم تقبَلهُ” (يو 1 : 11)، فهناك إنسان
يرفض النور، ويُفضِّل أن يعيش في الظلمة!!
خامساً: اللَّـه يقبل الأعمال الصغيرة:
فكما يُعلمنا الكتاب أن كأس ماء بارد لا يضيع أجره “ومَنْ سَقَى أحَدَ
هَؤُلاَءِ الصِّغَارِ كَأسَ مَاءٍ بَارِدٍ فَقَط باسْمِ تِلْمِيذٍ، فَالحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُضِيعُ
أجْرَهُ” (مت 10 : 42)، فمُجرد أن يقوم إنسان بتقديم كأس ماء إلى شخصٍ يشعر بالظمإِ، اللَّـه يُكافئه!! إنه عمل بسيط جداً، ومع هذا اللَّـه لا يُضيع أجره، وليس هذا فقط بل وأيضاً يفرح به!!
ومن أمثلة ذلك، قصة الأرملة صاحبة الفلسَيْن، لقد امتدحها السيد المسيح وقال عنها: “الحَقَّ أقُولُ لَكُم: إِنَّ هَذِهِ الأرْمَلَةَ الفَقِيرَةَ قَدْ ألقَتْ أكثَرَ
مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ ألقَوْا فِي الخِزَانَةِ، لأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ ألقَوْا. وَأمَّا هَذِهِ
فَمِنْ إِعْـوَازِهَا ألقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَـعِيشَـتِهَا” (مر 12 : 43 ــ 44)، فاللَّـه يقبل ويستخدم حتى الأمور الصغيرة ويحقق بها نجاحات كبيرة.
ويذكر لنا تاريخ الكنيسة، قصة القديس الأنبا باخوميوس أب الشـركة، وكيف آمن وأصبح من آباء الرهبنة العظام؟!! فيقول التاريخ عنه: إنه عندما كان جندياً في الجيش، عسكَرت كتيبته بجانب مدينة إسنا، وهُناك فوجئ أن أهل إسنا، خرجوا إليهم بالطعام والشـراب!! فتعجب وبدأ يسأل مَن هؤلاء الناس؟!! … ولماذا يفعلون لنا هذا، وهُم لا يعرفوننا؟!!
وكانت الإجابة: إنهم مسيحيون. والمسيحية تُعلِّمهم فضيلة إضافة الغُرباء!! “كُنتُ غَـريباً فـآوَيـتُموني” (مت 25 : 35)، إن مَن قام بإعداد كل هذا الطعام هُم سيدات القرية البُسطاء، وهم لا يعلمون مَن هُم هؤلاء الجنود!! ولكنهم أعدُّوا هذا الطعام بكل أمانة وإخلاص، وربما بصلواتهم أيضاً.
وقد اصطاد هذا العمل البسيط، نفس الجندي الشاب باخوميوس، الذي قرر أن يصير مسيحياً، إنْ عاد سالماً من الحرب!! لقد قَبِلَ اللَّـه العمل البسيط، الذي قامت به السيدات من إعداد الطعام، وقَبِلَ أيضاً هذا الشاب الصغير، الذي صار فيما بعد مؤسِّس حياة الشركة الرهبانية!!
سادساً: اللَّـه يقبل عبارات الصلاة القصيرة:
فَقَبِلَ اللص اليمين وهو على عود الصليب، حينما صرخ قائلاً هذه العبارة الصغيرة: “اذكُرني يارَبُّ مَتَى جِئتَ في مَلكُوتِكَ” (لو 23 : 42). ويقبل منا صلواتنا اليومية القصيرة مثل “يا ربي يسوع المسيح، ارحمني أنا الخاطئ”، و”اللَّهُمَّ التفِتْ إلى معونَتي، يا ربُّ أَسـرِع وأعنِّي”، وغيرها من الصلوات القصيرة، وأيضاً يقبل منَا عبارة “كيرياليصون” التي نُكرّرها كثيراً في صلواتنا.
فكل هذه العبارات القصيرة والصلوات الكثيرة يقبلها اللَّـه ويقبل قائلها كما فعل مع اللص اليمين، فاللَّـه يقبلنا ويقبل كل أعمالنا الصغيرة، كما يقول الكتاب: “تَعَالَوا يَا مُبَاركِي أبي، رِثوا المَلَكُوتَ المُعَدَّ لَكُمْ مُنذُ تَأسِيسِ العَالَمِ.
لأنِّي جُعْتُ فَأطعَمْتُمُونِي. عَطِشتُ فَسَقَيتُمُونِي. كُنتُ غَرِيباً فَآويتُمُونِي. عُريَاناً فَكسَوتُمُـونِي. مَرِيضـاً فَـزُرتُمُـونِي. مَحْبُوسـاً فَـأتيتُـم إِلَيَّ” (مت 25 : 34 ــ 36).
كيف ينال الإنسان القبول من اللَّـه؟
أولاً: اجعل إيمانك مُقترناً بأعمالك:
فلا تجعل إيمانك إيماناً صامتاً أو أخرسَ، فعَبِّر عن إيمانك بأعمالك، كما يقول القديس بولس الرسول: “الإيمانُ العَـامِلُ بالمَحَبَّةِ” (غل 5 : 6)، بمعنى أن الإيمان الموجود داخل القلب، يجب أن يُترجَم إلى أعمال محبة.
يقول الكتاب: “وَلَكِنْ بدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ” (عب 11 : 6)، فاجعل إيمانك دائماً مُقترناً بالأعمال، لأن الإيمان بدون أعمال ميت، كما يقول مُعلمنا يعقوب الرسول: “مَا المَنفعَةُ يَا إِخْوَتِي إِنْ قَالَ أحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَاناً ولَكِن لَيْسَ
لَهُ أعمَالٌ؟ هَل يَقدِرُ الإِيمَانُ أنْ يُخَلِّصَهُ؟ … هَكَذَا الإِيمَانُ أيضاً، إِنْ لَم يَكُن
لَــهُ أعمَـالٌ، مَـيِّتٌ فِي ذَاتِــهِ” (يع 2 : 14 ــ 17).
فمثلاً في مَثَلِ العذارى الحكيمات والجاهلات، نجد أنَّهُنَّ تشابهنَ في كل شيءٍ عدداً وشكلاً و … إلخ، لكن كان هناك فرقاً واحداً بينهنَّ وهو أن الحكيمات كُنَّ مستعداتٍ وقد سهرنَ وملأنَ مصابيحهنَّ، أمَّا الجاهلات فأهملتْ كل شيءٍ!! لذلك قال لَهُنَّ العريس: “الحَقَّ أقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا
أعرِفُكُـنَّ” (مت 25 : 12)، واللَّـه لا يسمح أن يسمع أحد منا هذه العبارة القاسية.
ونقرأ أيضاً في الكتاب المُقدس عن أستير الملكة، وما فعلته لكي ما تنقذ شعبها من الفناء والإبادة!! فقد تطلب منها الأمر أن تدخل إلى الملك بدون دعوة منه، لكي ما تطلَّب منه إنقاذ شعبها!! ولكن هذا الأمر كان من المُمكن أن تدفع حياتها ثمناً له!!
وهُنا وبإيمان كامل طلبت من الشعب، أن يُصلي ويصوم من أجل أن يُعطيها اللَّـه نعمة أمام الملك “صُومُوا مِنْ جِهَتِي ولاَ تَأكُلُوا ولاَ تَشرَبُوا ثلاَثةَ
أيَّامٍ لَيْلاً وَنهَاراً. وأنا أيضاً وَجَوَارِيَّ نصُومُ كَذَلِكَ. وَهَكَذَا أدْخُلُ إِلَى المَلِكِ
خِـلاَفَ السُّـنَّـةِ. فَإِذَا هَلَكْتُ، هَلَكْتُ” (أس 4 : 16)، وبالفعل وجدت نعمة أمام الملك، وأنقذت شعبها من الإبادة.
ثانياً: التوبة المُستمرة:
إن اللَّـه يُحب ويقبل الإنسان، الذي له التوبة المُستمرة التي تُعبِّر عن نقاوة قلبه … ويقبل أيضاً من يحفظ ثوبه الأبيض الذي ارتداه يوم المعمودية، فالسيد المسيح ما زال يدعونا كل يوم قائلاً: “ارْجِعُوا إِلَيَّ، يَـقُولُ رَبُّ الْـجُنُودِ، فَـأرجِعَ إِلَيكُمْ، يَـقُولُ رَبُّ الجُـنُودِ” (زك 1 : 3)، وأيضاً يقول: “ومَنْ يُقبلْ إلَيَّ
لا أُخـرِجهُ خَـارِجـاً” (يو 6 : 37).
وهُنا نتذكر مَثَلَ الابن الضال، الذي رجع إلى أبيه بعد فترة من الضلال والأتعاب والخطايا، وقد استقبله أبوه ورحَّب به وفرح به وقبله إليه، كما قال الكتاب: “وإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيداً رَآهُ أبُوهُ، فَتحَنَّنَ وَركَضَ وَوقَعَ عَلَى عُنُقِهِ
وقَبَّلَهُ” (لو 15 : 20)، وهذه هيَ التوبة الصادقة التي ينطبق عليها قول الكتاب: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِـيعَ المُتعَبـينَ والـثَّقِيلِي الأحْمَالِ، وأنا أُرِيـحُكُمْ” (مت 11 : 28).
ثالثاً: التقوى:
يذكر لنا الكتاب، أنه عند مقابلة بطرس الرسول مع كرنيليوس قائد المئة أنه قال له: “بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ”
(أع 10 : 35 )، فالتقوى تعني مخافة اللَّـه، سواء كان ذلك في داخل غرفة
الإنسان … أو أمام الآخرين.
في الداخل كان أو في الخارج … في كل مكان، فالمخافة هيَ حضور اللَّـه الدائم في حياة الإنسان، كما قال مُعلمنا داود النبي: “جَعَلـتُ الرَّبَّ أَمَامِـي فِي كُـلِّ حِيـنٍ. لأنَّـهُ عَـنْ يَـمِينِي فَـلاَ أتـزَعزَعُ” (مز 16 : 8).
وأُمنا العذراء مريم تقول في تسبحتها: “وَرَحمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَـتَّـقُونَـهُ” (لو 1 : 50)، فهيَ تقول لنا هذا الوعد الجميل.
فَلْيُعطِنا اللَّـه دائماً أن نعيش هذه النعمة ونتمتع ونفرح بها.
“وَفِي اليَوْمِ الثَّالِثِ كَانَ عُرْسٌ فِي قَانَا الجَلِيلِ، وكَانت أُمُّ يَسُوعَ هُنَاكَ. وَدُعِيَ أيضاً يَسُوعُ وَتلاَمِيذُهُ إِلَى العُرْسِ. ولَمَّا فَرَغَتِ الخَمْرُ، قَالَت أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: “لَيْسَ لَهُم خَمْرٌ”. قَالَ لَهَا يَسُوعُ: “مَا لِي وَلَكِ يَا امرَأةُ؟ لَمْ تَأتِ سَاعَتِي بَعدُ”. قَالَتْ أُمُّهُ لِلخُدَّامِ: “مَهمَا قَالَ لَكُم فَافعَلُوهُ”. وَكَانتْ سِتَّةُ أجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةٍ مَوْضُوعَةً هُناكَ، حَسَبَ تَطْهِيرِ اليَهُودِ، يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَينِ أوْ ثلاَثةً. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: “امْلأُوا الأجْرَانَ مَاءً”. فَمَلأُوهَا إِلَى فَوْقُ. ثمَّ قَالَ لَهُمُ: “اسْتَقُوا الآنَ وَقَدِّمُوا إِلَى رَئِيسِ المُتَّكَإِ”. فَقَدَّمُوا. فَلَمَّا ذَاقَ رَئِيسُ المُتَّكَإِ الْمَاءَ المُتَحَوِّلَ خَمْراً، وَلَمْ يَكُن يَعلَمُ مِنْ أيْنَ هِيَ، لَكِنَّ الخُدَّامَ الَّذِينَ كَانُوا قَدِ استَقَوُا المَاءَ عَلِمُوا، دَعَا رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ العَرِيسَ وَقَالَ لَهُ: “كُلُّ إِنسَانٍ إِنَّمَا يَضَعُ الْخَمْرَ الجَيِّدَةَ أوَّلاً، ومَتَى سَكِرُوا فَحِينئِذٍ الدُّونَ. أَمَّا أنتَ فَقَدْ أبقَيْتَ الخَمْرَ الجَيِّدَةَ إِلَى الآنَ”. هَذِهِ بدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الجَلِيلِ، وأظهَـرَ مَجدَهُ، فآمـنَ بـهِ تلاَمِيـذُهُ” (يو 2 : 1 ــ 11).
إن كلمة الشفقة لها مترادفات كثيرة جداً، فهيَ تعني: الرحمة، الرأفة، التعزية، والأحشاء، وتعني أيضاً الإحساس بالآخرين. مثلما حدث مع أُمنا العذراء في عُرس قانا الجليل، فعندما شعرت بالمأزق الذي يتعرَّض له أهل العُرس، ذهبت إلى السيد المسيح وقالت له: “لَيسَ لَهُم خَمْرٌ” (يو 2 : 3)، وكلمة “خمر” في مدلولتها في معاني الكتاب المقدس تعني “الفرح”. وكأنها تقول للسيد المسيح، إن هؤلاء المدعوين يعيشون في حالة من الحزن!! وذلك لأن العهد القديم بأكمله، لم يكن فيه فرح الخلاص، وقد اُستُدِلَّ على هذا المعنى، من مضمون كلمات السيد المسيح: “مَـا لِـي وَلَـكِ يَا امـرَأةُ؟ لَمْ تَـأتِ سَـاعَتِـي بَعـدُ” (يو 2 : 4).
فقد كانت إجابة السيد المسيح هُنا إجابة خلاصية، وكلمة “ساعتي” تُشير إلى ساعة الصليب، التي هيَ قمة الرحمة والشفقة لبني البشـر، وكأن العذراء مريم تُقدم لنا نموذجاً مُصغراً للإحساس بالآخرين … والسيد المسيح في إجابته يوضِّح لنا، أن ساعة الرحمة الشاملة والكاملة هيَ ساعة الصليب.
وكانت هذه هيَ أول آية يقوم بها السيد المسيح، ثم بعد ثلاث سنوات من هذا الحدث، صُلِبَ السيد المسيح على الصليب، وقدَّم الفداء والرحمة لكل البشرية، ولذلك فإن أكثر كلمة نستخدمها في صلواتنا هيَ “ارحمنا يا اللَّـه”. فعبارة “ارحمنا يا اللَّـه”، نُكررها بأشكال كثيرة … وفي أوقات مختلفة، وأيضاً نُصلي في مزمور التوبة قائلين: “ارحَمْني يا اللَّـه كعظيمِ رحْمَتِكَ” (مز 50 قبطي)، وعبارة “عظيم رحمتكَ” تعني عظيم الشفقة، أي شفقة اللَّـه التي لا تنتهي على البشر.
وإن توقَّفنا قليلاً عند أعمال السيد المسيح، نجد أن جميعها لا تخلوا من أفعال الرحمة، إن كان ذلك من خلال المعجزات … أو الأمثال … أو المُقابلات … فمُعجزات المسيح كانت تتنوع ما بين شفاء المرضى … أو إقامة الموتى … أو عُرس قانا الجليل، وكل هذا يحمل روح الشفقة والرحمة.
فمثلاً في معجزة شفاء مريض بيت حسدا، مَرَّ السيد المسيح على هذا الإنسان الضعيف المطروح عند البِركة وقال له: “أتُريدُ أنْ تَبرأَ؟” وأعتقد أنه
عبر الـ 38 عاماً التي قضاها هذا المريض عند البِركة، لم يسأله أحد هذا السؤال!! فقال له المخلع: “يَا سَيِّدُ، لَيسَ لِي إِنسَانٌ يُلقِينِي فِي البرْكَةِ مَتَى
تَحَرَّكَ المَاءُ. بَلْ بَـينمَا أنَا آتٍ، يَنزِلُ قُدَّامِي آخَرُ” (يو 5 : 7)، ولكن المسيح كُلّي
الرأفة قال له: “قُـمِ. احْمِـلْ سَـرِيـرَكَ وامْـشِ” (يو 5 : 8)، وأعطاه الرحمة والشفقة
التي كان في احتياج إليها.
وأيضاً أمثال السيد المسيح، تشتمل جميعها على الرحمة والشفقة، فمثلاً
في مثل “الابن الضال” عندما عاد إلى أبيه، لم يجد منه غير الشفقة والرحمة فيقول الكتاب: “وإِذْ كَانَ لَم يَزَلْ بَعِيداً رَآهُ أبُوهُ، فَتحَنَّنَ ورَكَضَ ووَقَعَ عَلَى
عُـنـُقِـهِ وقَـبَّـلـهُ” (لو 15 : 20).
وهكذا مقابلات السيد المسيح، اشتملت جميعها أيضاً على الرحمة، مثال لذلك مقابلته مع نيقوديموس ” كَانَ إِنسَانٌ مِنَ الفَرِّيسِيِّينَ اسْمُهُ نِيقُودِيمُوسُ،
رَئِيسٌ لِليَهُودِ. هَذَا جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً” (يو 3 : 1 ــ 2)، ومقابلته مع المرأة
السامرية “فَجَـاءَتِ امـرَأةٌ مِنَ السَّامِـرَةِ لِتَستَقِيَ مَـاءً فَقَـالَ لَهَـا يَسُوعُ: “أعطِينِي
لأشْـرَبَ” (يو 4 : 7).
ومُقابلته مع نازفة الدم “وإِذَا امْرَأةٌ نَازِفَةُ دَمٍ مُنذُ اثنَتَيْ عَشرَةَ سَنَةً قَدْ
جَـاءَتْ مِـنْ ورَائِـهِ” (مت 9 : 20)، ولقائه مع المرأة الكنعانية وتحننه عليها
“وَإِذَا امْرَأةٌ كَنعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيهِ: “ارْحَمْنِي، يَا سَيِّدُ،
يَا ابْـنَ دَاوُدَ. ابْـنـَتـِي مَـجْـنـُونـَــةٌ جِـدّاً” (مت 15 : 22).
ومقابلته مع زكا العشار “فَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى المَكَانِ نَظَرَ إِلَى فَوقُ
فَرَآهُ وقَـالَ لَـهُ: “يَا زكَّـا أسْـرِعْ وانْـزِلْ، لأنَّـهُ يَـنبَغِي أنْ أمْكُـثَ اليَومَ فِي بَـيْـتِـكَ”
(لو 19 : 5).
وهُنا اسأل نفسك ماذا ستقول للسيد المسيح إن تقابلت معه يوماً؟!! أعتقد لن تستطيع أن تنطق إلا بعبارة واحدة وهيَ: “ارحمني يا اللَّـه”، فالطلب الأول والأخير الذي نطلبه من شخص السيد المسيح هو الرحمة.
جولة في الكتاب المُقدس لمُشاهدة رحمة اللَّـه:
والآن سنتجول معاً في الكتاب المُقدس، لنرى رحمة اللَّـه وشفقته على جنس البشر.
أولاً: في العهد القديم:
+ شفقة اللَّـه على آدم، لقد ظهرت شفقة اللَّـه مُنذ بداية الخليقة عندما أوجد الإنسان الأول “آدم”، ووجده وحيداً فقال: “لَيسَ جَيِّداً أنْ يَكُونَ آدَمُ
وحْدَهُ، فَـأصْنعَ لَهُ مُـعِيناً نَظِيرَهُ” (تك 2 : 18)، فخلق له أُمنا حواء التي كانت
الإنسانة الأولى على الأرض، فَخِلْقة حواء بطريقة خاصة من آدم، كانت نوعاً من شفقة اللَّـه على الإنسان.
وحتى بعد سقوط آدم وحواء في الخطية، وكسرهما وصية اللَّـه أشفق أيضاً عليهما!! فيقول الكتاب: “وصَنعَ الرَّبُّ الإِلَهُ لآدَمَ وامْرَأتِهِ أقمِصَةً مِنْ جِلْدٍ
وألبَسَهُـمَا” (تك 3 : 21)، وكان هذا نوعاً من الشفقة والرحمة حتى وهما خطاة!!
+ شفقة اللَّـه على لوط، فقد كان الملاكان يُعجِّلان لوطاً وعائلته بالخروج من المدينة، لأنها ستُحرَق بالنار والكبريت ولمَّا توانى يقول الكتاب: “أمْسَكَ الرَّجُلاَنِ بيَدِهِ وَبيَدِ امْرَأتِهِ وَبيَدِ ابنتَيْهِ، لِشَفَقَةِ الرَّبِّ عَلَيْهِ، وَأخرَجَاهُ وَوَضَعَاهُ
خَــارِجَ الْـمَدِينَــةِ” (تك 19 : 16).
+ شفقة الرب على لَيئَةَ، لقد تزوج أبونا يعقوب من ليئة ابنة لابان،
ثم تزوج من راحيل أختها، ويقول الكتاب: “وَأحَبَّ أيضاً رَاحِيلَ أَكْثَرَ مِنْ
لَيْئَـةَ” (تك 29 : 30)، إلى جانب أن راحيل كانت أكثر جمالاً من ليئة، لذلك أشفق اللَّـه على ليئة، وأعطاها نسلاً قبل راحيل أختها، فيقول الكتاب: “ورَأى
الرَّبُّ أنَّ لَيئَةَ مكْـرُوهَـةٌ فَفتَـحَ رَحِمَهَـا، وأمَّـا رَاحِيلُ فَكَـانتْ عَـاقِــراً” (تك 29 : 31).
+ شفقة اللَّـه على المساكين والفقراء، ونجدها كثيراً في الكتاب المقدس، فهو يشفق على المسكين والبائس، كما يقول الكتاب: “لأنَّهُ يُنجِّي الفَقِيرَ
المُستَغِيثَ، وَالمَِسكِينَ إِذ لاَ مُعِينَ لَهُ. يُشْفِقُ عَلَى المَِسْكِينِ والبَائِسِ، وَيُخَلِّصُ
أنفُـسَ الـفُـقَرَاءِ” (مز 72 : 12 ــ 13).
ويشفق أيضاً على الغريب واليتيم والضيف، كما يُعلمنا الكتاب قائلاً: “الصَّانِعُ حَقَّ اليَتِيمِ والأرمَلةِ، وَالمُحِبُّ الغَرِيبَ لِيُعطِيَهُ طَعَاماً ولِبَاساً. فَأحِبُّوا
الغَرِيبَ لأنَّكُم كُنتُمْ غُـرَبَاءَ …” (تث 10 : 18 ــ 19)، فشفقة اللَّـه لا نستطيع أن
نتكلَّم عليها، أو نَصِفَها بتمام الوصف.
+ شفقة اللَّـه على حزقيا الملك، فقد كان حزقيا ملكاً صالحاً، وفي أحد
الأيام قال له إشعياء النبي، الرب يقول أنك تموت ولا تعيش!! “هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: أوْصِ بَـيتَكَ لأنَّـكَ تَمُوتُ وَلاَ تَـعِيشُ” (إش 38 : 1)، فبكى حزقيا وصلّى إلى الرب قائلاً: “آهِ يَا رَبُّ، اذكُرْ كَيْفَ سِرْتُ أمَامَكَ بالأمَانَةِ وبقَلْبٍ سَلِيمٍ،
وفَعَلْتُ الحَسَنَ فِي عَينيْكَ” (2 مل 20 : 3). فاستجاب اللَّـه لصلاته، ولم يخرج إشعياء من المدينة حتى أمره الرب أن يعود للملك حزقيا مرة أخرى، ويقول له: “هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلَهُ دَاوُدَ أبيكَ: قَدْ سَمِعتُ صَلاتَكَ. قَدْ رَأيتُ دُمُوعَكَ.
هَأنذَا أشفِيكَ. فِي اليَوْمِ الثالِثِ تصعَدُ إِلَى بَيتِ الـرَّبِّ. وَأزِيـدُ عَلَى أيَّامِـكَ
خَمْسَ عَشـرَة سَنَـةً” (2 مل 20 : 5 ــ 6).
ثانياً: في العهد الجديد:
+ شفقة اللَّـه على الأعميان، لقد تقابل السيد المسيح معهما، وهو في الطريق خارجاً من أريحا، فصرخا قائلين: “ارحمنا يا سيد يا ابن داود!!” فأشفَقَ الرب عليهما، كما يقول الكتاب: “فَتحَنَّنَ يَسُوعُ وَلَمَسَ أعْـيُنـهُمَا فَلِلْوَقْتِ أبـصَرَتْ أعـيُنهُمَـا فَـتَبعَــاهُ” (مت 20 : 34).
+ شفقة اللَّـه على المرأة الكنعانية، التي كانت تصـرخ قائلة: “ارْحَمْنِي،
يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ ! ابنَتِي مَجْنُونةٌ جِدّاً” (مت 15 : 22)، وهُنا أدخلها السيد
المسيح في امتحان صعب جداً، فقال لها: ليس حسناً أن يُؤْخَذَ خبز البنين ويلقى للكلاب!! ولكن هذه المرأة الكنعانية في إيمان ثابت، أجابته قائلة:
“نَعَمْ، يَا سَيِّدُ ! والكِلاَبُ أيضاً تَأكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أرْبَابهَا!”
(مت 15 : 27)، فنظر إليها السيد المسيح وقال لها: “يَا امْرَأةُ، عَظِيمٌ إِيمَانـُـكِ!
لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ”. فَشُفِيَتِ ابنتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ” (مت 15 : 28)، لقد
تحنَّن اللَّـه عليها وشفى ابنتها.
+ شفقة اللَّـه على الأبرص، يقول الكتاب: “وإِذَا أبْرَصُ قَدْ جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: “يَا سَيِّدُ، إِنْ أرَدتَ تَقدِرْ أنْ تُطَهِّرَنِي” فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ ولَمَسَهُ قَائِلاً: “أُرِيـدُ، فَـاطْهُر!” (مت 8 : 2 ــ 3)، لقد تحنن اللَّـه على هذا الأبرص وطهَّره من برصه.
+ شفقة اللَّـه على أرملة نايين، فقد أقام لهذه الأرملة ابنها الوحيد، كما يقول الكتاب: “فَلَمَّا رَآهَا الرَّبُّ تَحَنَّنَ عَلَيهَا، وقَالَ لَهَا: “لاَ تَبْكِي”. ثمَّ تَقَدَّمَ
ولَمَسَ النَّعشَ، فَوقَفَ الحَامِلُونَ. فَقَالَ: “أيُّهَا الشَّابُّ، لَكَ أقُولُ: قُم!”. فَجلَسَ
المَـيتُ وابـتَـدَأ يَتـكَلَّـمُ، فَـدَفـعَــهُ إِلَى أُمِّــهِ” (لو 7 : 13 ــ 15).
+ شفقة اللَّـه على الجموع، إن سبب هذه المعجزة هو شفقة اللَّـه على جموع الشعب المجتمعة لسماع تعاليمه، فيقول الكتاب: “وأمَّا يَسُوعُ
فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ: “إِنِّي أُشفِقُ عَلَى الجَمْعِ، لأنَّ الآنَ لَهُمْ ثلاَثةَ أيَّامٍ يَمكُثُونَ
مَعِي ولَيسَ لَهُم مَا يَأكُلُونَ. وَلَستُ أُرِيدُ أنْ أصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَوِّرُوا فِي
الـطَّـرِيقِ” (مت 15 : 32).
+ شفقة اللَّـه على الحيوان، والجميل هُنا أن شفقة اللَّـه وحنانه ليست على البشر فقط، ولكنها على الحيوان أيضاً، فيقول الكتاب: “لا تَحْرُثْ عَلى ثوْرٍ وَحِمَـارٍ مَعـاً” (تث 22 : 10)، لأن الثور أقوى من الحمار، وهذا يسبب تعباً وألماً للحمار!!
وأيضاً يقول: “لا تَطْبُخْ جَدْياً بلبَنِ أُمِّهِ” (تث 14 : 21)، وهناك مواقف أخرى كثيرة، فمن خلال الكتاب المقدس خرجت ما يُسمَّى بجمعية الرِّفق بالحيوان، وأيضاً جمعيات حقوق الإنسان هيَ شكل من أشكال الرحمة.
+ شفقة اللَّـه على الطيور، فيقول الكتاب: “المُعطِي للبَهَائِمِ طَعامَهَا،
لِفِرَاخِ الغِربَانِ الَّتِي تَصرُخُ” (مز 147 : 9)، فراخ الغربان أي الأولاد الصغار
للغربان، وهيَ تتميز باللون الأبيض في أيامها الأولى، وهذا يجعل الغراب الأب، يخاف من أولاده ويهرب ويتركهم!!
ويُقال أن هذه الغربان الصغيرة عندما تُترك وحيدة، ترفع أفواهها إلى السماء وتصرخ، وكأنها تطلب من اللَّـه إطعامها!! وبالفعل يُرسل لها اللَّـه
بعض الحشـرات الصغيرة التي تُشبعها، ومع الوقت يبدأ لونها الأبيض في
التحوُّل إلى اللون الرمادي الغامق، وهُنا يعود الغراب الأب إلى أولاده ويكمل رعايته لهم!!
+ شفقة اللَّـه على الأرض، فيقول الكتاب: “وسِتَّ سِنِينَ تَزرَعُ أرضَكَ
وتَجمَعُ غَلَّتهَا، وأمَّا فِي السَّابعَةِ فَتُرِيحُهَا وتَترُكُهَا ليَأكُلَ فُقَرَاءُ شَعبكَ. وفَضلَتُهُم
تَأكُـلُهَــا وُحُـوشُ البَرِّيَّـةِ. كَـذَلِكَ تَـفعَــلُ بكَرمِــكَ وزَيـتُـونِـكَ” (خر 23 : 10 ــ 11).
لأنه إن زُرعت الأرض بصفة دائمة، فإن ثمرتها وإنتاجها وقوتها سوف تضعف، وأيضاً لأنه في هذا العام سيخرج من الأرض بعض الأعشاب، التي يقتات منها الإنسان الفقير ووحوش البرية.
إن الرحمة والشفقة من الصفات العالية جداً، التي يتميَّز بها الإنسان، ولكن للأسف الشديد قد يُصاب قلب الإنسان بالقسوة، سواء كان ذلك في إطار الأسرة الصغيرة … أو المجتمع … أو الأوطان … فنجد الحروب في كل مكان!! وهُنا يتخلّى الإنسان عن الرحمة التي في قلبه، بينما يُعلّمنا الكتاب قائلاً: “كُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أنَّ أبَـاكُمْ أيضا ًرَحِـيمٌ” (لو 6 : 36).
كيف ينال الإنسان شفقة اللَّـه ورحمته؟!
هناك ثلاث قنوات تُساعد الإنسان، لكيما ينال رحمة اللَّـه وشفقته وهيَ: التوبة، والقدرة على التسامح، وعمل الرحمة.
أولاً: التـوبـة:
فالتوبة تجعل اللَّـه يسكب على الإنسان كل البركات، وأيضاً تُفرِح السماء فيقول الكتاب: “أقُولُ لَكُم: إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بخَاطِئٍ وَاحِدٍ
يَتُـوبُ أكـثَرَ مِـنْ تِسعَــةٍ وتِسعِيـنَ بَـارّاً لاَ يَـحتَاجُـونَ إِلَى تَـوبَــةٍ” (لو 15 : 7).
فالتوبة هيَ التي تسكب رحمة اللَّـه على الإنسان، ففي توبة الابن الضال، كان كل ما يتمناه في رجوعه، هو أن يكون أجيراً في بيت أبيه، ولكن ما حدث كان خلاف هذا، فقد قبله أبوه وتحنن عليه، كما قال الكتاب: “فَقَالَ الأبُ
لِعَبيدِهِ: أخرِجُوا الحُلَّةَ الأُولَى وَألبسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَماً فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي
رِجلَيْهِ، وقَـدِّمُــوا العِجــلَ المُسَمَّــنَ وَاذبَحُــوهُ فَنأكُــلَ وَنفــرَحَ” (لو 15 : 22 ــ 23).
إن توبة الابن الصادقة، هيَ التي جلبت كل هذه النِّعم والعطايا عليه، فيقول الكتاب: ” كَمَا يَتَرَأَّفُ الأَبُ عَلَى البَنِينَ يَتَرأَّفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ. لأنَّهُ
يَعرِفُ جِبلَتَـنَا. يَذكُرُ أنَّنَا تُرَابٌ نَحنُ” (مز 103 : 13 ــ 14)، فتوبة الإنسان هيَ
التي تجعل اللَّـه يتحنن عليه.
ثانياً: القدرة على التسامح:
فهناك مشكلات قد تستمر لسنوات عديدة!! بينما إن كان لأحد الطرفين القدرة على التسامح، لكان هذا الصراع قد انتهى سريعاً، لذلك نُصلي في الصلاة الربانية ونقول: “واغـفِـر لَنَا ذُنُوبَنَـا كَمَا نَغفِـرُ نَحنُ أيضـاً لِلمُـذنِبينَ إِلَينَـا“
(مت 6 : 12).
ويقول الكتاب: “وَإِن لَمْ تَغفِرُوا أنتُمْ لاَ يَغفِر أبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاواتِ
أيضاً زَلاَّتِـكُم” (مر 11 : 26)، فَعلِّمْ نفسك أيها الحبيب كيف تستطيع أن
تُسامح، وقد تبدو هذه الكلمة سهلة، ولكنها في الحقيقة هيَ غاية في الصعوبة!!
فكثير من الأشخاص ليس لديهم القدرة على المُسامحة!! ولكن إن تخيل أي إنسان، أن اللَّـه من المُمكن أن يفعل معه ذلك، ولا ينسـى له أخطاءه، ماذا ستكون مشاعره؟!! بالتأكيد سيكون شيئاً مؤلماً للغاية، لذلك حاول أن تُسامح وتصفح، لتنسكب عليك رحمة اللَّـه وشفقته.
ثالثاً: عمـل الرحمـة:
عَلِّمْ نفسك أيها الحبيب، أن تعمل دائماً أعمال الرحمة وذلك بكل أشكالها،
وضَعْ أمامك هذه الآية التي تقول: ” كُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أنَّ أبَاكُم أيضاً
رَحِيــمٌ” (لو 6 : 36).
فمثلاً اجعل لك شفقة على الإنسان الضعيف، فهناك من يتلذذ بإذلال الآخر وتعذيبه!! ولكن هذا يُطيح بالإنسان بعيداً عن السماء، فكيف تطلب من اللَّـه أن يشفق عليك، وأنت لا تشفق على أخيك الإنسان مهما كانت قرابته لك؟!! عَلِّمْ نفسك كيف تكون رحيماً بالآخرين، سواء كان هذا الآخر زوج … أو زوجة … أو ابن … أو جار … أو صديق أو … إلخ؟! لكي ما تتمتع برحمة اللَّـه.
فحاول أيها الحبيب، أن تبحث عن أية قساوة داخل قلبك، واعمل على إزالتها، وَصَلِّ دائماً قائلاً: “أشكرك يا رب لأنك أشفقت عليَّ، وأعطيتني النعمة التي أستطيع بها أن أشفق على الآخرين”.
“يَا اللَّـهُ، إِلَهِي أنتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَت إِلَيكَ نَفسِي، يَشتَاقُ إِلَيكَ جَسَدِي فِي أرْضٍ ناشِفَةٍ وَيَابسَةٍ بلاَ مَاءٍ، لِكَي أُبصِرَ قُوَّتَكَ وَمَجدَكَ كَمَا قَد رَأيتُكَ فِي قُدْسِكَ. لأنَّ رَحمَتَكَ أفْضَلُ مِنَ الحَيَاةِ. شَفَتَايَ تُسَبِّحَانِكَ. هَكَذَا أُبَارِكُكَ فِي حَيَاتِي. باسْمِكَ أرفَعُ يَدَيَّ. كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشبَعُ نَفسِي، وَبشَفَتَيْ الاِبْتِهَاجِ يُسَبِّحُكَ فَمِي. إِذَا ذَكَرتُكَ عَلَى فِرَاشِي، فِي السُّهْدِ ألهَجُ بكَ، لأنَّكَ كُنتَ عَوْناً لِي، وَبظِلِّ جَنَاحَيْكَ أبْتَهِجُ. اِلتَصَقَت نَفسِي بكَ. يَمِينُكَ تَعْضُدُنِي. أَمَّا الَّذِينَ هُم لِلتَّهلُكَةِ يَطلُبُونَ نَفسِي، فَيَدخُلُونَ فِي أَسَافِلِ الأرْضِ. يُدفَعُونَ إِلَى يَدَيِ السَّيْفِ. يَكُونُونَ نَصِيباً لِبَنَاتِ آوَى. أمَّا المَلِكُ فَيَفرَحُ باللَّـهِ. يَفتَخِرُ كُلُّ مَنْ يَحلِفُ بهِ، لأنَّ أفْوَاهَ المُتَكَلِّمِينَ بالكَذِبِ تُسَدُّ” (مز 63).
“العَضُد” هو الساعد وهيَ تعني Support us”“، فالسيد المسيح صُلِبَ على الصليب وهو فاتح ذراعيه، لكي ما يُذكرنا دائماً أنه يَعضُدُنا، ومُعلمنا داود النبي يرنم قائلاً: “اِلتَصَقَت نَفسِي بكَ. يَمِينُكَ تَعْضُدُنِي” (مز 63 : 8)، وكلمة “التَصَقَتْ” هُنا تُمثِّل كل أوجه العبادة التي نتعلّمها في كنيستنا مثل: الصلاة في الأجبية … أو حضور القداسات … أو ممارسة الأسرار … أو … إلخ، وكل هذا يُمثل أشكال من الالتصاق باللَّـه.
فئات من البشر يَعضُدُها اللَّـه:
إن اللَّـه عندما يَعضُدُ البشـر يَعضُدُهم بأشكالٍ كثيرة، وسنتأمل هُنا في أربع فئات من البشر اللَّـه يعضدها وهم: الفئات الضعيفة جسدياً، والفئات الضعيفة اجتماعياً، والفئات الضعيفة روحياً، والأبرار والصديقين.
أولاً: الفئات الضعيفة جسدياً:
هناك بعض البشـر لهم ضعف جسدي معيَّن، سواء كان هذا الضعف مرضاً جسدياً … أو نفسياً … أو مرضاً صعباً أو سهلاً … أو مرضاً عابراً … أو مرضاً مُزمناً … إلخ.
ويقول الكتاب: “طُوبَى لِلَّذِي يَنظُرُ إِلَى المَِسْكِينِ. فِي يَومِ الشَّرِّ يُنجِّيهِ الرَّبُّ. الرَّبُّ يَحفَظُهُ وَيُحييهِ. يَغتَبطُ فِي الأرْضِ، وَلاَ يُسَلِّمُهُ إِلَى مَرَامِ أعدَائِهِ. الرَّبُّ يَعضُدُهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الضُّعفِ. مَهَّدْتَ مَضجَعَهُ كُلَّهُ فِي مَرَضِهِ”
(مز 41 : 1 ــ 3).
وكلمة “يَعضُدهُ” تعني يسنده، فقد يحتار الأطباء في علاج شخصٍ ما، وفجأةً ينال هذا المريض الشفاء بطريقة معجزية!! أو قد يتوقَّع الأطباء استمرار المرض لمدة طويلة، ولكن اللَّـه يتمجَّد وينال المريض الشفاء سريعاً بخلاف كل توقُّعات العلم!!
فمثلاً في العهد القديم، نقرأ عن حزقيا النبي الذي كان ملكاً على يهوذا، فيقول عنه الكتاب: “التَصَقَ بالرَّبِّ وَلَمْ يَحِدْ عَنهُ، بَلْ حَفِظَ وَصَايَاهُ الَّتِي
أمَـرَ بهَـا الـرَّبُّ مُوسَى” (2 مل 18 : 6)، ولكنه في أحد الأيام تعرَّض لمرض شديد جداً، كاد أن يؤدي بحياته!! ولأن حزقيا كان ملكاً صالحاً، وصاحب أعمال جيدة في مملكته، وأيضاً كان لديه رغبة مُلِحَّة في أن يخدم اللَّـه أكثر وأكثر، لهذا وقف وصلَّى أمام اللَّـه قائلاً: “آهِ يَا رَبُّ، اذكُرْ كَيفَ سِرتُ أمَامَكَ بالأمَانَةِ وَبقَلْبٍ
سَلِيمٍ، وَفَعَلتُ الحَسَنَ فِي عَينَيكَ. وَبَكَى حَزَقِيَّا بُكَاءً عَظِيماً” (2 مل 20 : 3).
وهُنا عَضَده اللَّـه، ولم يخرج إشعياء النبي من المدينة حتى أمره الرب بالعودة إلى حزقيا، ليُعلِمه أنه سيشفيه ويزيد على عمره ١٥ عاماً!!
“قَالَ الرَّبُّ … قَد سَمِعتُ صَلاَتَكَ. قَد رَأيتُ دُمُوعَكَ. هَأنَذَا أشفِيكَ.
فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ تَصعَدُ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ. وأزِيدُ عَلَى أيَّامِكَ خَمسَ عَشَرَةَ سَنَةً”
(2 مل 20 : 5 ــ 6)، لقد أعطى اللَّـه حزقيا الملك الفرصة لكي ما يخدمه أكثر، كما اشتاق.
وفي معجزة مريض بيت حسدا، الذي كان مطروحاً على البِركَة ٣٨ عاماً، في حالة ميئوس منها حيث أن عضلات جسده، كانت قد يبست وأصبحت عاجزة عن الحركة!! إلا أن السيد المسيح عندما رآه على هذا الحال قالَ لهُ: “أتُريدُ
أنْ تبرأَ؟” (يو 5 : 6)، وهذه هيَ الإرادة … فقال له المريض: “لَيسَ لي إنسَانٌ يُلقِيني في البركَةِ مَتَى تحَرَّكَ الماءُ. بل بَينَما أنا آتٍ، يَنزِلُ قُدَّامي آخَرُ”
(يو 5 : 7)، وهُنا عَضَدهُ الرب فقال له: “قُـمِ. احمِـلْ سـريرَكَ وامْــشِ” (يو 5 : 8)!!
وهُنا لم يأمره الرب بالقيام فقط، لكنه أيضاً أمره بحمل سريره!! وهذا يعني أنه قام بصحة كاملة وجيدة، حيث أنه تمكَّن من حمل فراشه والسير به!! وهُناك مُعجزات كثيرة صنعها السيد المسيح مع فئات المرضى، حيث كان عَضَداً لهم.
وأحياناً يكون التعضيد في احتمال صليب المرض، فقد يُصاب إنسان ما بمرض يستمر معه لمدة طويلة، وهُنا يحتاج إلى يد اللَّـه التي تُعضده وتُعزيه، لذلك عند زيارة مثل هذا المريض، تشعر بيد اللَّـه التي تُعضده وتملأه بالرجاء، حتى إننا نتعجَّب من إيمان بعض المرضى!! فاللَّـه يعضد الضعفاء جسدياً ونفسياً.
وأتذكَّر إنني في إحدى المرات، ذهبت لزيارة فتاة مريضة بمرض صعب الشفاء، حيث كان عمرها قد قارب على الانتهاء، وكان عمر هذه الفتاة
26 عاماً، وكانت تعمل في التمريض بالجيش بدرجة نقيب!! ودار بيننا حوار لطيف، وفي النهاية سألتها عما تقرأ؟!! فأجابت بالتأكيد أقرأ في سفر الرؤيا، لكي ما أستعد للأبدية، وبالفعل بعد 11 يوماً سافرت هذه الفتاة إلى السماء …
وأنا لا أنسى ابتسامتها ورجاءها، حتى في قراءتها لسفر الرؤيا كانت تقرأه باستمتاع، فقد قامت برسم كروكي لكل أحداث ورؤى هذا السفر، وكانت جميع هذه الرسومات مليئة بالفرح والرجاء، وتُبيِّن مدى تعضيد اللَّـه لها في مرضها.
ثانياً: الفئات الضعيفة اجتماعياً:
في كل مجتمع يوجد طائفة من المُستَضْعَفين … والمُهمَّشين … والذين
لا صوت لهم … والذين يعيشون على هامش الحياة … ولكن أخطر الفئات المُستضعفة اجتماعياً، هي فئات اليتامى والأرامل، ولذلك قال اللَّـه عن نفسه أبو اليتامى وقاضي الأرامل، كما يُعلمنا الكتاب: “الرَّبُّ يَحفَظُ الغُرَباءَ.
يَعـضُـدُ اليَتيــمَ والأرمَـلَــةَ” (مز 146 : 9).
قديماً، لم يكن هُناك قوانين التأمينات والمعاشات، والوحدات الصحية وبيوت ضيافة الأطفال، لكن كان يوجد اللَّـه الذي يعمل وما زال يعمل حتى الآن، وبالرغم من الانتشار الواسع للعمل الاجتماعي في خدمة اليتامى والأرامل، إلا أنهم ما زالوا من الفئات المُستضعفة على مستوى أي مجتمع، ويحتاجون دائماً إلى الأمانة في الرعاية.
ونذكر هُنا مثالاً من العهد القديم، وهو أرملة صرفة صيدا وكيف عَضَدها اللَّـه في المجاعة، وأعطاها أيضاً بركة خدمة إيليا النبي!! فهذه الأرملة لم يكن لديها سوى كمية قليلة من الزيت والدقيق!! ولكنها بالأمانة وبالقليل الذي لديها، عَضَدَها اللَّـه وحفظها في أيام المجاعة هيَ وابنها، إلى جانب بَركة خدمة نبي اللَّـه إيليا!! وكما قال الكتاب: “لأنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ: إِنَّ
كُوَّارَ الدَّقِيقِ لاَ يَفْرُغُ، وكُوزَ الزَّيتِ لاَ يَنقُصُ، إِلَى اليَومِ الَّذِي فِيهِ يُعطِي الرَّبُّ
مَـطَراً عَلَى وَجْهِ الأرْضِ” (1 مل 17 : 14)، وهذه القصة تُعطي لنا مثالاً بسيطاً
عن كيف أن هذه الأرملة أو هذا اليتيم، من المُمكن أن يكون له علاقة قوية باللَّـه، وأن اللَّـه من خلال أمانتهم يستطيع أن يخدم أشخاصاً كثيرين.
أمَّا في العهد الجديد فنذكر على سبيل المثال: قصة أرملة نايين فهيَ أرملة وحيدة ليس لها سند أو دخل، ولديها ابن وحيد، وضعت فيه كل رجائها ومستقبلها وحاضرها، وكأن هذه الأرملة وابنها يعيشان بقلبٍ واحدٍ!! ولكن اللَّـه سمح بتجربة قاسية لهذه الأرملة، وهيَ أن وحيدها يموت!!
وهُنا تحنَّن اللَّـه عليها ولم يتركها لحزنها، فيقول الكتاب: “فلَمَّا رَآها الرَّبُّ تحَنَّنَ علَيها، وَقالَ لها: “لا تبكي”. ثمَّ تقَدَّمَ ولَمَسَ النَّعشَ، فوَقَفَ الحامِلُونَ. فقالَ: “أيُّها الشّابُّ، لكَ أقولُ: قُمْ!”. فجَلَسَ المَيتُ وابتَدأَ يتكلَّمُ، فـدَفَعَـهُ إلَى أُمِّـهِ” (لو 7 : 13 ــ 15).
فَاعْلَمْ أيها الحبيب، أنه لا تستطيع الكلمات البشـرية، أن تعضُد إنساناً حزيناً … أو متألماً … أو مجروحاً … أو في تجربة ما … إلخ، لكن اللَّـه وحده
هو من يستطيع تعضيد الإنسان، وذلك من خلال آيات وعبارات الكتاب المقدس، ولذلك نوصي دائماً أي إنسان يتعرض لتجربة، أن يستلهم تعزيته من كلمات الكتاب وقصصه وأحداثه، وكلمات سفر المزامير تُساعد كثيراً في هذه التعزية.
ثالثاً: الفئات الضعيفة روحياً:
المقصود بهذه الفئة هو الإنسان الساقط في الخطية، سواء كانت هذه الخطية صغيرةً أو كبيرةً، وكنيستنا تُعلمنا دائماً أن يكون لنا علاقة قوية باللَّـه، وذلك من خلال الوسائط الروحية المُختلفة، لكي ما نكتسب قوة روحية تحمينا من السقوط، وإن سقطنا نقوم سريعاً، وإن قُمنا فعلينا تقديم التوبة.
لكن هُناك مَن يسقط بسبب ضعف إرادته!! وحتى في هذا اللَّـه يعضده كما يُعلمنا الكتاب: “الرَّبُّ عاضِدٌ كُلَّ السَّاقِطينَ، ومُقَوِّمٌ كُلَّ المُنحَنينَ”
(مز 145 : 14)، وعبارة “مُقَوِّمٌ كُلَّ المُنحَنينَ” تعني مَنْ لم يسقط بَعْد، لكنه في الطريق إلى السقوط، وهذا أيضاً اللَّـه يُسـرِع لنجدته، فاللَّـه لا ينتظر من الإنسان أكثر من طلب المساعدة!!
ويقول أيضاً: “الرَّبُّ رحيمٌ ورَؤوفٌ، طَويلُ الرُّوحِ وكثيرُ الرَّحمَةِ.
لا يُحاكِمُ إلَى الأبدِ … لم يَصنَعْ مَعنَا حَسَبَ خَطايانَا، وَلم يُجازِنا حَسَبَ
آثامِنا … كما يَترأفُ الأبُ علَى البَنينَ يترأفُ الرَّبُّ علَى خَائفيهِ. لأنَّهُ
يَعـرِفُ جِبـلَتَـنـا. يَـذكُـرُ أنَّـنا تُـرابٌ نـَـحنُ” (مز 103 : 8 ــ 14).
والساقطون عبر التاريخ كثيرون جداً، لكن يُمكننا أن نقف قليلاً عند سقطة داود النبي، وكيف أن هذه القامة الروحية، وهذا النبي العظيم سقط؟!! يقول الكتاب: “فقالَ داوُدُ لناثانَ: “قدْ أخطَأتُ إلَى الرَّبِّ”. فقالَ ناثانُ لداوُدَ:
“الـرَّبُّ أيضاً قـدْ نَقَـلَ عنكَ خَطيَّتَـكَ. لا تَموتُ” (2 صم 12 : 13).
وهذا هو أسلوب اللَّـه فهو دائماً ما يَعضُدُ الخطاة، وقد نتسأل كيف إنسان كان في عمق الشـر، يُصبح في عمق النقاوة، مثل القديس موسى الأسود … والقديسة مريم المصرية … والقديسة بائيسة … وغيرهم كثيرين؟!!
إن ما يحدث لهؤلاء القديسين، لَهُوَ شيءٌ لا يُرى بالعين المُجرَّدة لكنه
ذراع اللَّـه الممدودة على الصليب، نحو كل هذه النفوس الساقطة لكي ما
تقوم، وتجد نفسها في حياة جديدة وهيَ حياة التوبة، ويقول الكتاب:
“إِنِ اعْتَرَفنا بخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغفِرَ لَنا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنا مِنْ
كُـلِّ إِثــمٍ” (1 يو 1 : 9).
ومن أمثلة الكتاب المقدس على ذلك:
قصة الابن الضال الذي عاش في بيت أبيه مُتذمِّراً، فتعامل مع أبيه بكل جفاء، حتى أنه أخذ نصيبه من الميراث ورحل مع أصدقائه!! ثم بعد أن نفدت أمواله بدأ في الانحدار حتى وصل إلى القاع عند الخنازير!!
وهُنا جلس إلى نفسه، واكتشف إنه يموت جوعاً، بينما أقل عبد في بيت أبيه يعيش أفضل منه!! وعلى هذا، فكَّر في الرجوع إلى بيت أبيه، وبدأ في وضع سيناريو لمُقابلة أبيه، فقال أقول لأبي: “يَا أبي، أخطَأتُ إلَى السَّماءِ وقُدّامَكَ،
ولستُ مُستَحِقّاً بَعدُ أنْ أُدعَى لكَ ابناً اِجعَلني كأحَدِ أجرَاكَ” (لو 15 : 18 ــ 19).
وكان من المُمكن أن يكتفي بهذا السيناريو، ولا يرجع لبيت أبيه، ولكنه كان له الإرادة القوية التي جعلته يُنفِّذ ما فكَّر فيه، ولأنه كان صادقاً وأميناً في توبته ورغبته ورجائه، مدَّ له اللَّـه يمينه وعَضَده، وبالفعل قام وذهب إلى أبيه، يقول الكتاب: “فقامَ وجاءَ إلَى أبيهِ”، فهذا الابن الشاطر لم يُعطِ نفسه وقتاً للتراجع، فقام في الحال بدون أي تأجيل أو كسل، وبالتأكيد هذا تصـرُّف إنسان سلَّم إرادته للَّـه … واللَّـه وهو الذي أكمل المشوار. وقد وجد هذا الابن الضال، أحضان أبيه مفتوحة له مع كل الفرح … والعجل المُسمَّن … والخاتم … والحذاء … والحُلَّة الأولى … كما قال الكتاب: “كانَ يَنبَغي أنْ نَفرَحَ ونُسَرَّ،
لأنَّ أخـاكَ هـذا كـانَ مَـيِّتـاً فَعـاشَ، وكـانَ ضَـالاً فـوُجـِـدَ” (لو 15 : 32).
وينطبق هذا أيضاً على المرأة السامرية، وكيف أنها كانت ساقطة روحياً، واللَّـه نهض بها إلى أن صارت قديسة.
رابعاً: الصديقين والأبرار:
اللَّـه يعضد الصديقين والأبرار لأنهم فئات ضعيفة، أو بمعنى أدق لأنهم فئات مُتضعة مثل أمنا العذراء، التي قالت في تسبحتها “أنزَلَ الأعِزَّاءَ عن الكَراسيِّ ورَفَعَ المُتَّضِعينَ” (لو 1 : 52)، فاللَّـه يَعضُدُ هذه الفئات ويقويها،
ونجد هذا كثيراً في سِيَـرِ القديسين، فاللَّـه يُشدِّد هؤلاء القديسين في حياتهم وخدمتهم.
وقد نجد أحياناً قديساً بلا إمكانيات، مثل القديس مارمرقس الرسول
عند مجيئه إلى أرض مصـر!! كان بلا أية إمكانيات … لم يكن لديه مال …
أو معارف … أو أي شيء!! لكن اللَّـه عَضَده وكان هو البذرة الأولى لتقديم الإيمان المسيحي في كل أرض مصر!!
أمثلة لتعضيد اللَّـه من الكتاب المُقدس:
+ عَضَدَ اللَّـه موسى النبي، طوال مسيرة حياته على الأرض، وعلى سبيل المثال: عندما طلب اللَّـه من موسى قيادة شعب بني إسرائيل في الخروج من مصـر، اعتذر!! وقال أنه ثقيل الفم واللسان!!
“فَقَالَ مُوسَى لِلرَّبِّ: “اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، لَستُ أنا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنذُ أمْسِ وَلاَ أوَّلِ مِنْ أمْسِ، وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمتَ عَبـدَكَ، بَلْ أنا ثقِيـلُ الْفَـمِ وَاللِّسَـانِ”
(خر 4 : 10).
وهُنا طمأنه الرب وقالَ لهُ: “مَـنْ صَـنـعَ لِـلإنـسَـانِ فَـمـاً؟ أو مَنْ يَصنـعُ
أخرَسَ أو أصَمَّ أو بَصِيراً أو أعْمَى؟ أمَا هُوَ أنا الرَّبُّ؟ فَالآنَ اذهَبْ وَأنا أَكُونُ
مَـعَ فَمِـكَ وأُعَـلِّمُكَ مَـا تَـتَـكَلَّمُ بـهِ” (خر 4 : 11 ــ 12).
وبالفعل بدأ موسى يُطيع ويدخل إلى فرعون، ويطلب منه إطلاق شعب إسرائيل وفرعون يرفض … فيعضُدُ اللَّـه موسى … ثم يعود فرعون للعناد … وهكذا كما ورد في قصة الخروج (خر 4 ـ 15).
فاللَّـه عَضَدَ موسى صاحب اللسان الضعيف، لأنه اعترف بضعفه. وعندما يعترف الإنسان بضعفه أمام اللَّـه في مسيرة حياته الروحية اللَّـه يَعضُده، فاللَّـه مستعد دائماً لمساعدة كل من يطلبه.
لذلك اجعل أمامك دائماً، صورة ذراع المسيح الممدودة على الصليب، وتأكد أنه ما زال فاتح ذراعيه لكل أحد.
+ عَضَدَ الآباء الرسل، بالرغم من أنهم كانوا ذوي إمكانيات ضعيفة جداً!! ما بين صيادين للسمك وعشارين!! ولكن بتعضيد اللَّـه لهم فتنوا المسكونة كلها بكرازتهم!! ومن خلال ١٢ تلميذاً و٧٠ رسولاً والقديس بولس الرسول، وصل الإيمان المسيحي لكل إنسان في العالم …
+ عَضَدَ بطرس الصياد البسيط، فآمن على يديه في عظة واحدة ثلاثة آلاف نفس، كما ذكر الكتاب: “فوَقَفَ بُطرُسُ … ورَفَعَ صَوتهُ وقالَ لهُمْ … فقَبلُوا
كلامَـهُ بفَـرَحٍ، واعتَمَـدُوا، وانضَـمَّ في ذلكَ اليـومِ نَحوُ ثلاثـةِ آلافِ نَفسٍ”
(أع 2 : 14 ــ 41).
+ عَضَدَ الآباء الرسل بصنع المعجزات، وأعطاهم سلطاناً على الأرواح النجسة، كما قال الكتاب: “هَا أنا أُعطِيكُمْ سُلطَاناً لتدُوسُوا الحَـيَّاتِ
والعَقارِبَ وكُلَّ قوَّةِ العَدوِّ، ولا يَضُرُّكُمْ شَيءٌ” (لو 10 : 19)، واللَّـه الذي صنع
في القديم هذا، يستطيع أن يصنع نفس الأمر في كل زمان … وفي كل جيل …
+ عَضَدَ بولس الرسول وهو في السلاسل ويُحاكم!! وأعطاه فماً وحكمة، حتى أن أغريباس الملك يقول له: “بقَلِيلٍ تُقنِعُنِي أنْ أَصِيرَ مَسِيحِيّاً” (أع 26 : 28)، وهُنا أجابه بولس: “كُنتُ أُصَلِّي إِلَى اللَّـهِ أَنَّهُ بقَلِيلٍ وَبكَثِيرٍ، لَيْسَ أنتَ فَقَطْ،
بَلْ أَيضاً جَمِيعُ الَّذِينَ يَسمَعُوننِي اليَومَ، يَصِيرُونَ هَكَذَا كَمَا أَنَا، مَـا خَـلاَ هَـذِهِ الْـقُيُــودَ” (أع 26 : 29).
الخلاصة:
“اِلتَصَقَتْ نفْسِي بكَ. يَمِينُكَ تَعْضُدُنِي” (مز 63 : 8).
انظر إلى يَدَي المسيح الممدودة على عود الصليب، وممدودة نحوك، لتعرف أن المسيح يُشارِكك … ويَعضُدُك … وعندما تقف للصلاة، صَلِّ قائلاً: “نشكرك يا رب لأنك … وعَضَّدْتنا”.
“الرَّبُّ راعِيَّ فَلاَ يُعوِزُنِي شَيءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضرٍ يُربضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفسِي. يَهدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبرِّ مِنْ أجْلِ اسمِهِ. أيضاً إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ المَوْتِ لاَ أخَافُ شَرّاً، لأنَّكَ أنتَ مَعِي. عَصَاكَ وعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي. تُرَتِّبُ قُدَّامِي مَائِدَةً تُجَاهَ مُضَايقِيَّ. مَسَحتَ بالدُّهنِ رَأسِي. كَأسِي رَيَّا. إِنَّمَا خَيرٌ وَرَحْمَةٌ يَتبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، وَأسْكُنُ فِي بَيتِ الرَّبِّ إِلَى مَــدَى الأَيـَّـامِ”. (مــزمـور 23)
نعمة الحياة هيَ النعمة التي أعطاها لنا اللَّـه إلى هذه الساعة أي الساعة التي نصلي فيها، فوجودنا في هذه الحياة هو نعمة من اللَّـه، وأنه أعطانا أننا نعيش لهذه الساعة هيَ نعمة أخرى، وقد يتسأل الإنسان لماذا خلقنا اللَّـه؟!! نُجيبه: اللَّـه خلقنا لأنه يحبنا، ومحبته لنا جعلته يوجدنا لكي ما نشترك في هذه الحياة.
وأيضاً أعطانا أن تمتد بنا الحياة إلى هذه الساعة، فهناك نفوس انتهت إقامتها على الأرض وانتقلت إلى السماء، لذلك فإننا في كل صباح نصلي قائلين: “نشكرك يا رب لأنك أعطيتنا نهاراً جديداً … وعمراً جديداً …”، فكل يوم يُعطيه اللَّـه لنا، هو نعمة في حد ذاته.
فاللَّـه، لأنه يحبك بصورة خاصة، أوجدك في هذه الحياة، لكي ما يكون لك هدف مُعين … وخطة … وعمل … وقصد … إن اللَّـه عندما خلق الإنسان خلقه بقصد، وصحيح أن الإنسان اشترك مع اللَّـه في نمو الخليقة وتكاثرها، وذلك من خلال سر الزيجة المُقدس، إلا أن اللَّـه هو وحده مُعطي هذه الحياة.
وهذا هو التكوين الجميل للبشـرية، فإن آدم وحواء أو مَنْ مثلهما عندما يرتبطان، يُنتِجُ من هذا الارتباط ابناً أو ابنةً، وهذا المولود يبدأ جنيناً صغيراً جداً، عبارة عن خلايا قليلة في رحم أمه، ثم ينمو بالتدريج على مدار ٩ أشهر، حتى يأتي إلى العالم … ويكون مجيئه سبب فرحة كبيرة، للأب والأم والأسـرة، وللمُجتمع كله … حيث يتم عمل شهادة ميلاد له بتاريخ ميلاده ويُصبِح إنساناً له وجود في المُجتمع. وهُنا تبدأ الكنيسة في مُمارسة دورها بصلاة الحميم … ثم المعمودية المُقدسة … ثم يبدأ في مُمارسة الأسرار الكنسية المختلفة، وتبدأ ظهور خطة اللَّـه في حياة هذا الإنسان.
إن اللَّـه في خلقته للإنسان، كان هدفه الأساسي هو المحبة، لذلك نقول: “اللَّـه مَحَبَّةٌ” (1 يو 4 : 8)، ومن هذه المحبة أوجد اللَّـه الإنسان، حتى أنه
لا يستطيع أن يعيش إلا من خلال هذه المحبة، وأيضاً اللَّـه لا ينسـى الإنسان الذي خلقه كما يقول الكتاب: “هَلْ تَنسَى المَرأةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هَـؤُلاَءِ يَنسِـينَ، وَأنـا لاَ أنسَـاكِ. هُـوَذَا عَلَى كَـفَّـيَّ نقَـشـتُـكِ” (إش 49 : 15 ــ 16).
ومن الطقوس الجميلة في كنيستنا، فكرة بيض النعامة التي تُوضَع على باب الهيكل، إشارة إلى القيامة، وأيضاً إلى عناية اللَّـه، لأن النعامة تدفن بيضها في التراب، وبذلك تعرَّضه لخطر أقدام الحيوانات التي من الممكن أن تهرس البيض، ولكن اللَّـه يحفظ البيض، فاللَّـه الذي استطاع أن يحفظها، يستطيع أيضاً أن يحفظك؛ لأن عينيه عليك، فلن ينساك. اللَّـه يظل يعتني بالإنسان ويرعاه “الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعوِزُنِي شَيْءٌ” (مز 23 : 1)، وبالرغم من كل هذا،
قد يقول البعض، أن وجودي غير مهم في هذه الحياة!! … أو لماذا خلقني اللَّـه؟!! وكأنه يعتدي على نعمة اللَّـه.
أمثلة من الكتاب المُقدس توضح نعمة الحياة:
+ إرميا النبي:
فعندما رفض شعب مملكة يهوذا، كلام إرميا النبي ونبواته ورفضوا التوبة!! كتب إرميا وقال: “مَلعُونٌ اليومُ الذِي وُلِدتُ فيهِ! اليومُ الذي ولَدَتني فيهِ أُمِّي
لا يَكُنْ مُبارَكاً! … لمَاذا خَرجتُ مِنَ الرَّحِم، لأرَى تعَباً وحُزناً فـتـفـنَى بالخِـزيِ أيّـامـي؟” (إر 20 : 14 ــ 18).
+ يونان النبي:
فعندما ذبلت اليقطينة التي كان يستظل تحتها، ورأى شعب نينوى لبس المسوح وبدأ في حياة التوبة الصادقة، قال: “مَوتي خَيرٌ مِنْ حَياتي” (يون 4 : 8).
+ أيوب الصديق:
تعرض لتجارب وآلامات شديدة جداً، فقال: “لَيتَهُ هَلكَ اليومُ الذي
وُلِدتُ فيهِ، واللَّيلُ الذي قالَ: قد حُبلَ برَجُلٍ … لِمَ لم أمُتْ مِنَ الرَّحِمِ؟ عِندَما خرجتُ مِنَ البَطنِ، لِمَ لم أُسلِمِ الرُّوحَ؟” (أي 3 : 3 ــ 11)، لكن أيوب بعدما
دخل التجربة، وتمحَّص … وتصفَّى من حُبِّ الذات، كانت النتيجة أنه عاش
بعد هذه التجربة ١٤٠ سنة!! وأعطاه اللَّـه نعمة الوجود، وأصبح يُمكنه أن يقف يُصلّي ويقول: أشكرك يارب لأنك أتيت بي إلى هذه الساعة.
إن كثيرين من المُمكن أن يتعرضوا إلى مثل هذه المواقف، لكن الحياة نعمة، والاعتداء عليها يُعتَبر خطية، لذلك الإدمان خطية … والانتحار خطية … فكلاهما اعتداء على نعمة الحياة.
+ يعقوب أبو الآباء:
عندما عَلِمَ من أولاده أن يوسف حَيٌّ، يقول الكتاب: “فجَمَدَ قَلبُهُ لأنَّهُ
لم يُصَدِّقهُمْ. ثُمَّ كلَّموهُ بكُلِّ كَلامِ يوسُفَ الذي كلَّمَهُمْ بهِ، وأبصَرَ العَجَلاتِ التي أرسَلهَا يوسُفُ لتحمِلهُ. فعاشَتْ روحُ يعقوبَ أبيهِمْ. فقالَ إسرائيلُ: “كفَى! يوسُـفُ ابني حَيٌّ بَعـدُ. أذهَـبُ وأراهُ قَبـلَ أنْ أمـوتَ” (تك 45 : 26 ــ 28).
وكما ذكر الكتاب، أنه عندما عَلِمَ يعقوب بموت يوسف عن طريق وحش رديء، كان مثل الميت … ولكن عندما عَلِمَ أن ابنه حيٌّ، ردت فيه الحياة مرة ثانية، فقال يعقوب ليوسف: “أمُوتُ الآنَ بَعدَ ما رأيتُ وجهَكَ أنَّكَ حَيٌّ بَعدُ”
(تك 46 : 30)، وفي هذه اللحظة، أعتقد أنه وقف وقال: أشكرك يا رب، لأنك أتيت بي إلى هذه الساعة.
+ سمعان الشيخ:
الذي وُلِدَ قبل مجيء السيد المسيح، واشترك في ترجمة التوراة، وتوقف عند كلمة “عذراء تحبل وتلد” فوضع بدلاً من كلمة “عذراء”، كلمة “فتاة”، فظهر له ملاك الرب، وأمره أن يكتب كلمة “عذراء” وليس “فتاة”، ووعده أنه لن يرى الموت قبل أن تتحقق هذه النبوة “وكانَ قد أوحيَ إليهِ بالرُّوحِ القُدُسِ أنَّهُ لا يَرَى الموتَ قَبلَ أنْ يَرَى مَسيحَ الرَّبِّ” (لو 2 : 26).
وبالفعل عاش سمعان الشيخ، حتى حمل الطفل يسوع على ذراعيه
وبارك الرب قائلاً: “الآنَ تُطلِقُ عَبدَكَ يا سيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بسَلامٍ” (لو 2 : 29)،
وغالباً قال سمعان في هذه اللحظة: “أشكرك يا رب، لأنك أتيت بي إلى هذه الساعة”.
لماذا أتى بك اللَّـه إلى هذه الساعة؟!
إن مجرد أن يأتي اللَّـه بالإنسان إلى هذه الساعة، فهذه فرصة، لأنه في نفس هذه الساعة انتهت الفرصة عند آخرين.
أولاً: فرصة توبة:
فربما لم يقدر الإنسان على التوبة بالأمس، فهيَ فرصة للتوبة … فرصة لتنقية القلب … فرصة لطرد كل خطية … إلخ. فأثناء الصلاة يُقدِّم الإنسان تعهُّد للَّـه على ترك الخطية، حتى يتقابل مع أب اعترافه ويعترف لكيما ينال حِلاً … وهذه الفرصة قد تضيع إن لم ينتهز الإنسان الفرصة. فمثلاً: لو كان القديس موسى الأسود، قد عاند وظل كما هو في الشـر، ولم يذهب إلى القديس إيسيذورُس، لكان سوف يظل في خطيته، ولكنه استغل فرصة التوبة وتحوَّل … وصار من إنسان قلبه أسود إلى قلب أبيض، وقديس نتشفّع به، رغم أن حياته الأولى كانت لا تُسِرّ ولا تُفرِح قلب اللَّـه، ونتخيَّل أن القديس موسى وقف يُصلَّي ويقول: أشكرك يا رب لأنك أتيت بي إلى هذه الساعة … ساعة التوبة.
ثانياً: فرصة مُصالحة:
ربما يكون الإنسان مُتخاصماً … أو غاضباً … أو زعلاناً مع شخصاً آخر، وهُنا اسأل نفسك، هل ستسمح أن تنتهي حياتك، وأنت تحمل كل هذه الأخطاء؟! انتبه أيها الحبيب، فهُناك فرصة للمُصالحة، وعندما تتقدم للمُصالحة، فأنت تصنع عملاً سمائياً، فهناك مشاكل قد تستمر لسنوات طويلة!! وكان من المُمكن أن تنتهي بسـرعة، إنْ تقدَّم أحد الطرفين بطلب المُصالحة!! فوجود الإنسان في الحياة حتى هذه الساعة، هو فرصة لصُنع السلام مع الآخرين، وكأنه يبدأ صفحة جديدة في حياته.
فتخيَّل معي لو أن والد الابن الضال لم يقبله!! وليس هذا فقط بل أيضاً طرده ووبَّخه!! بالطبع كان سيعود هذا الابن إلى خطيته مرة أخرى، وربما إلى أكثر مما كان عليه، وبذلك تضيع فرصة المصالحة.
ثالثاً: فرصة عمل وخدمة:
يقول الكتاب: “قالَ الكَسلانُ: “الأسَدُ في الطريقِ، الشـِّـبلُ في الشَّوارِعِ!”
(أم 26 : 13)، فهناك مَنْ يَضَعُ معوّقات في الطريق والمُبرّرات ولا يستطيع
أن يقول كلمة: “أخطيت” من قلبه. أتيت بنا إلى هذه الساعة هيَ فرصة عمل “أبـي يَعمَـلُ حتـَّى الآنَ وأنـا أعمَـلُ” (يو 5 : 17)، فالسيد المسيح في سنوات خدمته على الأرض، كان في عمل وخدمة دائمة ومُستمرة، فلا تُؤجِّل أي عمل أو خدمة تُطلَب منك، واستغل الساعة التي أعطاها لك اللَّـه، في عمل الخدمة بكل أنواعها وأشكالها …
وأتذكَّر أنه في إحدى المرات، وقبل وجودي في مسئوليتي الحالية جاء إليَّ شخصٌ وأخبرني عن إنسان يُريد التناول، وأعلمني أن هذا الشخص بعيداً تماماً على الكنيسة مُنذ ما يقرب من 30 عاماً!! فذهبت إليه وقبل أن يأخذ التناول، قال لي أُريد أن أعترف أولاً!! وبالفعل قدَّم اعترافاً بتوبة وندم، ثم تقدم
للتناول من جسد الرب ودمه، وبعد حوالي ساعتين تنيَّح!! فالحياة فرصة عمل وخدمة.
رابعاً: فرصة للنمو:
بمعنى أن ينمو الإنسان روحياً … ومعرفياً … ودراسياً … ينمو في الخبرة والمعرفة، فهناك شخص لا يُحب أن يضيع الوقت. وأتذكر إنني في إحدى المرات كنت في الخارج، وكُلِّفَت شخصية معينة أن تكون مرافقة لي، فقلت في نفسـي هذه فرصة، فالقطار سيأخذ 5 ساعات من المُمكن أن أتعرَّف فيها على معالم هذه البلد، من خلال هذه الشخصية المرافقة. ولكنني فوجئت أن هذه المرافقة قد استغلت هذه الساعات في قراءة أحد الكُتب!! فقد استغلت هذا الوقت في زيادة معرفتها عن طريق القراءة.
فهناك شخص قد يستغل الوقت، في الجلوس إلى الأجهزة الحديثة ولكنه
لا يستغلها بطريقة جيدة، ويُضيِّع الوقت الذي هو أثمن عطية بدون فائدة!! فالحياة هيَ فرصة نمو على كل الأصعدة، لكيما تكون شخصية الإنسان مُتكاملة.
خامساً: فرصة صلاة:
الحياة فرصة للصلاة … والتسبيح … لقراءة الإنجيل … وفرصة لعلاقة روحية أكثر … فيكون لك نصيب في السماء، وتعرف طريقك.
من تقليد الكنيسة أنه يوجد ما يُسمَّى بالصلاة السهمية (الدائمة)، استغل الوقت في الصلاة … في قراءة الكتاب المقدس …
وكلما روح الصلاة تتأجج في الإنسان، حياته تكون أكثر استنارة، ويكون بالحقيقة ابناً للسماء، ويُصبح قلبه مليئاً بالنور.
نشكرك يا رب
لأنك أتيت بنا إلى هذه الساعة
(نعمة الحياة التي تُعطيها للإنسان).