مايو 12, 2026
+الأمين مثقل بأشياء كثيرة جداً. نفّذ ما تقدر عليه و ما يسمح به وقتك بقدر إمكانك.
+يجب على كل أمين أن يراجع نفسه فى علاقاته مع الخدام، و لا يكون ثقيلا عليهم، و تكون علاقته طيبة بهم .
+إحساس طبيعى انه إن عدنا أطفال و فتيان نكون أفضل بحثاً عن النقاوة و صفاء و راحة البال و عدم تحمل المسئولية. كنيستنا عجيبة فهى عندما تحب شخص ما تعطيه مسئولية أكبر، فهذا نوع من النزوع للطفولة و لكن يجب ان نكبر فهذا وضع طبيعى .
+حياتنا و كنائسنا كلها فى يد ربنا – بس شوية حرص لا أكثر.
مقالات
حين يغادر قداسة البابا تواضروس الثاني مطار القاهرة متجهًا إلى خارج مصر، فإنه لا يسافر وحده، بل يحمل معه مصر كلها، ويحمل الكنيسة القبطية في قلبه، ويحمل رسالة القديس مارمرقس الرسول، الذي أبحر قبل ألفي عام حاملًا البشارة نفسها إلى آفاق لم تكن معروفة في حينها.
وفي الفترة الممتدة من الخامس والعشرين من أبريل حتى الثاني عشر من مايو ٢٠٢٦، قطع قداسته مسافات شاسعة ليزور أربع دول هي: تركيا، والنمسا، وإيطاليا “فينيسيا”، وكرواتيا.
وليس مبالغة أن نقول إن هذه الزيارة كانت رسالة متكاملة من خمسة فصول:
فصل التعليم، وفصل الافتقاد، وفصل الحوار المسكوني، وفصل مستقبل الكنيسة في المهجر، وفصل زرع الكنائس في أرض جديدة. وفي السطور التالية نحاول قراءة هذه الفصول الخمسة بعين الإيمان وقلب الانتماء.
أولًا: زيارة تعليم
الكنيسة القبطية كنيسة مُعلِّمة منذ أيام مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، التي أنار منارتها أكليمندس وأوريجانوس وأثناسيوس الرسولي. وقد حرص قداسة البابا تواضروس الثاني على أن تكون زيارته الأوروبية امتدادًا أمينًا لهذا الميراث.
ففي فينيسيا، ترأس قداسته مؤتمر إيبارشيات الكنيسة القبطية في أوروبا وأمريكا وأستراليا، الذي احتضنته كاتدرائية القديس مارمرقس الرسول بمقر بطريركية الأقباط الأرثوذكس بأوروبا. ولم يكن هذا المؤتمر مجرد تجمع دوري اعتيادي، بل كان منصة استراتيجية لصياغة مستقبل الخدمة القبطية في ثلاث قارات، بحضور أساقفة من أوروبا وأمريكا وأستراليا، في سابقة لافتة تكشف الثقل المتنامي للحضور القبطي خارج مصر.
وفي كرواتيا، أفاض قداسته في كلماته الموجهة إلى أبنائه الأقباط بعظات تُرسِّخ الهوية وتُعلِّم الإيمان، فقال لهم:
“كونوا نورًا لمن حولكم في العمل، وفي الشارع، وفي البيت”.
فالتعليم هنا ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو تثبيت للإيمان وترسيخ للانتماء في نفوس الأقباط المصريين المغتربين.
وحين وقف البابا على منبر بازيليكا سان ماركو في فينيسيا ليتحدث عن أربعة من قديسي شهر مايو: مارجرجس، ومارمرقس، وأثناسيوس الرسولي، والقديسة دميانة، كان يُعلِّم أيضًا أن الكنيسة القبطية ليست حبيسة الجغرافيا المصرية، بل هي كنيسة كونية تحتضن تراث القديسين أينما حلّت. فالتعليم في مفهوم قداسة البابا تواضروس ليس محاضرة أكاديمية، بل حياة تُعاش أمام الأبناء في كل مكان.
ثانيًا: زيارة افتقاد
قال السيد المسيح:
“أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ لَهُ مِئَةُ خَرُوفٍ وَأَضَلَّ وَاحِدًا مِنْهَا، أَلَا يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَذْهَبُ إِلَى الضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ؟” (لوقا ١٥: ٤).
وهذه الآية ليست مجرد مثل إنجيلي، بل هي فلسفة الراعي القبطي التي تُحرِّك البابا تواضروس في جولاته الخارجية.
فهناك مئات الآلاف من الأقباط المصريين يعيشون خارج مصر، في مدن أوروبية وغربية وأسترالية وأمريكية. يعملون ويدرسون ويربّون أبناءهم وسط صخب الحياة الحديثة. وحين يصل البابا إليهم، يرون في وجهه وجه الكنيسة الأم، ذلك الحضن الدافئ الذي تركوه خلفهم عند وداع القاهرة أو الإسكندرية أو أسيوط.
وفي زغرب، عاصمة كرواتيا، حضر ما يقرب من سبعمائة قبطي القداس الإلهي الذي ترأسه قداسته، وجاءوا من مختلف أنحاء البلاد. قال أحدهم:
“هذا يوم عظيم، انتظرنا الزيارة أشهرًا وتهيأنا لها طويلًا”.
وقال آخر:
“البابا تواضروس يعني لنا الكثير كمصريين”.
فلحظات كهذه لا يمكن أن تعوضها التكنولوجيا مهما تطورت، ولا المنصات الرقمية مهما ازدهرت، لأن الافتقاد الحقيقي يحتاج حضورًا حيًا، وعيونًا تتلاقى، وأيدي تتشابك، وقلبًا يتسع للجميع.
وفي تركيا، حرص قداسته على لقاء أبناء الجالية القبطية في كنيسة القديس بولس بحي بيوغلو في إسطنبول، كما التقى في النمسا بشباب إيبارشيات أوروبا، الذين وجدوا في لقائه إجابات عن أسئلة روحية، ووجدوا أبوة صادقة واهتمامًا حقيقيًا من الكنيسة الأم المشبعة بمحبة أولادها.
ثالثًا: زيارة الحوار المسكوني
ربما كانت هذه الزيارة هي الأغنى من الناحية المسكونية، إذ حملت في طياتها لقاءات تاريخية ستظل حاضرة في ذاكرة العلاقات الكنسية.
ففي تركيا، شهدت الزيارة لقاء الكرسيَّين الرسوليَّين الأقدمين، حيث التقى قداسة البابا تواضروس الثاني بالبطريرك المسكوني برثلماوس الأول في إسطنبول، في لقاء تاريخي هو الأول من نوعه خلال فترة بطريركيتهما. وقد صليا معًا في كاتدرائية القديس جاورجيوس، وتحدثا بلغة الأخوة التي تتجاوز قرون التاريخ والانقسام.
كما زار قداسته البطريركية الأرمنية، حيث استقبله البطريرك ساهاك الثاني، وزار أيضًا كنيسة السيدة العذراء التابعة للكنيسة السريانية الأرثوذكسية، حيث استقبلته الترانيم السريانية التقليدية. وفي كل هذه اللقاءات، أكدت الكنيسة القبطية حضورها الفاعل في قلب الأسرة الأرثوذكسية الشرقية، ورسخت مكانتها بوصفها واحدة من أقدم الكنائس الرسولية في العالم.
أما في فينيسيا، فقد كانت المحطة المسكونية الأكثر رمزية وعمقًا. فعلى مذبح بازيليكا سان ماركو، صلى البطريرك الـ118 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية فوق المذبح الذي يرقد أسفله جسد القديس مارمرقس الرسول، البطريرك الأول للكرسي السكندري. لقد كان مشهدًا مهيبًا جمع قرونًا من التاريخ في لحظة واحدة.
ثم انتقل قداسته إلى مقر الأسقفية، حيث استقبله الكاردينال فرانشيسكو موراليا، بطريرك البندقية، في القاعة التاريخية المزينة برسوم تينتوريتو الشهيرة.
وجاء هذا اللقاء في العاشر من مايو، في الذكرى الثالثة والخمسين لتوقيع الإعلان المشترك بين البابا بولس السادس والبابا شنودة الثالث عام ١٩٧٣، ذلك الإعلان الذي أسس لمرحلة جديدة من العلاقات القبطية الكاثوليكية. وقد حرص قداسة البابا تواضروس على توجيه رسالة خاصة إلى الأقباط في روما قُرئت بهذه المناسبة.
وفي زغرب، اتسع البعد المسكوني ليشمل أبعادًا وطنية وإنسانية أوسع، إذ التقى قداسته بالرئيس الكرواتي زوران ميلانوفيتش، وبوزير الخارجية غوردان غرليتش رادمان، الذي وصف اللقاء بأنه “حوار مفتوح وثري حول أهمية الحوار بين الأديان وصون السلام وحماية الكرامة الإنسانية”.
كما زار رئيس أساقفة زغرب الكاردينال دراجن كوتليش، وأسقف كريجيفاتشكا، والتقى كذلك بمفتي كرواتيا، في رسالة واضحة تؤكد أن الكنيسة القبطية تحمل قلبًا منفتحًا على الجميع.
رابعًا: زيارة مستقبل الكنيسة في المهجر
ثمة فرق كبير بين زيارة تصنع حدثًا عابرًا، وزيارة تبني مستقبلًا ومؤسسات. وزيارة البابا تواضروس الثاني لأوروبا كانت من النوع الثاني.
فالمؤتمر الذي ترأسه في فينيسيا لم يكن مجرد لقاء احتفالي، بل كان ورشة عمل استراتيجية يُعاد فيها رسم خريطة الخدمة القبطية في ثلاث قارات. فالأساقفة الذين اجتمعوا هناك يمثلون أكثر من اثنتين وثلاثين إيبارشية خارج مصر، تضم ما يزيد على ألف كنيسة ورعية، يخدم فيها نحو أربعين أسقفًا. وهذا الرقم لم يعد هامشًا في حياة الكنيسة، بل صار جزءًا أصيلًا من نسيجها الحي.
وقد عبّر قداسته عن فرحه بهذا الحضور الواسع قائلًا:
“هذه أول مرة في التاريخ يجتمع فيها هذا العدد الكبير من الأساقفة الأقباط خارج مصر، بمشاركة آباء من أمريكا وأوروبا وآسيا وأستراليا، في هذه المناسبة التاريخية”.
وهي عبارة تختصر رحلة نمو لافتة للكنيسة القبطية في الخارج.
كما تضمنت زيارة النمسا لقاءات مع شباب إيبارشيات أوروبا، لأن قداسته يدرك أن المستقبل يُبنى بالشباب. فالجيلان الثاني والثالث من الأقباط المهاجرين يحتاجان إلى أن يشعروا بأنهم جزء أصيل من الكنيسة، لا مجرد أقلية مصرية تمارس طقوسها في مجتمع مختلف. ولهذا جاء البابا ليقوي الانتماء قبل أن يقوي المباني.
خامسًا: زيارة زرع الكنائس.. من الإسكندرية إلى زغرب
في عام ٢٠٢١ أُقيم أول قداس قبطي في كرواتيا، بمدينة ياستريبارسكو، وكانت الجالية القبطية آنذاك لا تتجاوز عشرات الأفراد. وبعد خمس سنوات فقط، وفي مايو ٢٠٢٦، يزور البابا تواضروس الثاني هذه الجالية التي بات عددها يقترب من سبعمائة مؤمن، ويصفها بأنها “عدد كبير” يستحق البدء في تأسيس كنيسة قبطية تقدم الرعاية للشباب والأسر.
وهذا هو منطق زرع الكنيسة: بذرة صغيرة تُغرس في أرض جديدة، ثم تُروى بالصبر والرعاية حتى تُثمر في أوانها.
وكرواتيا ليست وحدها في هذا المشهد، فالكنيسة القبطية أصبحت اليوم حاضرة في أكثر من سبعين دولة عبر القارات الست، وكثير من هذه التجمعات بدأ بنفس الصورة البسيطة: عائلات قبطية مهاجرة تجتمع في منزل صغير أو كنيسة مستعارة، حتى تنضج الخدمة وتنمو الجالية.
وقد وصف الموقع الرسمي للكنيسة القبطية هذا المشهد بعبارة بليغة:
“حين يطأ البابا تواضروس الثاني أرض زغرب، فهو لا يُتم زيارة رعوية فحسب، بل يواصل مسيرة رسولية بدأها مارمرقس الرسول منذ ألفي عام حين أبحر من الإسكندرية حاملًا رسالة المسيح إلى العالم”.
ومن الإسكندرية إلى زغرب، تبقى الرسالة واحدة.
فالكنيسة القبطية، كما أوضح البابا في كلماته لأبنائه في كرواتيا، تسبق أبناءها إلى حيث يذهبون. فهي لا تنتظر أن تكبر الجالية ثم ترسل راعيًا، بل تحمل إليها الرعاية منذ اللحظة الأولى، حتى لا يشعر المهاجر بالغربة الروحية أو يفقد انتماءه الكنسي.
أخيرًا
حين قام قداسة البابا تواضروس الثاني بهذه الزيارة الأوروبية الممتدة، كان يمارس رسالة الكنيسة بمعناها الأصيل: التعليم، والافتقاد، والحوار، والبناء، والزرع.
وفي كل محطة من محطات الرحلة، وضع قداسته حجرًا جديدًا في صرح الكنيسة الكونية:
في إسطنبول حجر الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية،
وفي النمسا حجر الشباب والمستقبل،
وفي فينيسيا حجر الوحدة المسيحية وذاكرة مارمرقس،
وفي زغرب حجر الميلاد الكنسي في أرض لم تعرف من قبل صوت الطقس القبطي.
وحين سُئل قداسته عن مصر في إحدى لقاءاته قال:
“العالم في يد الله، ومصر في قلب الله”.
ونحن نقول إن الكنيسة القبطية في قلب هذا البابا الراعي، الذي ما إن يُغمض عينيه في أي مدينة أوروبية حتى يرى أمامه وجوه أبنائه المنتشرين في بقاع العالم، ويسمع صوت الألحان الكيهكية يتردد في ديار الغربة.
فالزيارة الرعوية ليست حدثًا يُسجل في الأرشيف، بل هي جذر يضرب في أعماق البشر.
وقد كتب الآباء الأوائل أن “الكنيسة هي الشعب”، وقداسة البابا تواضروس الثاني يجسد هذه الحقيقة بزياراته المتواصلة لأبنائه في المهجر. فالكنيسة لا تسكن الجدران وحدها، بل تسكن في قلوب الأقباط أينما حلّوا، وراعيها يتابعهم بعين المحبة، ويحمل إليهم ذات الإيمان وذات الروح في كل زمان ومكان.
“وَأَمَّا كَلِمَةُ اللهِ فَكَانَتْ تَنْمُو وَتَزِيدُ”
(أعمال الرسل ١٢: ٢٤)
This page is also available in:
English
Français
Italiano
Nederlands
Deutsch
Ελληνικα
Español



